عرض مشاركة مفردة
قديم 22-03-2017, 05:48 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس الثاني عشر: هل هناك خلاف بين الفقهاء في ولاية الفقيه؟

قد أشرنا فيما سبق إلى أن البحث عن ولاية الفقيه بين فقهائنا ليس بحثاً عن أصل الولاية، فإن مسألة الولاية وضرورة تشكيل حكومة إسلامية مع القدرة عليها هما من المسلمات بين علمائنا، عدا شرذمة ممن ذهب إلى أن تكليف المسلمين في عصر الغيبة هو الجلوس في البيت مهما كان الحال حتى يظهر الإمام الحجة، فلا يجوز لهم السعي لاستلام الحكم وإن تمكنوا من ذلك، وهذه الشرذمة لم يعتن بها علماؤنا الكرام، واعتبروها من شواذ الطائفة، لأن مؤدى كلامهم سقوط كثير من آيات القرآن والأحاديث عن أي قيمة اجتماعية في عصر الغيبة وخصوصاً آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا ما لا يمكن لمسلم ملتفت واعٍ أن يقبل به فكيف بعلمائنا الكرام.

فلا خلاف بين محققي علمائنا الأجلاء حول مبدأ الولاية وضرورة تشكيل حكومة إسلامية، ولو فرضنا وجود خلاف في هذه الضرورة فلن يكون هناك خلاف في جواز ومشروعية تشكيل حكومة إسلامية.

وإن عدم الخلاف المشار إليه ينتج أيضا بالضرورة عدم الخلاف على كون الولي هو الفقيه الجامع للشرائط، ولن تجد أحداً يرجح غير الفقيه على الفقيه، لأن من لم تتم عنده الأدلة اللفظية فلا بد أن يتم عنده الدليل العقلي أعني دليل الحسبة المعول عليه عند جميع العلماء الفقهاء المحققين، وقد

67

طبقوه في موارد متعددة كمورد الأيتام والقصر والحدود والقضاء وكثير من مصالح المسلمين العامة، ولم يكن التطبيق على هذه الموارد من باب الحصر. ومن أهم موارد الحسبة تشكيل الحكومة الإسلامية لما فيه من نشر للعدل والمعروف ورفع للظلم والمنكر، وترسيخ للقيم والمفاهيم والعقائد الإسلامية الصحيحة.

كما أنهم اتفقت كلمتهم على أنه يجوز أن يتولى المؤمن والفقيه في حكومة الظالمين من أجل هذه العناوين، فهل يا ترى سيحرّمون على المؤمن والفقيه الدخول في حكومة المؤمنين أو تشكيلها، أم هل سينظرون إلى حكومة المؤمنين على أنها حكومة ظالمين؟! هذا ما لا يمكن افتراضه إلا عند الشرذمة التي أشرنا إليها سابقاً.


تحديد موارد الخلاف‏

لكن هذا لا يعني أنه لا يوجد خلاف أصلاً بين العلماء في موضوع ولاية الفقيه، بل الخلاف موجود، ولكن دائرته منحصرة في أمرين:

أحدهما: في وجود نص تام يدل على جعل الولاية للفقيه من قبل المعصومين عليه السلام، وهذا هو العنوان الذي اشتهر عرضه في الكتب الفقهية عندما يناقشون مسألة ولاية الصغير واليتيم فيستطردون لمناقشة ولاية الفقيه وولاية عدول المؤمنين، وهذا ليس خلافاً صًفيمن هو الحاكم في الحكومة الإسلامية في عصر الغيبة، بل هم بأجمعهم يسلمون بأنه الفقيه، حتى أننا تتبعنا أقوال بعض العلماء الذين اشتهر عنهم القول بإنكار ولاية الفقيه فوجدنا أن انكارهم ينحصر بانكار النص لا بدليل الحسبة المثبت للولاية.

وستكون لنا وقفة خاصة مع آراء العلماء ومنهم الشيخ الأنصاري والسيد الخوئي الذين عُرف عنهما بأنهما كانا من أشد المنكرين لولاية الفقيه.

ثانيهما: في صلاحيات الفقيه الولي وحدودها، ونحن وإن بينا فيما سبق

68

ان صلاحيات الولي الفقيه تكون مطلقة وإن كان دليلها الحسبة، لكنه رأي لا يلزم الآخرين بشي‏ء، بل ربما كان خلاف المشهور بين العلماء على ما بينا سابقاً.


الإنكار المنسوب إلى بعض علمائنا

وربما تقول كيف تزعم أنهم متفقون حول مبدأ ولاية الفقيه والحال أنه قد اشتهر عنهم وجود خلاف بينهم فيها؟ بل نسب إلى الكثير من علمائنا نفي الولاية، وخاصة أمثال الشيخ الأنصاري والسيد الخوئي رحمهم الله.

ونجيبك: أن ما تتناقله الألسن حول هذه الشهرة غير دقيق، بل ينبئ عن عدم التدقيق في كلمات العلماء، الأمر الذي يجب فعله لنقف على حدود الخلاف القائم بين الأعلام حول هذه النقطة، والذي نستطيع تأكيده هنا أن المتسالم عليه وجود خلاف في الأمرين المتقدمين لا فيما عدا ذلك.


رأي الشيخ الأنصاري‏

كما أن الشيخ الأنصاري قدس سره المعروف بإنكاره لولاية الفقيه قال في كتابه المعروف باسم (المكاسب) ما يخالف ذلك:

"إن كل معروف علم من الشارع إرادة وجوده في الخارج له صورتان:

إحداهما: أن يعلم كونه وظيفة شخص خاص كنظر الأب في مال ولده، أو صنف خاص كالإفتاء بيد الفقهاء، أو )يعلم( كونه وظيفة كل من يقدر على القيام به، وفي هذه الصورة لا إشكال، لأنه يوكل الأمر حينئذ إلى من علمنا بأنه متروك له.

ثانيهما: أن لا يعلم ذلك، وحينئذ فإن احتُمل اشتراط نظر الفقيه، ففي هذه الحال يجب الرجوع في هذا المورد إلى الفقيه لتحديد الموقف، ويكون الفقيه هو الولي إن كان رأيه بحسب الأدلة جواز أن يتولاه، لعدم كون المورد من مختصات الإمام أو نائبه الخاص (والمراد من النائب الخاص من عينه

69

الإمام بالإسم للنيابة، ومن عين بوجه عام فهو النائب العام كالفقيه في نظرية ولاية الفقيه)، وإن علم أن الأمر من مختصات الإمام تركه وعطله، ومجرد كون المورد من موارد المعروف لا يعني أنه لا يختص بالإمام عليه السلام، وهذا وإن كان سيؤدى إلى الحرمان من هذا المعروف عند فقد الإمام عليه السلام وغيبته، لكنه سيكون كسائر البركات التي حُرمناها بفقده عجل الله فرجه الشريف".

وقد ذكر الشيخ الأنصاري في سياق نظره في الأدلة، أن التوقيع الصادر عن الحجة عجل الله فرجه الشريف والذي تقدم ذكره في الأدلة من أدلة ثبوت الولاية بالمعنى الثاني.

وفي نهاية البحث يستخلص ليقول: "وعلى كل تقدير فقد ظهر مما ذكرنا أن ما دلت عليه هذه الأدلة هو ثبوت الولاية للفقيه في الأمور التي يكون مشروعية إيجادها في الخارج مفروغا عنها، بحيث لو فرض عدم الفقيه كان على الناس القيام بها كفاية".

وتستطيع أن تستنتج أن الشيخ الأنصاري لم يرفض الولاية بالمطلق، بل قبل بها في جميع الموارد التي علم بحاجتها إلى الإمام ولم يعلم توقفها على خصوص الإمام، وهي الموارد التي لا يجوز تعطيلها، بحيث لو فرض عدم الفقيه لوجب على الناس القيام بها، فالشيخ الأنصاري يرى على الأقل ثبوت ولاية للفقيه في هذه الموارد.

وفي الواقع فإن الموارد التي ذكرها قدس سره هي الموارد التي ينطبق عليها دليل الحسبة، كما أن الدليل الذي ساقه هو دليل الحسبة.

ونحن نعلم أن الحكومة الإسلامية من الأمور التي تحتاج إلى الإمام، لكننا نعلم أن الأمر ليس متوقفا على حضور الإمام عليه السلام وإن كانت تحتاجه، لأن الضرورة الداعية لتشكيل الحكومة الإسلامية لم تسقط بالغيبة، وبناءً عليه يجوز للفقيه حسب رأي الشيخ الأنصاري وفق القاعدة التي حددها أن يتولى أمر الحكومة، بل يتعين عليه إذ لم يقم دليل على جواز تولي غيره لها ونحتمل اشتراطها بالفقيه.

70

فهذا الشيخ الأنصاري الذي ينسب إليه القول بعدم الولاية قد قبل بها بهذا المقدار.


رأي السيد الخوئي قدس سره

أما رأي السيد الخوئي فقد قال في كتاب الجهاد الملحق بمنهاج الصالحين بعدما أفتى بأن الجهاد الابتدائي لم يسقط في عصر الغيبة ما خلاصته: "إن ولاية هذا الجهاد والحاكم الذي ينفذ أمره فيه هو الفقيه"، (فراجع كلامه).

وقد تبين من مجموع ما تقدم أنه لا خلاف بين الأعلام لا في مبدأ مشروعية تشكيل حكومة إسلامية في عصر الغيبة، ولا في مبدأ ولاية الفقيه، وإنما النقاش في التفاصيل التي لا تؤثر على حق الطاعة للفقيه في إدارة شؤون البلاد وحكم العباد، خاصة إذا لاحظنا أن موارد الحسبة تسمح بولاية واسعة حتى مع الإقتصار على القدر المتيقن على ما أشرنا إليه سابقاً.



يتبع

الرد مع إقتباس