منتديات يا حسين .. الصفحة الرئيسية
منتديات يا حسين .. الصفحة الرئيسية
موقع يا حسين  
موقع يا حسين
الصفحة الرئيسية لموقع يا حسين   قسم الفيديو في موقع يا حسين   قسم القرآن الكريم (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم اللطميات (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم مجالس العزاء (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم الأدعية والزيارات (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم المدائح الإسلامية (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم البرامج الشيعية القابلة للتحميل في موقع يا حسين
العودة   منتديات يا حسين > المنتديات الإجتماعية > عالم الأسرة
اسم المستخدم
كلمة المرور
التّسجيل الأسئلة الشائعة قائمة الأعضاء التقويم البحث مواضيع اليوم جعل جميع المنتديات مقروءة

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 09-07-2016, 09:16 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,619

آخر تواجد: بالأمس 09:51 PM

الجنس:

الإقامة:

أسرتي

أسرتي



بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة

في قلب اُمِّي ولدتُ.. ولد الحبّ من حولي.. ولدتُ في اُسرتي في عِشِّ حياتي.. أتذكّر أيّام طفولتي.. كنتُ طفلاً صغيراً، ألعب في ساحة البيت مع اُخوتي الصِّغار.. لا أدري ما الحياة.. وما المسؤوليّة.. سوى أنِّي أجد كلّ شيء مهيّئاً لي.. لم تكن الحياة عندي سوى اللّعب والمرح..
بل كم تغمرني الفرحة حين يُقدِّم لي أبي قطعة الحلوى التي يجلبها معه حين يعود من العمل.. أو حين تشتري لي اُمِّي أو جدّتي بدلة جديدة، أو لعبة ألهو بها..
بل كم أتذكّر كلمات الحبّ والحنان، والمداعب المرحة التي كان جدِّي يعاملني بها..
كلّ ما أحتاجه في حياتي يوفِّره غيري.. يوفِّره اُمِّي وأبي من غير منّة أو أذىً.. بل كان سرورهما في أن يتعبا ليوفِّرا لي الرّاحة ومسرّات الحياة..
إنّني أتذكّر عبارات الحبّ والعناية التي كان أبي، ومعه اُمِّي يفيضانها عليَّ، وعلى إخوتي الصِّغار..
اُسرتي فيها ولدتُ، وفي ظلِّها نشأتُ وترعرعتُ، ثمّ كبرتُ وكبر أخواني وأخواتي..
تلك اُسرتي: اُمِّي وأبي وجدِّي وجدّتي واُخـوتي، مَن يكـبرني منهم، ومَن أنا أكبر منه..
تلك حكمة الله أن خلق الإنسان كائناً اجتماعيّاً متعاوناً مع الآخرين، وأن نبني الحياة على الود والرّحمة.. على الحبّ والاحترام والتعاون.. أن يعيش الأبوان والأبناء في إطار هذه الواحة السّعيدة.. واحة الاُسرة.. واحة الحبّ والحنان..
كم جلستُ منفرداً أتأمّل في مسار حياتي..
لقد مضت تلك مرحلة الطفولة.. وأنا الآن أبدأ مرحلة جديدة.. مرحلة المسؤوليّة تجاه ربِّي الّذي ابتدأني بالفضل والنِّعم، وتجاه نفسي واُسرتي ومجتمعي، بل وتجاه النوع الإنساني بأسره..
أنا الآن فرد مسؤول في اُسرتي.. لقد اكتملت شخصيّتي.. واكتمل تفكيري، ولكنِّي ما زلتُ بحاجة إلى نصيحة والـدي.. بحاجة إلى تجربتهما، بحاجة إلى تجارب الآخرين.. فالحياة بحر متلاطم الأمواج، ولا بدّ من أن أركب في قارب مأمون المسير..
ووجودي عضواً في اُسرتي يجعل لي حقوقاً في هذه الوحدة الإنسانية والاجتماعية، ويفرض عليَّ واجبات.. فإنّ طبيعة الحياة في عالَم الاُسرة تكوِّن علاقات بين أفرادها، بين الاُم والأب، بين الأبناء والآباء، بين الأبناء أنفسهم، كأخوة يعيشون في محيط واحد تجمعهم الأخوّة والعقيدة والبيت والطّعام والحديث، ومصير العائلة المشترك.

- محيط الأُسرة:
محيط الاُسرة هو طبيعة الحياة والعلاقات التي تسـود فيها من الحبّ والاحترام والتعاون والتفاهم والإيثار والنّفقة والصّرف المالي، والنظام، والعناية بالشخصية، والحرص على الوقت والجدّ، أو المشاكسة، وعدم الانسجام والخلافات والأنانيّة.. والكسل والفوضى وتضييع الوقت، والثرثرة وكثرة الجدل والخصومة لأتفه الأسباب..
كلّ هذه الأوضاع يمكن أن تكون في الاُسرة.. الحسن منها والسيِّئ.. ولكلّ سـلوك أثره في تكوين الاُسرة وطبيعة أفرادها، فكما يحمل الأبناء في كثير من الأحيان الصِّفات الوراثية الجسدية من الآباء، فإنّهم ربّما يحملون الصِّفات النفسـية أيضاً، كما يتلقّون من الاُسرة سلوكها وطبيعة الحياة فيها، فتنطبع بها شخصيّاتهم، وانّهم يتلقّون من اُسرتهم العادات السيِّئة والحسنة.
والطّريق إلى تنقية أجواء الاُسرة من المشاكل والمنغِّصات، وحالات التوتّر، وعدم الاستقرار.. إنّ الطّريق إلى تصحيح كلّ ذلك، هو أن نُساهم مساهمة فعّالة في صنع السّلوك الحسن.. ونحول دون حصول الحالات السّيِّئة. فانّ حصول الجوّ السّيِّئ في الاُسرة يسيء إلى أفرادها جميعاً.. ويحوِّل جوّ السّعادة إلى شقاء..
فالاُسرة هي الواحة التي نستريح فيها من متاعب العمل، والمشاكل التي تواجهنا في الحياة..
إنّ وجود جوّ الودّ والمحبّة والاحترام الّذي يعيشه أحدنا في اُسرته يُنسيه متاعب الحياة، ويُخفِّف عنه أزمة القلق والضّجر..
في حين تبعث الأجواء المعقّدة على الكآبة والضّجر والقلق، وتُذهِب براحة الفرد وسعادته النفسيّة، وتحول دون تقدّمه في عمله ودراسته، وتؤثِّر على صحّته وسلامة تفكيره.

- كيف أتعامل مع والدي؟
كل ما في هذا الوجود.. الذرّة والكواكب والنبات وظواهر الطّبيعة تسير وفق قانون ونظام.. ومثلها الحياة البشريّة، فهي لا يمكن أن تسير بشكل طبيعي وسليم، ما لم يكن هناك قانون ونظام.. فكلّ شيء في مجتمعنا بحاجة إلى نظام.. المؤسّسات والشّركات ودوائر الدولة والمنظّمات... إلخ...
والاُسرة مؤسّسة مهمّة من مؤسّسات المجتمع، فهي تحتاج إلى قانون ينظِّم الحياة فيها، والعلاقات بين أفرادها.. وهذا ما فعلته الشريعة الإسلامية، فحدّدت الحقوق والواجبات.. وكما نعرف فانّ من نظام الدّوائر أن تكون لها إدارة، ومدير يديرها، ويُطبِّق القانون فيها..
وطبيعة الحياة في الاُسرة، تجعل من الأب مديراً للاُسرة، ومسؤولاً عنها. وشاء الله سبحانه ذلك، فجعل للأب الولاية على أبنائه الصِّغار غير البالغين، وكلّفه بالنفقة عليهم وبتربيتهم.. كما كلّفه بالنّفقة على زوجته وتحمّل مسؤوليّات الاُسرة..
لذا فمسؤوليّة الأب تكبر مسـؤوليّات الآخرين في الاُسرة.. ولذا أيضاً أمر الله سبحانه الأبناء باحترام الوالدين، وبطاعتهما ما زالا يوجِّهان الأبناء لحفظ مصالحهم..
فالأب يشعر باهتمام كبير، وحرص شديد على أبنائه، ويسعى بكل جهده لتحقيق مصالحهم، فهو يريد أن يراهم متفوِّقين في وضعهم الدراسي.. ويريد أن يسمع عنهم السّمعة الطّيِّبة بين الناس.. ويريد أن يراهم مُجدِّين في العمل.. ويريد أن يراهم بعيدين عن المشاكل التي تجلب له الأذى والسّمعة السّيِّئة، وتحمّله التبعات والخسائر، ونقد الناس وعداوتهم.
فالأب يشعر بكلِّ إحساسه ووجدانه أنّ أبناءه يمثِّلون وجوده وشخصيّته، وهم مشروع حياته.. وقد بذل من الجهد والمال والتّعب والعناء ما لا يستطيع الأبناء تعويضه.. وما لا يستطيع هو استرجاعه.. لذلك يشعر بالألم والإحباط عندما يرى أبناءه قد فشلوا في حياتهم، أو تحوّلوا إلى أشخاص سيِّئين في المجتمع، يجلبون له ولاُمِّهم ولاُسرتهم الأذى والسّمعة السّيِّئة..
بينما يشعر بالسّرور والإرتياح والإحساس بالنّجـاح في حـياته، عندما يرى أبناءه، ذكوراً وإناثاً، قد حقّقوا تفوّقاً في حياتهم، وهم في وضع اجتماعي محترم.. يوفِّرون له السّمعة الطّيِّبة، والرّاحة والوقت، بسبب سلوكهم الجيِّد.. في دراستهم.. في علاقاتهم مع أصدقائهم.. في علاقاتهم الودِّيّة فيما بينهم، كأخوة متحابِّين متعاونين..
لذا نجده يتأذّى، ويشعر بالألم، ويُحاسِب أبناءه عندما يراهم قد ارتكبوا سلوكاً سيِّئاً، أو يحدثون مشاكل وحالات إزعاج في داخل البيت، أو فاشلين في دراستهم، أو يُصاحبون أصدقاء السّوء.. ويتعوّدون العادات السّيِّئة؛ كالتبذير والتدخين واللّهو، أو يطلقون الكلمات البذيئة والجارحة للآخرين..
إنّ السلوك السّيِّئ يكشف عن سقوط الشخصيّة، ويُصوِّر للآخرين أنّ هذا الإنسان السّيِّئ قد نشأ في اُسرة سيِّئة، فتنعكس آثارها المخجلة على الأبوين.
تلك هي مشاعر الأب وأحاسيسه تجاه أبنائه، قد لا يفهمها الأبناء.. فتحدث المشاكل، وتسوء العلاقة أحياناً بين الأبناء وآبائهم؛ لذا فانّ فهم الأبناء لمشاعر الآباء والاُمّهات تجاههم، يحلّ كثيراً من المشاكل، ويكوِّن روح التفاهم ويعمِّق المحبّة.. ويجعل الأبناء يتفهّمون غضب الآباء والاُمّهات من هذه الأعمال السّيِّئة، ويحرصون على احترام مشاعر والديهم.
إنّ بناء الاُسرة السّعيدة، هو بناء أخلاقي ومادِّي معاً، وأنّ السّعادة تتحقّق في القضايا الأخلاقية قبل المادِّية..
إنّ هناك اُسساً للعلاقة السّليمة بين الأبناء والآباء والاُمّهات التي تضمن السّعادة ومرضاة الله للجميع..
إنّ حاجة أفراد الاُسرة.. الأبناء والاُخوة والآباء إلى الحبّ والاحترام المتبادَل، كحاجة النّبات إلى ضوء الشّمس.. وبالحبّ والاحترام جاءت الرسالة الإسلامية وبنت الحياة على أساسها..
فشخصيّة الإنسان تترعرع وتنمو وتتكامل في ظلِّ الحبّ والاحترام.. وتحت كابوس الكراهية والإهانة تُقتَل الشخصية، وتذهب قيمة الفرد، وتموت مشاعره النّبيلة.
لذا نجد الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) يوضِّح أنّ حقيقة الإسلام هي الحبّ، جاء ذلك في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «... وهل الدِّين إلاّ الحبّ».
وانطلاقاً من هذا الأساس، حثّ الآباء على حبِّ الأبناء، والعناية بهم.. وحثّ الأبناء على حبِّ الآباء، والبرِّ بهم، والإحسان إليهم..
والقرآن يؤكِّد على كرامة الإنسان، وحقِّه في احترام شخصيّته بقوله:
(وَلَقَد كَرَّمْنا بَني آدَمَ وحَمَلْناهُم في البَرِّ والبَحْرِ وَفَضَّلناهُم عَلَى كثير مِمَّن خَلَقْنا تَفْضِيلاً) (الإسراء/ 70).
ويدعو الأبناء إلى حبِّ الآباء واحترامهم بقوله:
(ولا تَقُل لَهُما اُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُما) (الإسراء/ 23).
(وقُلْ رَبِّ ارحَمْهُما كَما رَبَّياني صَغِيراً) (الإسراء/ 24).
(وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفاً) (لقمان/ 15).
وجاء في حديث آخر الحث على حبِّ الأبناء لآبائهم، واعتبار هذا الحبّ عبادة. قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «نظر الولد إلى والديه حبّاً لهما عبادة».
وجاء في بيان الرّسول الكريم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: «إنّ الله ليرحم العبد لشدّة حُبِّه لولده»[1].
إنّ الأبناء يستطيعون أن يتعاملوا بشكل سليم مع آبائهم إذا فهموا فضل الأبوين في التنشئة والتربية، ومنح الحبّ والإخلاص..
إنّ القرآن الكريم يشرح هذه الحقيقة للإنسان عندما يؤسِّس العلاقة على أساس الاعتراف بالفضل.. يوضِّح ذلك بقوله تعالى:
(... أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالدَيكَ إلَيَّ المَصِير) (لقمان/ 14).
وشكر الُمحسِن، والاعتراف بفضله، وردّ الجميل إليه.. صفة أخلاقيّة رفيعة.. يثبِّتها القرآن بقوله:
(هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلاّ الإحْسانُ) (الرّحمن/ 60).
وعندما تتحرّك مشاعر الإبن ووجدانه على أساس من هذه القاعدة الأخلاقية ـ مقابلة الإحسان بالإحسان ـ يشعر الأبناء بأ نّهم مدينون للآباء، حتّى فيما يتضايقون منه من نصائح وإرشادات ومحاسبة، أو انفعال وغضب لأجل الأبناء.. فإنّ مبعث ذلك في نفس الأبوين هو الحبّ والحرص.. وليس المقصود منه عدم احترام شخصيّة الإبن، أو مصادرة حرِّيّته أو المنِّ عليه.. فإنّ الأب يؤدِّي واجبه مسروراً تجاه أبنائه..
وإذاً فعلى الأبناء أن يؤدّوا الواجب مسرورين تجاه آبائهم.. وكما تقوم العلاقة بين الأبناء والآباء على اُسس الحبّ والإحترام، تقوم أيضاً على اُسس مادِّية.. فالأبناء يعتمدون على آبائهم في حياتهم المادِّيّة حتّى إكمال دراساتهم، أو دخولهم ميدان العلم، بعد القدرة على ممارسة الأعمال.. وخلال الفترة هذه يشعر الأبناء بالإرتباط النفسي والمادِّي بالآباء..
وكثيراً ما يحدث توتّر في العلاقات بسبب المشاكل المادِّيّة.. بسبب الشُّح والمنّ الّذي يصدر عن بعض الآباء، أو بسبب التبذير، وعدم تقدير ظروف الآباء المادِّيّة من قِبَل الأبناء، أو بسبب الاتِّكاليّة واستمرار الاعتماد على الآباء مادِّيّاً، حتّى مع القدرة على العمل..
ومسؤوليّة حلّ مثل هذه المشاكل تقع على الطرفين.. فالإبن مسؤول عن تقدير ظروف والديه المادِّيّة، والأبوان مسؤولان عن التعامل المادِّي والأدبي مع الأبناء بالإحسان والمعروف، والتوجيه البنّاء، والإبتعاد عن عبارات الإساءة، وجرح المشاعر.
إنّ الإحساس باستقلال شخصيّة الإبن عن أبويه حقّ طبيعي للأبناء.. فالإنسان تكتمل شخصيّته، وتنضج في سنّ البلوغ، فيصبح مكلّفاً شرعاً.. وبالتكليف تستقلّ شخصيّته عن والديه، ولكن تبقى بحاجة إلى الإرشاد والتجربة والنصح والتوجيه، حتّى تكتمل معلوماته وخبراته الذاتية. كما يبقى في كثير من الأحيان بحاجة إلى الرعاية المادِّيّة والاجتماعية التي يقدِّمها له أبواه حتّى يستقلّ بتوفير حاجته المادِّيّة..
إنّ حُسن التصرّف المادِّيّ من الأبناء يدلّ على نضج الشخصية، وسلامة الشعور، واحترام جهود الأبوين..
والأب ليس مسؤولاً من الناحية الشرعية عن النفقة المادِّيّة على الأبناء بعد سنّ البلوغ، ولكن يبقى الارتباط العاطفي والوجداني، وإحسان الأبوين وحبّهما للأبناء، وحرصهما على سعادتهما..
والعلاقة مع الأبوين علاقة وجدانية وأخلاقية وعبادية، ومسؤولية أمام الله والوجدان والمجتمع.
ولكلّ من الأبناء حقوق على آبائهم، كما على الآباء حقوق على أبنائهم. ويزداد حقّ الأبوين أهميّة عندما يكبرا، أو يعجزا عن العمل، والقيام بشؤونهما الشخصية.. وفي هذه الحالة تزداد أهميّة البرّ والإحسان بالأبوين..
إنّ الصّوت الهادئ، وكلمة الاحترام، والإبتسامة الوديعة، عند الحديث مع الأبوين.. إنّ كلّ تلك المواقف تجعل منك شخصية تستحق الاحترام، ومرضاة الله سبحانه.. وليس من خُلق الإنسان الّذي يحترم نفسه، ويتّصف بالخُلق الرّفيع أن يرفع صوته بوجه والديه، أو يطلق عبارات الانفعال والغضب عليهما، أو يسيء أدب الحوار والتفاهم معهما.. (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا)، (وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا)..
ولنطمئن أنّ الأبناء مهما وهبوا آباءهم من مشاعر الحبّ والاحترام فانّ قلب الأبوين أوسع حبّاً، وأكثر حناناً.

- التفاهم وحلّ المشاكل الأُسريّة:
الاُسرة كما هي مستودَع الحبّ والتعاون، فهي مؤسّسة للتربية والتعليم.. والتفاهم بين الأبناء والآباء مسألة ضروريّة للعلاقة بينهم، وحلّ المشاكل التي تحدث، أو لدراسة الآراء والمُقترحات التي يقترحها الأبناء..
فالإبن لديه أفكار واقتراحات تخصّ دراسته أو عمله أو سفره، أو علاقاته بأصدقائه وأقاربه... إلخ. وتولد في نفسه مشاعر وتصوّرات، ومن حقِّه على الأبوين والاُخوة الآخرين أن يفتحوا قلوبهم وعقولهم لسماع ما يدور في نفسه والإصغاء إليه..
ومن حقّ الإبن أن يعرض ذلك على والديه، أو بعض إخوته في الاُسرة، ليستمع إلى آرائهم، وتقييمهم لأفكاره واقتراحاته، ووجهة نظره، ومشاركتهم له في حلِّ المشاكل، أو تحديد الموقف السّليم في تلك القضيّة التي تخصّه شخصيّاً، أو تتعلّق بالاُسرة، أو بأخوانه، أو بعلاقته بالآخرين، أو ربّما يعرض الموضوع على أحد الوالدين أو الاُخوة، كمشكلة لحلّها وعلاجها..
وتلك ظاهرة صحِّيّة في الاُسرة أن يتحاور أفرادها، ويُفكِّروا في القضايا والمشاكل التي تهمّ أحد أفرادها، لا سيّما الأبناء.. وهذا الاُسلوب يعزِّز احترام شخصيّة الأبناء، والاهتمام بآرائهم ومشاكلهم ومشاركتهم بصنع القرار المتعلِّق بمستقبلهم أو بسلوكهم، أو بالمشاكل التي تواجههم..
كما يؤكِّد الآباء احترام أبنائهم لهم، وفسح المجال أمامهم للتوجيه والإرشاد والمشاركة في الرّأي، أو الإعانة بالمال والجهد على تنفيذ المقترحات السّليمة، أو حلّ المشاكل التي يواجهها أحد الأبناء.
وللحوار والمناقشة آداب خاصّة، والإلتزام بها يُعبِّر عن سلامة الشخصية وقوّتها.. وعند مراعاة تلك الآداب يستطيع الجميع أن يتفاهموا، ويصلوا إلى نتائج صحيحة ومرضية.
وعندما يبرز الجدل والإصرار على الرّأي وإن كان خاطئاً، أو يظهر الغضب والإنفعال في الحوار، فعندئذ لا يمكن التفاهم، أو التوصّل إلى حلٍّ ناجح، أو الاقتناع بالرأي المعروض للمناقشة..
فالتفاهم يحتاج إلى توضيح القضيّة بشكل جيِّد، والإصغاء إلى آراء الآخـرين، والإسـتماع إليهم.. والقبـول بالرأي الآخر إذا كان صحيحاً.. أو التنازل عن الرأي لتحقيق المصلحة الأفضل.. وعندما يتوفّر الجوّ السّليم للتفاهم تُحلّ المشاكل، أو يُتّضح ما هو صحيح وأفضل، وما هو ضارّ وسيِّئ يجب تركه والابتعاد عنه.

- العلاقة بالأُخوة:
إنّ رابطة الاُخوّة بين الأبناء تقوم على أساس العلاقة النسبيّة والعقيديّة، وعلاقة العيش في ظلال الأبوين في بيت واحد.. وبذا فهي رابطة قويّة متينة، وتعميقها وترسيخها دليل على تفهّم الاُخوان لمعنى الاُخوّة، ودليل على رقيّ وضعهم الأخلاقي.
والأخوة في الاُسرة يعيشون متفاوتين في السنّ والجنس (ذكوراً وإناثاً)، وفي المستوى الثقافي والفكري.. وفي الحالات النفسية والصحِّية والميول والمؤهِّلات الذاتية..
والعيش في الاُسرة يتطلبّ منهم جميعاً أن يكونوا منسجمين.. إنّ الانسجام يتحقّق في الحبِّ والإيثار، والتحيّة، والهديّة، والإحترام المُتبادَل، والتعاون، وتناول الطّعام في مأدبة مشتركة، والتفاهم من خلال الأحاديث الودِّيّة.. والعفو والتسامح في حال حدوث المشاكل بينهم، والعمل على حلِّها عن طريق التفاهم..
إنّ مقدّمة الأعمال التي تحقِّق الحبّ والإنسجام في العلاقة اليومية هي التحيّة.. فالتحيّة هي مفتاح القلوب؛ ذلك لأ نّها تُعبِّر عن الحبّ والاحترام والعلاقة الودِّيّة.. وهي تزيل ما في النفوس من غموض، أو أذى وعدم الرضى..
إنّ إشاعة التحيّة بين أفراد الاُسرة تشيع المودّة والاحترام، ولأهمِّية التحيّة في العلاقات البشريّة، نجد الرسول الهادي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) يحثّنا على إفشاء السّلام، وأداء التحيّة؛ لأ نّها الطّريق إلى القلوب.. والكلمة التي تزرع الحبّ في النفس.
قال الرّسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم): «لاتدخلوا الجنّة حتّى تحابّوا، ولاتحابّوا حتّى تؤمنوا، أوَلا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السّلام بينكم».
ويعلِّمنا الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أدب التحيّة بقوله: «خيركم مَن يبدأ صاحبه بالسّلام».
ومأدبة الطّعام الواحدة التي يجتمع من حولها الوالدان والاُخوة.. إنّما هي مائدة ومشاركة فعليّة في الحياة.. إنّهم يتناولون الطّعام، ويتبادلون الأحاديث الودِّيّة من حول المائدة.. بل ويشاركون في إعدادها برحابة صدر وسرور..
إنّها ليست مُشاركة في تناول الطّعام فحسب، بل ومُشاركة في العواطف والمشاعر..
إنّ التعاون بين الاُخوة في الاُسرة، عنصر أساس من العناصر التي توفِّر السّعادة، وجوّ الانسجام في الاُسرة، وتجلب بركة الرّحمن للجميع..
إنّ بعض الاُخوة قد يكون متفوِّقاً في دراسته، أو متقدِّماً على اُخته أو أخيه في هذا المجال.. فمن حقّ الأخ على أخيه أن يساعده على تعلّم بعض الدروس، أو يعلِّمه خبرة أو فنّاً.. كالخطّ أو الرّسم أو الخياطة، أو استخدام الكومبيوتر... إلخ، أو يرشده إلى تجاوز المشاكل والتغلّب على الصّعوبات..
إنّ ذلك يُساعد الأخ على شقِّ طريقه في الحياة.. ويجعله مُستعدّاً لأن يقدِّم لك العون والمساعدة في حالة أخرى.
وقد يكون أحد الاُخوة قد توفّرت له فرص العمل، والحصول على دخل مناسب، ولم يزل أخوه، أو اُخته بحاجة إلى مساعدته الماليّة.. فمن حقّ الاُخوّة، ومن الإحسان الّذي يحبّه الله سبحانه، أن يساعد إخوانه وأخواته، فيخفِّف عنهم، وعن أبويه تكاليف الحياة، ويُشعِر اُخوانه بالإحسان والمحبّة، ويجعلهم يفكِّرون بردّ الجميل والإحسان إليه..
إنّ الحياة في داخل الاُسرة، هي حياة محبّة وتعاون وإيثار، ويتحقّق ذلك بالكلمة والمشاعر الطّيِّبة، وبالمال، وبالتعاون في المجالات الاُخرى..
ومن وسائل تجنّب المشاكل، هي الابتعاد عن إثارة الآخر، أو إزعاجه، لا سيّما إذا كان في وضع نفسي أو عصبي متوتِّر بسبب مشكلة يعانيها.
إنّ بعض أبناء الاُسرة قد يكون عصبيّاً، أو حسّاساً، ووضعه في الاُسرة يثير مشاكل مع بعض إخوانه أو أخواته، أو قد يتكوّن عنده شعور غير صحِّي تجاههم، وقد يطلق كلمات جارحة، أو يقوم بعمل مُثير للغضب.. وقد يردُّ الأخ على أخيه بالمثل، فعندئذ تتوتّر العلاقة في الاُسرة، وتتعقّد الأجواء، وتتطوّر المشكلة..
وعندما تحدث مثل هذه الحالات ينبغي تقدير ظروف الأخ، أو الاُخت النفسية، أو العصبية، وأن يُقابَل الغضب والإنفعال بهدوء، ودونما مواجهة، ثمّ نعود بعد فترة ساعات، أو في اليوم التالي، فنبحث معه المشكلة المباشرة، أو من خلال أحد الأبوين أو الاُخوة، أو الأصدقاء.. ونعمل على حلِّها..
إنّ العفو والتسامح والسيطرة على النفس عند الغضب، موقف أخلاقي يكشف عن قوّة الشخصية، وسلامة النفس من الحقد والروح العدوانية.. لقد امتدح القرآن الكاظِمين الغيظ والعافين عن الناس، واعتبر ذلك إحساناً منهم وعطفاً على الآخرين.. قال تعالى :
(الَّذِينَ يُنْفِقونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ والكاظِمينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المحسِنِين) (آل عمران/ 134).
والهدايا بين أفراد الاُسرة تجلب المحبّة وتوطِّد العلاقة، فالهديّة تُعبِّر عن شعورك تجاه الآخر، كما تُعبِّر عن الاهتمام والتكريم، والرّغبة في الودّ. لذا نجد الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «تهادوا تحابّوا».
فهديّتك كتاباً مناسباً، أو محفظة صور، أو ساعة... إلخ، لاُختك، أو أخيك تترك أثرها النفسي فيه..
والإنسان خُلِقَ ناطقاً، وبالنطق يُعبِّر عن أحاسيسه ومشاعره.. وللحديث العائلي أثره النفسي الكبير.. فأفراد العائلة عندما يجتمعون، ويتبادلون الأحاديث الودِّيّة، أو المفاهيم الثقافية، أو أخبار المجتمع والسياسة، أو يتداولون في شؤون الاُسرة، أو أخبار العلم والاكتشافات، أو الشؤون الشخصية والعائلية التي تتعلّق بأقربائهم وذويهم...
إنّ هذه الأحاديث تزيد في ثقافة الفرد.. وتعوِّده على حياة الانفتاح، والاهتمام بشؤون المجتمع والثقافة، وتُبعِده عن الكآبة والانطواء، وتكوِّن جوّاً من التفاهم، وإزالة حواجز الانغلاق والتوتّر النفسي، وتوفِّر حالة من الانسجام والمودّة.. كما تُساهم تلك الأحاديث في توحيد ثقافة العائلة، والتقارب الفكري بين أفرادها..
حاوِل أن تبدأ الحديث، وتتحدّث أنتَ مع أفراد العائلة الجالسين بشكل جماعي، أو إطرح سؤالاً عن مسألة من المسـائل على أحد الجالسين: اُمّك أو أبيك.. لتوفِّر فرصة للحديث والحوار العائلي..
وللحديث اُصوله وآدابه، فلا يصحّ أن تُقاطِع المتحدِّث حتّى يتمّ حديثه، ولاتحتكر الحديث وحدك، وتأكّد من نقل الأخبار والمعلومات التي سمعتها، قبل أن تتحدّث بها. فإنّ ذلك يُعبِّر عن احترامك لكلمتك وشخصيّتك.

- النظام في الأُسرة:
والاُسرة مؤسّسة من أهم المؤسّسات الاجتماعية.. والحياة فيها تحتاج إلى نظام.. لتنظيم أعمالها وعلاقات أفرادها.. فهي مؤسّسة ذات أنشطة متعدِّدة.. تربوية واقتصادية وثقافية واجتماعية وإدارية... إلخ.
وللنظام في الاُسرة أثره الكبير في تنظيم العيش فيها.. من مجالات النظام الاُسري، فهو إرادة الحياة فيها، ويؤثِّر في سلوك أفرادها من الناحيتين الحسنة والسّيِّئة، والإشراف عليها وتوجيهها وترشيدها.. وتلك مهمّة الأبوين..
فكلّما كانت هناك إدارة جيِّدة، وإشراف سليم لتنظيم الحياة في الاُسرة، كالصّرف المالي، وتربية الأبناء وإرشادهم، والإستفادة من الوقت، ومواعيد النوم والاستيقاظ والطّعام، وحلّ المشاكل... إلخ، كلّما كانت هناك إدارة جيِّدة أمكن إيجاد نظام جيِّد في الاُسرة، ينعكس أثره على حياة الأفراد، ويُسيِّر الحياة داخل الاُسرة بشكل جيِّد.
فوجود ميزانيّة ماليّة للاُسرة تُنظّم فيها الواردات والمصروفات حسب دخلها، بعيداً عن التبذير والتضييق والتقتير.. إنّ وجود الميزانية مسألة أساسيّة، يتعاون أفراد الاُسرة على تنفيذها والرِّضاء بها، فَتُجزَّأ الميزانية، مثلاً، حسب احتياجات العائلة، للطّعام والملابس والتعليم، وادّخار جزء من الوارد للإحتياط والطوارئ... إلخ.
فالتضييق في الصّرف على أفراد العائلة، وحرمانهم مع وجود المال الكافي، خطأ يُرتَكب بحقِّهم.. كما إنّ البذخ والإسراف، وتبذير المال في قضايا ليست أساسية، أو لا حاجة إليها، عمل يضرُّ بوضع الاُسرة، وربّما يصل حدّ التصرّف المحرّم، إذا كان إسرافاً أو تبذيراً..
ويحلّ بنا النّدم على تضييع المال، عندما نشعر بالحاجة إليه، فنضطر إلى الاقتراض، أو طلب المساعدة من الآخرين، ممّا يجعلنا نشعر بالخجل وفضل الآخرين علينا.. وكثيراً ما يتعذّر علينا الحصول على المال المطلوب، فنظلّ في حيرة وندم، ونقع في المشكلة، أو نُضيِّع الفرصة..
والقرآن الكريم يضع لنا سياسة ماليّة متوازنة بقوله الكريم:
(ولاتَجْعَل يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ ولاتَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فتَقْعُدَ مَلُوماً مَدْحُورا) (الإسراء/ 29).
فقد لا يشعر أحدنا بقيمة المال في هذه المرحلة وأهميّته، ولكنّنا سنشعر بالخطأ بعد ضياع المال.. وعندما يقبض بعض الآباء أيديهم عن الصّرف المعقول، ويحرمون اُسرهم وأبناءهم من سدِّ حاجاتهم، والنّفقة على شؤونهم العامّة، فإنّهم يسيئون إلى أبنائهم، ويُقصِّرون بحقِّهم.. ويبقى على الأبناء في هذه الحالة أن يتفاهموا مع آبائهم بالُحسنى، ويشرحوا لهم المسألة باحترام.. وعندما تحدث الحاجة إلى المال، ويصعب توفيره من دخل العائلة، لا بدّ من البحث عن ساعات عمل تُغطِّي النقص في الصّرف المالي..
إنّ البحث عن عمل موقف سليم يُعبِّر عن ثقة الشخص بنفسه، وقدرته على إدارة شؤونه الذاتية.. وفي كلِّ الأحوال ليس من الصحيح أن تتحوّل مشكلة العوز المالي إلى تأزّم العلاقة بين الأبناء والآباء.
ومن المسائل الأساسية في نظام الاُسرة مسألة تنظيم الوقت.. فكثير من الاُسر لا تحسن استعمال الوقت، أو الاستفادة منه..
ويُلاحَظ على بعض أفرادها الكسل والخمول.. فنجد مثلاً السّهر الطّويل والاستمرار في النوم إلى ساعات متأخِّرة في النّهار.. أو تضييع الوقت بالثرثرة، أو الإسراف في مشاهدة التلفزيون.. فيتأثّر بذلك ـ مثلاً ـ وضع الأبناء الدراسي، أو روح الجد والنّشاط.. وتلك عادة غير حسنة، لا بدّ من التغلّب عليها..
إنّ وضع نظام ناجح في الاُسرة يعتمد بشكل كبير على أساس الاستفادة من الوقت، كالتعوّد على النوم المُبكِّر، والنهوض المُبكِّر.. واستثمار الوقت داخل الاُسرة بالدراسة، أو الأعمال اليدوية، والفنية النافعة، كالرّسم والتخريم والحياكة والتطريز، أو التدريب على استعمال بعض الأجهزة العلمية وغيرها..
وبالتعوّد على العمل والجدّ يُربّى الأبناء على تلك العادة الحسنة، ويكتسبوا صفة الجدّ والنّشاط والعمل.

- علاقة الأُسرة بالآخرين:
الاُسرة في وضعها الاجتماعي جزء من المجتمع.. والمجتمع بطبيعته مجموعة من الاُسر والأفراد.. والعلاقات الاجتماعية قضيّة أساسيّة في حياة الاُسرة. فلا بدّ من أن تكون للاُسرة علاقات مع بقيّة الاُسر.. لا سيّما الأقرباء والأرحام والجيران.
فالاُسرة الناجحة، والصحيّة في سلوكها الاجتماعي، هي الاُسرة التي تكون لها علاقات صداقة، وتعارف مع اُسر اُخرى.. فللعمّ والخال، والعمّة والخالة، والاُخت المتزوِّجة والأخ المتزوِّج... إلخ، اُسر. ويجب أن تكون لاُسرتنا علاقة ودِّيّة، وروابط وثيقة مع تلك الاُسر..
إنّ التزاور، والمشاركة في المناسـبات السارّة؛ كالأعياد، وليالي رمضان، والزّواج، والنجاح المدرسي، أو الأحزان، أو عند حدوث المشاكل، أو في حالات المرض، هي واجب أخلاقي، وموقف يُعبِّر عن الطّبيعة السّليمة للاُسرة، وعمل يحبّه الله سبحانه، ويؤجر عليه..
فصلة الرّحم من أهم الأعمال التي ندب إليها القرآن، واعتبر التشريع الإسلامي قطيعة الرّحم من الذنوب الكبائر. وأنّ صلة الرّحم من أفضل الأعمال، وإن كان ذلك الرّحم أو القريب قاطعاً..
وصلة الرّحم تدفع البلاء، وتوسِّع الرِّزق، وتجلب المحبّة والتعاون، وتشعرهم بردّ الجميل، والوقوف إلى جنب الاُسرة عندما تقع لديها المشاكل الحياتية، كما تدعوهم إلى مشاركتها في أفراحها وأحزانها..
وتلك هي الحياة الاجتماعية.. محبّة وتعاون، ومشاركة وجدانيّة وفعليّة في السّرّاء والضّرّاء..
إنّ الاُسرة التي تعيش منكفئة على نفسها، منعزلة عن الآخرين، هي اُسرة فاشلة اجتماعيّاً، سواء كانت تلك العزلة بسبب الغرور المالي أو الاجتماعي، والتعالي على الآخرين، أو بسبب الطّبيعة الانطوائية والانعزالية..
وكلّ تلك صفات سـيِّئة تسيء إلى سمعة الاُسرة، وتُربِّي أفراداً فاشلين اجتماعيّاً، يفقدون احترام الآخرين وتعاونهم.. وليس في المجتمع الإنساني مَن يستغني عن الآخرين..
وعندما تحدث مشاكل مع بعض الاُسر، كاُسرة الاُخت أو الأخ أو الأعمام أو الأخوال... إلخ، فلا يصحّ أن تواجَه بالقطيعة والعداوة والتراشق بالكلام المؤجِّج للخلاف، بل يجب العمل على حلِّها والمصالحة بين الاُسرتين، عن طريق توسّط الأصدقاء، أو بعض أفراد الاُسرة المقبولين لدى الطّرفين..
وممّا يزيل الأزمة الزِّيارة والتسامح ونسيان أسباب المشكلة، والدعوة إلى وليمة طعام، أو سفرة عائلية مُشتركة، أو إرسال الرّسائل وبطاقات المعايدة والاتصال التلفوني إذا كانت بين الاُسرتين مسافة بعيدة.. وإذاً فلنفهم الحياة الاجتماعية أ نّها تعارف ومحبّة وتعاون.. صوّر القرآن ذلك بقوله :
(يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكُم مِن ذَكَر واُنْثى وَجَعَلْناكُم شُعُوباً وقَبائِلَ لِتَعارَفوا إنَّ أكْرَمَكُم عِنْدَ اللهِ أتْقاكُم) (الحجرات/ 13).
(وتَعاوَنوا عَلَى البِرِّ والتّقْوَى ولا تَعاوَنوا على الإثْمِ والعُدْوان) (المائدة/ 2).
(واُولُوا الأرْحامِ بَعضُهُم أَوْلى بِبَعْض في كِتابِ اللهِ) (الأنفال/ 75).
ويوضِّح الرّسول الكريم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ رسالة الدِّين هي الحبّ الصّادق الطّهور، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «وهل الدِّين إلاّ الحبّ».. وإنّ خير النّاس هو خيرهم لأهله، كما جاء في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».
وهكذا نفهم أنّ الاُسرة تصنع شخصيّة أبنائها، وأبناؤها يمثِّلون شخصيّتها.. ولا سعادة للفرد مع شقاء الحياة في داخل الاُسرة.. والاُسرة الطّيِّبة تصنع شخصيّات طيِّبة.
"والحمد لله ربّ العالمين"


--------------------------------------------------------------------------------

[1]- الكليني/ الاُصول من الكافي/ ص50.

الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع

يمكن للزوار التعليق أيضاً وتظهر مشاركاتهم بعد مراجعتها



عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:
 
بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا بإمكانك إضافة موضوع جديد
بإمكانك إضافة مشاركات جديدة
لا بإمكانك إضافة مرفقات
لا بإمكانك تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع :


جميع الأوقات بتوقيت بيروت. الساعة الآن » [ 11:36 AM ] .
 

تصميم وإستضافة الأنوار الخمسة © Anwar5.Net

E-mail : yahosein@yahosein.com - إتصل بنا - سجل الزوار

Powered by vBulletin