إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

قبسات الهدى.. وقفات مع فكر الدكتور شريعتي..

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • #16
    قبسات الهدى(6).. شريعتي وأخطاء النبي الكثيرة !!

    بسم الله الرحمن الرحيم
    تقدّم نقل كلام الدكتور شريعتي حول خاتم الأنبياء (ص): ليست قليلة تلك الآيات القرآنية التي تنتقد النبي وتسجل عليه أخطاءً وملاحظات، بل هي أكثر من الآيات التي تمدحه وتشيد به (معرفة الإسلام ص378)
    وقد تقدّم منافاة هذا الكلام لعصمة الأنبياء عند الشيعة، الذين يعتقدون بتنزيه الأنبياء وخصوصاً خاتمهم عن كل خطأ وشبهة..

    لكن، ما هي أخطاء النبي الكثيرة هذه التي يتحدث عنها الدكتور شريعتي ؟! وإلى أيّ حدّ تؤثر على شخصية النبي (ص) ؟
    نعرض فيما يلي ثلاث نماذج يعتبرها (أخطاء) عند النبي (ص) سوى ما تقدم ذكره، ثم نعرج على (ثلاث مناشئ لهذه الشبهات) عنده في هذا المعتقد.. وهذه الأمور هي:

    1. عبوس النبي
    قال الدكتور شريعتي: كل ذلك على أساس قرآنه الذي وبّخ فيه نبيّه العزيز، لا شيء إلاّ لمجرد أنه عبس وجهه في وجه الأعمى..(التشيع العلوي والتشيع الصفوي ص271 وغيره)

    ويلاحظ على هذا التفسير أمور:
    أولها: مخالفته لكتاب الله تعالى، فقد وصف تعالى خلق نبيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم : 4] وفي سورة آل عمران: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ...﴾ [آل عمران : 159]

    ثانيها: مخالفته لأحاديث العترة الطاهرة عليهم السلام، ومنها ما روي عن الصادق (ع) أنها نزلت في رجل من بني أمية كان عند النبي (ص)، فجاء ابن أم مكتوم، فلما رآه تقذر منه، وجمع نفسه، وعبس، وأعرض بوجهه عنه، فحكى الله سبحانه ذلك، وأنكره عليه.( مجمع البيان ج10 ص266)

    ثالثها: مخالفته لرأي علماء الشيعة، حتى عدّ رأياً مشهوراً لمذهب الحق في تنزيه النبي صلى الله عليه وآله من مثل هذا الفعل الشائن، وموافقته لما التزم به العامة.. وقد أشبع العلماء المسألة بحثاً وتمحيصاً ودفعاً لمثل هذه الشبهة بما لا حاجة معه للكتابة فيها، فلتراجع في مظانها..

    2. ضرب النبي للأعرابي ثم اعتذاره

    قال الدكتور شريعتي: وحتى في تلك الحادثة التي كان فيها أحد البدو يسير براحلته بشكل متلاحق مع راحلة النبي مما أدى إلى إصابة رجل النبي إثر ذلك، انزعج النبي قليلاً وضربه بسوط كان يحمله وقال له بغضب: ابتعد عني قليلاً ! إلا أنه بعد أن عاد إلى المدينة استدعى ذلك الأعرابي واعتذر منه كثيراً وألزم نفسه تقديم ثمانين رأساً من المعز كفدية على ذلك السوط ! (محمد خاتم النبيين ص180)

    3. غضب النبي وإطعام الدواء
    قال: صنعت أسماء... دواء للنبي... وبينما كان النبي مغمىً عليه ألقوا الدواء في فمه. وبعد أن أفاق وعرف أن النساء أطعمنه الدواء دون إذنه غضب غضباً شديداً... ولأجل توبيخهم أمر بأن يأخذ كل من حضر المجلس من هذا الدواء إلا العباس، وقد كانت ميمونة صائمة لكن النبي لم يستثنها ! (محمد خاتم النبيين ص183)

    ومراده من هذا الكلام ما عرف بحديث (لدّ النبي) الذي رواه المخالفون في صحاحهم وصار محل طعن على النبي الأكرم: قَالَتْ عَائِشَةُ : لَدَدْنَاهُ فِي مَرَضِهِ فَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ لَا تَلُدُّونِي ، فَقُلْنَا : كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ ، فَلَمَّا أَفَاقَ ، قَالَ : " أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي ؟ "
    قُلْنَا : كَرَاهِيَةَ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ
    فَقَالَ : لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لُدَّ ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَّا الْعَبَّاسَ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ (صحيح البخاري الحديث 4124، بل رواه البخاري في ثلاث مواطن من كتابه!)

    أما مناشئ مثل هذا القول فقد تكون اعتقاده بما يلي:

    1. جهل النبي بالغيب
    قال الدكتور شريعتي عند كلامه عن حديث العشرة المبشرين بالجنة: وهذا الحديث من موضوعات أهل السنة ولا سند له.. ثم كيف يبشر النبي هؤلاء العشرة بالجنة والحال أن بعضهم من أصحاب الجحيم قطعاً بناء على الموازين الدينية ؟ والنبي يصرح بأنه لا يعلم الغيب ويقول (ولا أعلم الغيب)... (كتاب الحسين وارث آدم ص198، هامش 2)
    فهو قد استشهد هنا بقوله تعالى: ﴿ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام : 50] ليذهب إلى أن النبي صلى الله عليه وآله كان جاهلاً بالغيب، دون أن يرد الآيات المتشابهة إلى الآيات المحكمة، وإلى ما دلت عليه سائر الأدلة.

    فمن القرآن قوله تعالى: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ...﴾ [الجن : 26-27]
    ومن الحديث الشريف قول أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة: لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْبٍ وَ إِنَّمَا هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ ذِي عِلْمٍ (الخطبة 128)
    فكأنه لم يلتفت إلى أن المنفي في علم الغيب هو العلم الذاتي والثابت هو العلم بتعليم من الله تعالى، ولم يلتفت إلى أنه لا يلزم أن يكون العلم مسبوقاً بالجهل مطلقاً، كما في قوله تعالى: ﴿ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ..﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ.. ﴾ [آل عمران : 140]

    على أن الدكتور شريعتي يعترف بأن النبي يعلم من الغيب ما يوحى له، فقد قال في مورد آخر عنه ص: ويردد دائماً أنه لا يعلم من الغيب شيئاً إلا ما يوحى إليه، بالإضافة إلى ما يقوله عنه القرآن (إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي) فكان يتصرف تصرفاً يظهره كأي إنسان عادي آخر... (فاطمة هي فاطمة ص182)

    2. حيرة النبي
    قال: لذلك كان الرسول الكريم يتمنى على الله أن (ربي زدني حيرة)، إنها حيرة تمخّضت عنها المعرفة..
    وقال: لكن ذلك الإنسان العجيب الذي امتلأ صدره بنور البصيرة والذكاء، فكان أعرف بطرق السماء منه بطرق الأرض، هو الذي يهجر المضجع الدافئ المريح من بعد أن يخفق صدره فيلوذ في جوف الليل ببساتين القرية، ليغرق هنالك في (الحيرة والألم) فيبث الشكاة في ظلمات ذلك الليل البهيم. (الدعاء ص21)
    ثم جعل هذا الشكّ (مقدّساً) وصار يدعوا الله للوصول إليه كطريق للمعرفة ! قال: إلهي أجّج نار (الشك) المقدّسة فيّ، حتى إذا أتت على كل (يقين) نقشوه فيّ أشرقت البسمة الحنون راسمة على شفتي فجر اليقين الذي لا ذرة غبار عليه.( كتاب الدعاء ص73)

    ويظهر من العبائر السابقة جهلٌ كبير بمقام النبي والإمام.. ففي حين لا يصيب النبي والإمام أي (حيرة) يقيس شريعتي الحالة التي تصيبه من التحير على الأنبياء والأئمة، فيرى أن هذه الحالة تصيبهم كمقدمة لحالة رفيعة !

    وقد غفل عن أن الأنبياء منزهون عن الحيرة منذ الولادة، وقد حكى القرآن عن عيسى عليه السلام: ﴿ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً﴾ [مريم :29-30]

    وغفل عن أن النبي وآله عليهم السلام مطهرون من كل رجس ودنس وحيرة وقد قال فيهم تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب : 33]

    فكأنّه توهّم هنا أن طريق الكمال متوقف على مرحلة النقص والحيرة! فكان لا بد عنده أن يسير الأنبياء على طريق (التكامل) فترتفع درجتهم من الجهل إلى العلم، ومن الحيرة إلى الاطمئنان، بخلاف ما دلّ على أنهم منزهون عن ذلك منذ أول أمرهم على نبينا وعليهم السلام..

    3. وحي الله أم رأي النبي ؟
    قال الدكتور شريعتي: النبوغ والوحي مجتمعان معاً عند النبي، كما أن كلام محمد غير كلام القرآن، وهذه المغايرة ملموسة ومقررة ومتجلية في أفعال محمد وأفكاره، وكان (ص) يميّز بدقة بين ما يوحى إليه وما يصنعه هو من تلقاء نفسه، حينما يقول شيئاً يبين للناس أنه وحي أو رأي، وفي الحالة الثانية يعلم المسلمون أن بمقدورهم إبداء وجهات نظرهم الموافقة أو المخالفة واقتراحهم لتعديل الفكرة أو تبديلها، بينما كانوا يسلمون تسليماً مطلقاً لكل ما جاء النبي عن طريق الوحي. (معرفة الإسلام ص196)

    ويظهر أن الدكتور شريعتي لم يدرك حقيقة قوله تعالى ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم : 3] ولم يتنبه إلى أن (مطلق النطق) مطابق لأمر الله تعالى، ولا فرق في أمر الله تعالى حينها بين أن يكون نصاً قرآنياً أو حديثاً نبوياً، كما قال تعالى في الملائكة: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ..﴾، فهل يعقل أن لا يحيد الملائكة في ذلك دون خير الخلق محمد صلى الله عليه وآله ؟!

    أما تفرقة المسلمين بين هذين الأمرين فلم يكن هذا وجهها، إنما كان من باب ضعف ايمانهم واعتقادهم بالنبي (ص)، يعرف ذلك من قولهم له بعدما أملى عليهم حديث الغدير فقالوا: (أهذا شيء من عندك أم من عند الله) ؟!

    ثم إن الدكتور شريعتي قد ذكر ما يحتمل أن يكون وجهاً لتفسير جملة من المتشابهات التي صعب أمر فهمها عليه، حيث أشار إلى أن النبي صلى الله عليه وآله سعى بنفسه لإخفاء جملة مما خصه الله به دفعاً لشبهة الألوهية..
    قال: إن مكانة محمد في القرآن وسيرته وسلوكه لا تدع مجالاً للمسلمين لكي يقولوا بألوهيته.. لماذا ؟ لان محمداً سعى دائماً لإظهار نفسه بشراً مثل سائر الناس -كما أكد القرآن ذلك في أكثر من مناسبة - بل حرص النبي على أن يظهر نفسه حتى أقل مما هو عليه في الواقع من منزلة وعلوّ شأن. (معرفة الإسلام ص203)

    فلم لم يفسر ما اشتبه عليه من الآيات (المتشابهة) بالآيات المحكمة ولو من الباب الذي ذكره ؟!

    والحمد لله رب العالمين

    شعيب العاملي

    تعليق


    • #17
      قبسات الهدى (7): شريعتي وتكامل النبيّ الأميّ !

      قبسات الهدى (7): شريعتي وتكامل النبيّ الأميّ !

      بسم الله الرحمن الرحيم
      بعدما تعرضنا لمفهوم العصمة الذي يلتزم به الدكتور شريعتي وما يعتقده من كثرة أخطاء النبي الخاتم صلى الله عليه وآله، تصل النوبة إلى ما يعدّه (تكاملاً) للنبي صلى الله عليه وآله، ولأهمية الموضوع نعرض جملة من كلماته لكي يتضح مراده منها، ومن ذلك قوله:

      الشخص المسلم قد يقبل التكامل في كل شيء إلا التكامل على شخص النبي، إذ لا نقص في النبي - في نظر المسلم - حتى يكمل.
      إن عوام المسلمين يذهبون في تصوراتهم عن النبي إلى مستوى اعتقادهم بأنه يتقن كل اللغات ويطلع على جميع الأسرار ويحيط بالعلوم كافة، فأي مجال للتكامل بعد ذلك ؟
      توجد روايات وأحاديث حول خلقة النبي تتضمن التصريح بأن نور النبي قد خلق قبل خلق العالم ومن ثم خلق العالم وخلق آدم فحل فيه النور المحمدي.
      وفي ضوء ذلك فإن خلق محمد كان فعلاً إعجازياً خارج إطار المادة وقوانينها.
      هذا في حال أن صورة محمد في القرآن تختلف كثيراً، فهو إنسان يجدّ ويجتهد دائماً ليصبح أكثر كمالاً وفضلاً.
      والقرآن نفسه يحث النبي على تكرار الدعاء التالي (وقل رب زدني علماً) ويفهم من ذلك -ضمنياً- أن قانون التطور المعنوي العلمي صادق حتى في حق النبي، فهو أيضاً في حالة تكامل وتطور، بل أن التكامل والازدياد هي أعظم نعمة يطلبها النبي من ربه. (معرفة الإسلام ص121)

      وهو هنا ينسب ل(عوام المسلمين) ما يعتقد به الشيعة خاصة، فإن إحاطة النبي بجميع العلوم وإتقانه لكل اللغات وغيرها من مصاديق الكمال مما يعتقد به الشيعة دون غيرهم، فمخالفوهم يعتقدون بجهل النبي في كثير من المسائل بل بخطئه في موارد كثيرة كروايات تأبير النخل التي طفحت بها كتبهم، ويؤمنون بأن الناس كانوا أعلم منه (ص) في إدارة شؤون حياتهم خارج نطاق الشريعة، بل قدموا قول غيره على قوله حتى في أمور الشريعة!
      والمهم في الأمر هو إنكاره الاعتقاد بنفي النقص عن النبي (ص)، فهو يعتقد أن النبي يمر كغيره من البشر بمراحل التكامل التي تكون مسبوقة بالنقص.

      ثم يقول في مورد آخر:
      ما أوردته هنا تحليل نفسي لشخصية محمد من منظار علم الاجتماع، وإذا لم يكن هذا التحليل منسجماً مع الحقيقة فلأن تفاصيل حياة محمد وسيرته لا يمكن إخضاعها جميعاً لقوانين علم الاجتماع وضوابط علم النفس، ولا يمكن حشرها في قوالب علمية متعارفة....
      أن محاولة تضخيم شخصية محمد قبل البعثة وإضفاء طابع غيبي خارق للعادة عليها تفضي إلى إضعاف مكانته في نفوس أناس آمنوا بمحمد عبر التحقيق لا عبر التقليد، وبعكس ذلك لو أضفينا طابعاً بشرياً على تلك الشخصية فإننا بذلك سوف نظهر البعد الإعجازي للرسالة وحجم الدور الذي لعبته يد الغيب في تنشئة محمد وإعداده لتحمل هذه رسالته الكبرى.
      علينا أن نجعل القرآن هو المعيار في معرفة محمد بدلاً من الاسرائيليات والإيرانيات والهنديات والعنديات. ولنفهم عظمة محمد في كونه رسول الله والقائد الإنساني الكبير، لا في أنه حين يمشي ليس له ظلّ ! لندرك إعجاز الرجل في أنه أمّي لا يعرف القراءة والكتابة ومع ذاك فآيته الكتاب ! لا أن نقول إنه كان يعرف القراءة والكتابة ولكنه لم يكن يقرأ ولا يكتب ولو كان يبغي ذلك لفعل ! تلك - لعمري - مشكلة (الرفقة مع الدبّ) !! ولو لم يكن لمحمد أصدقاء جهلة كهؤلاء لآمن به كل أعدائه الحكماء.. (معرفة الإسلام ص255 هامش1)

      وهكذا يصرح مراراً بجهل النبي للقراءة والكتابة، كما في قوله ص305: نبي معجزته الكتاب.. وهو بنفسه محروم من نعمة القدرة على القراءة والكتابة، وهذا بعينه معجزة! معجزة كبرى مذهلة وخالدة.
      وكذا في كتاب الإنسان والإسلام: من كان ؟ فرداً أمياً لا يقرأ ولا يكتب (ص305) وغيرها من كتبه..

      ويظهر أنه قد وقع في عدة مغالطات هنا
      :
      أولاً: إن تضخيم شخصية النبي (ص) قبل البعثة لا يؤدي إلى إضعاف مكانته في نفوس أحد حتى (المحققين) من الناس، ذلك أن الجهة الغيبية قد ظهرت جلية في من سبقه من الأنبياء، ومنهم على سبيل المثال عيسى عليه السلام الذي يتبعه أغلب (المحققين) الذين تتلمذ عليهم الدكتور شريعتي، فهو قد ولد في حالة إعجازية من دون أب، قال تعالى عن لسان مريم عليها السلام: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾ [مريم : 20] ثم لما ناداها قبل أن يرى أحداً من الخلق ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ [مريم : 24] إلى أن يخاطب القوم بقوله بعد قولهم: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً ﴾ [مريم :29-30]

      بل على العكس من ذلك، فإن الإعتقاد بمكانته الرفيعة قبل البعثة الشريفة عامل مساعد على تصديقه، ودافع لكل محاولة لتكذيبه وإسقاطه، نظير كونه صادقاً أميناً منذ ولادته فإن هذا أدعى لتصديقه ممن يكون كاذباً خؤوناً ثم يدّعي النبوة !

      ثم إنه ليس في شيء مما يعتقد به الشيعة ما يعد تضخيماً لشخصية النبي (ص) مع اعتقادهم بأن مكانته الرفيعة لا يمكن لأحد أن يصل إليها بل ولا أن يدركها، وهو القائل لعلي عليه السلام: ما عرفني إلا الله وأنت (مختصر البصائر ص336)

      ثانياً: أن في كلامه تناقض غير مبرّر، فهو حين يرفض (إضفاء طابع غيبي خارق للعادة) على حياة النبي قبل البعثة يعود ويقر أن الغرض من ذلك إظهار (حجم الدور الذي لعبته يد الغيب في تنشئة محمد وإعداده)، فهو حين ينكر جانباً من البعد الغيبي يكون غرضه إثبات جانب آخر منه !!

      وليس الغيب لعبة في يد الدكتور شريعتي ولا الإرادة الإلهية الغيبية مسرحاً لرغباته واستحساناته في أن هذا المورد مما يتناسب أن تتدخل به يد الغيب وهذا مما لا يناسب تدخلها به.
      غاية الأمر أن (قصوره) عن إدراك الحكمة في (البعد الغيبي) الأول منعته من فهمه، بينما (تفهّمه) للبعد الغيبي الثاني جعله متقبلاً له.

      ثالثاً: إن اعتباره القول بمعرفة النبي (ص) للقراءة والكتابة جهلاً ! وتصرفاً كالدب الذي ضرب رأس صديقه لما استقرت عليه الذبابة، ومانعاً من إيمان الحكماء بالنبي (ص) هو قول بعيد كل البعد عن الإنصاف.. وذلك من جهات:

      أ. أن إعجاز الكتاب العزيز (لا يتوقف) على أن يكون النبي غير قادر على الكتابة، بل ولا علاقة للإعجاز بجهل النبي بالقراءة والكتابة !
      كيف وقد تحدى الله في آياته (الإنس والجن) على أن يأتوا بمثله بل بعشر آيات منه ؟! وفيهم الفصحاء والبلغاء والمتكلمون والكتاب..
      إن وجه الإعجاز في الكتاب هو (عجز) البشر عن الإتيان بمثله وليس في عدم قدرة النبي على الكتابة !!

      نعم عدم ممارسة النبي (ص) للكتابة أمام الناس قبل نزول الكتاب هي (عامل مؤكد للمعجزة أمام الجهلة منهم) لا أمام أهل العلم والحكمة الذين تحدث عنهم الدكتور شريعتي، فإن هؤلاء يقرون بتفوق القرآن على كل فعل بشري سواء كان النبي ممارساً للقراءة أمامهم أم غير ممارس، أي أن الحكمة هي لدفع توهم بعض المتوهمين من غير أهل الفهم والتحقيق والتدقيق، والشاهد على ذلك قوله تعالى (اذا لارتاب المبطلون).

      ب. أن القراءة والكتابة هي نوع كمال في الجنس البشري، وقد أقرّ الدكتور شريعتي في كتاباته بأن نزول آيات (إقرأ) في بداية الدعوة يثير الغرابة فعلاً في مجتمع لم يكن عدد من يقرأ فيه ويكتب إلا محدوداً.. فلا نعرف كيف يرضى الدكتور شريعتي ومن تقدم عليه أو تأخر عنه ممن تبنى هذا الرأي كيف يرضون بأن يسلبوا هذا الكمال عن النبي (ص) ويثبتوه لأنفسهم وأولادهم الصغار وبعض الكتبة في ذلك الزمن ؟!

      ألا يرون أنهم أصبحوا في هذا أفضل من النبي (ص) ولو في هذا الجانب ؟ ألا يرون أن (الاقتداء المطلق) و(التبعية المطلقة) التي أوجبها الله تعالى على كافة الخلق يتوقف على (الأفضلية المطلقة) له صلى الله عليه وآله ؟

      ج. أن ما ذهب إليه ليس له شاهد في كتاب الله ولا في السنة الشريفة، فإن ما استشهد به (في كتابه أبي وأمي نحن متهمون ص122، وكتابه تاريخ ومعرفة الأديان ص478) وهو قوله تعالى ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت : 48]، لا ينفي عنه علم القراءة والكتابة، بل ينفي ممارسته لهما، فالآية قالت (ما كنت تتلو) ولم تقل (ما كنت تعرف التلاوة)..
      أي أن الآية نفت أنه مارس فعل القراءة والكتابة من قبل، ولم تنف قدرته على ذلك، وهو صلى الله عليه وآله لم يتعلم القراءة والكتابة عند أحد لا قبل البعثة ولا بعدها.. لكنه كان عالماً بذلك بتعليم من الله عز وجل..

      د. أن النصوص المباركة (فضلاً عن الأدلة العقلية التامة التي أشرنا إليها) قد دلّت أيضاً على معرفته صلى الله عليه وآله بذلك، ومن ذلك ما يرويه الصدوق في الخبر الصحيح: أبى رحمه الله قال حدثنا سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن عبد الله محمد بن خالد البرقي عن جعفر بن محمد الصوفي قال : سألت أبا جعفر محمد بن علي الرضا عليهما السلام فقلت يا بن رسول الله لم سمي النبي الأمي ؟
      فقال : ما يقول الناس ؟
      قلت: يزعمون أنه إنما سمي الأمي لأنه لم يحسن ان يكتب.
      فقال ( ع): كذبوا عليهم لعنة الله، أنى ذلك والله يقول في محكم كتابه ﴿وهو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ فكيف كان يعلمهم ما لا يحسن ؟!
      والله لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقرأ ويكتب باثنتين وسبعين أو قال بثلاثة وسبعين لسانا، وإنما سمي الأمي لأنه كان من أهل مكة ومكة من أمهات القرى وذلك قول الله عز وجل ﴿لينذر أم القرى ومن حولها﴾.(علل الشرائع1: 125)

      والدكتور شريعتي ممّن يقر بأن ليس للفظ (أمي) ارتباط بالجهل، بل يذهب الى صلته بلفظي (الأمة والإمامة) لا بالأميّة، قال:
      أتصور أن كلمة (أميّ) - صفة النبي ص البارزة والإيجابية - تتحد في الأصل مع الكلمتين أعلاه. (الأمة والإمامة ص40)
      وكرره في الصفحة 45 بقوله: التفتُّ إلى أن الإمامة والأمة من جذر واحد، بل - في اعتقادي- صفة (الأمي) تنتمي إلى نفس الأصل أيضاً.

      إلا أنه عاد في مورد آخر واستدل بنفس هذه الكلمة على أن النبي لم يكن يعرف القراءة والكتابة بتقريب قال فيه:
      الأمي صفة للنبي، اختلفوا في معناها فقال بعضٌ إنها مشتقة من أم القرى إسم مكة وأمي يعني انه مكي، وقال آخرون (وهم الأكثر) الأمي يعني من لا يقرأ ولا يكتب.... إلا أني أعتقد أن كلمة (أمي) تعني من انبثق من بين الأمة وعامة الناس... وهذا المعنى يحمل ضمناً معنى عدم القراءة والكتابة، لأن التعلم كان من مميزات الطبقات الراقية كما يطلق اليوم لفظ العوام على عامة الناس بمعنى انهم غير متعلمين ودارسين. (الحسين وارث آدم ص191 هامش2)
      وجوابه قد اتضح مما سبق.. فنحن لا نلتزم بأنه كان عالماً بتعليم من أحد، بل بتعليم من الله تعالى.

      على أن قوله: (وعدم القراءة لا تعني نقصاً في الرسول بل إنها فضيلة) كما في (تاريخ ومعرفة الأديان ص595) لا يعفيه من الإشكال، فإنه نظير من لا يعتقد بعدالة الله ولا يرى في ذلك نقصاً ! ومن لا يعتقد بالعصمة ولا يرى في ذلك نقصاً !

      ولا يجد القارئ غرابة في مثل هذه النتائج التي يتوصل إليها طالما أنه يعتمد على مثل صحيحي البخاري ومسلم وأضرابهما في تكوين الهوية الفكرية وتحديد المنظومة المعرفية، فيقول:
      أما (إقرأ) فهي رسالة لم تكن عادية.. بل إنما هي آيات كتبت على حرير أو نور تظهر أمام عينيه ويقول له (إقرأ)، فيقول له: لا أستطيع القراءة!
      يضغط على حنجرته بحيث يحسّ بالموت آنذاك ثم يقول: لا أستطيع القراءة!
      بعد أن يرتاح يقول له الوحي: إقرأ، مرة أخرى، وكذلك يضغط مرة أخرى على حنجرته ويحسّ بالموت ولكنه يقول: لا أستطيع القراءة !
      وإلى المرة الثالثة، يستطيع القراءة ! ومن هنا تبدأ دورة القراءة في التاريخ ويدخل الإنسان المرحلة الذهنية والتعليم الفكرية، وطبعاً إن رائد هذه الدورة وهذه النهضة الفكرية هو نفسه رجل أمي لا يستطيع القراءة ولا الكتابة.. (تاريخ ومعرفة الأديان ص480)

      وتكون النتيجة عنده أن النبي كان غارقاً في بحار من الجهل !
      يجهل أنه نبي سيوحى إليه فيما يعرف ذلك الرهبان !
      ويجهل طبيعة وحقيقة كلام جبرائيل !
      ويجهل القراءة والكتابة !
      كل هذا لأنه قال: (رب زدني علماً) !
      وغفل عن كل الوجوه التي يمكن الاستعانة بها لفهم قول النبي (ص):
      من أن الدعاء نوع تضرع وتذلل ولا يعني فقدان العلم كما أن طلب النبي للمغفرة لا يعني عصيانه !
      ومن أن النبي في مقام التعليم للأمة !
      ومن أن القرآن نزل بلسان: إياك أعني واسمعي يا جارة !
      ومن أن الزيادة لا تعني المسبوقية بعدم العلم بقرينة ترتب نفاد العلم على عدم الزيادة في بعض الروايات..
      وغيرها من الوجوه التي نترك التفصيل فيها لمحله.

      والحمد لله رب العالمين

      شعيب العاملي

      تعليق


      • #18
        موضوع رائع ومهم ...

        تعليق


        • #19
          قبسات الهدى (8): شريعتي والآلهة الصغيرة !

          بسم الله الرحمن الرحيم
          أنكر الدكتور شريعتي على الشيعة اعتقادهم بالولاية التكوينية للأئمة، مشبهاً هذا المعتقد بالأساطير ومعتقدات الأديان الوثنية !

          قال أثناء حديثه عن الشيعة: .. من جهة يجري العمل على رفع مقام ومنزلة الإمام إلى مرتبة الألوهية... يتحول هذا الإمام من عبد طاهر وقائد من جنس البشر إلى موجود غير بشري شبيه بالآلهة الصغار الذين يحيطون بالإله الأكبر في الأساطير وفي معتقدات الأديان الوثنية ولهذا الموجود خصائص إلهية كالخالق والرازق والمدبّر والمهيمن على مصائر الناس، ويتمتع بولاية تكوينية على حدّ ولاية الله! (التشيع العلوي والتشيع الصفوي ص165-166)

          لكن الدكتور شريعتي نفسه أقرّ في موضع آخر بإمكان أن (يتسلّط) الإنسان الكامل على (جميع الموجودات)، ومثل لهذا الإنسان بآدم عليه السلام حين سجدت له الملائكة، فقال:
          وحسب ما أعتقده أنا وأفهمه من معاني سجدة الملائكة لآدم، هو تسليم جميع القوى الطبيعية وما وراء الطبيعة المادية والتي نشعر بها نحن مقابل موجود متعالٍ إسمه (إنسان)، الإنسان الآدمي وليس إنسان بني آدم، الإنسان الذي يستطيع أن يكون إنساناً. إنسان بتلك الاستعدادات التي مُنحت له، وهذه الاستعدادات تعني جميع القوى في الوجود والتي تعمل لأجله، فهو يستطيع أن يتسلّط على جميع الموجودات. ( تاريخ ومعرفة الأديان ص567)

          فتراه ينكر الولاية التكوينية تارة ويشنع على الشيعة بها، ويقر بها حيناً آخر معتقداً بتسلط بعض الناس على كل الموجودات، وهو تعبير آخر عن هذه الولاية! وعن الإعتقاد بال(آلهة الصغار) بتعبيره..

          ولا يخفى أن منشأ القول بالولاية التكوينية هو صريح القرآن الكريم الذي أثبت الولاية التكوينية لخلق الله تعالى، والتي تعني إقدار الله تعالى لبعض الخلق على التصرف في بعض المخلوقات أو فيها كلها..
          ففي حين أعطى الله تعالى بعض الأنبياء قدرة الإحياء فقال في محكم كتابه لنبيه عيسى: ﴿إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْني‏ فَتَنْفُخُ فيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْني‏﴾ (المائدة 110)
          وقال عن لسانه عليه السلام: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ الله﴾ (آل عمران 49)
          ثم عقبها بإحياء الموتى وإبراء المرضى والإخبار عن المغيبات.. كما أعطى ملك الموت القدرة على قبض أرواح الخلق.. وسخر الرياح والجبال والحديد لبعض أنبيائه.. وغير ذلك مما دلت عليه نصوص الكتابين الصامت والناطق.
          ويصعب هنا تفسير فعل الدكتور شريعتي، من جهة الطعن بعقيدةٍ ثم الاعتقاد بها نفسها !

          على أن الأمر يتكرر معه مجدداً، فتراه يعتبر الطواف حول غير الكعبة من مظاهر الشرك بالله تعالى ! ويتهم التشيع الصفوي ب(عبادة علي والمراقد والأضرحة)!
          يقول: يجب أن يتم إفهام الجميع بأن العقائد المنحرفة من قبيل عبادة علي والمراقد والأضرحة هي من معالم التشيع الصفوي وخصائص هذه الفرقة، وإلا فإن علماء التشيع لهم فتاواهم الصريحة والواضحة في هذا المجال، ويتفقون في الرأي على أن عبادة غير الله والاعتقاد بان غيره مؤثر في الوجود والطواف حول غير الكعبة وحتى المحبة لغير الله هي من مظاهر الشرك بالله تعالى. (التشيع العلوي والتشيع الصفوي ص300)

          وما يلبث أن يؤيد هذا (الشرك بالله تعالى) في كتاب آخر حينما يحث على الطواف بقبر الحسين عليه السلام فيقول: إذاً وقد سقط الحج كشعار في يد العدو ما العمل ؟! الإتجاه معلوم ومعروف، الطواف بقبر الحسين، هو إذاً الطواف حول الكعبة الحقيقية، كعبة الشهيد وكعبة الدم، كعبة الإنسان الذي هو ضحية.. (التشيع مسؤولية ص86)

          وهذا تناقض آخر في أمهات المسائل الاعتقادية، فبين الاعتقاد بأن الطواف حول القبور شرك، وبين الحث على الطواف حول القبر لأنه الكعبة الحقيقية تناقض لسنا نعرف وجهاً لرفعه!

          ثم إن الدكتور شريعتي أنكر على الشيعة اعتقادهم بخلق الأئمة من طينة خاصة، وزعم خلو أقدم كتبهم من هذا المعنى وخص بالذكر كتاب الحجة من الكافي، وعد هذا الاعتقاد مرادفاً للقول بألوهيتهم عليهم السلام، فقال:
          في ضوء قراءة شاملة للنصوص الإسلامية وخصوصاً الشيعية وعلى الأخص كتاب الحجة من الكافي وهو من أشهر وأقدم نصوصنا يظهر أن المسلمين يفهمون الإمام بأنه (إنساناً ما فوق) لا أنه (ما فوق الإنسان)، وهذا المعنى الثاني نفذ أخيراً إلى عقولنا.
          (ما فوق الإنسان) يعني أن الإمام من نوع وجنس وماء وطين آخر غير طينتنا، ولو كان كذلك فلا يمكن أن يكون نموذجاً وقدوة لبني الإنسان...
          إن هذا النوع من التفكير الديني الذي كان موجوداً قبل الإسلام يعني رفع مستوى الأشخاص إلى مقام الآلهة وأرباب النوع والملائكة، وقد حاربه الإسلام حرباً لا هوادة فيها، فمنذ البدء أعلن أن نبي الإسلام بشر مثلنا... (الأمة والإمامة ص129-130)

          ويلاحظ على كلامه أمور:
          أولاً: أنه لا ملازمة بين خلقهم من طينة خاصة وبين كونهم آلهة، بل لا يمكن كونهم آلهة مع كونهم مخلوقين من طينة خاصة، فهذا تعارض بيّن، إذ المخلوق لا يكون إلهاً مهما كانت الطينة التي خلق منها، ونفس خلقه من الطينة دليل على أنه ليس بإله..

          ثانياً: أن خلقهم من طينة خاصة لا يعني خروجهم عن البشرية ! كما أن خلق الإنسان الأبيض من نطفة تختلف عن نطفة الإنسان الأسود لا يخرج أحدهما عن عنوان البشرية ! وكما أن خلق الذكر من نطفة تختلف عن نطفة الأنثى لا يخرج أحدهما عن عنوان البشرية !
          وبالتالي فلا مانع من كونهم قدوة خلقوا من طينة خاصة إكراماً من الله تعالى لهم لسابق علمه بطاعتهم إياه، كما أكرم عيسى فأنطقه في المهد صبياً وكان عيسى قدوة بالاتفاق.

          ثالثاً: ما ذهب اليه من خلو كتاب الحجة من الكافي من مثل هذا المعتقد مجانب للصواب تماماً، فهذا الكليني يروي في نفس الكتاب عدة روايات حول خلق النبي والائمة من طينة خاصة ومنها ما يلي:

          1. عن أبي عبد الله عليه السلام: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَنَا مِنْ عِلِّيِّينَ وَخَلَقَ أَرْوَاحَنَا مِنْ فَوْقِ ذَلِك‏.. (الكافي ج‏1 ص: 389)

          2. وعنه عليه السلام: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَنَا مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ ثُمَّ صَوَّرَ خَلْقَنَا مِنْ طِينَةٍ مَخْزُونَةٍ مَكْنُونَةٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ فَأَسْكَنَ ذَلِكَ النُّورَ فِيهِ فَكُنَّا نَحْنُ خَلْقاً وَ بَشَراً نُورَانِيِّينَ لَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدٍ فِي مِثْلِ الَّذِي خَلَقَنَا مِنْهُ نَصِيباً (المصدر)

          3. وعَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ ع يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَنَا مِنْ أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَ خَلَقَ قُلُوبَ شِيعَتِنَا مِمَّا خَلَقَنَا وَ خَلَقَ أَبْدَانَهُمْ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَقُلُوبُهُمْ تَهْوِي إِلَيْنَا لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِمَّا خُلِقْنَا (المصدر ص: 390)

          فهذا المعتقد قد نفذ إلينا من أقدم كتب الشيعة ولم ينفذ إلينا أخيراً، ولا نعرف كيف ينفي الدكتور شريعتي وجود هذا المعنى في كتاب الكافي دون الإحاطة بما فيه، ثم تظهر كل هذه الروايات وغيرها وهي صريحة فيما نعتقد !

          والحمد لله رب العالمين

          شعيب العاملي

          تعليق


          • #20
            السلام عليكم

            من خلال استقراءي في كتب شريعتي اجزم بانه كتابه التشيع الصفوي والتشيع العلوي قد حرره للإقتصاص ممن انتقدوا أسلوبه فهو متناقض جدا.
            ففي بعض الأشياء في كتابه ذاك ينقل حوادث واخبار اقرب إلى الأساطير منها للواقع على انه قد حدثت حتى دون أن يذكر أي سند لها... ويستنكر أحاديث إستنكرها المجلسي رحمة الله عليه ويشنع فيها عليه...
            التشيع الصفوي والتشيع العلوي كتاب حقد من أوله إلى أخره.

            تعليق


            • #21
              بارك الله على مجهودكم لتلك المعلومات القيمه وجعلها في ميزان حسناتكم لتنيربها قلوب المؤمنين والمسلمين بألنبي العظيم صل الله عليه وآله وسلم

              تعليق


              • #22
                قبسات الهدى (9): شريعتي والأفيون المخدر في عاشوراء !

                بسم الله الرحمن الرحيم
                لا يكاد العجب ينقضي من كلمات الدكتور شريعتي تارة ومن تناقضاته تارة أخرى.

                أما كلامه، فحين يقول أن الشيعة قد حولوا عاشوراء إلى (أفيون ومادة مخدرة) !
                فبعد التأكيد على أن عاشوراء من أعظم المعجزات وأنها تجسيد لحقيقة التشيع يقول أنّا: ... تعاملنا معها تعاملاً ميّع القضية، وسلب الفكر الشيعي روحه وحرارته وتركه ميتاً بارداً.. (الحسين وارث آدم ص263)
                ليخلص إلى قوله: لقد صنعنا من تلك القصة أفيوناً ومادة مخدرة (ص264)
                ويجزم أنا: خيبنا أمل الحسين بالنصرة.. أخمدنا تلك الصرخة حينما قلنا للناس: إن الحسين يريد الدموع.. يريد الصراخ والعويل والنحيب.. يريد هذا ولا يريد غيره (ص244)

                ويلاحظ على كلامه أمور:
                أولاً: أنه كان في صدد الحث على الاستفادة من عاشوراء في كل مجال دون قصرها على البكاء، رغم أن البكاء مطلوب.
                وكلامه هذا صحيح في نفسه، لكنه لا يبرر له اتهام الفكر الشيعي بأنه مسلوب الروح والحرارة وأنه ميّتٌ بارد وأن الشيعة قد ميّعوا قضية عاشوراء، ففي هذا تجنٍّ واضح عليهم ليس له أي شاهد في الماضي ولا في الحاضر، ولا يمكن لشيعي أن يقرّه عليه.
                إذ كيف يمكن أن تصبح قضية عاشوراء التي تبث الحياة في الكيان الشيعي حيناً بعد حين سبباً لموت هذا الفكر ؟!
                وهل يمكن أن يصبح حبّ الحسين عليه السلام وإحياء أمره وذكره والبكاء عليه أو أي مظهر من مظاهر الشعائر سبباً في إخماد الصرخة الحسينية ؟!
                هل في كل التضحيات التي قدمها الشيعة على طول التاريخ في سبيل حفظ هذه الشعلة تخديراً للأمة ؟

                ثانياً: لعل الدكتور شريعتي لم يتنبه جيداً إلى أن ما عده (أفيوناً مخدراً) هو الذي حافظ على صلة المؤمنين بدينهم في أحلك ظروف القمع والاضطهاد التي عانى منها الشيعة، فلن يكون بمقدور العدو مهما أمعن في الظلم أن يمنع المؤمن من البكاء على سيد الشهداء، وهو الشعلة المتقدة في نفوس المحبين، والحرارة التي لن تبرد أبداً.. وهي التي تغسل الأدران وتحيي النفوس بإذن الله. فإن الشيعة إن حافظوا على البكاء مجرداً تارة فلأنه طريق الارتباط بالدين التي ما تلبث أن تشتعل لما يكسر طوق الظلم من حولها.

                ثالثاً:إن قيل أن مراده خصوص المجتمع الإيراني أيام الصفويين كما أشار إليه بقوله: من أجل أن يتخذوا.. من عاشوراء أفيوناً مخدّراً للإيرانيين ومادّةً لتأليبهم على العثمانيين (التشيع العلوي والتشيع الصفوي ص167)
                قلنا أن هذا لا يعفيه مما هو فيه، فإنه قد نسب هذه الحالة إلى الشيعة في زمانه وعد هذه الحالة هي الحالة العامة الغالبة.

                على أن الاختلاف في مظاهر إحياء عاشوراء سواء اقتصرت على البكاء فقط أم شملت برامج تثقيفية لا يبرر شيئاً مما ذكره الدكتور شريعتي.
                وإن التنوع والغنى في صورة الشعائر غنى وثروة ينبغي الحفاظ عليها.

                ثم إنا لو تنزلنا وسلمنا جدلاً بأن ما ذكره من تقصير جملة من الشيعة في إحياء أمر آل محمد صحيح (ومهما بلغ الشيعي لن يوفي أئمته حقهم)، لما كان يصح منه هذا القول، وللزمه أن لا يحمل تلك الشريحة الخاصة التي يتحدث عنها فوق ما تحتمل، وقد قال إمامنا الصادق عليه السلام بعدما بيّن أن الإيمان على درجات وأسهم: فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ صَاحِبُ السَّهْمِ عَلَى مَا عَلَيْهِ صَاحِبُ السَّهْمَيْنِ وَلَا صَاحِبُ السَّهْمَيْنِ عَلَى مَا عَلَيْهِ صَاحِبُ الثَّلَاثَة (الكافي ج2 ص43)

                وأما العجب من كلامه.. فحين يصف الباكي على الحسين عليه السلام لأجل الثواب بأنه (ليس إلا مستغلاً مخادعاً) (فاطمة هي فاطمة ص31)
                ويضيف إليه في الوصف الباكي لكون البكاء واجباً دينياً وغير هذين !
                ولا يرى في كلامه تناقضاً حيث يقول: فقولاي هذان ليسا متناقضين، هنالك فرق بين (برنامج البكاء) باعتباره (عملاً) و(واجباً) و(وسيلة) من أجل الوصول الى (هدف) و(أصلاً) و(حكماً)، وبين اعتباره تجلياً طبيعياً لاحساس ما، حالة قهرية وفطرية لحب، لألم، لشوق أو لحزن.(ص29)

                والنتيجة عنده أن البكاء على الحسين عليه السلام سواء كان لهدف شريف كالثواب الإلهي أو كان لحكم شرعي وهو استحباب البكاء أو كان لهدفٍ سامٍ وهو إحياء أمرهم عليهم السلام، كل هذا يدخل ضمن (الاستغلال المخادع)!

                ويلاحظ على كلامه أمور:
                أولاً: أنه مخالف لمقتضى العقول ! حيث تقرّ العقول ويلتزم العقلاء بأن البكاء لغرض شريف ولو لم يكن حالة قهرية فطرية هو أمر راجح في نفسه مطلوب مرغوب دون شك وشبهة. فإن الفعل في نفسه إن لم يكن قبيحاً، وكان مقدمة لنتيجة حسنة يصبح راجحاً ومطلوباً كونه مقدمة لعمل راجح.

                ثانياً: أنه مخالف للشريعة المقدسة، حيث أن الثواب يترتب على الفعل المستحب كالبكاء على الحسين ع مطلقاً لا على كون البكاء حالة قهرية!
                أي أن عنوان استحباب البكاء عنوان قائم في نفسه غير مقصور على الحزن الباطني وإن كان من أعلى مراتبه.
                بل إن الشريعة المقدسة حثت على (التباكي) على الإمام الحسين عليه السلام لمن لم يقدر على البكاء حينها ورتبت على ذلك ثواباً جزيلاً، فالتباكي عند عدم البكاء يؤكد أن الإنسان لم يحد عن هذه الطريق ولو لم يتفاعل معها باطنياً، وأنه مشارك في إحياء هذه الشعيرة الهامة ولو لم تكن نفسه متوجهة إليها، فهو في أعلى درجات الاستعداد للبكاء عند المقدرة وللتباكي عند العجز عن البكاء.

                وقد ورد الأمر بالتباكي عند التوجه إلى الله تعالى كما في حديث إمامنا الصادق عليه السلام: وَ صَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه و آله وَ سَلْ حَاجَتَكَ، وَ تَبَاكَ وَ لَوْ مِثْلَ رَأْسِ الذُّبَاب‏ (الكافي ج4 ص444)
                وكما في حديث النبي (ص): يَا أَبَا ذَرٍّ، مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يُبْكِيَ قَلْبَهُ فَلْيُبْكِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُشْعِرْ قَلْبَهُ الْحُزْن‏ وَلْيَتَبَاكَ.(أمالي الطوسي ص529)
                ومثله عند البكاء على الحسين عليه السلام: وَ مَنْ أَنْشَدَ فِي الْحُسَيْنِ شِعْراً فَتَبَاكَى فَلَهُ الْجَنَّةُ.(كامل الزيارات ص105)
                فكيف يكون المتباكي أو الباكي لأجل الثواب والجنة مستغلاً مخادعاً ؟!

                ثالثاً: أن كلام الدكتور شريعتي هنا مناقض لكلامه في كتابٍ آخر..
                فهو يبرر في كتابه (التشيع مسؤولية) ما عبر عنه ب(البكاء الكاذب)! ويعتبره أمراً مفهوماً..
                قال: ..ما معنى التظاهر بالبكاء الكاذب ؟! ودهشتنا لا مبرر لها، ينبغي أن نعود إلى عصر كانت قطرة الدمع فيه كلاماً يبلغ الشهادة رسالة إلى الناس.. وحيثما يعطي الأمر بالبكاء -حتى التظاهر بالبكاء- يكون البكاء علامة على أن كارثة قد حدثت وأن ظلماً قد ارتكب...(ص97)

                فصارت كلماته في كتابيه (الحسين وارث آدم) و(التشيع العلوي والتشيع الصفوي) مخالفة للعقول وللشريعة ولكتابه الآخر!

                ثم إنه لم يكتف بذلك.. بل صار يستهزئ بما عدّه معتقداً صفوياً في تربة كربلاء حيث قال: الشيعي الصفوي يرى أن تراب كربلاء له خواص مميّزة ينفرد بها عن سائر الأتربة ويتألف من مواد مختلفة عن تلك التي تتألف منها الأتربة الأخرى، وربما كانت له خواص فيزياوية وكيماوية فريدة من نوعها !
                ... ما وراء هذا التراب ثمة (مانا) غيبية وخاصية سحرية وإكسير كيماوي يفعل في المريض فعل الدواء ويؤثر أثره في الشفاء بصورة أسرع ... (التشيع العلوي والتشيع الصفوي ص274)

                لكنه لا يوافق على هذا الرأي، فيقول:
                بيد أن الشيعي العلوي يدرك جيداً أن تراب الحسين لا يفرق عن باقي الأتربة أصلاً، ليس فيه قوة غيبية وخاصية إعجازية ولا ميزة ما وراء الطبيعة، إنه تراب مثل سائر الأتربة، غير أن هذا التراب فيه تذكير للشيعي العلوي صاحب الروح الحسينية .. (ص275)
                وكذا يقول في كتابه الآخر (تاريخ ومعرفة الأديان): هناك بعض الناس يقدسون التربة التي يسجدون عليها، والحال أن هذه لم تكن شيئاً مهماً سوى قطعة من التراب ! (ص165)
                ثم ينفي أي خواص لهذه التربة كالشفاء فيها ويتأسف لهذا الحال داعياً لتركها لأنها ليست من الدين !!
                يقول:
                ولكن من شديد أسف نرى أن هذه التربة تُرجمت إلى مفاهيم غير معقولة، فأصبحت مقدّسة مباركة بذاتها، وأصبحت من الأمور المرموزة والتي تحمل أسراراً.
                ونرى أن هذه التربة التي أصبحت يابسة ومملوءة ببعض ما تعلق بها من مواد فتغير شكلها ولونها، فإن البعض ومن شديد أسف يقطعون جزءاً منها ويخلطونه مع الماء ويضعونه في أذن أو عين الطفل، والبعض يستعملونه كدواء للشفاء من الأمراض.
                هناك عادات كثيرة يجب التخلص منها لأنها ليست من الدين.. (تاريخ ومعرفة الأديان ص167)

                ويلاحظ على كلامه أمور:
                أولاً: ليس الدكتور شريعتي أولى بالتصديق من خاتم المرسلين صلى الله عليه وآله، ففي حين ينفي شريعتي أي خصوصية في تربة الإمام الحسين عليه السلام، بل ينفي خاصية الشفاء منها صريحاً، نرى الروايات الصريحة تؤكد على أن الشفاء في تربته عليه السلام
                فعن النبي صلى الله عليه وآله: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ كَأَنِّي بِهِ وَ قَدْ خُضِبَتْ شَيْبَتُهُ مِنْ دَمِهِ.. أَلَا وَ إِنَّ الْإِجَابَةَ تَحْتَ قُبَّتِهِ وَ الشِّفَاءَ فِي تُرْبَتِه‏..(كفاية الأثر ص17)
                ومثله عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام: إِنَّ اللَّهَ (تَعَالَى) عَوَّضَ الْحُسَيْنَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مِنْ قَتْلِهِ أَنْ جَعَلَ الْإِمَامَةَ فِي ذُرِّيَّتِهِ، وَ الشِّفَاءَ فِي تُرْبَتِهِ، وَ إِجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ قَبْرِه‏ (أمالي الطوسي ص317، إعلام الورى ج1 ص431)

                ثانياً: دلت التجربة والعيان بعد الدليل والبرهان على تحقق الشفاء لمن تناول تربة الحسين عليه السلام. فمقتضي الشفاء تام في التربة.
                أما من لم تنفعه فلأنه أوجد مانعاً من ترتب أثرها، كما دل عليه الحديث الشريف عن صادق آل محمد عليه السلام: وَ إِنَّمَا يُفْسِدُهَا مَا يُخَالِطُهَا مِنْ أَوْعِيَتِهَا وَ قِلَّةُ الْيَقِينِ لِمَنْ يُعَالِجُ بِهَا فَأَمَّا مَنْ أَيْقَنَ أَنَّهَا لَهُ شِفَاءٌ إِذَا يُعَالِجُ بِهَا كَفَتْهُ بِإِذْنِ اللَّه‏ (كامل الزيارات ص281)
                وقد تواتر النقل بحصول الشفاء بتربة الحسين عليه السلام وقبول الدعاء تحت قبته، فلا عبرة لاستبعاد مستبعد نفى ما لم يحط به علماً.

                ثالثاً: أن تخصيص تربة الحسين عليه السلام بالشفاء ليس بدعاً في القول بعدما فضل الله تعالى كربلاء نفسها على مكة المكرمة لأنها تضمنت قبر الحسين عليه السلام، ففي الحديث القدسي خاطب تعالى مكة المكرمة: فَوَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي مَا فَضْلُ مَا فُضِّلْتِ بِهِ فِيمَا أَعْطَيْتُ بِهِ أَرْضَ كَرْبَلَاءَ إِلَّا بِمَنْزِلَةِ الْإِبْرَةِ غُرِسَتْ [غُمِسَتْ‏] فِي الْبَحْر.. وَ لَوْ لَا مَا تَضَمَّنَتْهُ أَرْضُ كَرْبَلَاءَ لَمَا خَلَقْتُكِ وَ لَا خَلَقْتُ الْبَيْتَ (كامل الزيارات ص267)
                بل إن خلق كربلاء كان متقدماً على خلق الكعبة، وقد جعلها الله أفضل أرض في الجنة، فعن الإمام الباقر عليه السلام: خَلَقَ اللَّهُ كَرْبَلَاءَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْكَعْبَةَ بِأَرْبَعَةٍ وَ عِشْرِينَ أَلْفَ عَامٍ وَ قَدَّسَهَا وَ بَارَكَ عَلَيْهَا فَمَا زَالَتْ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الْخَلْقَ مُقَدَّسَةً مُبَارَكَةً وَ لَا تَزَالُ كَذَلِكَ وَ جَعَلَهَا اللَّهُ أَفْضَلَ الْأَرْضِ فِي الْجَنَّةِ. (تهذيب الأحكام ج6 ص72)
                فما ينبغي التخلص منه هو قول الدكتور شريعتي لأنه مخالف للدين، وليس اعتقاد الشيعة لانه موافق لكلام سيد المرسلين..

                والحمد لله رب العالمين

                شعيب العاملي

                تعليق


                • #23
                  بحث رائع

                  احسنتم وبارك الله بكم وجعله في ميزان اعمالكم

                  للاسف فان هناك بذورا زرعت في بعض النفوس كان ثمارها توجيه النقد واللوم والطعن لقياداتنا الدينية

                  وهي بذلك باتت تتلقى كلمات مثل شريعتي وعادل رؤوف وكمال الحيدري كتلقي الارض للمطر


                  وبرغم مافي كلمات شريعتي من خروج واضح عن التشيع فانه من المؤسف كثيرا ملاحظة قبوله لدى بعض المتشيعين لمجرد اتفاقهم معه في الطعن بالرموز الدينية للطائفة

                  تعليق


                  • #24
                    قبسات الهدى (10): شريعتي ومحمد عبده والقرآن الكريم

                    بسم الله الرحمن الرحيم
                    ظهر في القبسات السابقة كثرة استشهاد الدكتور شريعتي بروايات المخالفين الذين كتبوا التاريخ بقلم البلاط المأجور.. ما أوقعه في مخالفات كبيرة لمعتقد الشيعة الحق.

                    ثم ما لبث الدكتور شريعتي أن خاطب (المفكر الواعي) وأرشده للاستماع لكلمات (القادة الثوريين) في عصرنا لفهم القرآن..
                    لكنك عندما تبحث عن هؤلاء القادة الثوريين عنده تجد أن القدوة فيهم (محمد عبده)، حيث يقول في كتابه (أبي وأمي نحن متهمون): لقد بدأت حركة اليقظة وحركة التحرير المضادة للاستعمار في شمال أفريقيا تماماً يوم أن جاء محمد عبده - المنتمي إلى مدرسة سيد جمال الدين والذي كان شعاره عودة كل المسلمين إلى القرآن - إلى شمال أفريقيا، وجمع كل علماء الإسلام ودعاهم قائلاً: بدلاً من الاستغراق في الفلسفات القديمة والاقتصار على الفقه والأصول والكلام والحكمة وطرح قضايا ميتافيزيقية ومسائل دقيقة وذهنية بشكل مبالغ فيه في الأحكام الفرعية.. إذهبوا إلى القرآن...
                    ومنذ ذلك الوقت طرح القرآن مرة ثانية في مجتمع المسلمين، وفي الحلقات الدراسية.... (ص128)

                    فدعوة علماء المذاهب الأخرى أتباعهم للعودة إلى القرآن إن أريد منها الاهتمام بالمعنى بعد الاستغراق في اللفظ، وأخذ القرآن من معدنه، كان لها وجه وجيه..

                    لكن تكرار هذه الدعوة في الوسط الشيعي من قبل الدكتور شريعتي ومن قبل بعض الأسماء الشيعية اليوم لا يخلو من أحد أمور:
                    1. إما أن يكون مرادفاً آخر لقول ثاني القوم (حسبنا كتاب الله) ما يعني العمل بالقرآن الصامت مجرداً عن القرآن الناطق، نبي الله وآل بيته. فيكون في ذلك طعن بالسنة الشريفة والعترة المباركة.
                    2. وإما أن يكون لغواً لأن الشيعة هم من عمل بالقرآن عندما تمسكوا به وبالعترة معاً.
                    3. وإما أن يكون ترديداً لشعارات الآخرين دون إدراك حدودها ودراسة جدواها.

                    وبنظرة أدق.. نرى أن من تأثر ببعض علماء الآخرين وأراد استنساخ تجربتهم إلى الوسط الشيعي قد خانه التوفيق في ذلك، إذ أن المؤمن كيّس فطن ينبغي أن يدرك حقائق الأمور قبل الغوص فيها..
                    وأصحاب هذه الدعوة لم يدركوا بعض نقاط الاختلاف بين السنة والشيعة، فإن الفكر العامي الذي تأثر بمقولة (حسبنا كتاب الله) قد وجه ضربة قوية للسنة النبوية حتى مسخها وشوّهها فصرت ترى في أصح الكتب عندهم بعد كتاب الله من الخرافات والأساطير ما لا يمكنهم التملص أو التخلص منه.. وما يخالف المقطوع به من فروع المذهب والدين بل أصوله.. فأرادوا مجدداً (على فرض حسن الظن بهم) إعادة تنظيف بعض هذه المثالب من كتبهم.. فدعوا للعودة إلى القرآن ونبذ تلك الخرافات..

                    لكن التراث الشيعي الذي لم يبتن منذ البداية على تقديس الاشخاص كما دأب رجال البلاط ولم يلتزم بما يعارض القرآن من الروايات، ولم يعمل بما يعارض المقطوع به من طريق العقل أو الشرع..
                    فليس في الوسط الشيعي ما يدعو لاستنساخ تجربة المخالفين إلينا.. عند التنبه لهذا الفارق بين المذهبين.

                    على أن الدكتور شريعتي نفسه كان قد دعا إلى اليقظة وإعداد الجو المناسب قبل محاولة استقدام التجارب الغربية إلى مجتمعنا لاختلاف الظروف والمعطيات.. وإلا كان في استنساخها خراب ودمار للمجتمع.. فما باله هنا أغفل هذا الاختلاف الهائل بين المجتمعين ؟!

                    فإن قيل: الدعوة في كلامهم هنا ليست لترك السنة إنما للعودة للقرآن الكريم الذي صار مجهولاً.
                    أجبنا: الكلام هو الكلام، فإن الشيعة لم ينفصلوا عن القرآن يوماً، كما فعل المجتمع المخالف كي توجه لهم الدعوة التي توجه إليه..
                    وإذا كان اصحاب المذاهب المخالفة قد انطبق عليهم أنه ليس عندهم من القرآن الا اسمه أو رسمه.. فإن الشيعة الذين أخذوا فهم القرآن عن العترة الطاهرة لم يبتعدوا عن روحه يوماً حتى في أحلك الظروف.. فعادتهم في أيام الظلم والقهر أن يقدموا الغالي والنفيس، ويبذلوا ما يقدرون عليه في سبيل تعلم أحكام الله.. وإذا ما انقشع الظلم عن رؤوسهم رأيتهم يتوجهون أفواجاً نحو تعظيم شعائر الله..

                    ولا يؤاخذ هؤلاء
                    بأنهم لم يصلوا إلى أعلى مراتب الفضل والكمال في شؤون الدين.. لأنهم أدوا تكليفهم وإن خالفتهم الظروف وحاربتهم الأمم.. فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها..

                    ثم يعود الدكتور شريعتي ليقول: كل هذه الانتصارات في نفس هذه السنوات وفي مواجهة نفس هذا الغرب قد تمت لأن المسلمين تعلموا أن القرآن كتاب قراءة لا كتاب تبرّك، رسالة ينبغي أن تُسمع وليس شيئاً مقدَّساً.. أو طوطم ينبغي أن يعبد، هو كلام وفي ثنايا هذا الكلام فكر وليس في داخله سر مقدس (مانا) قوة غامضة تحل في الأشياء والأشخاص وتترك أثراً غيبياً نتيجة للمس والمسح باليد. (ص133)

                    وهنا يتكرر الخلط بين المفاهيم عند الدكتور شريعتي.. والكلام في جهتين:
                    الجهة الأولى: أن كون القرآن كتاب تدبّر وتفكّر لا يتنافى مع كونه كتاباً مقدّساً يترك آثاراً غيبيةً حتى في مثل اللمس باليد..
                    فليس بين الأمرين تعارض ولا للقول الثاني دلالة على تخلف ورجعية مزعومة.. ذلك أن الله تعالى وإن أمر الناس بالعمل وفق الأسباب الطبيعية إلا أن هذه الأسباب فيها جنبة غيبية لا تخفى على أحد..

                    مثاله ما أشار إليه الحديث الشريف حول العلم والتعلم..: ليس العلم بكثرة التعلم إنما هو نور يقع في قلب من يريد الله أن يهديه..
                    وسواء أريد من الحديث العلم الذي يستتبع عملاً (فيخرج الذي آتيناه علماً فانسلخ منه) أو ما يشمل العلم المجرد عن العمل.. فلا تعارض بين تقديس الكتاب وبين التفكر بآياته والتدبر فيها.

                    وكما ورد الارشاد الى أهمية التدبر في آيات كثيرة، وردت جهات لها جنبة غيبية لا تقبل الشك في جملة من النصوص..
                    فمن ذلك استحباب القراءة من المصحف ولو كان القارئ حافظاً للقرآن الكريم، ففي الحديث: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي الْمُصْحَفِ مُتِّعَ بِبَصَرِهِ وَ خُفِّفَ عَنْ وَالِدَيْهِ وَ إِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ. (الكافي ج2 ص613)
                    وعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنِّي أَحْفَظُ الْقُرْآنَ عَلَى ظَهْرِ قَلْبِي فَأَقْرَؤُهُ عَلَى ظَهْرِ قَلْبِي أَفْضَلُ أَوْ أَنْظُرُ فِي الْمُصْحَفِ قَالَ فَقَالَ لِي بَلِ اقْرَأْهُ وَ انْظُرْ فِي الْمُصْحَفِ فَهُوَ أَفْضَلُ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّظَرَ فِي الْمُصْحَفِ عِبَادَةٌ.(المصدر ص614)
                    ويتبين من هذه الآثار ما لنفس النظر في المصحف بنفسه، فكيف باللمس الذي حرم على غير المتطهرين ؟!

                    والجهة الثانية: أن توقيف انتصارات المسلمين على فهمهم للقرآن هو مجازفة، فإن من كانوا أصحاب رسل وشرائع كانوا على أعلى درجات الفهم والإدراك بل والإلتزام بالشرائع السماوية لكن المجتمعات كانت فاسدة ونبذت دعوتهم، فتحملت جزاء فعالها دونهم.

                    فليس من الصواب الاقتداء بالمخالفين وهم المعرضون عن الثقلين الذين أوصى النبي ص باتباعهما، وقد قال باقر علوم آل محمد يوماً: شَرِّقَا وَ غَرِّبَا فَلَا تَجِدَانِ عِلْماً صَحِيحاً إِلَّا شَيْئاً خَرَجَ مِنْ عِنْدِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ(الكافي ج1 ص399).

                    والحمد لله رب العالمين

                    شعيب العاملي

                    تعليق


                    • #25
                      قبسات الهدى (11): شريعتي والشيعة في زمن الغيبة

                      بسم الله الرحمن الرحيم
                      يتفق أهل العقل والشرع على لزوم التناسب بين القدرة والتكليف، بحيث ينسجم حجم المسؤولية الملقاة على عاتق المكلف مع قدراته وإمكانياته. قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها﴾
                      ولذا كان من الطبيعي أن يزود الأنبياء والأئمة بما يحتاجونه من علوم غيبية وصلاحيات واسعة تتناسب مع مسؤولياتهم من كونهم الهداة إلى الله والطريق إليه وغير ذلك.. ويمتنع تكليفهم بتلك المهمة ما لم تتوفر لهم الأدوات اللازمة.

                      لكن يلوح من كلمات الدكتور شريعتي ما يخالف هذه القاعدة..
                      فيقول في كتاب (الحسين وارث آدم): وفي بداية فترة الغيبة الكبرى.. تنقطع العلاقة بالإمام، ونيطت مسؤولية الإمام بالناس.. (ص328)
                      ويقول في كتاب (التشيع مسؤولية): وليست الغيبة في هذه الفترة هي تعطيل المسؤوليات الإجتماعية، بل هي على العكس مما (طبخوه) وما (يطبخونه) توضع كل مسؤولية النبوة والإمامة على كاهل العلم والعالم.(ص30)

                      فهو يلتزم بأن (كل) مسؤولية النبوة والإمامة قد أنيطت بالعلماء أو بالناس أنفسهم في زمن الغيبة !

                      ويلاحظ على كلماته أمور:
                      أولاً: أن (الطباخ) الذي ينتقده هنا هو العقل الإنساني والمشرع السماوي، الذي يرى لزوم التناسب بين (القدرات والكفاءات) وبين (حجم المسؤولية) ولا يخالف هذه القاعدة حكيم فكيف بخالق الحكماء ؟!
                      وهكذا اختلفت أدوار الأنبياء بحسب اختلافهم في الفضل وقد قال تعالى ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْض‏﴾ فجعل بعضهم من أولي العزم الذين أرسلوا للبشرية كافة، وبعضهم لم يرسل إلا لجماعات خاصة من البشر..
                      وما كان دور (الهداية المطلقة) و(المسؤولية الكبرى) في إحقاق الحق وتثبيت أركان العدل على وجه البسيطة إلا لخاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله والأئمة الإثني عشر الذين بلغوا الغاية والمنتهى في الكمال..
                      فكيف يمكن أن يؤدي هذا الدور نفسه الإنسان العادي المجرد عن هذه الخصال ؟
                      ثم كيف يمكن للمجتمع أن يقوم بذلك وكل أفراده عاجزون.. ألا يكون ذلك من باب ضم اللاحجة إلى اللاحجة ؟! بمعنى أن الكل محتاجون للإمام سواء تفرقوا أم اجتمعوا..ولا يمكن أن يقوم بدوره أحد.

                      ثانياً: إن قيل.. المسؤولية لا تناط بالأفراد ولا بالأمة، بل بعلمائها خاصة.
                      أجبنا أن العقل يحكم بلزوم كون النبي والإمام معصوماً حيث ورد الأمر باتباعه اتباعاً مطلقاً، ومع عدم العصمة يستحيل توجيه الأمر بالتبعية المطلقة عقلاً ونقلاً.

                      وليس للدكتور شريعتي أن يلتزم بعصمة العلماء وهو الذين شن حملة على (العالم الذي يهمل مسؤوليته تجاه الشعب) وخلص إلى قوله: ولم نقدم للشعب بعد كل تلك السنين من البحث والدراسة والتفكير والمشقة العلمية إلا رسالة علمية في آداب الطهارة وأنواع النجاسات وأحكام الحيض والنفاس وشكوك الصلاة. (فاطمة هي فاطمة ص33)

                      وفي هذا تجنٍّ واضح على العلماء أو جهلٍ بما بحثوه حيث غاصوا في كل مسألة من أصول العقيدة إلى فروع الفقه والآداب والأخلاق والسنن والاجتماع والنفس وغيرها.. وفي كلامه أيضاً استخفاف بمسائل الأحكام الشرعية الفرعية بطريقة لا تليق بباحث اجتماعي أو ديني !! فما الداعي للانتقاص من أحكام النجاسة مثلاً والصلاة عمود الدين تبطل عند عدم مراعاتها ؟ ومثلها سائر الأحكام الشرعية..

                      وكما لا يمكنه أن يلتزم بعصمة العلماء، ليس له أن يلتزم بعصمة بعصمة الأمة، وهو القائل في المجتمع الشيعي: إلى أي حد قلب التشيع، وكيف أنهم ألبسوا أجساد أرواحنا وفكرنا وشعورنا وإحساسنا وعالمنا وحياتنا هذا الفرو مقلوباً على وجهه القبيح المخيف المنفر... في عصر الغيبة الكبرى... يجد الشيعة فلسفة سياسية ومدرسة اجتماعية خاصة بقدر ما تبدو اليوم منحطة وُمذلّة ولا إنسانية ومهينة للإنسان ولإرادته وحريته وفكره، ومعارضة للمسؤوليات الاجتماعية... (الحسين وارث آدم ص328)
                      فطبق قول أمير المؤمنين في مخالفيه على شيعته ! (وَلُبِسَ‏ الْإِسْلَامُ لُبْسَ الْفَرْوِ مَقْلُوبا) لما لم يدرك الوجه في تصرفاتهم !

                      ثالثاً
                      : لما لم تكن الأمة معصومة ولا كان علماؤها معصومون، وكان الإمام المعصوم غائباً، وكان لا بد للناس من تنظيم أمرهم، أنيط (مقدار الضرورة) من ذلك فقط بالأمة نفسها وعلمائها، ولذا تتعطل بعض الوظائف في زمن الغيبة لعدم تحقق موضوعها.
                      لا يقال بأن حرمان الأمة من إمامها ظلم لها.. لأن منظومة الإمامة الإلهية قد ضحّت بأحد عشر إماماً شهيداً على يد المجتمع البشري، فكان لزاماً حفظ الأخير من الأئمة وإن حرم هذا الخلق من نوره الظاهر، حتى يأذن الله تعالى له في الظهور..
                      وإنما خفف الله تعالى عن المؤمنين في زمن غيبته ليحفظ الخلص من أتباع العترة الطاهرة من كيد الكائدين.. وهو بهذا لا يختلف عن سنوات صبر أمير المؤمنين عليه السلام التي لطالما تغنى بها الدكتور شريعتي وبعظمتها وبيّن ما كان لها من تأثير كبير في مسيرة الحفاظ على الحق والمسلمين..

                      ولو سارت الفئة المتبعة للحق على قِلَّتها على نهج ثوري عنيف دائماً لأدى ذلك الى استئصالها، لكنها حافظت على وجودها دون أي تنازل عن الحق والحقيقة وسارت على نهج الأمير عليه السلام في نشر الإسلام بالفكر والكلمة والموقف أولاً وآخراً..

                      وقد أشارت إلى هذه المعاني جملة من الأحاديث الشريفة:
                      عن أبي عبد الله عليه السلام: كُونُوا أَحْلَاسَ بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ الْغَبَرَةَ عَلَى مَنْ أَثَارَهَا وَ إِنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَكُمْ بِجَائِحَةٍ إِلَّا أَتَاهُمُ اللَّهُ بِشَاغِلٍ إِلَّا مَنْ تَعَرَّضَ لَهُم‏ (الغيبة للنعماني ص197)
                      وعنه عليه السلام: كُفُّوا أَلْسِنَتَكُمْ وَ الْزَمُوا بُيُوتَكُمْ فَإِنَّهُ لَا يُصِيبُكُمْ أَمْرٌ تُخَصُّونَ بِهِ أَبَداً وَ يُصِيبُ الْعَامَّةَ وَ لَا تَزَالُ الزَّيْدِيَّةُ وِقَاءً لَكُمْ أَبَداً.(المصدر)

                      رابعاً
                      : يظهر التناقض جلياً في كلمات الدكتور شريعتي عندما يعتبر تخلي الشيعة عن الحكم في زمن الغيبة مؤامرة، ثم يعتبر حكم الشيعة ضربة قاضية لهم!
                      يقول في كتاب (الأمة والإمامة): وما ألقي في بعض الأذهان من أن زمان الغيبة الغيت خلاله مسؤولية الحكم عن الشيعة حتى ظهور الإمام، وينحصر عمل الشيعة بالقعود والانتظار وبناء أنفسهم، فهذه النظرية صنعتها قوى باسم التشيع، لتحجبهم عن التدخل في المهام السياسية والاجتماعية للأمة... (ص176)
                      فيلتزم بضرورة تدخل الشيعة في الحكم وعدم تخليهم عن هذه المسؤولية وأن نظرية التخلي عن الحكم صنعتها قوى أخرى باسم التشيع !

                      ثم يعدّ تدخلهم هذا بداية هزيمتهم ! فبعد أن يتحدث عن (تحول الوجود الشيعي إلى قوة كبرى تحكم البلاد) في العهد الصفوي يقول :من هذا الموقع الُعلوي والحافل بالانتصارات بدأت هزيمة التشيع ! (التشيع العلوي والتشيع الصفوي ص65)
                      ويقول: حينما ظهرت الدولة الصفوية رأينا أن الشيعة أيضاً تبدّلو وأصبح نظامهم نظام مؤسسة، ونظاماً مركزياً أيضاً... التشيع أصبح نظاماً حاكماً ويجلس على كرسي الحكم، ومن هنا تقف حركة التشيع ويصبح محافظاً وملتزماً.( تاريخ ومعرفة الأديان ص437)
                      كما قال عن السنة: إن نظام الحكومة صار سبباً في توقف الحركة الفكرية في الإسلام...(المصدر ص439)
                      فالغرض من الحراك عنده إعداد نظام حكم شيعي، وهو الذي يرى أن نظام الحكم هو بداية الهزيمة !

                      خامساً
                      : يوجب الدكتور شريعتي على الشيعة المواجهة وإن تعرضوا للهلاك، فيقول:
                      إن مسؤولية الشيعي هي عبارة عن:
                      أن يقول: (لا) في مواجهة الباطل وبرغم أنف المصلحة وإن تعرض للهلاك! .... أن يعمل على أن يقتدي بعلي في عمله وعبادته، وقتاله وسله للسيف وصموده وتحركه وتعامله بطهر... (التشيع مسؤولية ص48-50)

                      ويظهر أنه قرأ وجهاً واحداً من وجوه علي ههنا، وهو الذي كان يفتخر بأن علياً جمع ما لا يمكن لغيره أن يجمعه..
                      فكما كان سيف علي مسلولاً عندما اقتضت (مصلحة الإسلام) ذلك.. أغمده وصبر سنوات طويلة عندما اقتضت (نفس المصلحة) ذلك.. وهو ما أقر به شريعتي في موارد أخرى..
                      فما باله ينكر على أتباع علي انتهاجهم سياسة الصبر والتحمل لمصلحة كما فعل أئمتهم عليهم السلام ؟ ويريد منهم أن يلقوا بأنفسهم في التهلكة مفرقاً بين (القيام) و(القعود) وان اقتضته المصلحة وقد قال النبي (ص): الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا !

                      وليس القعود هنا هو سكوت مطلق عن الباطل وترك للحق أبداً.. بل انتهاج لما كان فيه مصلحة كما لا يتصور غير ذلك في الحسنين عليهما السلام..
                      وهو نفسه يسلم بما يقرب من هذا المعنى في كتاب آخر حين يقول: لم يكن في مستطاع الإمام السجاد أن يمارس أي نضال، ما كان في مستطاعته أن يمارس ما كان الإمام الصادق يمارسه من تدريس، ولا أن يمارس ما كان يمارسه الإمام علي والإمام الحسن من حرب وقتال، ولا أن يفعل ما فعله أبوه الحسين من ثورة تبغي الاستشهاد، ولكن قلبه كان يفيض ويفيض فكان في كل مكان يتوسل بالدعاء إلى الكلام عن عقيدة الشيعة.... (كتاب الدعاء ص43)

                      فلماذا لا يكون هذا هو حال الشيعة في زمن الغيبة، زمن تعبئة وتعلم وتعليم وبث للعلوم واستعداد ليوم اللقاء مع الموعود المنتظر، يوم الثورة الإلهية الكبرى التي ستخلص البشرية !
                      ولماذا لا يكون الدور الملقى على عاتق الشيعة في هذا الزمن هو دورٌ خاص كما كان لكل إمام دوره الخاص بحسب الظروف التي يعيش بها ؟!

                      سادساً
                      : لئن كان الدكتور شريعتي ممن طلب الحق فأخطأه في ذلك، فقد كان يكفيه أن يتصفح روايات العترة الطاهرة لترشده إلى ما يرفع عنه اللبس.
                      فعن أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَنَّهُ قَالَ: مَا يَكُونُ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى لَا يَبْقَى صِنْفٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا وَ قَدْ وُلُّوا عَلَى النَّاسِ حَتَّى لَا يَقُولَ قَائِلٌ إِنَّا لَوْ وُلِّينَا لَعَدَلْنَا ثُمَّ يَقُومُ الْقَائِمُ بِالْحَقِّ وَ الْعَدْلِ.(الغيبة للنعماني 274(
                      فإن غيبة الإمام فترة استثنائية للبشرية وإن طالت.. تختبر فيها قدراتها وطاقاتها لتصل إلى نتيجة حتمية وهي لزوم الاستعانة بالمعصوم عليه السلام، لا فترة الإعداد للاستغناء عن المعصوم كما يتصور شريعتي!!
                      أرشد إلى ذلك الحديث الشريف عن إمامنا الصادق عليه السلام: الْحُجَّةُ قَبْلَ الْخَلْقِ وَ مَعَ الْخَلْقِ وَ بَعْدَ الْخَلْقِ.(الكافي ج1 ص177) وغيره..

                      وأخيراً
                      ..
                      قد يقول قائل: لماذا كل هذا التوقف عند أقوال الدكتور شريعتي هذه ؟ وأين الضير فيها ؟
                      يعرف الجواب من النتائج التي يتوصل إليها عند سلوك هذا المنهج.. فإن الدكتور شريعتي يعتبر أنا نعيش في (مجتمع أموي) وإن كان اسمه (شيعياً) !!
                      قال: ومن هنا قلنا إن الإمامة وتنصيب علي في الخلافة بالشكل السائد في أذهان الشيعة ليس من التشيع العلوي في شيء... فإن كان التشيع هو ما يقولون ويعملون فأنا لا أرفض عقائدهم فحسب وإنما أشعر بمسولية خطيرة في وجوب محاربتها.... وهذه مسؤولية كل شيعي علوي يعيش في (مجتمع أموي) وإن كان اسمه (شيعياً) !! (الحسين وارث آدم ص200: هامش2)

                      ثم عدّ هذا الانقلاب في التشيع مما لا نظير له في تاريخ الإنسان!
                      قال: لم نعهد أي مذهب وأي دين في تاريخ الإنسان - على حد معرفتنا - منذ البداية حتى الآن كالتشيع، ابتلي بتغيير المسيرة واختلاف الرؤى بل تناقضها حتى كانت المسافة بين النظرتين تفوق المسافة بين الكفر والدين! (الحسين وارث آدم ص255)

                      ولذا فليس من الغريب عنده أن يكون أتباع المذاهب الأخرى قد سبقونا في التعرف على الإسلام بروحه وتعاليمه ؟!
                      قال في الكتاب المذكور: لماذا طوى أتباع المذاهب الأخرى مسافات كبيرة وقطعوا أشواطاً بعيدة في سبيل التعرف على الإسلام وإحياء عصورهم بروح الاسلام وتعاليمه ؟ ... لماذا تقدموا علينا... ؟ (ص258)

                      وكلماته الأخيرة في غاية الخطورة.. وتكفي وقفة منصفة معها ليعرف إلى أي فكر ينتمي صاحبها، ومع أي مدرسة من المذاهب الإسلامية يشترك ؟! وبأي عقيدة يؤمن !

                      والحمد لله رب العالمين

                      شعيب العاملي

                      تعليق


                      • #26
                        قبسات الهدى (12): ختام القبسات.. مع الدكتور شريعتي

                        بسم الله الرحمن الرحيم

                        لن ينتهي الجدل الذي أثير حول الدكتور شريعتي مع (قبسات الهدى) هذه كما لم ينته قبلها، وغاية ما نأمله هو أن نساهم في رفع شبهة هنا أو هناك قد يتأثر بها بعض المؤمنين عن حسن ظن بقائلها.. وحسن الظن لا يكفي للأخذ من أي أحد، فكم من شخص تعتقده صادقاً يكون مخطئاً، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: لَيْسَ مَنْ طَلَبَ الحقَّ فَأَخْطَأَهُ كَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ فَأَدْرَكَه(نهج البلاغة ص94)‏..

                        ولئن كان الدكتور شريعتي ممن طلب الحق في عيون محبيه، فإنه قد وُفِّقَ في إدراك جملة من المفاهيم الدينية الجميلة..
                        ولئن كان يهتزّ طرباً كلما دغدغ نفسَه البشرية مفهومٌ إلهيٌّ فإنه لم يعدم أن يبيّن جملة من الحقائق والمفاهيم الدينية بقالب عصري شبابي تتناغم معه شريحة من مجتمعنا وخاصة شبابنا..

                        لكنه في المقابل قد (شطح) شطحات كبيرة بدأت من أصول الاعتقاد مروراً بقائمة من المفردات العقدية والفقهية، العلمية والعملية، التاريخية والاجتماعية.. فتشوّهت في كلماته مفاهيم كثيرة بعد أن قرأها قراءة مغلوطة، كادت تطمس الهوية الفكرية للشيعة..

                        وقد حاولنا في هذه (القبسات) أن نسلط الضوء على (جملة) منها تكفي لإعطاء صورة واضحة حول آرائه، وتجيب على عدة من الشبهات التي سقط فيها، إما لعدم إدراكه لحقائقها بعدما حام حول ظواهرها ولم يوفق للغوص في مقاصد الشريعة منها.. وإما لاجتزاء القراءة عنده.. أو غير ذلك مما نطوي عنه كشحاً..

                        وقد تبيّن من مطاوي البحث مقدار تأثره بكتب المخالفين، وقد بيّن أحد أسباب ذلك حينما عدّ التقريب بين السنة والشيعة سبباً من أسباب الاعتماد على كتبهم!!
                        فكان تقريباً غير آمنٍ من لوثات المخالفين، بحيث تسرّبت عبره كلمات حكام البلاط وأفكار مخالفي العترة الطاهرة، وقد تبنى ما نقله منها بشكل صريح حينما قال:
                        ان اختيار المحقق لبعض الكتب كمصادر في تحقيقه لا يعني بحال أنه يؤيد كل ما في تلك الكتب بدون استثناء، بل انه يؤيد الشيء الذي نقله من ذلك المصدر لا أكثر ولا أقل(دين ضد دين ص166).

                        على أنّه فضلاً عن ذلك صرّح مراراً بما يعتقد مما يخالف عقيدة الإمامية.. فلا يُعبأ بما حاول به الذبّ عن نفسه حينما زعم أن ما ينسب إليه هو اتّهامات وافتراءات بعد أن كانت مبثوثة في محاضراته وكتبه.. قال:
                        إلا أن هذه الجماعة المبتلاة بداء التحجر والانغلاق لا تزال تنهال علينا بأنواع التهم والافتراء وتعكّر الاجواء خدمة للاعداء(دين ضد دين ص174)..

                        فإنّ هذه القبسات نموذجٌ حيٌّ ماثل أمام القارئ يكشف عقيدة الدكتور شريعتي ويعرضها من كتبه.. على أنه بعدما اشتكى مما يثار ضده قال:

                        لذا أرى من الضروري ان أعلن بصراحة عن تشيعي وعن أصول عقائدي التي كنت عليها طوال عمري وقدمت في سبيلها شبابي وعشرين سنة من دراستي وكتابتي وكلامي وعملي وأن اقول: أني المدعوّ علي شريعتي المتهم بجميع الاتهامات التي يقدر اللسان ان ينطق بها، اعتقد اعتقاداً كاملاً بـ:
                        1. وحدانية الله.
                        2. حقانية جميع الانبياء من ادم عليه السلام حتى محمد صلى الله عليه وآله.
                        3. رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وخاتمية نبوته.
                        4. ولاية الامام علي عليه السلام وامامته ووصايته.
                        5. العترة الطاهرة بصفتها باب العصمة الوحيد للوصول إلى القرآن والسنة...

                        ووصل في تعداد تلك الفقرات إلى الرقم 22 ليقول:
                        22. وأخيراً أؤمن بالتشيع العلوي تشيع الشهادة الأحمر لا تشيع العزاء الاسود(دين ضد دين ص178).
                        وذكر بينهما نقاطاً عدة يؤكد فيها على عقيدته..

                        وقد تبيّن في مطاوي القبسات مقدار التناقض الذي التزم به هناك مع ما التزم به هنا في باب العصمة مثلاً والولاية وما إلى ذلك..

                        وقد كان موقفه ملتبساً مع العلماء، وهو حين يشن هجوماً لاذعاً على رجال الدين لا يوفر الشيعة منهم، يقول:
                        رجال الدين الذين طالما استعبدوا الناس سياسياً واقتصادياً وعقائدياً، يتوجّهون وكأنهم رعايا إلى مزار السلطان علي بن موسى الرضا معبّرين بذلك عن انتساب سلطانهم وقدرتهم ونفوذهم السياسي والمادي والمعنوي إلى هذا المزار السماوي المقدس الذي منحهم هذه المكانة وأعطاهم هذا المنصب في الأرض(دين ضد دين ص130)..

                        ويزعم أنه يهاجم العلماء المزيفين حصراً، ثم ما يلبث أن يزعم أن حوزاتهم تحارب القرآن الكريم، فيقول عن كتاب الله:
                        ومن هنا فأنت لا تعلم يا أخي المفكر ولا تعلمين يا أختي المفكرة أية جهود بذلوها حتى يبعدوه من بين الأحياء، ويقطعوا أثره عن الحياة، ويسكتوا نداءه حتى في ساحات الجهاد بل وفي حوزات (الاجتهاد)!! (التشيع مسؤولية ص58).

                        لينسب لهؤلاء العلماء مسؤولية عدم اتباع الأمم للحق! فيقول:
                        إننا إذا طرحنا (التشيع الصفوي) جانباً.. وكانت علاقتنا مباشرة بالتشيع العلوي، حتى تسطع أشعته مباشرة على قلوبنا -دون أن تمر بأجهزة التنقية الصفوية- فإن ضمير العالم الثالث اليوم والجيل المتمرد في قرننا الحالي والضمير المسؤول الواعي عند كل المسلمين، كلها سوف تقبل الشعارات الأصيلة للتشيع، أي الإمامة والعدالة والإيمان والوحدة(التشيع مسؤولية ص58)..

                        وكأن الدكتور شريعتي يتصور أن البشرية لا تتبع الحق المتمثل بالتشيع اليوم لأن التشيع لا يطرح كما ينبغي فهو مشوّه محرّف داس عليه التشيع الصفوي ولم يبق منه إلا اسمه!
                        ونحن وإن كنّا نقرّه بأن بعض المفاهيم قد تكون مشوشة لا مشوّهة، وبعضها قد لا يكون واضحاً، إلا أن روح التشيع وحقيقته وجوهره لا تزال كما هي..

                        الروح التي أسسها علي عليه السلام وتبعه عليها شيعته الخلص على مر التاريخ وذاقوا في سبيلها ما ذاقوا وقدموا من التضحيات الغالي والنفيس هي نفسها لا تزال مستقرة بين ثنايا المذهب الشيعي وتظهر في أنفاس وحركات الشيعة..

                        ولا يرجع عدم اقرار الآخرين بحق الشيعة إلى هذا التشويه المزعوم للتشيّع.. إنما يرجع لإنكار النفوس المريضة من سائر الأديان والمذاهب الحق رغم وضوحه.. وليس الأمر جديداً.. فإن الحالة الغالبة على البشرية هي عدم اتباع أهل الحق كما حصل مع الأنبياء على طول المسيرة..
                        بل كما حصل مع من ينتسب له الشيعة وهو أمير المؤمنين عليه السلام حيث أقصيَ عن الخلافة وحورب ممن رفضوا ما أتاهم به، لا لأنه غير واضح او مشوّه بل لأنه في غاية الوضوح ويتضمن كل مفاهيم العدل والإنصاف التي لا يمكنهم تقبلها..

                        ولو التزمنا بأن السبب الذي يمنع الآخرين من اتباع الحق اليوم هو عدم صوابية شعاراتنا فإن هذا يعني عدم صوابية شعارات علي عليه السلام.. وهو الباطل بعينه..

                        لقد حاول الدكتور شريعتي أن يُبَسِّط الاختلاف الحاصل بينه وبين المجتمع الشيعي عموماً والعلماء خصوصاً، وينسب ذلك إلى الاختلاف في اللغة! فيقول:
                        واختلافاتنا مع شريحة من المؤمنين هو نوع من سوء التفاهم الناتج عن اختلاف اللغة بيننا.. وقد أدى اختلاف اللغة الى اختلاف العقيدة(التشيع مسؤولية ص65).

                        ويقول:
                        واذا كنا نتعرض للهجوم في طرح مثل هذه القضايا فهذا راجع إلى سوء التفاهم الناتج عن ازدواجية اللغة(التشيع مسؤولية ص68)..

                        فإن كان الأمر كذلك، لماذا يصر الدكتور شريعتي على الطعن الكبير بكل من خالفه ويذمّهم بأشدّ الألفاظ؟
                        على أننا نرى أنه جانب الصواب في دعواه، فما ظهر من اختلاف لم يكن لفظياً ومقتصراً على الأسلوب.. وقد اتُّهم من كلّ الأطراف:
                        حمدت الله أن ساقني إلى طريق أُتهم به في إيران بأني من أهل السنة وفي السعودية بأنني من غلاة الشيعة(أبي وأمي نحن متهمون ص57)..

                        ويقول عندما يتحدث عن بحث الأمّة والإمامة:
                        وإذا وقعت قارئي الكريم خلال بحثنا هذا على عبارات ومصطلحات تختلف من مألوف ما نسمعه من عبارات ومصطلحات في هذا البحث والأصل العقائدي فأرجعه إلى اختلاف اللغة، وطريقة الاصطلاح، واختلاف زاوية النظر إلى موضوع البحث، لا إلى إختلافٍ في أصل الإعتقاد(الأمة والإمامة ص9).

                        فإذا كان هو بنفسه يعتقد أن الاختلاف هو في اللغة والاصطلاح وزاوية النظر الى موضوع البحث لا في أصل الاعتقاد، فما باله وصف من خالفه الرأي بأبشع النعوت حتى عدهم (مستحمرين)؟! وشملهم بأسوأ الالفاظ وأسقطهم عن حقيقة الاتّباع لمعتقد محمد صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام ودينهما وأخلاقهما!

                        وإذا كان يطلب منهم إبقاء الاختلاف في (حدوده) ومعرفة مدى الاختلاف وعدم تحميله ما لا يحتمل فلم لم يقم هو بذلك قبلهم وشن عليهم حملة لا تبقي ولا تذر!
                        أما كان أولى به أن يلتزم بما يطالب الآخرين به؟!
                        وهل نلومهم إن كانت ردة فعل عوامهم على وزان أقواله بحقهم وإن سبقهم بأشواط في التسقيط والتجريح؟!
                        وردة فعل علمائهم دفاعاً عن عقيدة مُسخت عنده؟!
                        هل فعله هذا هو نوعُ تأثُّرٍ ببعض المخالفين؟ وهو من يذم العلماء الشيعة فيما يطري على محمد عبده وجمال الدين الأفغاني والكواكبي ورشيد رضا ويزعم حسد العلماء لجمال الدين..

                        ويذم كتب الشيعة ويعتمد على كتب البلاط كتاريخ الطبري وأمثاله.
                        ويذم علماء بلادنا وهو المتأثر بجملة من مفكري الغرب.. كأساتذته.. جورفيتش Gurvitch وآرون Aron عالمي الاجتماع، و ماسينيون Massignon وجاك بيركJacques Berque وبرنشويج Brunschwig وهنري ماسيه Henri Massé(العودة إلى الذات ص263 و274).

                        أم أنّ لفعله أسباباً نفسية أخرى؟!
                        وهو الذي يقرّ بأنه ليس داعياً دينياً وإن دعى الناس إلى تغيير معتقداتهم وزعم بطلانها!

                        يقول:
                        أنا لست داعياً دينياً، ولا أدعو للدين الوراثي، ولست ملتزماً بعهد للدعوة إلى الدين، هذا نوع من تفكيري العلمي والتحقيقي الذي توصلت إليه وأنا أريد أن أقوله(الإنسان والإسلام ص50)..

                        وإذا أجَلتَ النظر في كلماته هالَكَ ما تراه من إقرارٍ بالإبهام في عقيدة الإمامة، حتى انفتحت له جهة من جهات الإمامة في علم الاجتماع فدعا الناس لتغيير مفهوم الإمامة عندهم!

                        يقول:
                        حقاً إن جميع ما سمعته وقرأته في كتب الشيعة حول الإمامة وأصالة الإمام والاعتقاد بالإمام كان مبهماً لديّ من قبل، نعم كان مبهماً جداً.. لم يكن الموضوع واضحاً أمامي، ولم أكن قادراً على أن أهضم مضمون الفكرة، فما كنت أسمعه وأقرأه لم يكن منسجماً مع منطق العصر ورؤيتي الاجتماعية.. واستمر الامر على هذا الحال حتى فتحت أمامي -فجأة وبشكل يشبه الإلهام والكشف- نافذة على عالم جديد.. ولاحظت أن مسألة الإمامة.. أضحت بمنظار علم الاجتماع السياسي ضرورة حياتية، وتجلت أمامي عظيمة عميقة رائعة بحيث لم تتوفر لدي أي مسألة أخرى إطلاقا على هذا الحجم من القوة والوضوح(الأمة والإمامة ص37).

                        ومن يقرأ يظنّ أن الرجل قد انتقل من شك ووهم إلى قطع ويقين، لكنك تُفاجَأ حينما ترى أن (كل ما يقوله) هو نظريات غير قطعية!! الواضح عنده في أمّهات المسائل ليس أمراً قطعياً نهائياً!

                        يقول:
                        من المقطوع به أن ما أطرحه هنا جديد، ومن الممكن أن يكون صحيحاً أيضاً، من هنا فكل ما أقوله نظرية، وليس أمراً نهائياً قطعياً، وإنما أدعو إلى التفكير فحسب.
                        فقد توصلت في قراءتي الى نتائج ولكن لا يجب أن تعتقد أن كل ما أقوله صحيح 100 %، كما أنني لست معتقداً بصحة كل ما أقوله 100 %، انما قمت بدراسة في ضوء مبادئ علم الاجتماع..
                        وهذا التذكير يجب أن يُعدَّ مقدمة لجميع ما أقوله وأكتبه(الأمة والإمامة ص39).

                        فإذا كان قد أسقط جميع ما سمعه وقرأه في كتب الشيعة حول الإمامة باعتباره مبهماً غير واضح!
                        وذلك بعدما كان قد أسقط العصمة بمعناها الشيعي أيضاً، ثم قدّم بديلاً لا يعتقد هو بصحته بالكامل!!
                        فأي دعوةٍ هذه التي تدعو لترك المعتقد اليقيني الذي يعتقد به كل الشيعة واستبداله بمعتقد مشكوك؟!
                        أفلا ينطبق على دعوته للناس قول الله تعالى لبني إسرائيل: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾؟(البقرة 61).

                        وهل يصح الالتزام في أصول الاعتقاد بما لا يعتقد صاحبه بصحته تماماً؟! وقد قال ربنا تعالى في كتابه: ﴿فَماذا بَعْدَ الحقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾(يونس 32).

                        ولعل آخر ما يمكن أن يدافع به عن الرجل هو أنه لم يكن متنبّهاً إلى كل هذه الأخطاء في كلماته، وأنّه كان مستعداً للإقرار بها، معلناً استعداده لنقضها، لكنه لم يقم بذلك فعلاً، ولا ندري هل أنّه كان جدياً ولكن لم يسعفه العمر والظروف لذلك؟ أم أن كلماته هذه كانت موقفاً عابراً بعد ردود الأفعال عليه؟ فقد ذكر المرجع الديني السيد محمد صادق الروحاني في أحد إجاباته المنشورة في موقعه الالكتروني حول الدكتور شريعتي ما نصه: (كان رجلاً غير مستقيم في فهم الحقائق الدينية والمذهبية، وقد تضمنت الكثير من كتبه مطالب خلاف المذهب بل الدين، وبعد صدور بعض الردود إليه أرسلَ لي قائلاً:‏ أنا أجي‏ء إلى قم، وكل مطلب تراه خلافاً للدين والمذهب فأرشدني إليه وأنا أتراجع عنه وأقوم بنفسي بكتابة الرد عليه، ولكنَّ ذلك لم يتحقق)، ونحن لا تهمّنا الأحوال الشخصية بقدر ما يهمّنا بيان صحة الاعتماد عليه في أمور الدين من عدمه، وقد تبيّن حال ذلك مما تقدّم.

                        ولكن.. لماذا كلّ هذه التناقضات والضعف العلمي والخواء الفكري؟!.
                        يرتفع العجب عندما تقرأ اعترافه بأنه لم يكن متخصصاً في جميع الأمور التي طرحها حتى الإسلامية منها!

                        فيقول:
                        إنني لم أكن متخصصاً في جميع تلك الأمور التي طرحتها، في المسائل الإسلامية أو المسائل الاجتماعية أو الأديان أو الإنسان أو الثقافة والحضارة والتاريخ، وجميع المسائل التي تدور في فكري(تاريخ ومعرفة الأديان ص523)..

                        فهل يصحُّ أن نأخذَ مفاهيمنا الدينية من غير أهل الاختصاص؟! وممن لا يقرّ بصحّتها المطلقة؟! أو ممن كان يعيش حالة الشك؟!

                        من ههنا أصيبت مقاتله
                        ، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: مَنْ تَرَكَ قَوْلَ لَا أَدْرِي أُصِيبَتْ مَقَاتِلُه‏(نهج البلاغة ص482).

                        فليته صمت بعد أن أقرّ بعدم الاختصاص، وتنبّه إلى الحديث الشريف: وَمَنْ خَافَ الْعَاقِبَةَ تَثَبَّتَ عَنِ التَّوَغُّلِ فِيمَا لَا يَعْلَمُ، وَمَنْ هَجَمَ عَلَى أَمْرٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ جَدَعَ أَنْفَ نَفْسِهِ(الكافي ج‏1 ص27).

                        والحمد لله رب العالمين

                        شعيب العاملي

                        تعليق

                        المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
                        حفظ-تلقائي
                        x
                        إدراج: مصغرة صغير متوسط كبير الحجم الكامل إزالة  
                        x

                        اقرأ في منتديات يا حسين

                        تقليص

                        المواضيع إحصائيات آخر مشاركة
                        أنشئ بواسطة وهج الإيمان, 19-04-2019, 06:49 AM
                        ردود 0
                        11 مشاهدات
                        0 معجبون
                        آخر مشاركة وهج الإيمان
                        بواسطة وهج الإيمان
                         
                        أنشئ بواسطة شعيب العاملي, 18-04-2019, 08:49 AM
                        ردود 0
                        29 مشاهدات
                        0 معجبون
                        آخر مشاركة شعيب العاملي  
                        أنشئ بواسطة ibrahim aly awaly, 18-04-2019, 10:31 PM
                        استجابة 1
                        19 مشاهدات
                        0 معجبون
                        آخر مشاركة وهج الإيمان
                        بواسطة وهج الإيمان
                         
                        أنشئ بواسطة وهج الإيمان, 07-03-2014, 04:19 AM
                        ردود 155
                        109,035 مشاهدات
                        0 معجبون
                        آخر مشاركة وهج الإيمان
                        بواسطة وهج الإيمان
                         
                        أنشئ بواسطة وهج الإيمان, 18-04-2019, 07:32 AM
                        ردود 0
                        15 مشاهدات
                        0 معجبون
                        آخر مشاركة وهج الإيمان
                        بواسطة وهج الإيمان
                         
                        يعمل...
                        X