إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

مراتب المجاهدة لحظة مواجهة المِحْنَة والبلاء

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • مراتب المجاهدة لحظة مواجهة المِحْنَة والبلاء


    قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:200]
    جاءت هذه الآية الكريمة في آخر سورة آل عمران التي تضمّنت جملة كبيرة من التوجيهات والإرشادات، وكذالك العظات الإلهية لعباده المؤمنين، فبعد كل تلك الإرشادات والعظات يختم المولى بجملة من الأوامر المهمة في حياة وحركة كل مؤمن آلى على نفسه السير في دروب التكليف و الطاعة لمن له حقّ الطاعة الحَقَّة .
    والحقيقة أنّ التدبّر في معاني مفردات هذه الآية الكريمة، وكذلك الترحال بين ما تضمّنته ألفاظها من مفاهيم، لَيُدْخِل الفزع في قلب كلّ مؤمن عشق طريق الحقّ والحقيقة، بل التأمّل في مفردات هذه الآية يقودنا لحقيقة أنَّها تختزل في مضمون ألفاظها، خلاصة المراحل التي تمرّ على الإنسان المؤمن حين مواجهته لكل أشكال المِحن والبلاءات .
    فالمولى تعالى يفتتح قوله بنداء تُدلّل عليه أداة النداء الواقعة في مطلع الآية، وذالك ليوقظ انتباه عباده المؤمنين به وبرسالته، لأهمية ما سيأتي بعد نداءه، ثم بعد ذلك يُحدّ ويحصر المخاطبين الذين ستتوجه لهم أوامره، وستتعلّق بهم التكاليف التي تتضمنها الأوامر الإلهية المساقة في الآية، ولعل في حصر النداء بالمؤمنين إشارة لكون مثل هذه التكاليف، لا يمكن أن يطيقها إلا من استقرّ في قلبه الإيمان ونمت في وجدانه براعمه .
    وبعد مناداته تعالى لعبادة الذين آمنوا به وبرسالته، توجّه تعالى لهم بالقول اصبروا، أي عليكم يا من آمنتم بي وبمفردات رسالتي التي أنزلتها على نبيّكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أن تتحلّوا بضبط النّفس والسيطرة على كل ردّات أفعالكم السلبية حينما تواجهون المصائب والبلاءات التي تحتويها حياتكم الدنيوية، والتي هي بلحاظ الواقع كثيرة.
    وبمعنى آخر، أنّه عليكم أيّها المؤمنون، وعندما تلمّ بكم مظلمة أو بلاء، يقتضي بطبعه ترتب العاطفية والنفسيَّة، عليكم في هذه اللّحظات التي تعايشون فيها الوجع والأسى المترتب على نزول تلك المِحَن الدنيويَّة، أن تتحملوا وجعكم وألمكم القابع في داخلكم، لأنّ ذلك هو الطريق لضبط النَّفس والسيطرة على ردّات أفعالها السلبية ، وبالتالي لتتمكّنوا من تحقيق الصبر الذي أمرتم أن تتحلوا به .
    ثمّ لم يقف المولى تعالى عند الحث على التحلّي بالصبر، الذي يعني تحمل الوجع والألم لكبح جماح ردّات أفعال النفس السلبية حين حلول المِحَن بسوح حياتنا، بل يتقدم المولى في خطابه خطوة إلى الأمام، وذلك لوضوح أنّه لا يخاطب عموم النّاس، بل لأنّه يخاطب فقط الذين استقرّ حقيقةً في داخلهم الإيمان، فيأمر عباده المؤمنين بالاصطبار الذي هو مبالغة في التحلّي بالصبر .
    وكأنّه تعالى يريد القول لعباده المؤمنين، نعم عليكم أن تتحمّلوا وجع بلاءات ومِحن الدنيا التي تفرضها عليكم نوع الحياة المحيطة بكم، لتتمكنوا بعد ذلك من ضبط ردّات أفعالكم القولية والسلوكية التي تترتب في معظمها نتيجة الإحساس بالوجع والأسى أو الألم والتعب، وذلك لتتمكنوا من معايشة حالة الصبر، ثمّ بعد كل هذا عليكم أن تصطبروا، بمعنى أن تثبتوا على صبركم، بل على وجع صبركم، وذلك لوضوح أنَّه لا وجع بعد الصبر إلاّ وجع الصبر نفسه، والذي هو في وطأته على النفس أشدّ وأقسى من وطأة وجع البلاء نفسه .
    وبعد الصبر والإصطبار، عليكم أيّها المؤمنون أن ترابطوا، وهنا ومن خلال مفردة الرباط، يحدّد لنا المولى تعالى نوع البلاء الذي يجب الصبر والإصطبار عليه، وهو البلاء الذي يقع على المؤمن نتيجة تمسّكه بالحق والحقيقة، لأنّه تعالى لا يمكن أن يحثنا أو يأمرنا بالثبات على ما هو خطأ أو باطل، فالأمر بالرباط الذي هو في واقعه عين الثبات، يكشف لنا من خلال وحدة السياق أنّ الشيء الذي أمرنا أن نصبر ونصطبر ثمّ نرابط عليه هو القضايا المحقّة والعادلة .
    فهو تعالى وبعد أن حثنا على الصبر ،ثمّ الصبر على ما يترتب على الصبر الأول، يترقى فيرشدنا إلى الرباط الذي هو الثبات على ما من أجله صبرنا واصطبرنا، وهذا في الحقيقة ترقي أكثر في التكليف، لأنّ العبد المؤمن قد يصبر على بلاءٍ ما، وقد أيضًا يتمكن من الثبات والصبر على ما يترتب على الصبر الأول من نتائج قد تكون وطأتها شديدة ومحرقة للفؤاد، ولكن العبد المؤمن بعد كل هذا، قد لا يتمكن من الثبات على الأمر الذي لأجله صبر واصطبر، ولأجل ذلك ترقى المولى تعالى في تكاليفه الإرشادية، فأمر بالرباط والثبات على الحق والحقيقة، التي لأجلها وقع الفرد في البلاء والمحنة، بحيث تطلب الأمر أن يصبر ويصطبر .
    وفي خطوة أخيرة يزداد المولى تعالى ترقيا بتكاليفه لعباده المؤمنين، ولعلّ هذا الترقي الأخير الذي قد يرى بعض العباد أنَّه ينطوي على شيء من الصعوبة والجُهد، هو لغاية السمو بالعبد المؤمن ليُبلِغَه لتلك المرحلة من الكمال الإنساني، الذي تستوي معه جميع ما تحتويه الدنيا من زخرف وزينة، وبالتالي تصير الدنيا بكلها لا تساوي في وعي الفرد مقدار جناح بعوضة.
    ففي الخطوة الأخيرة، وبعد أن يُرشد المولى تعالى عبده المؤمن إلى الصبر والإصطبار وكذلك إلى ملازمة الثبات، يطلب منه أن يلتزم بتقوى الله أثناء حركته في مواجهة المحنة أو البلاء، وأثناء عمله على معالجة ما ترتب على المنحة من نتائج عمليَّة، قد تلمس حياته أوحياة أسرته وأحبّته وأقربائه وعشيرته..... .
    وبمعنى آخر، وكأنّ المولى تعالى يريد القول: يا عبادي المؤمنين، إذا ما حلّ بسوحكم أي نوع من البلاء أوالمحنة التي قطعًا أنا أراها وأعلم بها، وفي مواجهاتكم لها عليكم التحلّي بالصبر، الذي لا يمكنكم تحقيقه إلاّ من خلال تحمّل تلك النتائج العاطفية والنفسية المترتبة عن المحنة والبلاء، وذلك لتتمكّنوا بعد ذلك من ضبط النفوس وردّات فعلها السلبية .
    ثمّ عليكم بالإصطبار الذي هو تحمّل كل النتائج التي تترتب على صبركم الأول، وفي خطوة ثالثة عليكم أن ترابطوا وتثبتوا على الحقَّ الذي لأجله صبرتم وجاهدتهم في الإصطبار عليه، وبعد كلّ هذا وفي خضم كل تلك المجاهدات والتقلبات النفسية والمعنوية الشديدة نتيجة ما تعيشونه من مواجهات وصراعات جهادية مع النفس والشيطان من جهة، وظروف حياتكم ومن حولكم من بني جنسكم من جهة أخرى، لابد لكم من الالتزام بتقوى الله، التي لا تعني فقط الإلتزام بعدم تجاوز حدود الله، بل تعني أن تجعل بينك وبين حدود الله مسافة أمان، بحيث تكون هذه المسافة واقٍ لك من الإقتراب من حدود الله .
    وتقريبا لذلك بمثال: عليك أيّها العبد المؤمن، أو الأمة المؤمنة، وفي خضم صراعكم مع بلاء فقد الأحبة في سوح الجهاد ومقارعة المستكبر وما يترتب على ذلك من نتائج هي في غالبها صعبة وقاسية، عليكم بالصبر على هذا الفقد وما يترتب عليه من نتائج نفسية وواقعيَّة، وأيضًا عليكم بالإصطبار والثبات على صبركم وعلى ما سيترتب على صبركم الأول من وجع وآلام ونتائج قد يكون منها ضيق العَيش وقلّة الناصر والمعين ، وأيضا عليكم أن ترابطوا في الثبات على موقف الجهاد ومواجهة الظالم، وفوق كل ذلك وفي خضم مصارعة النَّفس وشياطين الإنس، وكذلك مواجهة كل هذه المصاعب، عليكم أن لا تأتوا بأي فعل، أو تنطقوا بأي قول يتنافى مع تقوى الله، التي تفرض عليكم ليس فقط أن لا تقعوا في تجاوز حدود الله، بل تفرض عليكم أن لا تأتوا بأي فعل أو قول يساعد على الإقتراب من حدود الله التي نهيتم عن تجاوزها .
    وفي آخر الآية ، وبعد نداء المولى تعالى ليحرّك انتباه العباد المؤمنين، وبالتالي يوقظ ضمائرهم التي قد تغفل وتخمد نتيجة انسياق وغرق صاحبها في معترك الحياة الدنيويَّة، بعد ذاك النداء يكلف المولى تعالى عباده المؤمنين بالصبر والإصطبار والرباط والإلتزام بالتقوى، ثم يُنَبِّئهم بحقيقة قد تكون فيها مرارة للكثير .
    وهي حقيقة أنّكم، حتى مع امتثالكم لكل هذه الأوامر الإرشادية، فالفلاح قد تبلغوه وقد لا تبلغوه ، بمعنى آخر أنّ إمتثال هذه الإرشادات لوحده لا يكفيكم لبلوغ الفلاح، فلا تتوهموا أنّ الفلاح هو نتيجة تحصلون عليها من خلال بذل الجهد في أن تكونوا من الصابرين في مواجهة البلاء، وكذلك الإصطبار والرباط والتزام التقوى.
    ولعل قوله تعالى ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، فيه إشارة ودلالة واضحة على أن الفلاح لا يتحقق بمجرد تحقيق العمل المطلوب من العبد ، بل هو يحتاج إلى عنصر آخر وهو معايشة الترقُّب الذي يتولد من تمازج حالة الخوف والرجاء من الله ولله .
    لأنّ معايشة الترقّب، هو من أهم العناصر المساعدة للعبد المؤمن على معايشة التسليم لله، وبالتالي يتقدّم خطوة نحو معايشة التوكل في أكمل مصاديقه.
    وبناءًا على ما تقدّم، وعندما نعود مع التاريخ الإسلامي للخلف، للبحث عن حادثة أو عَبدٍ مؤمنٍ استطاع أن يترجم كل مفردات الآية في موقف واحد ، بحيث أضحى المصداق الأسمى لعبارة ﴿ يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا ﴾ .
    لا نجد إلاّ فاجعة كربلاء المؤلمة، ولا نجد إلاّ أبا عبد الله الحسين (ع)، حيث استطاع أن يقف نحو تأدية ما كُلّف به من قِبَل خالقه، وصبر على ذلك أشد الصبر، ثمّ اصطبر على صبره وعلى ما ترتّب على صبره من أذية وأسى، ثم أيضًا رابط وثبت رغم الحجم الكبير من المصائب التي حلت وستحلّ به إذا ما استمرّ على ثباته ورباطه لمقارعة الطغاة الظالمين، وفوق كل تلك الفجائع العظيمة فقد تمسّك بالتقوى كضابطة ومقياس لكل حركاته السلوكية والقولية مع أحبّته وأعدائه، وفي الأخير وبعد كل ما واجهه، وكل ما حلّ على قلبه وفؤاده من ألام وأوجاع ومآسي وعذابات، وجدناه يعيش الترقب في أعلى درجاته، فقال مقولته الشهيرة، عندما نحر إبنه الرضيع وهو في أحضانه، والتي تعكس أرقى وأعلى درجة للترقب يمكن أن يتصورها عقل مؤمنٍ أو عاقل .
    فقال وهو حاملا ابنه المنحور بيديه إلى السماء: أرضيت يارب، خذ خذ حتى ترضى ، فالتوجّه لله عزّ وجل في مثل هذا الموقف، وبعد كل تلك المآسي التي مرت به (ع) بخطاب كهذا الخطاب، يكشف لنا عن تلك المرادات التي أراد الإمام قولها لخالقه هو:
    وكأنَّه يقول: ها أنا يارب أقدّم لك هذا الرضيع الذي لم يبق بعده شيء أقدمه لك قربانا لنيل رضاك إلاّ نفسي، ها أنا يارب رغم أنّي أقّدّم لك آخر الأحبة، مازلت مترقبًا ما يقضيه حكمك ويقدره علمك، في خصوص ما يجب أن أقدمه لكي أظفر برضاك عني فهل هناك صورة للترقب أعظم، من أن يقدم العبد كل ما يحب لله، وبعد ذلك يتوجه له ويخاطبه بعبارة « خُذْ خُذْ حتى ترضى » .
    فنرجوا من المولى تعالى أن يتفضل علينا بكرمه وجوده، وأن يتنعَّم علينا بلطفه ورحمته بالصبر والإصطبار وكذالك الثبات مع ملازمة التقوى في الفعل والقول، وأن يتقبل منَّا ذالك بأحسن القبول....

    السيد أبو جواد التونسي
    حبيب مقدم
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
x
إدراج: مصغرة صغير متوسط كبير الحجم الكامل إزالة  
x

اقرأ في منتديات يا حسين

تقليص

المواضيع إحصائيات آخر مشاركة
أنشئ بواسطة وهج الإيمان, 15-08-2019, 03:10 AM
ردود 0
35 مشاهدات
0 معجبون
آخر مشاركة وهج الإيمان
بواسطة وهج الإيمان
 
أنشئ بواسطة وهج الإيمان, 15-08-2019, 12:39 AM
ردود 0
24 مشاهدات
0 معجبون
آخر مشاركة وهج الإيمان
بواسطة وهج الإيمان
 
يعمل...
X