عرض مشاركة مفردة
قديم 22-11-2017, 09:58 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

السؤال: كلّ الجزع مكروه الإّ على مقتل الحسين(عليه السلام)
ورد: (كلّ الجزع مكروه سوى الجزع على الحسين(عليه السلام)).
السؤال: إنّ الاستثناء جاء بالجزع على الحسين(عليه السلام)، فهل يدخل الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أو بقيّة الأئمّة، أو العلماء في هذا الاستثناء؟وما هو الدليل؟
الجواب:

لعلّ لمصيبة سيّد الشهداء خصوصية تختلف عن بقيّة مصائب أهل البيت(عليه السلام)، كونها فاقت جميع مصائبهم(عليهم السلام)، فلذلك صار الجزع عليها يختلف عن كلّ جزع، ولكن هذا الرأي يمكن أن يُدفع بأنّه ورد عندنا: أنّ الجزع على غير الحسين(عليه السلام) غير قبيح.
فعن أمير المؤمنين(عليه السلام)، أنّه قال عند وقوفه على قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ الصبر لجميل إلاّ عنك، وإنّ الجزع لقبيح إلاّ عليك..)(1).
ومن أجل الجمع بين الروايتين لا بدّ أن نقول: أنّ كلّ المعصومين الأربعة عشر(عليهم السلام) بمثابة نور واحد، ومقام ومرتبة واحدة، فما يثبت لأحدهم يثبت للآخر، وقد ورد عندنا عن الإمام الصادق(عليه السلام)، أنّه قال: (وعلى مثله تلطم الخدود وتشقّ الجيوب)(2)؛ إذ أجاز الجزع على كلّ من يكون بمرتبة الحسين(عليه السلام)، كباقي المعصومين(عليهم السلام).

(1) نهج البلاغة 4: 71 الحكمة 292.
(2) تهذيب الأحكام 8: 325 حديث (1207) كتاب الأيمان باب الكفارات.

السؤال: لا جزع في إقامة مجالس العزاء على الحسين(عليه السلام)
أرجو أن يكون الاستدلال عن طريق كتب أهل السُنّة، لماذا الشيعة يحيون ذكرى شهادة الحسين؟ أليس هذا من الجزع؟
الجواب:

كأنّك تريد أن تقول: إنّ العزاء جزع، والجزع منهي عنه، فالعزاء منهي عنه.
وهذا الاستدلال فاسد من حيث سقوط صغراه!
وذلك: لأنّ العزاء ومأتم الحسين(عليه السلام) هو عبارة عن: ذكر الإمام الحسين(عليه السلام)، وذكر فضائله ومقامه، ثمّ العروج على واقعة الطفّ، وإظهار الحزن وذرف الدموع عليه.
فإذا كان العزاء هو ذلك، فنأتي إلى مفرداته:
المفردة الأُولى: هي ذكر فضائل الحسين(عليه السلام)، والصفات المعنوية التي تحلّى بها..
وهذا ليس فيه شيء مخالف للدين، وليس فيه نهي، بل هو أمر مشروع، وطبق الموازين الشرعية، فافتح ترجمة أي شخص دون الحسين(عليه السلام) من كتب التراجم لدى السُنّة والشيعة تجده يبدأ بذكر فضائل المترجم له، إن كانت له فضائل، فهذا الذهبي في ترجمة الإمام الحسين(عليه السلام) يقول: ((الإمام الشريف الكامل، سبط رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وريحانته في الدنيا، ومحبوبه، أبو عبد الله الحسين بن أمير المؤمنين...))(1)، ثمّ أخذ بذكر مناقبه.
المفردة الثانية: ذكر واقعة الطفّ.
فقد ذكرها النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، وتألّما وبكيا لذكرها، وهاك بعض الروايات الصحيحة من حيث السند حتّى على مباني السلفية:
عن أبي أُمامة، قال: ((قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لنسائه: (لا تُبكوا هذا الصبيّ) - يعني حسيناً - قال: وكان يوم أُمّ سلمة، فنزل جبريل(عليه السلام) فدخل رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) الداخل وقال لأُمّ سلمة: (لا تدعي أحداً يدخل بيتي). فجاء الحسين(رضي الله عنه) فلمّا نظر إلى النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في البيت، أراد أن يدخل، فأخذته أُمّ سلمة فاحتضنته، وجعلت تناغيه وتسكّنه، فلمّا اشتدّ في البكاء خلّت عنه، فدخل حتّى جلس في حجر النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقال جبريل(عليه السلام): (إنّ أُمّتك ستقتل ابنك هذا). فقال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (يقتلونه وهم مؤمنون بي)؟ قال: نعم يقتلونه، فتناول جبريل تربة، فقال: بمكان كذا وكذا، فخرج رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقد احتضن حسيناً كاسف البال مهموماً...))(2). وقال الذهبي: ((وإسناده حسن))(3).
وأخرج الطبراني بسنده - ورجاله ثقات - في (المعجم الكبير) في ترجمة الحسين(عليه السلام): عن أُمّ سلمة، قالت: ((كان الحسن والحسين (رضي الله عنهما) يلعبان بين يدي النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في بيتي، فنزل جبريل(عليه السلام) فقال: يا محمّد إنّ أُمّتك تقتل ابنك هذا من بعدك. فأومأ بيده إلى الحسين، فبكى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وضمّه إلى صدره، ثمّ قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (وديعة عندكِ هذه التربة). فشمّها رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وقال: (ويح كرب وبلاء).
قالت: وقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (يا أُمّ سلمة! إذا تحوّلت هذه التربة دماً، فاعلمي أنّ ابني قد قتل). قال: فجعلتها أُمّ سلمة في قارورة، ثمّ جعلت تنظر إليها كلّ يوم، وتقول: إنّ يوماً تحوّلين دماً ليوم عظيم))(4). وأخرج الحديث غير الطبراني أيضاً(5).
وأخرج عبد بن حميد: ((أنا عبد الرزّاق، أنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن أبيه، قال: قالت أُمّ سلمة: كان النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) نائماً في بيتي، فجاء حسين يدرج، قالت: فقعدت على الباب فأمسكته مخافة أن يدخل فيوقظه، قالت: ثمّ غفلت في شيء، فدبّ فدخل فقعد على بطنه، قالت: فسمعت نحيب رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فجئت فقلت: يا رسول الله! والله ما علمت به.
فقال: (إنّما جاءني جبريل(عليه السلام)، وهو على بطني قاعد، فقال لي: أتحبّه؟
فقلت: نعم.
قال: إنّ أُمّتك ستقتله، ألا أُريك التربة التي يقتل بها؟!).
قال: (فقلت: بلى).
قال: (فضرب بجناحه فأتاني بهذه التربة).
قالت: فإذا في يده تربة حمراء، وهو يبكي، ويقول: (يا ليت شعري من يقتلك بعدي؟) ))(6).
وأخرج الطبراني بسنده - ورجاله ثقات - عن أُمّ سلمة، قالت: ((كان رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) جالساً ذات يوم في بيتي، فقال: (لا يدخل عليّ أحد). فانتظرت، فدخل الحسين(رضي الله عنه)، فسمعت نشيج رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يبكي، فاطّلعت فإذا حسين في حجره، والنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يمسح جبينه وهو يبكي، فقلت: والله ما علمت حين دخل. فقال: (إنّ جبريل(عليه السلام) كان معنا في البيت، فقال: تحبّه؟ قلت: أمّا من الدنيا فنعم.
قال: إنّ أُمّتك ستقتل هذا بأرض يقال لها كربلاء)، فتناول جبريل(عليه السلام) من تربتها، فأراها النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
فلمّا أُحيط بحسين حين قُتل، قال: (ما اسم هذه الأرض؟) قالوا: كربلاء، قال: (صدق الله ورسوله، أرض كرب وبلاء) ))(7).
وأخرجه الهيثمي في (مجمع الزوائد)، وقال: ((رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدها ثقات))(8).
المفردة الثالثة: إظهار الحزن والبكاء على الحسين(عليه السلام) وتجديد ذكراه..
فهناك كثير من الروايات التي تشير إلى:
1- أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بكى وحزن على الحسين(عليه السلام) في بيوت نسائه، بل وأمام جمع من الصحابة.
2- الأخبار الكثيرة التي تنصّ على أنّ جبرائيل(عليه السلام) أخبر النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأنّ أُمّته ستقتل الحسين(عليه السلام)، وجاءه بتربة من أرض كربلاء، وأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) شمّها واستنشق منها رائحة دم ابنه الحسين الشهيد(9).
3- أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أعطى لبعض زوجاته تربة الحسين(عليه السلام)، وأنّها عرفت مقتله من تحوّل لون تلك التربة إلى (دم عبيطاً) في يوم العاشر من المحرّم(10).
وعن الزهري، قال: ((قال لي عبد الملك: أيّ واحد أنت إن أعلمتني أيّ علامة كانت يوم قتل الحسين؟ فقال: قلت: لم تُرفع حصاة ببيت المقدس إلاّ وجد تحتها دم عبيط، فقال عبد الملك: إنّي وإيّاك في هذا الحديث لقرينان))؛ قال الهيثمي: ((رواه الطبراني، ورجاله ثقات)).
وعن الزهري، قال: ((ما رُفع بالشام حجر يوم قُتل الحسين بن علي إلاّ عن دم))؛ قال الهيثمي: ((رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح))(11).
وعن أبي قبيل، قال: ((لمّا قُتل الحسين بن علي انكسفت الشمس كسفة حتّى بدت الكواكب نصف النهار حتّى ظننّا أنّها هي))؛ قال الهيثمي: ((رواه الطبراني، وإسناده حسن))(12).
بل نجد أوسع صور العزاء والحزن تظهر على رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في كربلاء عند قتل الإمام الحسين(عليه السلام)، فهذا ابن عبّاس يقول: ((رأيت النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المنام بنصف النهار أشعث أغبر معه قارورة فيها دم يلتقطه، أو يتتبع فيها شيئاً، فقلت: ما هذا؟
قال: (دم الحسين وأصحابه، فلم أزل أتتبعه منذ اليوم))). قال الهيثمي: ((رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح))(13).
فإذاً لا يوجد أيّ مانع شرعي من إقامة المأتم الحسيني، بل في إقامته أُسوة واقتداء بالنبيّ الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ إذ هو المقيم له والقائم عليه، كما أسلفنا من خلال الروايات الصحيحة الواردة من طرق أهل السُنّة.
وعليه: فتسقط المقدّمة الأُولى، وهي: كون البكاء والمأتم نوع من الجزع، ولا يبقى لها مكان في الاستدلال فضلاً عن المناقشة في الكبرى من انّ الجزع منهيّ عنه، وذلك لِما ورد عندنا من أنّ الجزع على الحسين(عليه السلام) جائز، كما بيّنا آنفاً في الأسئلة السابقة.

(1) سير أعلام النبلاء 3: 280.
(2) المعجم الكبير 8: 285 من روى عن أبي أمامة من أهل البصرة، مجمع الزوائد 9: 189 باب مناقب الحسين بن عليّ(عليهما السلام).
(3) سير أعلام النبلاء 3: 289.
(4) المعجم الكبير 3: 108 حديث (2817) مسند الحسين بن علي.
(5) تاريخ مدينة دمشق 14: 192، مجمع الزوائد 9: 189، تهذيب الكمال 6: 408، تهذيب التهذيب 2: 300.
(6) المنتخب من مسند عبد بن حميد: 443 حديث أم سلمة.
(7) المعجم الكبير 3: 108 حديث (2819) مسند الحسين بن علي.
(8) معجم الزوائد 9: 189 باب مناقب الحسين بن عليّ(عليهما السلام).
(9) مقتل الخوارزمي 1: 246 الفصل (8).
(10) معجم الزوائد 9: 189 باب مناقب الحسين بن عليّ(عليهما السلام).
(11) المصدر السابق 9: 196.
(12) المصدر السابق 9: 197.
(13) المصدر السابق 9: 193.

السؤال: تأثير البكاء واللطم على النفوس
ما فائدة البكاء في محرّم؟ وما فائدة اللطم على الصدور؟ السؤال ليس عن الأحاديث الشريفة، بل كيف يمكن للبكاء واللطم أن يؤثّرا في حياتنا وسلوكنا؟
الجواب:

إنّ البكاء بمعناه النفسي حالة تبرز تأثّر النفس وتفاعلها مع الحدث، وإحساسها بالألم، فتستجيب للحدث بتعبير معيّن، وهو: البكاء، وبكاؤنا على الإمام الحسين(عليه السلام) هو ردّة فعل للحدث المؤلم الذي حلّ به، فتفاعلنا مع قضيّته(عليه السلام) أوجب أن تتفاعل نفوسنا وأحاسيسنا لما أصابه(عليه السلام)، وبذلك فإنّنا قد عبّرنا باستجابتنا لمصيبته(عليه السلام) بالبكاء، الذي هو حالة تفاعل، كما ذكرنا.
ومثل ذلك. اللطم على الصدور؛ فهو تعبير عن الألم والحزن، الذي يعتلج قلوبنا، وتعبير عن مدى ما أصابنا من عظم المصيبة، فالحرقة التي تصيب النفس - والحزن يسيطر عليها - يمكن للإنسان أن ينفّس عنها، وعمّا أصابه بفعلٍ ما، يكون ترويحاً وتنفيساً ومجاراةً ومواساةً لمن حلّت به هذه الفاجعة، أو القضية المؤلمة.

لسؤال: أدلّة جواز البكاء وتعظيم الشعائر في مناسبات أهل البيت(عليهم السلام)
قال الله تعالى: (( الَّذينَ إذَا أَصَابَتهم مّصيبَةٌ قَالوا إنَّا للّه وَإنَّا إلَيه رَاجعون )) (البقرة:156)، هل هذه الآية توصينا باللطم أو ضرب البدن على المصائب؟
الجواب:

البكاء واللطم وضرب البدن في عزاء أهل البيت(عليهم السلام) يستفاد من قوله تعالى: (( وَمَن يُعَظّم شَعَائرَ اللَّه فإنَّهَا مِن تَقوَى القُلُوب )) (الحج:32)؛ فأئمّة أهل البيت(عليهم السلام) من شعائر الله بلا ريب، والاحتفاء بذكرى وفياتهم ومواليدهم بما يناسب تلك المناسبات، بشرط أن لا يكون الفعل محرّماً، هو أمر جائز، بل راجح بحسب هذه الآية الكريمة، فالتعظيم معنىً عرفيّاً خاضع لفهم الناس في كيفية التعظيم، وهو مشروع بكلّ الوسائل التي يراد بها التعظيم، بشرط أن لا يكون حراماً قد نصّت على حرمته الشريعة المقدّسة.
وكذلك يستفاد رجحان هذه الأفعال باعتبارها مظهراً من مظاهر المودّة التي صدحت بها الآية الكريمة وندبت المسلمين إليها، ونعني بها: قوله تعالى: (( قُل لاَ أَسأَلُكُم عَلَيهِ أَجراً إلَّا المَوَدَّةَ فِي القُربَى )) (الشورى:23).
وأيضاً يستفاد رجحان هذا الفعل من التأسي بفعل النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في البكاء على الشهداء وسادات الدين حين سمع نساء الأنصار يبكين على من قُتل من أزواجهنّ في أُحد، فقال(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (ولكن حمزة لا بواكي له)؛ قال ابن عمر - كما يروي أحمد في مسنده: ثمّ نام رسول الله فاستنبه وهنّ يبكين، (قال): فهنّ اليوم إذا يبكين يندبن بحمزة(1).
ولا يخفى ما في قوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (ولكن حمزة لا بواكي له)، من الحثّ على البكاء على سيّد الشهداء حمزة(عليه السلام)، والملامة لنساء الأنصار لتركهنَّ البكاء على حمزة.
وفي ترجمة حمزة من (الاستيعاب)، نقلاً عن الواقدي (ت 207هـ)، قال: لم تبكِ إمرأة من الأنصار على ميت بعد قول رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (ولكن حمزة لا بواكي له) إلى اليوم، إلاّ وبدأت بالبكاء على حمزة.. انتهى(2).
فهذه سيرة الأنصار والصحابة في رجحان البكاء على الميّت عموماً، وعلى من هو كحمزة خصوصاً، وإن بَعُد العهد بموته.
وأخرج البخاري في (صحيحه) في أبواب الجنائز، وأيضاً ذكره ابن عبد البر في (الاستيعاب): أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بكى على جعفر وزيد - شهداء واقعة مؤتة(3) - وقال: (أخواي ومؤنساي ومحدّثاني)(4).
وذكر ابن عبد البر أيضاً في ترجمة جعفر من (الاستيعاب): لمّا جاء النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) نعي جعفر، أتى امرأته أسماء بنت عميس فعزّاها، (قال): ودخلت فاطمة وهي تبكي وتقول: واعمّاه، فقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (على مثل جعفر فلتبكِ البواكي). انتهى(5).
وهذا الأمر منه(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (فلتبكِ)، دليل على استحباب البكاء على أمثال جعفر من رجالات الأمّة الذين فدوا مهجهم في سبيل نصرة الدين وإعلاء كلمة شريعة سيّد المرسلين(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وقد بكى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) على فاجعة ولده الحسين(عليه السلام) قبل استشهاده(6)، كما بكاه أبوه أمير المؤمنين(عليه السلام) عند مروره بأرض كربلاء..
فقد أخرج ابن سعد - كما في الفصل الثالث من الباب الحادي عشر من (الصواعق المحرقة) لابن حجر - عن الشعبي، قال: ((مرّ عليّ (رضي الله عنه) بكربلاء عند مسيره إلى صفّين وحاذى نينوى - قرية على الفرات - فوقف وسأل عن اسم الأرض، فقيل: كربلاء، فبكى حتّى بلّ الأرض من دموعه، ثمّ قال: دخلت على رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قال: كان عندي جبرئيل آنفاً وأخبرني أنّ ولدي الحسين يقتل بشاطئ الفرات، بموضع يقال له: كربلاء))(7). وروى مثله الهيثمي في (مجمع الزوائد)، وقال: ((رواه أحمد وأبو يعلى والبزّار والطبراني ورجاله ثقات))(8).
وأمّا الآية المذكورة فهي تحثّ على التسليم لأمر الله وعدم الاعتراض على قضائه، وقول رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عندما مات ولده: (إنّ العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلاّ ما يرضي ربّنا، وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون)(9) يوضّح لك المراد منها، والادّعاء بأنّ ما يفعله المعزّين بمصيبة الحسين(عليه السلام) اعتراض على أمر الله تجنٍّ واتّهام لا يرضونه، وإنّما هو حزن على مصيبة الحسين(عليه السلام)، وغضب على الجناة من قاتليه، وإحياء لبعض الشعائر الإسلامية؛ لتبقى جذوة الإسلام متوقّدة إلى يوم القيامة.

(1) مسند أحمد 2: 40 مسند عبد الله بن عمر.
(2) الاستيعاب 1: 374.
(3) صحيح البخاري 2: 72 باب في الجنائز.
(4) الاستيعاب 2: 546.
(5) الاستيعاب 1: 243 ترجمة جعفر.
(6) المعجم الكبير 3: 107 حديث (2814).
(7) الصواعق المحرقة 2: 566 الباب (11).
(8) مجمع الزوائد 9: 187 باب مناقب الحسين بن عليّ(عليهما السلام)، مسند أحمد بن حنبل 1: 85 مسند عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، المعجم الكبير 3: 105 حديث (2811)، مسند أبي يعلى 1: 298 حديث (363) مسند علي بن أبي طالب.
(9) صحيح البخاري 2: 85 كتاب الكسوب باب الجنائز.

سؤال: اللطم على الصدور مصداق من مصاديق الجزع
لماذا نلطم على الصدور بالتحديد.. وحسب ما فهمت من الرواية السابقة بأنّ اللطم على الخدود؟.
الجواب:

ورد عندنا أنّ كلّ الجزع والبكاء مكروه ما خلا الجزع والبكاء لقتل الحسين(عليه السلام)، ومن مظاهر الجزع: اللطم، سواء كان على الصدور، أو على الخدود، أو على الفخذين. وما ذكر في الرواية كمثال لمظهر من مظاهر الجزع، وهو: اللطم على الخدود، ولم تمنع الرواية من اللطم على مكان آخر.

السؤال: هل اللطم أفضل أم الصلاة والصوم
هل ضرب الصدر أفضل من الصلاة والصوم والذكر وتلاوة القرآن والتسبيح في ذكرى استشهاد الحسين(عليه السلام)؟
لماذا البكاء على سيّد شباب أهل الجنّة الحسين(عليه السلام) الشهيد وفي القرآن: (( وَلَا تَحسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَموَاتاً بَل أَحيَاءٌ عِندَ رَبِّهِم يُرزَقُونَ )) (آل عمران:169).
لماذا البكاء على من هو في الجنّة؟
الجواب:

إنّ هذه الأعمال التي تقام في ذكرى عاشوراء تدخل تحت الأعمال المستحبّة، وكذلك ما ذكرت يدخل تحت الأعمال المستحبّة.
أمّا مقدار الثواب على كلّ عمل فهو راجع إليه سبحانه، ونحن لا نستطيع القول بأنّ أحدهما أفضل بعد عدم ورود ما يرجّح أحدهما على الآخر.
نعم، نستطيع القول أنّها أفضل إذا كانت تزيد في ولاء ومحبّة الشخص لأئمّته(عليهم السلام)، أو أنّها تحقّق الولاء لهم بعد أن كان ضعيفاً أو معدوماً، والولاء لهم(عليهم السلام) شرط أساسي لقبول باقي الأعمال من الصلاة والصيام..
أو نقول أنّها أفضل من جهة ما يصاحب تلك الأعمال عادة من الاستماع إلى كلام الخطباء والرواديد الذي قد يتضمّن بعض المعاني السامية التي هي بمثابة مدرسة للتعليم والإرشاد، فتكون أفضليتها من أفضلية طلب العلم على العبادة.
ويمكن أن نقول: أنّ الصلاة والصيام وقراءة القرآن أفضل لبعض الأشخاص إذا لم يكن لهم في تعظيم الشعائر دور ومشاركة، وكان انتفاعهم بالصلاة والصيام وغيرها من الأعمال أكثر بلحاظ مرتبتهم في سلّم التكامل.
أمّا البكاء على الحسين(عليه السلام) فهو على الرغم من كونه(عليه السلام) في الجنّة، فهو كبكاء رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) على الحسين(عليه السلام)، وعلى حمزة، وجعفر الطيار، وغيرهم من الشهداء، فهو بكاء مشروع، بل محبّذ، وإلاّ لم يفعله رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)(1).

(1) المستدرك على الصحيحين 3: 176، مسند أحمد 2: 40، 84، المصنّف للصنعاني 3: 550 حديث (6666).


يتبع

الرد مع إقتباس