عرض مشاركة مفردة
قديم 11-03-2012, 07:15 PM
شعيب العاملي شعيب العاملي غير متصل
عضو نشط
 

رقم العضوية : 81310

تاريخ التّسجيل: Jan 2010

المشاركات: 750

آخر تواجد: 05-10-2018 07:48 PM

الجنس:

الإقامة:

بسم الله الرحمن الرحيم

تعليقاً على ما ذكرناه في المشاركة السابقة (مما يمكن أن يستدل به على إمكانية معرفة الله تعالى) نقول:
ذهب أصحاب هذه المدرسة إلى أن كمال الإنسان يحصل بعبادة الله، وعبادة الله متوقفة على معرفة الله حق معرفته.

ولكنهم غفلوا عن أن كمال الإنسان يحصل بإقراره بالعجز عن معرفة الخالق عزّ وجل، فعن أمير المؤمنين عليه السلام في معرض حديثه عن الراسخين في العلم قال:
فمدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما . وسمي تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخا(نهج البلاغة ص161)

فالمقدمة الثانية التي ذكروها معكوسة، إذ عبادته التامة متوقفة على التسليم بعدم إمكانية إدراك كنهه لأنه أجل وأعلى من أن يطلع أحد على كنهه. فمن ظن أنه عرف كنهه فقد عرف غيره ! ومع بطلان المقدمة تبطل النتيجة.

ورغم بطلانها إلا أنا نحاكم الأحاديث التي يمكن أن يحتجوا بها فنقول والله المستعان:
مما استدل به القائلون بإمكانية معرفة الله تعالى قول أمير المؤمنين عليه السلام : اعرفوا الله‏ بالله‏ و الرسول بالرسالة و أولي الأمر بالأمر بالمعروف و العدل و الإحسان.(الكافي؛ ج‏1 ؛ ص85، وكتاب التوحيد للصدوق ص286)
وللعلماء في تفسير هذا الحديث وجوه متعددة يرجع بعض منها إلى البعض الآخر، وفيما يلي نماذج مما ذكره العلماء في هذا الحديث:
- الكليني : و معنى قوله ع اعرفوا الله بالله‏ يعني أن الله خلق الأشخاص و الأنوار و الجواهر و الأعيان، فالأعيان الأبدان، و الجواهر الأرواح، و هو جل و عز لا يشبه جسما و لا روحا و ليس لأحد في خلق الروح الحساس الدراك أمر و لا سبب هو المتفرد بخلق الأرواح و الأجسام فإذا نفى عنه الشبهين شبه الأبدان و شبه الأرواح فقد عرف الله بالله و إذا شبهه بالروح أو البدن أو النور فلم يعرف الله بالله. (الكافي ج1 ص85)

- الصدوق : القول الصواب في هذا الباب هو أن يقال عرفنا الله بالله لأنا إن عرفناه بعقولنا فهو عز و جل واهبها و إن عرفناه عز و جل بأنبيائه و رسله و حججه ع فهو عز و جل باعثهم و مرسلهم و متخذهم حججا و إن عرفناه بأنفسنا فهو عز و جل محدثها فبه عرفناه‏ (التوحيد ص90)

- ابن شهر آشوب : و قال عليه السلام (اعرفوا الله‏ بالله‏) أي بنصب أدلة على نفسه (متشابه القرآن و مختلفه ج‏1 ص46)

- الاسترآبادي : أقول: يعني اعرفوا الله بالعنوان الذي ألقاه في قلوبكم بطريق الضرورة، أي بغير اكتساب واختيار منكم كما مر وسيجي‏ء، وهو أنه شي‏ء- أي موجود- ليس له مثل ولا نظير، خالق كل شي‏ء (الحاشية على أصول الكافي ص108)

- أحمد بن زين العابدين العلوي العاملي : قال عليه السلام: اعرفوا الله‏ بالله‏. أقول: يعني بما دلكم به على نفسه من الآيات العجيبة.(الحاشية على أصول الكافي ص231)

- المازندراني : (فقد عرف الله‏ بالله‏) أي بما يليق به و هو أنه هو الله المبدأ المسلوب عنه صفات الخلق و مشابهتهم كما قال: ليس كمثله شي‏ء (شرح الكافي ج‏3 ص107 )

- القزويني : اعرفوا الله‏ بالله‏: صورته أمر، ومعناه النهي عن الوسواس في تحصيل معرفة الله بتتبع ما قاله الفلاسفة وأتباعهم من الدور والتسلسل ونحو ذلك.(الشافي في شرح الكافي ج‏2 ؛ ص98)

- وقد ذكر المجلسي بعض هذه الأقوال وغيرها حيث قال:
اعلم أن هذه الأخبار لا سيما خبر ابن السكن تحتمل وجوها.
* الأول‏ : ... الذي ذكره الكليني رحمه الله ....
أو المعنى اعرفوا الله بالله أي بما يناسب ألوهيته من التنزيه و التقديس ...
و يحتمل أن يكون الغرض عدم الخوض في معرفته تعالى و رسوله و حججه بالعقول الناقصة فينتهي إلى نسبة ما لا يليق به تعالى إليه و إلى الغلو في أمر الرسول و الأئمة صلوات الله عليهم.
و على هذا يحتمل وجهين:
- الأول أن يكون المراد اعرفوا الله بعقولكم بمحض أنه خالق إله و الرسول بأنه رسول أرسله الله إلى الخلق و أولي الأمر بأنه المحتاج إليه لإقامة المعروف و العدل و الإحسان ثم عولوا في صفاته تعالى و صفات حججه ع على ما بينوا و وصفوا لكم من ذلك و لا تخوضوا فيها بعقولكم
- و الثاني أن يكون المعنى اعرفوا الله بما وصف لكم في كتابه و على لسان نبيه ...

* الثاني‏ : أن يكون المراد بما يعرف به ما يعرف باستعانته من قوى النفس العاقلة و المدركة و ما يكون بمنزلتها و يقوم مقامها فمعنى اعرفوا الله بالله اعرفوه بنور الله المشرق‏ على القلوب بالتوسل إليه و التقرب به فإن العقول لا تهتدي إليه إلا بأنوار فيضه تعالى ....

* الثالث‏ : أن يكون المراد ما يعرف بها من الأدلة و الحجج فمعنى اعرفوا الله بالله أنه إنما تتأتى معرفته لكم بالتفكر فيما أظهر لكم من آثار صنعه و قدرته و حكمته بتوفيقه و هدايته لا بما أرسل به الرسول من الآيات و المعجزات فإن معرفتها إنما تحصل بعد معرفته تعالى .... و هذا أقرب الوجوه و يؤيده خبر سلمان و كذا خبر ابن حازم إذ الظاهر أن المراد به أن وجوده تعالى أظهر الأشياء .... (بحار الأنوار ج‏3 ص274-275)

ومن الواضح أن مختلف التفاسير تحوم حول كون الحديث ناظراً إلى سبيل معرفته تعالى لا إلى مقدار معرفته الممكنة، إذ عدم إمكانية معرفة كنهه مسلمة عند الجميع، وتبقى الأحاديث المثبتة لهذا المعنى والموافقة للفطرة السليمة وللمقطوع به عند أهل العقل والنقل محكمة في المقام.

وعلى هذه المعاني يحمل كلام أمير المؤمنين عليه السلام حين سئل: بم عرفت ربك؟
فقال بما عرفني نفسه.
قيل: و كيف عرفك نفسه؟
فقال: لا تشبهه صورة و لا يحس بالحواس و لا يقاس بالناس قريب في بعده بعيد في قربه فوق كل شي‏ء و لا يقال شي‏ء فوقه أمام كل شي‏ء و لا يقال له أمام داخل في الأشياء لا كشي‏ء في شي‏ء داخل و خارج من الأشياء لا كشي‏ء من شي‏ء خارج سبحان من هو هكذا و لا هكذا غيره و لكل شي‏ء مبتدأ. (التوحيد للصدوق ص285)

وفي حديث آخر أن رجلاً قال له: يا أمير المؤمنين بما ذا عرفت ربك؟
قال: بفسخ العزم و نقض الهم، لما هممت فحيل بيني و بين همي و عزمت فخالف القضاء عزمي علمت أن المدبر غيري . (التوحيد للصدوق ص288)

ولنا عودة أخرى إن شاء الله

شعيب العاملي

الرد مع إقتباس