الامام علي ابن الحسين عليه السلام
بطاقة الهوية:
الإسم: علي (ع)
اللقب: زين العابدين
الكنية: أبو الحسن (أبو محمد)
اسم الأب: الحسين بن علي(ع)
اسم الأم: شاه زنان
الولادة: 5 شعبان 38 ه
الشهادة: 25 محرم 95ه
مدة الإمامة: 35 سنة
القاتل: الوليد بن عبد الملك
مكان الدفن: البقيع
رغم أن الامام علي بن الحسين كان ابن اثنتي وعشرين سنة عندما حصلت واقعة كربلاء وقتل الحسين (ع) إلاّ أنه نجا من القتل بعناية الله تعالى حيث كان مريضاً طريح الفراش لا يقوى على حمل السلاح، فاستلم زمام الامامة ليكمل مسيرة أبيه الحسين (ع) في مواجهة الطغاة ونشر تعاليم الاسلام الحنيف.
شخصية علي بن الحسين (ع):
امتاز علي بن الحسين (ع) بقوة الشخصية وبعد النظر فضلاً عن العلم والتقوى حتى عرف بزين العابدين. وقد سعى لتكريس حياته كلها لإبراز خصائص الثورة الحسينية وتحقيق أهدافها في مواجهة المشروع الأموي الذي كان يشكل الخطر الأكبر على الاسلام. وقد تجلّى دوره العظيم في عدة مجالات نذكر أهمها:
1- الإمام السجاد (ع) في الكوفة:
يدخل موكب السبايا إلى الكوفة، تتقدمه السيدة زينب (ع) بطلة كربلاء، والإمام السجاد(ع). ويحتشد الناس لاستقبال الموكب. ويدخل أبناء علي بن ابي طالب إلى الكوفة حيث جعلها علي (ع) حاضرة البلاد الإسلامية بالأمس القريب. وتتقدّم زينب (ع) بين الناس وكأنها لم تغادرهم بالأمس القريب مع أخيها الحسين إلى المدينة. وأهل الكوفة يعلمون جيداً من هم هؤلاء السبايا والأسرى. لذلك أراد الإمام السجاد أن يصوّر لهم حجم المجزرة التي تسبّبوا بها بخذلانهم إمامهم الحسين (ع): "أنا ابن من انتهكت حرمته وسلبت نعمته وانتهب ماله وسبي عياله، أنا ابن المذبوح بشط الفرات من غير دخل ولا ترات.." ويعلو البكاء فيقطعه صوت زينب(ع): "فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً فلقد ذهبتم بعارها وشنارها قُتل سليل خاتم النبوة وسيد شباب أهل الجنة فتعساً لكم وسحقاً فلقد خاب السعي وتبّت الأيدي وبئتم بغضب من الله ورسوله.." لقد سمعوا من خلالها صوت علي بن أبي طالب خليفتهم وهو يستصرخهم ويخاطب ضمائرهم فاهتز وجدانهم لذلك واعترتهم موجة من السخط والغليان لا تلبث إلاّ قليلاً حتى تتفجر ثورات وبراكين لتضيف مسمماراً إلى نعش المشروع الأموي الطاغي..
2- الإمام السجاد (ع) في الشام:
وانتقل الموكب إلى الشام حيث يوجد الخليفة يزيد بن معاوية الذي يريد أن يستشعر بنشوة النصر فأقاموا له عيداً وفرحاً كبيراً. لقد انتصر "خليفة رسول الله!!!" ولكن على مَنْ؟! إنهم لا يعرفون حقيقة هؤلاء الأسرى والسبايا، فانبرى الإمام السجاد (ع) ليكشف لهم الحقيقة: "أيها الناس، أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الردا، أنا ابن من صلى بملائكة السما، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن خديجة الكبرى، أنا ابن المرمّل بالدما، أنا ابن ذبيح كربلاء..." وانقلب العيد إلى دهشة غمرت الوجوه، وتحولت الفرحة إلى تساؤلات ترتسم في الأذهان. وانفلت زمام الأمر من يد يزيد، لقد فضحت هذه الكلمات الحكم الأموي وساهمت في تعريته أمام أهل الشام.
تفاعلات ثورة كربلاء:
فتحت ثورة الحسين (ع) وحركة الإمام السجاد (ع) في الكوفة والشام، الباب على مصراعيه أمام ثورات لاحقة كانت تنفجر من حين لاخر. وتختلف فيما بينها. إلاّ أنها تجتمع على أمر واحد. وهو مقارعة المشروع الأموي لقد كسر الإمام الحسين (ع) الحاجز، وساهم الإمام السجاد (ع) في إثارة الرأي العام، فكانت ثورة المدينة بقيادة عبد الله بن حنظلة الأنصاري الذي طرد ال أمية من المدينة.
ثم جاءت ثورة مكة بقيادة عبد الله بن الزبير التي لم تنتهِ إلاّ بعد محاصرة مكة ورميها بالمنجنيق، ثم انفجرت ثورة التوابين بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي تحت شعار "وجوب التكفير عن ذنبهم لعدم نصرتهم الحسين (ع)"
وأخيراً جاءت ثورة المختار الثقفي الذي تتبَّع قتلة الحسين (ع) فقتل منهم مائتين وثمانين رجلاً منهم عبيد الله بن زياد وعمر بن سعد والشمر بن ذي الجوشن.
طبيعة عمل الإمام (ع):
استخدم الإمام زين العابدين (ع) الدعاء كوسيلة تربوية إصلاحية وأثار في أدعيته كل القضايا التي تهم الإنسان والمجتمع وقد جمعت تلك الأدعية في كتاب عُرف فيما بعد بالصحيفة السجادية، كما كان يعقد الحلقات الدينية والفكرية في مسجد الرسول (ص) حتى أصبحت مجالسه محجّة للعلماء والفقهاء وتخرج من هذه المدرسة قيادات علمية وفكرية حملت العلم والمعرفة والإرشاد إلى كافة البلاد الإسلامية ولم يترك الإمام (ع) بحكم كونه إماماً الجانب الإنساني والاجتماعي حيث نجد في الروايات أنه كان يخرج في الليالي الظلماء يحمل الجراب على ظهره. فيقرع الأبواب ويناول أهلها من دون أن يُعرف، كما كان يشتري في كل عام مئات العبيد ليحررهم في الفطر والأضحى بعد أن يربيهم التربية الاسلامية المباركة.
منزلة الامام علي بن الحسين (ع) عند المسلمين:
حج هشام بن عبد الملك فحاول أن يلمس الحجر الأسود فلم يستطع من شدة الازدحام فوقف جانباً، وإذا بالامام مقبلاً يريد لمس الحجر فانفرج له الناس ووقفوا جانباً تعظيماً له حتى لمس الحجر وقبله ومضى فعاد الناس الى ما كانوا عليه. فانزعج هشام وقال: من هذا؟ وصادف أن كان الفرزدق الشاعر واقفاً فأجابه هذا علي بن الحسين بن علي ثم أنشد فيه قصيدته المشهورة التي يقول فيها:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم
زوجاته وأولاده (ع):
تزوج الامام علي بن الحسين (ع) من ابنة عمه فاطمة بنت الحسن فأنجبت له محمد الباقر(ع) وسائر أولاده هم من إماء، وكان أبرزهم زيد بن علي الشهيد الذي تنسب له الشيعة الزيدية.
شهادة الإمام (ع):
هذه المسيرة الإصلاحية الهادفة لم تخفَ عن عيون عبد الملك بن مروان التي بثّها في المدينة لتراقب تحركات الإمام (ع) فسرعان ما تبرّم هذا الحاكم من حركة الإمام(ع) التي أثمرت في توسيع القاعدة الشعبية والفكرية المتعاطفة معه. فاعتقله وأحضره إلى دمشق مقيداً، لكن قوّة شخصية الإمام (ع) أثارت الاحترام في نفس السلطان فأمر بإطلاقه وإعادته سالماً إلى المدينة. وأخيراً قرّر الوليد بن عبد الملك تصفية الإمام (ع) فأوعز إلى أخيه سليمان فدسّ السم له...
الفرزدق وهشام
مع أنّ هشام بن عبد الملك كان ولياً للعهد في ذلك الوقت الذي بلغت فيه الدولة الأموية أوج عظمتها وتسلّطها. إلاَّ أنه لم يستطع الوصول إلى (الحجر الأسود) بعد أن أتمّ طواف الكعبة، بالرغم من محاولته اليائسة.
كان حُجَّاج بيت الله الحرام يرتدون لباساً واحداً هو لباس الإحرام، وكانوا مشغولين بأعمال واحدة هي أعمال الحج، وكانوا مستغرقين بأحاسيسهم الأخروية التي تشغلهم عن كل شخصية ومقام فكانوا بذلك سواسية لا يفرّق بينهم شيء.
أما هشام فكان قد جلب معه الرجال والحشم ليحفظوا له أبّهته وفخامته، وكان هؤلاء صاغرين ازاء عظمة الحجّ وسموّه المعنوي.
كرَّر هشام محاولته اليائسة للمس الحجر ولكنه رجع خائباً لشدة الازدحام واجتماع الخلق، فأمر بأن ينصب له عرش على مكان مرتفع حتى يقيّض له النظر إلى الحجيج وليملأ عينيه بتفرجه على هذا الاجتماع المهيب.
وبينما هو وحاشيته على هذه الحال إذ شاهد رجلاً يعلو سيماءه التقوى والورع، يغطي جسمه قميص أبيض مثل سائر الحجاج، بدأ بالطواف حول الكعبة ثم توجه بخطوات مطمئنة يريد لمس الحجر الأسود، فلما راه الناس انفرجوا قسمين وتنحّوا عنه هيبةً وإجلالاً.
دُهش الشاميّون لهذا المنظر العجيب ولم يستطيع أحد أن يمسك نفسه عن أن يسأل هشام قائلاً: من هذا يا أمير المؤمنين؟
فأجاب هشام: لا أعرفه.
والحقيقة أن هشاماً كان يعرفه حق المعرفة إلاَّ أنه قال ذلك حتى لا يرغب أهل الشام به.
ترى من الذي يملك الجرأة في تعريف هذا الشخص.. ومن ذا الذي لا يخاف سيف هشام وسطوته، فيقدم على تعريف الرجل الشامي بهذا الرجل؟
لم يوجد من هو أشجع من الفرزدق الذي لم يبالِ بما سيلحقه من تشرّد وأذى إن هو أجاب، فقال: أنا أعرفه!
فقال الشامي: من هو يا أبا فراس؟
فأنشأ الفرزدق قصيدته الغرَّاء في مدح الامام زين العابدين، علي بن الحسين (ع) والتي منها:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم
وليس قولك من هذا بضائره العرب تعرف من انكرت والعجم
فغضب هشام لسماع هذه القصيدة وقال للفرزدق: ألا قلت فينا مثلها؟ فقال الفرزدق: هات جداً كجده وأباً كأبيه وأماً كأمه حتى أقول فيك مثلها؟ فأمر هشام بحبسه في )عسفان( بين مكة والمدينة فحُبس ولكنه لم يأبه بذلك، فلما بلغ خبره علي بن الحسين (ع) بعث إليه باثني عشر الف درهم وقال: اعذرنا يا أبا فراس فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك به، فردها الفرزدق وقال:
يا ابن رسول الله ما قلت فيك الذي قلت إلاَّ غضباً لله ورسوله وما كنت أريد أن أرزق عليه شيئاً. فردَّها الامام (ع) ثانية إليه وقال: بحقي عليك، تقبَّلها فقد رأى الله مكانك وعلم نيّتك، عند ذلك قبلها الفرزدق.
التدبير الإلهي في حياة السجاد عليه السلام.. من الملفت أن هؤلاء القوم الذين ما رحموا الطفل الصغير، وما رحموا الهاشميات، حيث أحرقوا عليهن الخيام، وعملوا ما عملوا من الفجائع العظام؛ أنهم أبقوا على حياة الإمام السجاد (ع).. فلماذا أبقوا هذا الشاب العليل، الذي هو -بلا شك- مصدر فضح لجريمتهم النكراء، وهو البقية من الحسين (ع)!.. إن البعض هذه الأيام ينتابه اليأس عندما يرى قوة الكفر وتكالب الضلالة، فينادي بالاستسلام ورفع الرايات البيضاء!.. ولكن أين تدبير رب العالمين، الذي نجّى علي بن الحسين (ع) من أيدي الظالمين، ومن قبل نجّى موسى (ع) من فرعون الذي كان يقتّل الرضع؛ لئلا يلد من يقوّض مملكته.. وإذا به يحتضن موسى (ع) على صدره، ويتخذه ولدا، {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} فإذا كان هذا التصرف في قلب الكافر، فكيف بالتصرف الرباني في قلب المؤمن؟!..
فإذن، ينبغي للمؤمن إذا رأى إدباراً في قلبه، أن يسعى سعيه، ويطلب من رب العالمين أن يقلب هذا القلب؛ فهو مقلب القلوب.. ولا يخفى أن هذا الزمان من أسوأ الأزمنة، من حيث فرص التكامل.. إذ الدنيا ببهرجتها وبزينتها وشبهاتها في: المأكل، والمشرب، والمسمع، والمعاشرة، وغير ذلك؛ شاغلة، ملهية، مشتتة للفكر والحس.. فأين نحن والوصول إلى درجات الصديقين من السلف الصالح؟!.. ومع ذلك فهذه الآية تبعث على الأمل: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}: بمعنى أن هذا القلب المعادي لمن لا تجب عداوته، فإنه ينقلب رأساً على عقب بفضل الله -تعالى- وكرمه.. والأوضح من ذلك قوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}: فالإنسان الذي تزينت في قلبه صلاة الليل، هل يحتاج إلى منبه بجانبه، أو لقراءة آخر سورة الكهف؟.. لا، بل العكس إنه يحتاج إلى ضبط ومنع في بعض الحالات، لا إلى حث أو تشجيع!.. فهؤلاء (لولا الآجل الذي كتب الله لهم، لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين؛ شوقا إلى ربهم)!..
الدرس الثاني: التسليم.. إن البعض يشتكي من مشكلات بسيطة، ويصفها بأنها قاصمة للظهر.. والحال أن الإمام زين العابدين (ع) وهو يحمل الاسم الأعظم، ويحمل تلك العلوم المذهلة للعقول، وكان محاطاً بملائكة النصر والتأييد.. ولكنه مأمورٌ بالسكوت، وإلا لو شاء بدعوةٍ واحدة أباد القوم.. وإذا به يقاد من بلد إلى بلد، والأغلال الجامعة على عنقه الشريف، ومع بدنه العليل والمسافة الطويلة على هذه الدواب بغير وطاء، وتحت حرارة الشمس، ومع ثقل الحديد الذي أكل من بدنه الشريف.. مع كل ذلك تراه في تسليم محض، يلهج بذكر الله ويناجيه، ولو شاء الله -تعالى- لأبره.. وكذلك كان من قبله جده أمير المؤمنين علي (ع) عندما أخذ غصباً ليبايع، أخذت بعض أصحابه الوجوم والدهشة بما جرى عليه (ع)، قال الصادق (ع): (لما بايع الناس أبا بكر، أُتي بأمير المؤمنين (ع) ملبّباً ليبايع، قال سلمان: أيُصنع ذا بهذا؟.. والله لو أقسم على الله، لانطبقت ذه على ذه...)؛ أي لو شاء بدعوة واحدة أباد القوم، وانطبقت الأرض على السماء.. وسلمان المحمدي، هو التلميذ الأول لجامعتين: الجامعة المحمدية، والجامعة العلوية.. ولا ريب في أنه أفضل صحابة النبي، وصحابة الوصي على الإطلاق!..
ولنعلم منزلة الولي؛ فلنتأمل في هذا الحديث: (المؤمن مثل كفتي الميزان: كلما زيد في إيمانه؛ زيد في بلائه)؛ فالبلاء للأمثل فالأمثل.. رحم الله المعلم التبريري صاحب الكتب المعروفة: في يوم عيد الغدير مات له صبي، فارتفع بكاء النسوة.. فقال: اليوم ربّ العالمين أتحفنا بهدية، هذه الهدية هي موت الولد: ظاهره موت، وباطنه هدية ربانية؛ ولكن النساء لا يعلمن قدر هذه الهدية.. إذا كان هذا العالم الجليل شأنه هكذا، فكيف بأئمة الهدى -صلوات الله وسلامه عليهم-؟..
وعليه، فإنه ينبغي للإنسان إذا داهمته البلايا والمصائب، أن يعمل بمقولة الإمام الرضا (ع): (يَا بْنَ شَبِيبٍ!.. إِنْ كُنْتَ بَاكِياً لِشَيْءٍ؛ فَابْكِ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليه السلام)؛ فَإِنَّهُ ذُبِحَ كَمَا يُذْبَحُ الْكَبْشُ، وقُتِلَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلاً، مَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ شَبِيهُونَ.. ولَقَدْ بَكَتِ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ والأَرَضُونَ لِقَتْلِهِ)؛ أي تذكر مصيبة الحسين (ع)؛ فتهون كل المصائب، وأي مصيبة أعظم من هذه المصيبة!.. قال الرضا (ع): (...وَلَقَدْ بَكَتِ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ لِقَتْلِهِ، وَلَقَدْ نَزَلِ إلى الأَرْضِ منَ الملائكةِ أربعةُ آَلافٍ لنصرِهِ، فوَجدوُهُ قدْ قُتلَ، فهمْ عندَ قبرِهِ شعثٌ غبْرٌ إلى أنْ يقومَ القائمُ، فيكونونَ من أنصارِه، وشعارُهمْ: يا لثاراتِ الحسين)!..
من المؤكد أنه ليست هناك مجموعة دعائية في تراث الإنسانية، كتراث الإمام السجاد (ع).. إذ أن هنالك أكثر من صحيفة، جمعت في كتاب ضخم بعنوان: "الصحيفة السجادية الكاملة"، تضم أبلغ الأدعية الجامعة في كل الشؤون: من شكوى على النفس، ومناجاة المحبين، والذاكرين، والمشتاقين، وغير ذلك في المناجيات الخمس عشرة، إلى الدعاء على أعداء الإسلام في دعاء الثغور.. والدعاء هو حديث مع الربّ، يشترك فيه النصراني واليهودي والمسلم، فلو ترجم هذا التراث، ما المانع أن يقرأ عند اليهود والنصارى؟..
إن هذه رواية تدل على مدى انقطاع الإمام زين العابدين -صلوات الله وسلامه عليه- عند الصلاة بين يدي الله -سبحانه وتعالى-.. (كان (ع) قائما يصلي حتى وقف ابنه محمد (ع) -وهو طفل- إلى بئر في داره بالمدينة بعيدة القعر، فسقط فيها، فنظرتْ إليه أمّه فصرختْ وأقبلتْ نحو البئر، تضرب بنفسها حذاء البئر وتستغيث وتقول: يا بن رسول الله!.. غرق ولدك محمد، وهو لا ينثني عن صلاته، وهو يسمع اضطراب ابنه في قعر البئر، فلما طال عليها ذلك قالت -حزنا على ولدها-: ما أقسى قلوبكم يا أهل بيت رسول الله؟!.. فأقبل على صلاته ولم يخرج عنها إلا عن كمالها وإتمامها، ثم أقبل عليها وجلس على أرجاء البئر ومد يده إلى قعرها، وكانت لا تنُال إلا برشاء (أي حبل) طويل، فأخرج ابنه محمدا (ع) على يديه يناغي ويضحك، لم يبتل له ثوب ولا جسد بالماء، فقال: هاكِ يا ضعيفة اليقين بالله!.. فضحكت لسلامة ولدها وبكت لقوله (ع): يا ضعيفة اليقين بالله.. فقال (ع): لا تثريب عليك اليوم!.. لو علمتِ أني كنت بين يديّ جبار، لو ملتُ بوجهي عنه لمال بوجهه عني.. أفمن يُرى راحما بعده)!..
وهنا لا يقع الخلط على أحد ويفعل مثل الإمام (ع)!.. فالإمام (ع) كان على يقين من سلامة ولده.. ولكن المهم في هذا الحديث، هي عبارته الأخيرة: (أفمن يُرى راحما بعده)!.. أي أن الإنسان لو صرف وجهه عن المولى في موقف من المواقف -ولو سهواً-، فإن الرب سيصرف وجهه عنه ويتركه وحده، يعمل ما يشاء خيراً أو شراً، وترتفع عنه الرعاية والحصانة الإلهية.. وما بال إنسان ارتفعت عنه حماية رب العالمين !.. فإن حاله كما قال الإمام (ع): أفمن يرى راحما بعده)!. </B></I>
بطاقة الهوية:
الإسم: علي (ع)
اللقب: زين العابدين
الكنية: أبو الحسن (أبو محمد)
اسم الأب: الحسين بن علي(ع)
اسم الأم: شاه زنان
الولادة: 5 شعبان 38 ه
الشهادة: 25 محرم 95ه
مدة الإمامة: 35 سنة
القاتل: الوليد بن عبد الملك
مكان الدفن: البقيع
رغم أن الامام علي بن الحسين كان ابن اثنتي وعشرين سنة عندما حصلت واقعة كربلاء وقتل الحسين (ع) إلاّ أنه نجا من القتل بعناية الله تعالى حيث كان مريضاً طريح الفراش لا يقوى على حمل السلاح، فاستلم زمام الامامة ليكمل مسيرة أبيه الحسين (ع) في مواجهة الطغاة ونشر تعاليم الاسلام الحنيف.
شخصية علي بن الحسين (ع):
امتاز علي بن الحسين (ع) بقوة الشخصية وبعد النظر فضلاً عن العلم والتقوى حتى عرف بزين العابدين. وقد سعى لتكريس حياته كلها لإبراز خصائص الثورة الحسينية وتحقيق أهدافها في مواجهة المشروع الأموي الذي كان يشكل الخطر الأكبر على الاسلام. وقد تجلّى دوره العظيم في عدة مجالات نذكر أهمها:
1- الإمام السجاد (ع) في الكوفة:
يدخل موكب السبايا إلى الكوفة، تتقدمه السيدة زينب (ع) بطلة كربلاء، والإمام السجاد(ع). ويحتشد الناس لاستقبال الموكب. ويدخل أبناء علي بن ابي طالب إلى الكوفة حيث جعلها علي (ع) حاضرة البلاد الإسلامية بالأمس القريب. وتتقدّم زينب (ع) بين الناس وكأنها لم تغادرهم بالأمس القريب مع أخيها الحسين إلى المدينة. وأهل الكوفة يعلمون جيداً من هم هؤلاء السبايا والأسرى. لذلك أراد الإمام السجاد أن يصوّر لهم حجم المجزرة التي تسبّبوا بها بخذلانهم إمامهم الحسين (ع): "أنا ابن من انتهكت حرمته وسلبت نعمته وانتهب ماله وسبي عياله، أنا ابن المذبوح بشط الفرات من غير دخل ولا ترات.." ويعلو البكاء فيقطعه صوت زينب(ع): "فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً فلقد ذهبتم بعارها وشنارها قُتل سليل خاتم النبوة وسيد شباب أهل الجنة فتعساً لكم وسحقاً فلقد خاب السعي وتبّت الأيدي وبئتم بغضب من الله ورسوله.." لقد سمعوا من خلالها صوت علي بن أبي طالب خليفتهم وهو يستصرخهم ويخاطب ضمائرهم فاهتز وجدانهم لذلك واعترتهم موجة من السخط والغليان لا تلبث إلاّ قليلاً حتى تتفجر ثورات وبراكين لتضيف مسمماراً إلى نعش المشروع الأموي الطاغي..
2- الإمام السجاد (ع) في الشام:
وانتقل الموكب إلى الشام حيث يوجد الخليفة يزيد بن معاوية الذي يريد أن يستشعر بنشوة النصر فأقاموا له عيداً وفرحاً كبيراً. لقد انتصر "خليفة رسول الله!!!" ولكن على مَنْ؟! إنهم لا يعرفون حقيقة هؤلاء الأسرى والسبايا، فانبرى الإمام السجاد (ع) ليكشف لهم الحقيقة: "أيها الناس، أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الردا، أنا ابن من صلى بملائكة السما، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن خديجة الكبرى، أنا ابن المرمّل بالدما، أنا ابن ذبيح كربلاء..." وانقلب العيد إلى دهشة غمرت الوجوه، وتحولت الفرحة إلى تساؤلات ترتسم في الأذهان. وانفلت زمام الأمر من يد يزيد، لقد فضحت هذه الكلمات الحكم الأموي وساهمت في تعريته أمام أهل الشام.
تفاعلات ثورة كربلاء:
فتحت ثورة الحسين (ع) وحركة الإمام السجاد (ع) في الكوفة والشام، الباب على مصراعيه أمام ثورات لاحقة كانت تنفجر من حين لاخر. وتختلف فيما بينها. إلاّ أنها تجتمع على أمر واحد. وهو مقارعة المشروع الأموي لقد كسر الإمام الحسين (ع) الحاجز، وساهم الإمام السجاد (ع) في إثارة الرأي العام، فكانت ثورة المدينة بقيادة عبد الله بن حنظلة الأنصاري الذي طرد ال أمية من المدينة.
ثم جاءت ثورة مكة بقيادة عبد الله بن الزبير التي لم تنتهِ إلاّ بعد محاصرة مكة ورميها بالمنجنيق، ثم انفجرت ثورة التوابين بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي تحت شعار "وجوب التكفير عن ذنبهم لعدم نصرتهم الحسين (ع)"
وأخيراً جاءت ثورة المختار الثقفي الذي تتبَّع قتلة الحسين (ع) فقتل منهم مائتين وثمانين رجلاً منهم عبيد الله بن زياد وعمر بن سعد والشمر بن ذي الجوشن.
طبيعة عمل الإمام (ع):
استخدم الإمام زين العابدين (ع) الدعاء كوسيلة تربوية إصلاحية وأثار في أدعيته كل القضايا التي تهم الإنسان والمجتمع وقد جمعت تلك الأدعية في كتاب عُرف فيما بعد بالصحيفة السجادية، كما كان يعقد الحلقات الدينية والفكرية في مسجد الرسول (ص) حتى أصبحت مجالسه محجّة للعلماء والفقهاء وتخرج من هذه المدرسة قيادات علمية وفكرية حملت العلم والمعرفة والإرشاد إلى كافة البلاد الإسلامية ولم يترك الإمام (ع) بحكم كونه إماماً الجانب الإنساني والاجتماعي حيث نجد في الروايات أنه كان يخرج في الليالي الظلماء يحمل الجراب على ظهره. فيقرع الأبواب ويناول أهلها من دون أن يُعرف، كما كان يشتري في كل عام مئات العبيد ليحررهم في الفطر والأضحى بعد أن يربيهم التربية الاسلامية المباركة.
منزلة الامام علي بن الحسين (ع) عند المسلمين:
حج هشام بن عبد الملك فحاول أن يلمس الحجر الأسود فلم يستطع من شدة الازدحام فوقف جانباً، وإذا بالامام مقبلاً يريد لمس الحجر فانفرج له الناس ووقفوا جانباً تعظيماً له حتى لمس الحجر وقبله ومضى فعاد الناس الى ما كانوا عليه. فانزعج هشام وقال: من هذا؟ وصادف أن كان الفرزدق الشاعر واقفاً فأجابه هذا علي بن الحسين بن علي ثم أنشد فيه قصيدته المشهورة التي يقول فيها:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم
زوجاته وأولاده (ع):
تزوج الامام علي بن الحسين (ع) من ابنة عمه فاطمة بنت الحسن فأنجبت له محمد الباقر(ع) وسائر أولاده هم من إماء، وكان أبرزهم زيد بن علي الشهيد الذي تنسب له الشيعة الزيدية.
شهادة الإمام (ع):
هذه المسيرة الإصلاحية الهادفة لم تخفَ عن عيون عبد الملك بن مروان التي بثّها في المدينة لتراقب تحركات الإمام (ع) فسرعان ما تبرّم هذا الحاكم من حركة الإمام(ع) التي أثمرت في توسيع القاعدة الشعبية والفكرية المتعاطفة معه. فاعتقله وأحضره إلى دمشق مقيداً، لكن قوّة شخصية الإمام (ع) أثارت الاحترام في نفس السلطان فأمر بإطلاقه وإعادته سالماً إلى المدينة. وأخيراً قرّر الوليد بن عبد الملك تصفية الإمام (ع) فأوعز إلى أخيه سليمان فدسّ السم له...
الفرزدق وهشام
مع أنّ هشام بن عبد الملك كان ولياً للعهد في ذلك الوقت الذي بلغت فيه الدولة الأموية أوج عظمتها وتسلّطها. إلاَّ أنه لم يستطع الوصول إلى (الحجر الأسود) بعد أن أتمّ طواف الكعبة، بالرغم من محاولته اليائسة.
كان حُجَّاج بيت الله الحرام يرتدون لباساً واحداً هو لباس الإحرام، وكانوا مشغولين بأعمال واحدة هي أعمال الحج، وكانوا مستغرقين بأحاسيسهم الأخروية التي تشغلهم عن كل شخصية ومقام فكانوا بذلك سواسية لا يفرّق بينهم شيء.
أما هشام فكان قد جلب معه الرجال والحشم ليحفظوا له أبّهته وفخامته، وكان هؤلاء صاغرين ازاء عظمة الحجّ وسموّه المعنوي.
كرَّر هشام محاولته اليائسة للمس الحجر ولكنه رجع خائباً لشدة الازدحام واجتماع الخلق، فأمر بأن ينصب له عرش على مكان مرتفع حتى يقيّض له النظر إلى الحجيج وليملأ عينيه بتفرجه على هذا الاجتماع المهيب.
وبينما هو وحاشيته على هذه الحال إذ شاهد رجلاً يعلو سيماءه التقوى والورع، يغطي جسمه قميص أبيض مثل سائر الحجاج، بدأ بالطواف حول الكعبة ثم توجه بخطوات مطمئنة يريد لمس الحجر الأسود، فلما راه الناس انفرجوا قسمين وتنحّوا عنه هيبةً وإجلالاً.
دُهش الشاميّون لهذا المنظر العجيب ولم يستطيع أحد أن يمسك نفسه عن أن يسأل هشام قائلاً: من هذا يا أمير المؤمنين؟
فأجاب هشام: لا أعرفه.
والحقيقة أن هشاماً كان يعرفه حق المعرفة إلاَّ أنه قال ذلك حتى لا يرغب أهل الشام به.
ترى من الذي يملك الجرأة في تعريف هذا الشخص.. ومن ذا الذي لا يخاف سيف هشام وسطوته، فيقدم على تعريف الرجل الشامي بهذا الرجل؟
لم يوجد من هو أشجع من الفرزدق الذي لم يبالِ بما سيلحقه من تشرّد وأذى إن هو أجاب، فقال: أنا أعرفه!
فقال الشامي: من هو يا أبا فراس؟
فأنشأ الفرزدق قصيدته الغرَّاء في مدح الامام زين العابدين، علي بن الحسين (ع) والتي منها:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم
وليس قولك من هذا بضائره العرب تعرف من انكرت والعجم
فغضب هشام لسماع هذه القصيدة وقال للفرزدق: ألا قلت فينا مثلها؟ فقال الفرزدق: هات جداً كجده وأباً كأبيه وأماً كأمه حتى أقول فيك مثلها؟ فأمر هشام بحبسه في )عسفان( بين مكة والمدينة فحُبس ولكنه لم يأبه بذلك، فلما بلغ خبره علي بن الحسين (ع) بعث إليه باثني عشر الف درهم وقال: اعذرنا يا أبا فراس فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك به، فردها الفرزدق وقال:
يا ابن رسول الله ما قلت فيك الذي قلت إلاَّ غضباً لله ورسوله وما كنت أريد أن أرزق عليه شيئاً. فردَّها الامام (ع) ثانية إليه وقال: بحقي عليك، تقبَّلها فقد رأى الله مكانك وعلم نيّتك، عند ذلك قبلها الفرزدق.
التدبير الإلهي في حياة السجاد عليه السلام.. من الملفت أن هؤلاء القوم الذين ما رحموا الطفل الصغير، وما رحموا الهاشميات، حيث أحرقوا عليهن الخيام، وعملوا ما عملوا من الفجائع العظام؛ أنهم أبقوا على حياة الإمام السجاد (ع).. فلماذا أبقوا هذا الشاب العليل، الذي هو -بلا شك- مصدر فضح لجريمتهم النكراء، وهو البقية من الحسين (ع)!.. إن البعض هذه الأيام ينتابه اليأس عندما يرى قوة الكفر وتكالب الضلالة، فينادي بالاستسلام ورفع الرايات البيضاء!.. ولكن أين تدبير رب العالمين، الذي نجّى علي بن الحسين (ع) من أيدي الظالمين، ومن قبل نجّى موسى (ع) من فرعون الذي كان يقتّل الرضع؛ لئلا يلد من يقوّض مملكته.. وإذا به يحتضن موسى (ع) على صدره، ويتخذه ولدا، {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} فإذا كان هذا التصرف في قلب الكافر، فكيف بالتصرف الرباني في قلب المؤمن؟!..
فإذن، ينبغي للمؤمن إذا رأى إدباراً في قلبه، أن يسعى سعيه، ويطلب من رب العالمين أن يقلب هذا القلب؛ فهو مقلب القلوب.. ولا يخفى أن هذا الزمان من أسوأ الأزمنة، من حيث فرص التكامل.. إذ الدنيا ببهرجتها وبزينتها وشبهاتها في: المأكل، والمشرب، والمسمع، والمعاشرة، وغير ذلك؛ شاغلة، ملهية، مشتتة للفكر والحس.. فأين نحن والوصول إلى درجات الصديقين من السلف الصالح؟!.. ومع ذلك فهذه الآية تبعث على الأمل: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}: بمعنى أن هذا القلب المعادي لمن لا تجب عداوته، فإنه ينقلب رأساً على عقب بفضل الله -تعالى- وكرمه.. والأوضح من ذلك قوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}: فالإنسان الذي تزينت في قلبه صلاة الليل، هل يحتاج إلى منبه بجانبه، أو لقراءة آخر سورة الكهف؟.. لا، بل العكس إنه يحتاج إلى ضبط ومنع في بعض الحالات، لا إلى حث أو تشجيع!.. فهؤلاء (لولا الآجل الذي كتب الله لهم، لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين؛ شوقا إلى ربهم)!..
الدرس الثاني: التسليم.. إن البعض يشتكي من مشكلات بسيطة، ويصفها بأنها قاصمة للظهر.. والحال أن الإمام زين العابدين (ع) وهو يحمل الاسم الأعظم، ويحمل تلك العلوم المذهلة للعقول، وكان محاطاً بملائكة النصر والتأييد.. ولكنه مأمورٌ بالسكوت، وإلا لو شاء بدعوةٍ واحدة أباد القوم.. وإذا به يقاد من بلد إلى بلد، والأغلال الجامعة على عنقه الشريف، ومع بدنه العليل والمسافة الطويلة على هذه الدواب بغير وطاء، وتحت حرارة الشمس، ومع ثقل الحديد الذي أكل من بدنه الشريف.. مع كل ذلك تراه في تسليم محض، يلهج بذكر الله ويناجيه، ولو شاء الله -تعالى- لأبره.. وكذلك كان من قبله جده أمير المؤمنين علي (ع) عندما أخذ غصباً ليبايع، أخذت بعض أصحابه الوجوم والدهشة بما جرى عليه (ع)، قال الصادق (ع): (لما بايع الناس أبا بكر، أُتي بأمير المؤمنين (ع) ملبّباً ليبايع، قال سلمان: أيُصنع ذا بهذا؟.. والله لو أقسم على الله، لانطبقت ذه على ذه...)؛ أي لو شاء بدعوة واحدة أباد القوم، وانطبقت الأرض على السماء.. وسلمان المحمدي، هو التلميذ الأول لجامعتين: الجامعة المحمدية، والجامعة العلوية.. ولا ريب في أنه أفضل صحابة النبي، وصحابة الوصي على الإطلاق!..
ولنعلم منزلة الولي؛ فلنتأمل في هذا الحديث: (المؤمن مثل كفتي الميزان: كلما زيد في إيمانه؛ زيد في بلائه)؛ فالبلاء للأمثل فالأمثل.. رحم الله المعلم التبريري صاحب الكتب المعروفة: في يوم عيد الغدير مات له صبي، فارتفع بكاء النسوة.. فقال: اليوم ربّ العالمين أتحفنا بهدية، هذه الهدية هي موت الولد: ظاهره موت، وباطنه هدية ربانية؛ ولكن النساء لا يعلمن قدر هذه الهدية.. إذا كان هذا العالم الجليل شأنه هكذا، فكيف بأئمة الهدى -صلوات الله وسلامه عليهم-؟..
وعليه، فإنه ينبغي للإنسان إذا داهمته البلايا والمصائب، أن يعمل بمقولة الإمام الرضا (ع): (يَا بْنَ شَبِيبٍ!.. إِنْ كُنْتَ بَاكِياً لِشَيْءٍ؛ فَابْكِ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليه السلام)؛ فَإِنَّهُ ذُبِحَ كَمَا يُذْبَحُ الْكَبْشُ، وقُتِلَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلاً، مَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ شَبِيهُونَ.. ولَقَدْ بَكَتِ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ والأَرَضُونَ لِقَتْلِهِ)؛ أي تذكر مصيبة الحسين (ع)؛ فتهون كل المصائب، وأي مصيبة أعظم من هذه المصيبة!.. قال الرضا (ع): (...وَلَقَدْ بَكَتِ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ لِقَتْلِهِ، وَلَقَدْ نَزَلِ إلى الأَرْضِ منَ الملائكةِ أربعةُ آَلافٍ لنصرِهِ، فوَجدوُهُ قدْ قُتلَ، فهمْ عندَ قبرِهِ شعثٌ غبْرٌ إلى أنْ يقومَ القائمُ، فيكونونَ من أنصارِه، وشعارُهمْ: يا لثاراتِ الحسين)!..
من المؤكد أنه ليست هناك مجموعة دعائية في تراث الإنسانية، كتراث الإمام السجاد (ع).. إذ أن هنالك أكثر من صحيفة، جمعت في كتاب ضخم بعنوان: "الصحيفة السجادية الكاملة"، تضم أبلغ الأدعية الجامعة في كل الشؤون: من شكوى على النفس، ومناجاة المحبين، والذاكرين، والمشتاقين، وغير ذلك في المناجيات الخمس عشرة، إلى الدعاء على أعداء الإسلام في دعاء الثغور.. والدعاء هو حديث مع الربّ، يشترك فيه النصراني واليهودي والمسلم، فلو ترجم هذا التراث، ما المانع أن يقرأ عند اليهود والنصارى؟..
إن هذه رواية تدل على مدى انقطاع الإمام زين العابدين -صلوات الله وسلامه عليه- عند الصلاة بين يدي الله -سبحانه وتعالى-.. (كان (ع) قائما يصلي حتى وقف ابنه محمد (ع) -وهو طفل- إلى بئر في داره بالمدينة بعيدة القعر، فسقط فيها، فنظرتْ إليه أمّه فصرختْ وأقبلتْ نحو البئر، تضرب بنفسها حذاء البئر وتستغيث وتقول: يا بن رسول الله!.. غرق ولدك محمد، وهو لا ينثني عن صلاته، وهو يسمع اضطراب ابنه في قعر البئر، فلما طال عليها ذلك قالت -حزنا على ولدها-: ما أقسى قلوبكم يا أهل بيت رسول الله؟!.. فأقبل على صلاته ولم يخرج عنها إلا عن كمالها وإتمامها، ثم أقبل عليها وجلس على أرجاء البئر ومد يده إلى قعرها، وكانت لا تنُال إلا برشاء (أي حبل) طويل، فأخرج ابنه محمدا (ع) على يديه يناغي ويضحك، لم يبتل له ثوب ولا جسد بالماء، فقال: هاكِ يا ضعيفة اليقين بالله!.. فضحكت لسلامة ولدها وبكت لقوله (ع): يا ضعيفة اليقين بالله.. فقال (ع): لا تثريب عليك اليوم!.. لو علمتِ أني كنت بين يديّ جبار، لو ملتُ بوجهي عنه لمال بوجهه عني.. أفمن يُرى راحما بعده)!..
وهنا لا يقع الخلط على أحد ويفعل مثل الإمام (ع)!.. فالإمام (ع) كان على يقين من سلامة ولده.. ولكن المهم في هذا الحديث، هي عبارته الأخيرة: (أفمن يُرى راحما بعده)!.. أي أن الإنسان لو صرف وجهه عن المولى في موقف من المواقف -ولو سهواً-، فإن الرب سيصرف وجهه عنه ويتركه وحده، يعمل ما يشاء خيراً أو شراً، وترتفع عنه الرعاية والحصانة الإلهية.. وما بال إنسان ارتفعت عنه حماية رب العالمين !.. فإن حاله كما قال الإمام (ع): أفمن يرى راحما بعده)!. </B></I>
تعليق