إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الباقيات الصالحات.. ذخر ليوم الممات !

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الباقيات الصالحات.. ذخر ليوم الممات !

    بسم الله الرحمن الرحيم
    والحمد لله رب العالمين

    وبعد
    فهذا موضوع عام آثرت أن أعرض فيه (كلما سنحت الظروف) فوائد متنوعة قد لا يجمعها باب واحد.. فيكون أشبه بكشكول يتضمن بركات مستفادة من الآيات والروايات وكلمات العلماء وغير ذلك مما ينفع المؤمنين والمؤمنات بإذن الله تعالى

    سائلاً المولى عز وجل التوفيق لما فيه الخير والصلاح.. والإخوة المؤمنين الدعاء في ظهر الغيب..
    والحمد لله رب العالمين

    شعيب العاملي

  • #2
    1. ما هي الباقيات الصالحات ؟

    1. ما هي الباقيات الصالحات ؟

    بسم الله الرحمن الرحيم
    قال تعالى:
    الْمالُ وَ الْبَنُونَ زينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَ خَيْرٌ أَمَلاً (الكهف 46)
    وَ يَزيدُ اللَّهُ الَّذينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَ خَيْرٌ مَرَدًّا (مريم 76)

    وقد ذكر في تفسير الباقيات الصالحات أنها أعمال الخير التي يثاب عليها الإنسان.. وأنها كل عمل يتأمل الإنسان به النجاة من الحساب.. ويردّه إلى ربه مطمئناً الى الثواب.. ويؤيد هذا المعنى العام الظاهر ما روي عن النبي (ص) من قوله لابن مسعود: .. و عليك بذكر الله و العمل الصالح فإن الله تعالى يقول و الباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا و خير أملا (مكارم الأخلاق ص457)
    حيث يفهم منه أن الباقيات الصالحات تشمل ذكر الله والعمل الصالح..

    ولما كانت الامور العبادية موقوفة على صحة الاعتقاد حيث لا يقبل عمل عامل من ذكر أو أنثى ما لم يؤمن بالله عز وجل ورسله ومن فرض الله عليه طاعتهم.. كان الاعتقاد بها من أبرز مصاديق الباقيات الصالحات.. فعن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: (و الباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا) قال: «هم الأئمة عليهم السلام» (غرر الأخبار للديلمي ص181)

    وعن الإمام الصادق عليه السلام: .. يا حصين لا تستصغرن مودتنا، فإنها من الباقيات الصالحات‏ (فضائل أمير المؤمنين لابن عقدة ص196)

    فإن كل عمل سيُرَدُّ على أصحابه ويصير هباءً منثوراً ما لم يقترن بولايتهم ومودتهم عليهم السلام
    فتكون ولايتهم من قبيل المتمم لكل أمر عبادي أو تكون شرطاً في قبوله.وحينها وبعد تحقيقها فللإنسان ما سعى..

    ومما ورد في مصاديق الباقيات الصالحات الصلاة.. فقد سئل الإمام الصادق عليه السلام عن «الباقيات الصالحات‏» فقال: هي الصلاة فحافظوا عليها (تفسير العياشي ج2 ص327)
    و عن أبي عبد الله ع أن قوله تعالى و الباقيات الصالحات‏ هي القيام آخر الليل لصلاة الليل و الدعاء في الأسحار (فقه القرآن للراوندي ج1 ص129)

    فالدعاء كما الصلاة من الباقيات الصالحات إذاً.. لكن اطلق على دعاء خاص أنه الباقيات الصالحات وورد ذلك في روايات عديدة، فعن النبي (ص): .. إذا أصبحت و أمسيت فقل سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر، فإن لك بكل تسبيحة شجرات في الجنة من أنواع الفاكهة و هي الباقيات الصالحات‏ (المحاسن ج1 ص37)

    وعن أبي عبد الله عليه السلام : التفت رسول الله صلى الله عليه و آله إلى أصحابه، فقال: اتخذوا جننا.
    قالوا: يا رسول الله! من عدو قد أضلنا ؟
    قال: لا، و لكن من النار.
    و قولوا : سبحان الله، و الحمد لله، و لا إله إلا الله، و الله أكبر؛ فإنهن المعقبات المنجيات المقدمات، و هن عند الله الباقيات الصالحات. (الأصول الستة عشر ص345)
    فهذا الذكر جنة ووقاية من النار.. أصله ثابت وفرعه في السماء.. فعن أبي عبد الله ع قال: إن رسول الله ص قال لأصحابه ذات يوم أ رأيتم لو جمعتم ما عندكم من‏ الثياب و الآنية ثم وضعتم بعضه على بعض أ كنتم ترونه تبلغ السماء ؟
    قالوا: لا يا رسول الله.
    قال: أ لا أدلكم على شي‏ء أصله في الأرض و فرعه في السماء ؟
    قالوا :بلى يا رسول الله .
    قال: يقول أحدكم إذا فرغ من صلاة الفريضة: سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر ثلاثين مرة، فإن أصلهن في الأرض و فرعهن في السماء و هن يدفعن الهدم و الحرق و الغرق و التردي في البئر و أكل السبع و ميتة السوء و البلية التي تنزل من السماء على العبد في ذلك اليوم و هن الباقيات الصالحات‏. (ثواب الأعمال و عقاب الأعمال ص12)

    فإن قال قائل:
    كيف تجمعون بين ألسنة الروايات هذه ؟ إذ لسان عدة منها صريح في كون المقصود من الباقيات الصالحات معنى معين.. فكيف يصح بعد ذلك أن يقصد بها المعنى الثاني والثالث ؟
    إذ في بعضها (هم الأئمة) وفي بعضها (هي الصلاة) وعن ثالثة (هي القيام آخر الليل... والدعاء) .. وفي غيرها عن التسبيحات (وهي الباقيات الصالحات) .. (وهن عند الله الباقيات الصالحات) وهكذا..

    قلنا: لنا في الجمع وجوه:
    أولها: أن ما تذكره الروايات هو مصاديق بقرينة قوله عليه السلام في أحدها (فإنها من الباقيات الصالحات‏)، ويصح أن يقال أن الباقيات الصالحات هي الأمر الفلاني بذكر مصداق.. أو الأمر الفلاني بذكر مصداق آخر..

    ثانيها: أنه ليس في لسان الروايات حصر حتى يقع التعارض بينها، ولا تنافي بين المثبتات. فلو قال قائل: أحضر لي الكتاب الأول ثم قال أحضر لي الكتاب الثاني لما حصل التعارض بينهما إذ كل منهما يثبت معنى في نفسه دون أن ينفي الآخر.

    ثالثها: لو تنزلنا عن ذلك وسلمنا بما قيل.. فلا ضير في الالتزام حينها بأن ما ورد في الروايات وجوه للآية الشريفة يعرفها من كان عنده علم الكتاب.. أو أنها تأويلات وبطون للآية الشريفة..
    ويوضحه ما ورد عن جابر قال سألت أبا جعفر ع عن شي‏ء في تفسير القرآن فأجابني، ثم سألته ثانية فأجابني بجواب آخر.
    فقلت: جعلت فداك، كنت أجبت في هذه المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم !
    فقال ع لي: يا جابر إن للقرآن بطنا، و للبطن ظهرا، يا جابر و ليس شي‏ء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، إن الآية لتكون أولها في شي‏ء و آخرها في شي‏ء و هو كلام متصل يتصرف على وجوه.(تفسير العياشي ج‏1 ص12)

    والحمد لله رب العالمين

    شعيب العاملي

    تعليق


    • #3
      بحث مفيد شيخنا
      وفقك الله ورعاك

      تعليق


      • #4
        أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
        بسم الله الرحمن الرحيم
        والصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا
        أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين
        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


        أحسنتم اخي الكريم شعيب العاملي
        جعله الله من باقياتك الصالحات
        ووفقكم الله لما يحب ويرضا

        لا تنسونا من دعائكم
        اللهم عجل فرج قائم آل محمد
        أبد والله .. يا زهراء .. ما ننسى حسيناه


        استغفر الله لي ولكم
        والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

        تعليق


        • #5
          شعيب العاملي مستوى كتاباتك مستوى مراجع وفقهاء ومفكرين .......

          من أنت؟

          تابعت كتاباتك منذ أشهر وأنا جدا محتار فيك......

          من أنت؟

          ما هي حقيقتك
          ؟؟
          أين تسكن؟
          ما هو تحصيلك الدراسي؟

          المتيقن هو انك مفكر اسﻻمي من الطراز اﻻول وفقيه و مجتهد

          لكن من أنت؟
          أنا في حيرة من امرك

          ﻻ تنساني من الدعاء فانا في شدة وضيم وقهر وابتﻻء واختبار وﻻ حول وﻻ قوة اﻻ بالله العلي العظيم

          أنا من أقل تﻻمذتك

          اﻻحقر الدكتور...........

          تعليق


          • #6
            بسم الله الرحمن الرحيم

            وعليكم السلام جميعاً ورحمة الله وبركاته
            وتحية الى الاخوة المشاركين

            الاخ العارف المتأله
            لكل علم وفن وصنعة أسس وقواعد يتقنها المتخصصون فيميزون بين صحيحها وسقيمها.. ويخرجون الدخيل عليها بنظرة ثاقبة.. ويضعونها في مواضعها لامتلاكهم أدواتها وأسرارها..

            والاجتهاد والفقاهة عنوان من العناوين التي لا بد فيها من الرجوع إلى أهلها.. وكما لا يكاد يختلف اثنان في أنه لا يكفي لتشخيص الطبيب الحاذق أن نطالع بعض المقالات الطبية.. كذلك لا يمكن إلا أن نترك ميدان تشخيص الاجتهاد من عدمه لفرسانه..
            وكإشارة بسيطة فليس فيما سطرناه من كتابات عابرة ما يصلح للحكم باجتهاد كاتبها.. فرويداً رويداً أخي الكريم.

            وعليه ستكون الفائدة الثانية حول الاجتهاد

            والحمد لله رب العالمين

            شعيب العاملي

            تعليق


            • #7
              2. ما هو الاجتهاد ؟

              2. ما هو الاجتهاد ؟

              الاجتهاد لغة هو بذل الجهد وتحمل المشقة.. ويستعمل في مختلف الأمور فيقال أن فلاناً اجتهد في عمله أو دراسته او غير ذلك اذا ما بذل فيها جهده متحملاً المصاعب كاداً لتحقيق ما يصبو إليه.

              والاجتهاد اصطلاحاً هو استفراغ الوسع وبذل غاية الجهد في استنباط الحكم الشرعي من أدلته المعروفة.. فيأخذ المجتهد دور المنقب في الأدلة الباحث عن خصوصياتها الجامع بينها ليخرج بنتيجة يعتقد أنها الأصح والأوفق في فهم الأدلة..
              ويشترط في المجتهد أن يتقن بعض العلوم وأن يكون مطلعاً على بعضها الآخر مما له دخل في أجودية وأقربية استخراج الأحكام الشرعية.
              ومن يصل لهذه المرتبة ولو في بعض الأبواب (لسهولتها أو لكثرة ممارسته فيها) يعمل بما توصل إليه.

              ولا يؤاخذ المجتهدون باختلاف الفتوى بينهم بعد أن يكون أحدهم قد بذل غاية الجهد في فهم الأدلة وتوصل إلى نتيجة معينة.. وذلك لعجزهم جميعاً عن إدراك حقيقة الحكم لتعذر السماع من المعصوم مشافهة وكثرة أسباب الاختلاف وموجباته كبعد الزمن والاختلاف الحاصل فيما نقل عن الأئمة ونقص كثير مما روي عنهم وفقدان آخر وغير ذلك من الأسباب.. وليس بإمكانهم أيضاً معرفة أن ما توصلوا إليه مطابق للواقع أم لا لكنهم يعلمون أنه الحجة لهم عليهم.


              أما رجوع عامة الناس إلى أعلم المجتهدين فإن عمدة أدلته هي السيرة العقلائية القائمة على جواز رجوع الجاهل إلى العالم.. وإمضاء الشارع المقدس لهذه السيرة.
              ويقصد بالسيرة العقلائية منهج يتبعه العقلاء من أبناء البشر ويرون فيه سنة حسنة فيمدحون فاعله، وقد يذمون تاركه.. فلو أمكن لجاهل بما يحتاجه أن يرجع لعالم يرشده وترك ذلك لما صح اعتذاره بالجهل.. ولو رجع إليه لرأوه سالكاً سبيل الرشاد.

              وهذه القاعدة العامة تنطبق في أمور الشرع كما تنطبق في سائر المجالات.. فيرجع كل شخص إلى من هو أكثر علماً وفهماً منه ليأخذ عنه ما توصل إليه من حكم شرعي فليتزم به لتبرأ ذمته أمام الله عز وجل.

              هذا وقد زعم جمع ممن تلوثت نفوسهم أن هذا المقدار من العمل غير كاف.. وإن كفى فليس هو المطلوب.. وزعموا أن لهم طريقاً لمعرفة حقائق الأحكام ودقائق المعتقدات دون ظواهرها.. وذلك بالكشف والشهود بحيث يشرع أحدهم في المجاهدات النفسانية حتى تنكشف الأمور أمامه على حقيقتها فيبصر ما لا يبصره غيره ويرى عين الواقع بعد أن يرتقي في سلم الكمال ليفنى في ذات الله تعالى !!
              وهؤلاء على مدارس شتى فمنهم من يعتبر أستاذه (الواصل) طريقاً بينه وبين صاحب العصر والزمان !!
              ومنهم من يجعل القطب بمنزلة الإمام بل أعظم !
              ومنهم من يرفع رموزه إلى مرتبة الألوهية أو ينزل (بزعمه) من مرتبة الخالق عز وجل والعياذ بالله !

              وغير ذلك مما يمحق الدين محقاً حيث يبطل كل حجة وبرهان ويفتح الباب أمام أصحاب الأساطير والأوهام والسحر والشعوذة.. وهذا ليس من دين الله في شيء ..

              نعم هناك خلاف معروف بين الأصوليين (وهم جمهور فقهائنا اليوم) والأخباريين (ويضمون جمعاً من كبار علمائنا المتقدمين) حول جواز الاجتهاد وعدمه.. وقد غذى الخلاف جماعة من الطرفين وطابور ثالث بعضه مغرض وبعض لم يفهم حقيقة وحدود الاختلاف بينهما.. ومن مناشئ الخلاف أن أصل الاجتهاد كان معتمداً عند علماء المخالفين بمعنىً يشمل الرأي الشخصي والاستدلال بالاستحسان والقياس وما إلى ذلك مما علم بطلانه.. فأنكر الاخباريون على الاصوليين ما ذهبوا إليه من مصطلحات وجزئيات وإن كانوا في واقع الأمر يشتركون معهم في نفس المعنى بحيث يعمد أحدهم إلى استنباط الاحكام من الادلة الشرعية ثم يسوغ لعامة الناس الرجوع إليه وأخذ الحكم منه وهذا هو الاجتهاد عند الاصوليين بعينه.. ولذا لا ترى من كبار الطرفين (وإن خالفت قلة) إلا الاحترام للطرف الآخر وإن اختلفوا في العديد من المفردات والجزئيات كما يقع الخلاف بين ابناء المدرسة الواحدة..

              وقد تعرضنا لجوانب أخرى حول هذا البحث في إجابات متعددة في هذا الموضوع
              هل يجب تقليد الأعلم؟ و هل يجوز لغير الأعلم أن يفتي؟
              http://www.yahosein.com/vb/showthread.php?t=169297

              والحمد لله رب العالمين

              شعيب العاملي
              التعديل الأخير تم بواسطة شعيب العاملي; الساعة 10-01-2013, 11:19 PM.

              تعليق


              • #8
                متابع
                وفقك الله الجميع لطاعتة

                تعليق


                • #9
                  أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
                  بسم الله الرحمن الرحيم
                  والصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا
                  أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين
                  السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


                  اخي الكريم شعيب العاملي
                  أحسنتم على هذا البيان الجميل
                  متابعون معكم في مواضيعكم المفيدة

                  لا تنسونا من دعائكم
                  اللهم عجل فرج قائم آل محمد
                  أبد والله .. يا زهراء .. ما ننسى حسيناه


                  استغفر الله لي ولكم
                  والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

                  تعليق


                  • #10
                    3. أنفرح لفقد الشهداء والأحبة ؟؟!! إذاً غوينا..

                    بسم الله الرحمن الرحيم
                    والحمد لله رب العالمين.. وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
                    وبعد..
                    لقد نصب رب العالمين للإنسان منارات يهتدي بها وآيات تبيّن له الحق في نفسه فضلاً عن ما يراه من مخلوقات في الآفاق، فقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت : 53]
                    ولم تكن تلك الآيات قابلة لإحصاء محصٍ، ولا لإنكار منكرٍ !
                    وكان تطابق التشريع الإلهي وانسجامه مع الفطرة وطبيعة النفس البشرية آية من آياته تعالى، يتنبه إليها أهلها فتريهم الحق حقاً.. وكان من مصاديق هذا التطابق حالة الدفاع عن النفس التي لا تنفك عن كل إنسان فيما لو تعرض لأي اعتداء، جسدياً كان أم نفسياً.. حيث جوّزت بل أوجبت الشريعة على الانسان مثلاً أن يدافع عن نفسه وعرضه أمام أي عدو واعتداء.. فاجتمعت الجنبة التشريعية مع الطبيعة البشرية في صورة قانون إلهي متكامل.. وتعددت مراتب الجهاد بحسب موضوعه.. فكان أولها الدفاع عن النفس وقد يكون آخرها الدفاع عن دين الله تعالى تحت راية خليفة الله المعصوم في الأرض..
                    ثم أكرم رب الأكوان العبدَ الذي يسقط في هذا الطريق بأن جعله شهيداً فخصه بثواب عظيم وحباه بكرامة جزيلة تفضلاً منه تعالى..
                    بل جعل في ما جلّله به من حلل ودرر عزاءً وسلوةً لأهل قرابته الذين يؤلمهم فراق العزيز.. كما يتألم كل مخلوق سوي لفقد فلذات الأكباد.. وأخوة النسب والدين.. فيتحمل المؤمن منهم ألم الفراق بلا جزع، ويكفكف دموع الاشتياق مسلماً أمره لله تعالى، ويعزي قلبه الذي امتلأ حزناً بأن الحبيب في مقام القرب من محبوبه.. ذلك أن المؤمن حبيب الله.. فيصبر ويشكر الله في الضراء كما شكره في السراء..

                    ثم تستمر السنة الإلهية بتجدد مسيرة الابتلاء لبني البشر في كل عصر وزمان.. ويأخذ الصراع الأبدي بين نهجي الحق وأعدائه صوراً أشد خطراً.. فكلما تجوهر الإنسان المؤمن وظهرت حقيقة معدنه الصافي كلما صار هدفاً لسهام الغواية.. فقد قال رمزها يوماً ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف : 16-17]

                    وكان من أساليبه الأولى تحبيط الناس عن كل حق ومنعهم عن كل جهاد، الأكبر قبل الأصغر.. ولما كان الأصغر أقل مؤونة نجحت ثلة من المؤمنين في تجاوز حباله وسلكت طريق الشهادة دفاعاً عن الدين الحنيف تحت راية رسول الله (ص)، ثم توالت النكبات فسقط في هذه الطريق قوم من المؤمنين في أزمنة مختلفة دفاعاً عن النفس أو العرض أو الدين فاحتسبهم أهلهم شهداء عند الله تعالى.

                    لكن المفارقة كانت ومنذ أعوام سلفت في سقوط بعض الأحبة في فخاخ خفية، فتوهموا أن سلوك بعض أهليهم مثل هذا الطريق والانتقال للرفيق الأعلى كفيل بأن يسلخ الإنسان عن فطرته وطبيعته فيجعل القلب الرحيم للإنسان المؤمن صخرة صمّاء !!
                    فأطلقوا الدعوات لمنع الحزن والأسى والألم على فراق الأحبة !!
                    ثم لمّا تعاطف الآخرون معهم مدركين أن كلامهم نفسه ناتج عن شدة الحزن والألم وعدم القدرة على تحمل صدمة الفراق، تصوروا أن هذا التفهم إقرار بمثل هذه الأفكار.. فجزموا بأن البكاء ضعف وانكسار !! وحكموا على أهل الدمعة بأنهم كادوا أن يصبحوا من أهل العار !!
                    فأكملوا مسيرتهم في الجلد الصامت للذات.. حتى اعتقدوا أن فقيدهم لا يحتاج لفعل خير أو دعاء!! وأنه الشفيع الذي يستغني عن كل شفاعة وعطاء!! ثم صار المتبع عند بعضهم استبدال ذلك بإظهار الفرح والسرور !! وتبادل التهاني والتبريكات !!

                    وعلى أمل أن تكون هذه الحالة الهجينة طارئة عابرة، تدغدغ القلوب دون أن تستقر في بواطن العقول.. فإن للذكرى موضعاً ومحلاً بين المؤمنين، وربنا هو القائل: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات : 55]

                    فإن الحزن على الميت ومفارقة الحبيب فطرة إلهية وسنة نبوية وطبيعة بشرية، ما لم تخرج الإنسان عن الحق.. ولم يكن هذا المقدار يوماً مما يُستدلّ عليه بالدليل لوضوحه وبداهته واتفاق كلمة الإنسانية عليه قبل الأديان والشرائع.. لكن ما وصلنا إليه يحتم الإشارة إلى قليل من نماذج كثيرة طفح بها الكتاب والسنة، ففي ذلك الكفاية..

                    1. نبي الله يعقوب عليه السلام عندما بكى على فراق ولده.
                    قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ [يوسف : 13]
                    فحزن عليه السلام على ذهاب ابنه قبل أن يصاب بأي مكروه، ثم لما فقده تغيرت حالته: ﴿ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف : 84]
                    فهذا نبيّ من أنبياء الله تبيّض عيناه من الحزن على ولده وهو يعلم بأنه لا يزال حياً، وسمع عليه السلام كلاماً يشبه ما نسمعه اليوم حين قالوا له: ﴿ قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ [يوسف : 85]
                    فبكاء الباكي اليوم صار إلقاء للنفس في التهلكة !!
                    لكن التهلكة عند يعقوب ممدوحة إن كانت كما يتوهمون !! حيث أجابهم: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف : 86]
                    فإذا كانت الشكوى لله عز وجل كانت علامة من علامات العبودية واللجوء إلى الله تعالى، وكان خلافها ضعفاً وبعداً عنه تعالى، إذ عقّب عليه السلام شكواه لله تعالى بأنه يعلم من الله ما لا يعلمون، فتحدث عن العلم من الله لا عن مطلق العلم.. وليس النبي كسائر البشر في علومه ومعارفه واعتقاده وسلوكه فإنها ربانية المنشأ والمبدأ..

                    2. أم موسى عليه السلام حين رده الله عليها لئلا تحزن..
                    قال تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص : 13]
                    فدلت الآية على أن العناية الربانية قد تدخلت في رد موسى إلى أمه لتقر عينها به ولا تحزن لفراقه كما تحزن كل أم لفراق ابنها فكيف لو كان موسى ؟!
                    بل إن الرعاية كانت قد من قبل أن تؤمر بإلقائه في اليم حيث قال تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص : 7]
                    فقد قرن الله تعالى نهيه لها عن الخوف والحزن بوعد إلهي برده، ولولا هذا الوعد الإلهي لأصاب أم موسى من الخوف والحزن ما لا يعلمه إلا الله تعالى..
                    وقد كان الخطاب موجهاً إلى موسى نفسه في آية أخرى، وذلك في قوله تعالى ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ..﴾ [طه : 40] فأكرمه الله بكرامة إرجاعه إلى أمه وأكرمها به.
                    كان هذا من الكتاب العزيز الذي اتفق المسلمون على العمل به وأقروا بأنه كلام الله عز وجل..

                    3. سيد شباب أهل الجنة

                    ونحن معشر الإمامية ككثير من سائر المسلمين نعتقد أن هناك ما أبكى خير الخلق وسيّدهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله، رسول الله إلى الإنسانية جمعاء.. أكمل الناس وأصبرهم وأقربهم لله تعالى.. وابن عمه أمير المؤمنين وسيد الوصيين.. والصديقة الكبرى عليها السلام.. وسائر الأنبياء والمرسلين ، والأئمة الطاهرين، بل كل ما في الكون والوجود من خلق ربنا قد بكى لمصيبة سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين عليه السلام.. مصيبة ما أعظمها وأعظم رزيتها..
                    لقد استشهد سيد شباب أهل الجنة وانتقل إلى أرفع منزلة عند الله تعالى، فانكسرت القلوب وكادت السماء أن تسقط على الأرض لولا لطف الله ورحمته.. وعم الحزن الأكوان والعوالم.. وما نهى عاقل أو مؤمن عن عن التأثر بمثل هذه الفاجعة الأليمة..

                    أيها الأحبة..
                    ليس في الحزن على فراق الأحبة ما ينافي الصلابة والعزم واليقين، وليس في البكاء على فقدهم ما يحطّ من إيمان المؤمنين، فإن المؤمن ليّن القلب عطوف رحيم، فلا يقفن أحد ليمنع الفطرة الإلهية عن أن تأخذ مجراها بعد أن عزّزتها السنة الإلهية القرآنية والروائية لأن في ذلك انسلاخاً عن القيم الإنسانية وبعداً عن التعاليم السماوية والخلقة الربانية.

                    وختاماً.. نسأل المولى عزّ وجل، أن يتغمد أمواتنا وأموات المؤمنين والمؤمنات بواسع رحمته.. إنه سميع مجيب، وأن يلهم ذويهم الصبر وسلامة الفكر معاً..
                    والحمد لله رب العالمين

                    20 رجب 1434.. الموافق ل 31-5-2013

                    شعيب العاملي

                    تعليق


                    • #11
                      4. هل في لسان موسى من عقدة ؟ وكيف يكون هارون أفصح منه ؟

                      4. هل في لسان موسى من عقدة ؟ وكيف يكون هارون أفصح منه ؟

                      بسم الله الرحمن الرحيم

                      والحمد لله رب العالمين
                      وبعد

                      فقد ذهب جملة من المفسرين من الفريقين إلى أن قول نبي الله موسى في الآية المباركة (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا) راجع إلى عقدة كانت في لسانه دون هارون.
                      واستشهدوا لذلك بكلام آخر لموسى في كتاب الله هو قوله (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي) وفسروها بأنها رثة تشبه التمتمة وأنها رافقته منذ صغره عندما أدخل الجمرة في فيه !!

                      ويلاحظ على هذا القول أمور:
                      1. أنه ليس في قول موسى عليه السلام (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي) دلالة على وجود عقدة في لسانه، ولتقريب المعنى نقول: وردت الآية المذكورة في سياق آيات أخرى من سورة طه هي: قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ( 25 ) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ( 26 ) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ( 27 ) يَفْقَهُوا قَوْلِي ( 28 ) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي ( 29 )
                      ولا شك بأن صدر نبي الله موسى الذي أرسل لكافة البشرية كان منشرحاً بالإيمان بالله تعالى، ورغم ذلك دعا موسى عليه السلام ربه أن يشرح له صدره.
                      ولا شك أن الله متكفل بتيسير أموره في مستقبله كما يسرها في ماضيه.
                      فلا يلزم من دعاء النبي عليه السلام بهذه الأمور أن يكون فاقداً لها، وإنما للدعاء حكم وغايات وأغراض أخرى بحثت في محلها، ومنها على سبيل الإشارة أن الله سبحانه وتعالى يحب من العبد الدعاء، والأنبياء أقرب الناس إلى الله وأكثرهم دعاء له، وأن الدعاء يقرب العبد من ربه، وأن فيه اعترافاً بحق المنعم فيدخل في عنوان الشكر، وأنه نوع من أنواع العبادة، وغير ذلك من الوجوه، وقد كان نبينا (ص) وأئمتنا الأطهار (ع) أكثر الناس دعاء لله تعالى وهم أقرب الناس إليه وقد أعطاهم أعلى صفات الكمال التي يمكن للمخلوق أن يصل إليها.
                      نعم قد يقال بأن قوله في الآية اللاحقة (يفقهوا قولي) قرينة على أن الغرض هو إتمام الحجة وفِقهُ القوم لقوله عليه السلام، فيكون الدعاء بظاهره لنفسه وبواقعه للقوم بأن يرفع الله تعالى ما يمنعهم من فقه كلامه. ويكفي قيام هذا الاحتمال وأضرابه لعدم تمامية الاحتجاج بما استظهره بعض المفسرين منها.

                      2. كذلك ليس في قوله (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا) دلالة على كمال في هارون كان مفقوداً في موسى عليه السلام، خاصة وأن فصاحة البيان واللسان أمر ضروري ولازم في الرسول، فكيف يرسل الله سبحانه وتعالى من يكون منقوصاً أو معيوباً فيما له دخالة في تبليغ شريعة رب العباد ؟!
                      ويحتمل أن لا يكون المقصود فصاحة هارون بنفسه من جهة خصلة خاصة فيها، وإنما من جهة قبول أولئك القوم لكلام هارون أكثر من كلامه لمأخذ لهم على موسى عليه السلام، والقرينة على ذلك هي سياق الآيات أيضاً من سورة القصص:
                      قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ( 33 ) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ( 34 ) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ ( 35 )
                      فإن جملته مسبوقة بخوفه مما يمكن أن يلاقيه على أيدي القوم، وطلبه لهارون لكي يصدقه مع خوفه من تكذيبهم، فيكون المعنى قريباً مما يحتمل في الآية السابقة.

                      3. أنه لا يعقل ولا يتصوّر وجود نقص في نبي من أنبياء أولي العزم وخاصة نقصاً ذو صلة بتبليغ رسالته فيكون مانعاً عن إتمام الحجة، وهذا الحكم العقلي بنفسه قرينة على عدم إرادة ما ذهب إليه جملة من المفسرين في تفسير الآية.
                      ويضاف إليه أنا لم نعثر على ما يصح الاستناد اليه في مثل هذا القول الذي يتعارض مع الأدلة العقلية والنقلية المانعة من اتصاف الأنبياء خاصة أولي العزم بمثل هذه الصفات..
                      وما عثرنا عليه في الغالب آراء خاصة للمفسرين، وما نسب إلى الروايات كان مرسلاً غير مسند.

                      4. وقد عثرنا بعد ذلك في كلمات عدد من العلماء على ما يؤيد هذا القول أو يشير إليه أو إلى ما يقرب منه، ومن ذلك عند الخاصة ما ذكره الشريف الرضي في تلخيص البيان تجويزاً، قال: وقد يجوز أيضا أن يكون المراد بذلك إزالة التقية عن لسانه وكفايته سطوة فرعون وغواته ، حتى يؤدى عن اللَّه سبحانه آمنا ، ويقول متمكنا ، فلا يكون معقود اللسان بالتقية ، ومعكوم الفم بالخوف والمراقبة . وذلك كقول القائل : لسان فلان معقود : إذا كان خائفا من الكلام . ولسان فلان منطلق : إذا كان مقداما على المقال (ص224)
                      وعند العامة ما أشار إليه الفخر الرازي بقوله: وهؤلاء اختلفوا فمنهم من قال لم تحترق اليد ولا اللسان لأن اليد آلة أخذ العصا وهي الحجة واللسان آلة الذكر فكيف يحترق(تفسير الرازي22: 48)

                      والحمد لله رب العالمين

                      شعيب العاملي

                      تعليق


                      • #12
                        5. كيف يعرف الله بالعقول ولا يصاب دينه بها ؟!!

                        بسم الله الرحمن الرحيم

                        لقد تكرر الاقتران بين آيات الله وبين التعقّل في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل : 12] وكثيرة هي الآيات التي مدحت الذين لا يعقلون وذمت في المقابل الذين لا يعقلون حتى قال تعالى فيهم: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال : 22]

                        ذلك أن رأس المال الذي ينطلق منه الإنسان في مسيرته المعرفية والإدراكية هو العقل، فبالعقل كملت حجة الله على العباد، وعن الإمام الكاظم عليه السلام: يا هشام إن الله تبارك وتعالى أكمل للناس الحجج بالعقول، ونصر النبيين بالبيان، ودلّهم على ربوبيته بالأدلة (الكافي ج1 ص13)
                        وعنه (ع): يا هشام إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة - عليهم السلام -، وأما الباطنة فالعقول (الكافي ج1 ص16)
                        وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: حجة الله على العباد النبي، والحجة فيما بين العباد وبين الله العقل. (الكافي ج1 ص25)
                        وبهذه المزاوجة بين الأنبياء والعقل تمت الحجة الإلهية الظاهرة والباطنة.

                        لكن جدلية محلّ العقل وموضعه ومكانته لم تنته فصولاً بعد بين أهل الاعتقاد فضلاً عن غيرهم، ووقع من لم يتنبه منهم لدقائقها بين إفراط وتفريط:

                        فرأى قوم
                        أن العقل هو المعيار الوحيد وأنه الميزان الذي لا يقيّده شيء ولا تحدّه حدود..وسقطت أقوام في هذا المستنقع، فمنهم من فتح كل بابٍ أمام العقل فأنكر حدود إدراكه حتى في العقيدة ولم يقرّ بعجز العقل عن إدراك كنه الذات الإلهية فتاه وضلّ وتحيّر أو كفر !! ومنهم من أنكر جزئيات الاعتقاد التي لا يمكن ادراكها بالعقل وتنحصر معرفتها برسل الله وحججه عليهم السلام لأن عقله لم يرشده إليها !! ومنهم من أعطى العقل صلاحية التشريع المطلق فاجتهد مقابل النصّ !! وأعمَلَ عقله الناقص واجتهاداته الظنية كالقياس والاستحسان في الاحكام الشرعية وغيرها فصارت شريعة الله ألعوبة بيدهم !!

                        وفي المقابل: أنكر أقوامٌ كلَّ دور للعقل سواء في إدراك الحقائق أو حتى في التعامل مع النصوص، فوقفوا أمامها وقفة متحجرة حتى وقعوا في التجسيم والجبر وغير ذلك.. وأنكر غيرهم كلَّ دخالة للعقل في استفادة الأحكام الشرعية من مظانها..

                        ومما لا شكّ فيه عند أهل التحقيق أن الصواب ما فارق المنهج الوسطي في هذا الأمر كما لم يفارقه في غيره.. فبعد أن أدرك العقل وجود خالق يدرك أنه كمخلوق محدود لا يمكنه الإحاطة بخالقه وإن أمكنه أن يرى عظمته من آثاره، ويدرك أن لا سبيل له إلى كثير من الاعتقادات الجزئية فيلجأ لحجج لله على عباده فيأخذها منهم حصراً، ويدرك أن الظنون التي قد تحصل عند الإنسان من استحساناته ليست بحجة له أو عليه.. وقد بحثت كل هذه الأمور في محلها ولسنا في وارد التعرّض لتفاصيلها..

                        لكنّ ما أردنا أن نعرض له في هذه المشاركة هو دور العقل في الاستنباط الشرعي، كما هو المعوّل عليه عند فقهاء الإمامية أعزّهم الله.
                        وما يقصده الفقهاء من كون الدليل العقلي رابع الأدلة المعتمدة في الفقه هو خصوص القضايا العقلية التي تورث علماً وقطعاً بالحكم الشرعي، لا ما أورث الظن أو الاحتمال.
                        وبما أن حجية القطع ذاتية لا تنفك عنه، وهي المقدار الذي التزم به الفقهاء يكون كلامهم تاماً ولا وجه لمؤاخذتهم عليه أو الانتقاص منهم، بل لا وجه لإنكاره أو عدم العمل به مع فرض كونه مفيداً للعلم والقطع.
                        فإن الإنسان ما عرف الله عز وجل والأنبياء والرسل إلا بالعقل وقطعياته، ولا يمكن أن يسلخ الإنسان عن ذلك بوجه من الوجوه.

                        ومن جملة الأمور التي بحثها العلماء هو إمكان أن يدرك العقل بنفسه أن الفعل الفلاني حسن أو قبيح شرعاً بعد أن أدرك حسنه وقبحه في نفسه ؟ أي أنه إذا حكم العقل أن الفعل الفلاني حسن شرعاً أو قبيح شرعاً، هل يستكشف بذلك حكم الشرع ؟
                        وتبحث هذه المسائل سواء كانت مركبة من مقدمتين عقليتين (وهي المستقلات العقلية) كحكم العقل بقبح شيء، ثم حكمه بأن كل ما حكم به العقل حكم به الشرع. ومثالها: الحكم بحسن العدل عقلاً، وكل ما حكم به العقل حكم به الشرع، فيعرف أن الشرع قد حكم بحسن العدل. والمستقلات العقلية هي عبارة أخرى عن التحسين والتقبيح العقليين اللذين التزم بهما الإمامية العدلية.

                        أو من مقدمة عقلية وأخرى شرعية، بأن حكم الشرع بوجوب شيء وحكم العقل بوجوب المقدمة عند وجوب ذيها فتنضم المقدمة العقلية إلى الشرعية لإيجاب المقدمة شرعاً..
                        ومن أبحاثهم مثلاً بحث الإجزاء والاكتفاء بالحكم الظاهري فيما لو انكشف بعد الامتثال أنه كان خلاف الحكم الواقعي.
                        ومنها ما لو أمر الشارع بأمر معين، ثم أمر بأمر آخر اضطراري عند العجز عن الأمر الأول، وأتى المكلف بالتكليف الاضطراري ثم زال الاضطرار، فهل يسقط الأمر الأول سواء مع بقاء الوقت أو مع انتهائه ؟!
                        ومنها حكم العقل باستحالة التكليف بلا بيان، ويلزم منه حكم الشرع بالبراءة.
                        ومنها حكم العقل بتقديم الأهم في موارد التزاحم بين الحكمين، ويستفاد منه تقديم الحكم الأهم عند الله تعالى.
                        وهكذا جملة من المباحث الأخرى.

                        فما ثبتت الملازمة فيه يكون من مصاديق الحكم العقلي القطعي الذي لا يمكن نفي الحجية عنه ولا إنكاره، وما لا يكون كذلك لا تثبت حجيته.

                        بما ذكرنا يتبين أن لا وجه للإشكال على ما يلتزم به الأصوليون من حجية الدليل العقلي.. ومن تَصَوَّرَ أن النصوص الشرعية قد أبطلت هذا المقدار من الدليل فهو واهم..
                        ومما قد يدعى دلالته على ذلك ما ورد عن إمامنا السجاد عليه السلام: إنّ دين الله عز وجل لا يصاب بالعقول الناقصة، والآراء الباطلة، والمقاييس الفاسدة، ولا يصاب إلا بالتسليم، فمن سلم لنا سلم، ومن اقتدى بنا هدى، ومن كان يعمل بالقياس والرأي هلك، ومن وجد في نفسه شيئا مما نقوله أو نقضي به حرجا كفر بالذي أنزل السبع المثاني والقرآن العظيم وهو لا يعلم.(كمال الدين وتمام النعمة ص324)
                        حيث أن الحديث ناظر إلى أهل القياس والرأي والاستحسان، فإن هذه الأمور لا تكشف عن التكاليف الشرعية في دين الله عزّ وجل، وهي وإن كانت من وجوه الإدراكات العقلية عند بعض الناس، إلا أنها إدراكات ظنية لا تسمن ولا تغني من جوع..
                        ولو سُلِّمَ شمول الحديث حتى لغير القياس وأمثاله، فإنا لا نسلم بعمومه الاستغراقي بحيث يمنع من كل معرفة عقلية بالحكم الشرعي، إذ أقصى ما يدل عليه هو نفي إدراك كل الأحكام بالعقل، ولا يمنع من إدراك بعضها، كإدراك العقل حسن العدل وقبح الظلم..
                        وبعبارة أخرى: فإنه ينفي مقولة (كل ما حكم به الشرع حكم به العقل) لان دين الله لا يصاب بالعقول، فلا سبيل للعقل لإدراك أكثر الأحكام الشرعية، ولكنه لا ينفي مقولة (كل ما حكم به العقل حكم به الشرع) وإن كان مقدار ما يحكم به العقل يسيراً.

                        ويؤيد هذه المعاني كلها ما ورد في الحديث الشريف عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث طويل: أن أول الأمور ومبدؤها وقوتها وعمارتها التي لا ينتفع شئ إلا به، العقل الذي جعله الله زينة لخلقه ونورا لهم، فبالعقل عرف العباد خالقهم، وأنهم مخلوقون، وأنه المدبر لهم، وأنهم المدبرون ، وأنه الباقي وهم الفانون ، واستدلوا بعقولهم على ما رأوا من خلقه ، من سمائه وأرضه ، وشمسه وقمره ، وليلة ونهاره ، وبأن له ولهم خالقا ومدبرا لم يزل ولا يزول ، وعرفوا به الحسن من القبيح ، وأن الظلمة في الجهل ، وأن النور في العلم ، فهذا ما دلهم ، عليه العقل.
                        قيل له : فهل يكتفي العباد بالعقل دون غيره ؟
                        قال : إن العاقل لدلالة عقله الذي جعله الله قوامه وزينته وهدايته ، علم أن الله هو الحق، وأنه هو ربه، وعلم أن لخالقه محبة ، وأن له كراهية ، وأن له طاعة ، وأن له معصية ، فلم يجد عقله يدله على ذلك وعلم أنه لا يوصل إليه إلا بالعلم وطلبه ، وأنه لا ينتفع بعقله ، إن لم يصب ذلك بعلمه ، فوجب على العاقل طلب العلم والأدب الذي لا قوام له إلا به .(الكافي ج1 ص29)

                        وما ورد عنه (ع) : دعامة الإنسان العقل، والعقل منه الفطنة والفهم والحفظ والعلم، وبالعقل يكمل، وهو دليله ومبصره ومفتاح أمره ، فإذا كان تأييد عقله من النور كان عالما ، حافظا ، ذاكرا فطنا ، فهما ، فعلم بذلك كيف ولم وحيث ، وعرف من نصحه ومن غشه ، فإذا عرف ذلك عرف مجراه وموصوله ومفصوله، وأخلص الوحدانية لله، والإقرار بالطاعة فإذا فعل ذلك كان مستدركا لما فات، وواردا على ما هو آت، يعرف ما هو فيه، ولأي شئ هو ههنا، ومن أين يأتيه، وإلى ما هو صائر، وذلك كله من تأييد العقل . (الكافي ج1 ص25)

                        فنفى استقلال العقل وحده، بعد أن أثبت دخالته فيما له حق الدخالة فيه، وهو ما أورث علماً وقطعاً. وبهذا اتفق العقل والنقل في هذا المورد على المزاوجة الفعالة بين الحجتين الظاهرة والباطنة، فإن العقل وحده لا يكفي جزماً، ولا بدّ من ضمّه إلى سائر المصادر التي ثبتت حجيتها بالعقل.. وما التزم به الفقهاء هو ما قام دليل قطعي على حجيته، وليس بعد القطع من حجة باطنة..

                        والحمد لله رب العالمين

                        شعيب العاملي

                        تعليق


                        • #13
                          أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم
                          والصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا
                          أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين
                          السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


                          بداية اخي الكريم شعيب العاملي
                          وفقم الله في هذا الكشكول المتميز وفي غيره من المواضيع الحساسة والمهمة
                          وبارك جهودكم في حسن الطرح والبيان وإيصال الافكار بالادلة الدامغة ..

                          وكما قلتم في هذا الموضوع :

                          3. أنفرح لفقد الشهداء والأحبة ؟؟!! إذاً غوينا..
                          هذا مع الاسف جزء من واقع سعى بعضهم ليكون سنة بين الناس .. سنة مخالفة لطبع الانسانية كما ذكرتكم ..
                          ربما لأسباب سياسية او لتصبير النفس على المصاب وبالمكابرة عليها ..
                          ولكن حتى هؤلاء .. عندما يعودون لفطرتهم السليمة ويتفكرون بينهم وبين انفسهم فانهم سيحزنون .. وسيتألمون .. وسيبكون من فقد الاحبة .. حتى لو وضعوا قناع التجبر والجبروت والعزم امام الناس .. فالفقد مصاب والم وليس فرحة وسرور ..

                          وأما بالنسبة لما ذكر عن النبي موسى عليه السلام ..

                          4. هل في لسان موسى من عقدة ؟ وكيف يكون هارون أفصح منه ؟
                          فجزاكم الله خير الجزاء على دفع الشبهات عن الانبياء واهل العصمة كما عهدنا منكم دائما ..
                          وعلى اسلوبكم المميز في الجمع بين الروايات بما يوافق القرآن الكريم والاحاديث الثابتة ..

                          5. كيف يعرف الله بالعقول ولا يصاب دينه بها ؟!!

                          وقد اجدتم وافضتم في هذا المورد ..
                          جعلنا الله واياكم ممن يرى الحق فيتبع احسنه ..


                          لا تنسونا من دعائكم
                          اللهم عجل فرج قائم آل محمد
                          أبد والله .. يا زهراء .. ما ننسى حسيناه

                          استغفر الله لي ولكم
                          والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

                          تعليق

                          المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
                          حفظ-تلقائي
                          x
                          إدراج: مصغرة صغير متوسط كبير الحجم الكامل إزالة  
                          x

                          اقرأ في منتديات يا حسين

                          تقليص

                          المواضيع إحصائيات آخر مشاركة
                          أنشئ بواسطة ibrahim aly awaly, 18-07-2019, 08:26 AM
                          ردود 0
                          19 مشاهدات
                          0 معجبون
                          آخر مشاركة ibrahim aly awaly
                          بواسطة ibrahim aly awaly
                           
                          أنشئ بواسطة ibrahim aly awaly, 09-06-2019, 10:31 PM
                          ردود 2
                          64 مشاهدات
                          1 معجب
                          آخر مشاركة ibrahim aly awaly
                          بواسطة ibrahim aly awaly
                           
                          أنشئ بواسطة وهج الإيمان, 20-02-2016, 04:56 AM
                          ردود 320
                          89,123 مشاهدات
                          0 معجبون
                          آخر مشاركة وهج الإيمان
                          بواسطة وهج الإيمان
                           
                          يعمل...
                          X