السلام علي شيعة الكرار عليه السلام
هو حديث افتراضي بين الرسول الاكرم صل الله عليه وآله وسلم
وبين الحاكم الثاني ( عمر بن صهاك)
يحاسب فيه الرسول الاعظم -ص- السارق رقم 2 للخلافة فانظروا اخواني
الموالين الكرام كيف عدد لنا الرسول الاكرم -ص- مناقبه
والكلام افتراضي يجري في صورة ادبية علي لسان سيد الثقلين عليه
واله الصلاة والسلام
(...يا عمر, الآن أعرض عليك بعض ما ارتكبته من المخالفات لنصوص كتاب الله وسنته ، أطلب منك أن تجيبني عنها .)
الحيلولة بيني وبين الكتاب :
عندما حضرتني الوفاة ، وكادت روحي أن تصعد إلى ربها راضية مرضية ، أردت أن أضع لأمتي منهاجاً صحيحاً يقيها من الفتن والأهواء ، ويضمن لها السعادة والنجاح في جميع مراحل تاريخها فقلت :
« إئتوني بالكتف والدواة أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً . . »
وقد علمت قصدي ، وعرفت غايتي أني سأوصي بالخلافة لأمير المؤمنين ، وأعزز ما أعلنته يوم غدير خم ، فتفوت بذلك أهدافك وينهار قصدك ، فقلت راداً عليَّ :
« حسبنا كتاب الله » .
أتحترم مقامي ، ولم تراع ما أنا فيه من شدة الألم ، والمرض ، فرددت عليّ ، وقد انطلقت النسوة من وراء الحجاب فقلن لك ولأصحابك :
« ألا تسمعون ما يقول رسول الله صلى الله عليه وآله » .
فصحت فيهن لئلا يفسد عليك الأمر قائلاً :
« إنكن صويحبات يوسف إذا مرض عصرتن أعينكن ، وإذا صحّ ركبتن عنقه » .
فأزعجني كلامك ، وقلت لكم :
« دعوهن فإنهن خير منكم » .
وكادت أن تفوز الجبهة التي أرادت تنفيذ إرادتي في إحضار الكتف والدواة ، فقلت ويا لهول ما قلت :
« إن النبي ليهجر »( .
وقد سددت لي سهماً بذلك ، وأنا في سكرات الموت ، أتحكم عليَّ بأني أهذي وأهجر ، واني فاقد لرشدي ، وقد زكاني الله تعالى من ذلك ، في جميع أدوار حياتي إلى أن لحقت بالرفيق الأعلى وإني على سمت واحد ، لم أفقد رشداً ولا هديا ، وقد نطقت نصوص القرآن بذلك . قال تعالى : « ماضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى » .
وقال تعالى : « إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون » إلى غير ذلك من الآيات التي دلت على عصمتي من الهجر ، وغيره من ألوان النقص .لقد بعثني الله رحمة للعالمين ، وجعلني قدوة وهادياً للناس أجمعين ، وقد نسبت لي الهجر طاعناً في كرامتي ، وناسباً لي ما لا يليق بشأني .
الثقة بالدين :
يا عمر : لا يحق منصب الخلافة والامامة إلا لمن كان عالماً بسنن الشرع ، ومحيطاً بشؤون الدين ، وعارفاً بما تحتاج إليه الأمة في جميع مجالاتها ، وقد اعترفت على نفسك بقلة الفقه فقلت : « كل الناس أفقه منك يا عمر حتى ربات الحجال » . وكنت تعترف لعلي -ع-
بالفضل على من سواه ، فقلت :
« لولا علي لهلك عمر » .
وقلت : « لولا علي لضللت » (2) .
وقلت : « لولا علي لافتضحت » .
وقلت : « عقمت النساء أن تلدن مثل علي » .
وقلت : « أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن » .
وقلت : « لا أبقاني الله لشدة لست لها ، ولا في بلد لست فيه ومع اعترافك بفقهه كيف سانح لك أن تتقدم عليه ، وتحرم أمتي من التمتع بمواهبه وفضله وعبقرياته ، وقد خالفت في جملة من قضائك وأحكامك نصوص الكتاب وصريح السنة ، والآن أقرأ عليك جملة منها .
1 ـ تحريم متعة الحج
شرع الله الحج ، وجعله على ثلاثة أنواع حج القران وحج الافراد ، وحج التمتع ، وقد فرض تعالى حج التمتع على من بعُد عن مكة بثمانية وأربعين ميلاً من كل جانب ، والقسمان الأولان فرض من بعُدَ عنها دون المسافة ، وقد كنت في حياتي أعمل بها ، وقد نص عليها القرآن الكريم قال تعالى : « من تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى » (3) ولم تنزل آية بنسخها (4) وقد أبحت لمن حلَّ منها أن يأتي بكل ما كان محرماً عليه من قبل الاحرام فجميع القيود
المحُرِم في حال إحرامه بالعمرة قد وضعتها عنه إذا حل من إحرامه ، وقد نهيت يا عمر عما أحله الله بعد الاحرام فقد اجتاز عليك رجل من الحجاج ، تقوح منه رائحة الطيب فقلت له :
ـ أمحرم أنت ؟
ـ نعم .
ـ ما هيأتك بهيأة محرم ، إنما المحرم الأشعث الأغبر الأذفر فقال لك ، وقد أخذته الرهبة والخوف منك :
« إني قدمت متمتعا ، وكان معي أهلي ، وانما أحرمت اليوم » .
وأصدرت فتياك فقلت :
« لا تتمتعوا في هذه الأيام فاني لو رخصت في المتعة لعرسوا بهن في الأراك ثم راحوا بهن حجاجاً » (1) .
لقد عمدت بذلك الى تحريم ما حلله الله بنص كتابه ، واستهنت بالسنّة وقد أصررت على ذلك ، فقلت على منبري :
« متعتان كانتا على عهد رسول الله ، وأنا أنهى عنهما ، وأعاقب عليهما متعة الحج ، ومتعة النساء » .
بأي حق جاز لك هذا التشريع ، وكيف سانح لك أن تحرم ماحلله الله ؟
إن سلطة التشريع ليست بيد أحد ، إنما هي لله تعالى ، فهو الذي شرّع الأحكام ، وبيّن معالم الدين ، وليس لأحد مهما كان شأنه أن يسن سنّة ، أو يلغي حكماً ، فإن ذلك من التشريع الذي يعلم بالضرورة من الدين تحريمه .
2 ـ متعـة النساء :
إن النكاح الذي حلله الله على ثلاث أنواع « الأول »الدائم وهو الذي يحتاج إلى الايجاب والقبول ، وذكر المهر ، ولا يحل عقده إلا الموت أو الطلاق .
« الثاني » المنقطع وهو يحتاج الى إيجاب وقبول ، إيجاب من الزوجة ، وقبول من الزوج ، ويحتاج الى مهر ، وإلى تعيين مدة من الزمن ، وينحل بانتهائها ، ولا يحتاج إلى طلاق ، والزوجان ، لا يتوارثان ، وإن مات أحدهما في خلال المدة المعلومة ؛
« الثالث » ملك اليمين ، فمن ملك امرأة جاز له ملامستها بغير عقد ، وهذه الأنواع الثلاثة قد شرّعها الله ، وسارت عليها السنّة ، وقد شرّع تعالى زواج المتعة تيسيراً على عباده ، وصيانة لهم من الفجور ، وقد نص القرآن الكريم على مشروعيتها قال تعالى : « فما استمعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة » (1) وقد كان المسلمون يتمتعون بالقبضة من التمر والدقيق على عهدي ، وعهد أبي بكر (2) ، ومضيت على ذلك شطراً من خلافتك ، ثم حرمتها وقلت :
« إن الله عزّ وجلّ كان يحل لنبيه ما شاء ، وإن القرآن قد نزل بنازله ، فافصلوا حجّكم من عمرتكم ، واتبعوا نكاح هذه النساء فلا أوتى برجل تزوج امرأة إلى أجل إلا رجمته » (3) .
لقد حكمت برجم المتمتع ، وهو لم يشرّع إلا للزاني ، وليس ذلك من الزنا في شيء ، وإنما هو عقد أحله الله ، ولم يمنع عنه ، ولو عمل بها المسلمون لما زنى إلا شقي كما قال علي (4) وقد أقر العمل بها جماعة من الصحابة والتابعين منهم :
1 ـ عبد الله بن مسعود .
2 ـ أبو سعيد الخدري .
3 ـ عبد الله بن عمر .
4 ـ الزبير بن العوام .
5 ـ خالد بن مهاجر .
6 ـ عمرو بن حريث .
7 ـ أبي بن كعب (1) .
8 ـ سعيد بن جبير .
9 ـ طاووس اليماني .
10 ـ السدي .
11 ـ زفر بن أوس المدني .
12 ـ جابر بن عبد الله الأنصاري .
13 ـ علي بن أبي طالب .
إن هذه الجمهرة من الصحابة والتابعين وغيرهم رفضوا حكمك بالتحريم وأسروا على إباحتها ، وعدم تحريمها .
ميراث الجد مع الأخوة :
وجعلت الجد كأب مطلقاً ، والحال أنه يختلف من كان لأب عمن كان لأم ، كاختلاف الأخوة بعضهم عن بعض بالحصص ، وقد افتيت في هذه المسألة كثيراً ، وكل فتوى تناقض الأخرى (4) وكان عليك أن ترجع في ذلك إلى باب مدينة علمي ، والعارف بسنّتي علي عليه السلام لكنك أبيت .
وقد صدقت نبوءتي فيك عندما سألتني عن ميراث الجد مع الأخوة فقلت لك :
« ما سؤالك عن هذا يا عمر ؟ إني أظنك تموت قبل أن تعلم ذلك ، وقدمتَ ، ولم تعرف ذلك (1) .
كيف سانح لك القضاء ، والحكم بين الناس ، وأنت لا تعلم ذلك ، وقد أوجبت على من يتصدى للقضاء أن يكون عالماً باحكام الدين ومحيطاً بشؤون القضاء .
ـ توريث الأخوة مع وجود الولد :
وانما ترث الأخوة والأخوات مع عدم وجود الولد ذكراً كان أم أنثى ، وقد نطق بذلك الذكر الحكيم قال تعالى : « يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة أن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فان كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك ، وان كانوا أخوة رجالاً ونساءً فللذكر مثل حظ الانثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم » .(2) ولكنك يا عمر حملت الولد على الذكر دون الأنثى فساويت في الميراث بين البنت وأخته لأبيه وأمه ، فجعلت لكل منهما النصف مما ترك ، فأشركت العصبة مع البنت التي هي ولد لغة وشرعاً ، والله تعالى يقول : « وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله » .
فكان حكمك في ذلك مصادماً لنص القرآن ، ومنافياً لما أثُر عني في ذلك ، فلا حول ولا قوة إلا بالله .
8 ـ اسقاط فريضة الصلاة لفاقد الماء :
عمن فقد الماء ، فقد جاءك رجل فقال لك . إني أجنبت فلم أجد ماءَ ، فقلت له لا تصل ؛
فقال لك : عمار يا أمير المؤمنين أما تذكر اذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماءً فاما أنت فلم تصل ، وأما أنا فتمعكت في التراب ، وصليت ؛
فقال النبي صلى الله عليه وآله انما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ، ثم تنفخ ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك ، فقلت له : اتق الله يا عمار ، فقال لك : ان شئت لم احدث به (1)
وقد نطق القرآن بوجوب التيمم لفاقد الماء قال تعالى : « يا ايها الذين آمنوا اذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم الى المرافق ، وامسحوا برؤسكم وارجلكم الى الكعبين وان كنتم جنباً فطهروا وان كنتم مرضى او جاء احد منكم من الغائط او لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وايديكم منه » ( وقال تعالى : « يا ايها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً الا عابري سبيل حتى تغتسلوا وان كنتم مرضى او على سفر او جاء احد منكم من الغائط او لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم ان الله كان عفواً غفوراً »
لقد خفيت عليك هذه المسألة وهي مما تعم بها البلوى ، وقد بينتها مراراً وتكراراً للمسلمين .
ـ شكوك الصلاة :
والشيء العجيب خفاء احكام الشك عليك في صلاتك ، فقد سألت ابن عباس فقلت له :
« يا ابن عباس اذا اشتبه على الرجل في صلاته فلم يدر أزاد ام نقص . . » .
فقال لك ابن عباس : ما ادري ، ما سمعت في ذلك شيئاً .
فقلت له : والله ما ادري .
وبينما انت تتحدث مع ابن عباس في حكم المسألة اذ جاءكم عبد الرحمن بن عوف ، فقال لك :
« ما هذا الذي تذكران ؟ » .
فقلت له : ذكرنا الرجل يشك في صلاته كيف يصنع ؟
فعّرفك بما سمعه مني في احكام الشك (1) .
ان احكام الصلاة يجب على عموم المسلمين تعلُمها ، وانت اولى من غيرك بالفقه بها والوقوف عليها .
10 ـ البكاء على الميت :
إن البكاء على الميت إذا كان عزيزاً وأثيراً على أهله من الضرورات الطبيعية للإنسان ، فإنه مجبول على الانقياد لغرائزه ، وعواطفه ، فقد تجيش عواطفه إذا مات خليله ، حتى يتمنى مفارقة الحياة ، والبكاء بطبعه يخفف من لوعة المصاب ، ويطفىء غائلة الخطب ، وذلك سنّة من سنن الحياة لا يمكن التنكر لها . ولما توفي ولدي ابراهيم بكيت عليه ، وقلت : « إن العين تدمع ، والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون » (2) .
ولما استشهد عمي حمزة ، وجاءت أخته صفية بنت عبد المطلب تطلبه ، فحالت الأنصار بينها وبينه ، فقلت دعوها فجلست عنده ، فجعلت تبكي ، فكلما بكيت بكيتُ ، وإذا نشجتْ نشجتُ ، وقلت : لن أصاب بمثلك أبداً (3) . وكنت إذا زرت قبر أمي بكيت عليها (4) ، ولما توفيت رقية بنتي بكت النسوة
عليها فجعلت تنهاهن فزجرتك ، وقلت لك :
« مه يا عمر ؟ » .
وخاطبت النسوة فقلت لهن : « إياكن ونعيق الشيطان فإنه مهما يكن من العين ، والقلب فمن الرحمة ، وما يكون من اللسان واليد فمن الشيطان ، وأخذت بضعتي سيدة النساء العالمين تبكي على رقية فجعلت أمسح دموعها ، (1) ولو كان غير مشروع لنهيتها عنه » .
وقد رويتَ عني إني قلت : « ان الميت يعذب ببكاء الحي (2) وأخذت تضرب النساء الثواكل التي نخب قلبهن الحزن على فقيدهن فقد ضربت أم فروة بنت أبي قحافة حين مات أبو بكر (3) ، وحينما مات خالد بن الوليد اجتمع في بيت ميمونة نساء يبكين عليه ، فشددت عليهن بالدرة ، فسقط خمار امرأة منهن فقالوا لك : سقط خمارها ، فقلت دعوها ، فلا حرمة لها (4) فأي جناية جنت هذه المرأة حتى تسقط حرمتها ، وأي ذنب اقترفته النسوة حتى تعلوهن بدرتك !!
وقد نسبت الظلم إلى الله لعذيبه الموتى ببكاء الأحياء ، والله تعالى يقول في كتابه : « ولا تزر وازرة وزر أخرى » (5) وقد جاء في الكتاب الكريم فيما اقتص من حزن يعقوب على ابنه يوسف ، وبكائه عليه حتى ذهب بصره من الحزن « وتولى عنهم وقال يا اسفي على يوسف وابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم » . « قالوا تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين ، قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون »
إن المنع عن البكاء لا يقره عقل ، ولا شرع وهو مجاف لسنن الحياة ومصادم لطبيعة الانسان التي تتصدع حينما تفقد عزيزاً ، وخليلاً ، وإني ـ والحمد لله ـ ما جئت بشيء مجاف للطبيعة أو منحرف عن سنن الكون ونواميس الحياة ، وقد نسبت إليّ ما لم أشرعه ، فلا حول ولا قوة إلا بالله .
التجسس :
ونهى الله عن التجسس لمجرد ظن السوء ، قال تعالى : « يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن ان بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً » (1) .
أمر تعالى بذلك حفظاً على كرامة الناس ، وصيانة لشرفهم ، ولكنك لم تعن بذلك فقد خرجت ليلة فاجتزت بدار فسمعت فيها صوتا فارتبت ، وتسورت الدار ، فرأيت رجلاً عنده امرأة ، وزق خمر فقلت له :
« يا عدو الله أظننت أن الله يسترك ، وأنت على معصيته ؟ » فزجرك ، وبيِّن لك موضع خطيئتك قائلاً :
( لا تعجل ما إن كنت أخطأت في واحدة فقد أخطأت في ثلاث . قال الله تعالى : « ولا تجسسوا » وقد تجسست ، وقال : « أتوا البيوت من أبوابها » (2) وقد تسورت ، وقال : « إذا دخلتم بيوتاً فسلّموا » (3) وما سلمت ) .
فلم تكن لديك مندحوة إلا ان قلت : وهل عندك من خير إن عفوت عنك ؟ .
فقال : نعم والله لا أعود . .
فعفوت عنه .
لقد جافيت ما أثر عني من النهي عن التجسس ، والأخذ بالظن ، فقلت :
« إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ، ولا تناجشوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تدابروا ، ولا تباغضوا ، وكونوا عباد الله إخوانا . . » (1) .
لقد كان تقحمك بيوت الناس بغير حق ، وبغير وجه مشروع ، فقلت كنت تلج البيوت مفتشاً عن آثام الناس وعوراتهم ، أفهذا من سنتي ، ومن شرعتي ؟!! .
لقد خرجت في غلس الليل البهيم ومعك عبد الله بن مسعود ، فرأيت ضوء نار في بعض البيوت فاتبعته ، حتى دخلت الدار وحدك ، فإذا شيخ جالس ، وبين يديه شراب ، وقينة تغنيه ، فلم يشعر الشيخ بهجومك عليه ، فصحت في وجهه فقلت له :
« ما رأيت منظراً أقبح من شيخ ينتظر أجله ؟ !! » .
فرفع الشيخ إليك رأسه ، ورد عليك قائلاً :
« بلى صنيعك أنت أقبح مما رأيت مني ، إذ تجسست ، وقد نهى الله عن التجسس ، ودخلت بغير إذن » .
فتحيرت في الجواب ، والدفاع عن نفسك ، وقلت له صدقت ، ثم خرجت على ثوبك تبكي .
وكان اللازم عليك ان تعاقب هؤلاء المتمردين بعدما اطلعت عليهم ، ولكنك لم تتخذ معهم أي اجراءات ، فهل كان خروجك للتجسس لأجل النزهة ، وترويح النفس ، أو التلذذ بمشاهدة المخمورين ، ان تسامح الحاكم يؤدي الى تمرد المجرمين في إجرامهم ، وانطلاقهم في ميادين الإثم .
12 ـ درؤك الحد عن المغيرة :
ومن الدواهي عدم إقامتك الحد على المغيرة بن شعبة لأنه كان أثيراً عندك ،
فقد شهد عليه بذلك كلا من أبي بكرة ، وهو من فضلاء الصحابة في علمه وتقواه ، وشهد نافع بن حارث ، وشبل بن معبد ، وكانت شهادتهم صريحة واضحة بأن المغيرة قد زنى بامرأة محصنة ذات بعل ، وهي أم جميل بنت عمرو القيسية زوجة الحجاج الجشمي ، وكتبت الى زياد وهو الشاهد الرابع فلما حضر قلت له :
إني أرى رجلاً لا يخزي الله على لسانه رجلاً من المهاجرين (1) .
وقد أفهمته بكلامه عدم رضائك باقامة الحد على المغيرة فوجل منك ، واندفع يشهد كما اردت ، وبذلك درأت الحد عن المغيرة ، وأمرته بان يقيم الحد على الشهود الثلاث .
بأي وجه اظهرت رغبتك إلى زياد بأن لا يفضح المغيرة ، وتعطيلك الحد عنه ، لقد مهدت الطريق بذلك الى تعطيل الحدود ، ودرئها بغير حق ، فلا حول ، ولا قوة إلا بالله .
13 ـ اقامتك الحد بغير وجه :
وأغرب من ذلك اقامتك على جعدة من بني سليم ، ولم تقم عندك البينة على ارتكابه جريمة الزنا ، فقد قدم عليك بريد فنثر كنانته فبدرت صحيفة فقرأتها فاذا فيها :
فأمرت باحضار جعدة فجلدته مائة معقولاً (2) فبأي وجه أقمت عليه الحد ،
ولم تقم عندك البينّة على أنه قد زنى ، سوى هذه ابيات لا تصلح للاعتماد عليها .
نقصان الحد :
وأخذت تتصرف في حدود الله حسب ما شئت بغير وجه مشروع ، فقد نقصت حد شارب الخمر ، فقد جيء لك بشارب فبعثت به الى مطيع بن الأسود ليقيم عليه الحد ، واجتزت عليه فرأيته يضربه ضرباً شديداً فقلت له :
« قتلت الرجل ، كم ضربته ؟ » .
« ستين » .
فقلت اقص عنه بعشرين ، فجعلت شدة الضرب قصاصاً بالعشرين التي بقيت من الحد (1) كيف سانح لك نقصان الحد ، واعفاءه عما بقي منه وهذا من الاجتهاد قبال السنّة الذي لا يقره الشرع .
15 ـ ارث الاعاجم :
ومن غريب فقهك أنك أبيت ان تورث احداً من الأعاجم الا من وُلد في بلاد العرب (2) بأي كتاب أم بأية سنّة ان العجمي لا يرث ؟ أليس المسلمون جميعاً على اختلاف قومياتهم وألوانهم سواء كاسنان المشط لا تفاوت لأحد على احد إلا بالتقوى ، وعمل الخير .
إن هذه الفتوى تتصادم مع ضروريات الاسلام ، وتتنافى مع جوهره وواقعه ، فإني قد جئت بالشريعة السمحاء التي هدمت جميع حواجز الجاهلية ،
فقد ساويت بين جميع المسلمين ، وقد هتف القرآن الكريم بذلك قال تعالى : « يا ايها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم » .
إن التفاخر بالعناصر ، والرجوع الى القوميات من الخلق الجاهلي وهو الطاعون الأسود الذي فرق بين أمتي ، فجعلهم أحزاباً وأنواعاً ، وقد تناسوا ان كلمة الاسلام هي الجامع الواقعي التي تضم بين جميع المسلمين .
ـ رجم المضطرة :
ورفع الاسلام الحكم التكليفي في حال الاضطرار فلا عقاب ولا إثم على المضطر ، وقد قلت « رفع عن امتي ما اضطروا اليه » وقد جهلت ذلك يا عمر ، فقد جيء اليك بامرأة قد زنت ، وقد اقرّت بذلك فأمرت برجمها ، فانبرى علي إليك فأنكر عليك ذلك ، وقال لعل لها عذراً ، ثم قال لها :
ـ ما حملك على الزنا ؟
قالت : كان لي خليط ، وفي إبله ماء ، ولبن ، ولم يكن في إبلي ماء ، ولا لبن فطمئت ، فاستسقيته ، فأبى أن يسقيني حتى أعطيه نفسي ، فأبيت عليه ثلاثاً ، فلما ظمئت ، وظننت أن نفسي ستخرج أعطيته الذي أراد فسقاني ، ولما سمع ذلك علي ، تلا قول الله تعالى : « فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم » .
ـ المتزوجة في عدتها :
ومن أحكامك التي تتصادم مع واقع السنة انك حكمت في المرأة المتزوجة في
عدتها بالتفريق بينهما ، وجعلت صداقها من بيت المال ، وقد بلغ ذلك علياً ، فأنكر عليك ، وقال :
« ما بال الصداق وبيت المال انهما جهلا فينبغي للامام أن يردها إلى السنّة » .
وقد سئل عن السنّة في ذلك فأجاب « الصداق بما استحل من فرجها ، ويفرّق بينهما ، ولا جلد عليهما ، وتكمل عدتها من الأول » .
أحكام الصلاة :
ومن غريب أمرك خفاء أحكام الصلاة عليك فقد صليت المغرب فلم تقرأ في الركعة الأولى فاتحة ، وقرأتها مرتين في الركعة الثانية (3) . وقد أردت بذلك قضاءها ، وهي من الأجزاء التي لا تقضى وإنما اللازم سجدتا السهو .
ـ رجم من ولدت لستة أشهر :
ومن غريب ما حكمت به أنّك قد حكمت برجم امرأة ولدت لستة أشهر فرد عليك علي حكمك ، وقال لك : إن الله تعالى يقول : « وحمله وفصاله ثلاثون شهراً » وقال تعالى : « وفصاله في عامين » فالحمل ستة أشهر والفصال في عامين ، فتركت رجمها ، وقلت « لولا علي لهلك عمر »
اعفاؤك عن معاوية :
كنت في كل سنة تحاسب عمالك ، وتشاطرهم أموالهم سوى معاوية تتواتر
اليك الأخبار بأنّه يسرق من اموال المسلمين ، ويبذخ فيها فتعتذر عنه وتقول :
« ذاك كسرى العرب » .
متى كان هذا الصعلوك كسرى العرب ، فقد كان في أيامي مهان الجانب محقر الكيان ، قد أذله الاسلام ، وحطم شأنه .
وغريب أمرك في موالاتك وحبك له مع اني قد لعنته ، ولعنت أباه (1) . وقد جاءتني امرأة تستشيرني في زواجه ، فنهيتها ، وقلت لها :
إنه صعلوك ، وقد حذرت منه المسلمين فقلت : « أذا رأيتم معاوية على منبري فاضربوا عنقه (2) » .
وكان اللازم عليك ان لا تستعمله والياً على الشام وتستعمل رجلاً من خيار المسلمين ممن تتوفر فيه النزعات الخيرة والمثل الكريمة ليقوم بتهذيب المسلمين ، ونشر روح الثقة والفضيلة في نفوسهم .
ولو لا تسديدك له ، ونزعك عنه قميص العار والخزي لما امكنه ان يعمل في الشام عمل من يريد الملك والسلطان ، وقد ذاكرك في موضوعه جماعة من خيار الصحابة ، وعرفوك بخروجه عن جادة العدل ، ولبسه للديباج والحرير واستعماله للذهب ، وغير ذلك فامتعضت وزجرتهم ، ونهيتهم عن ذمّه فقلت :
« دعونا من ذم فتى من قريش ، من يضحك في الغضب ، ولا ينال ما عنده من الرضا ، ولا يؤخذ من فوق رأسه الا من تحت قدميه » (3) .
لماذا هذا التسديد ؟ !!
لماذا هذا الحب ؟ !!
ولم تكتف بهذا كله ، وانما نفخت فيه روح الطموح ، ودفعته الى الخلافة
وهددت به اعضاء الشورى فقلت لهم : « انكم إن تحاسدتم وتقاعدتم ، وتدابرتم وتباغضتم غلبكم على هذا معاوية بن أبي سفيان » (1) .
لماذا شدت بمعاوية دون بقية عمالك ؟
كيف ساغ لك أن تهدد أعضاء الشورى بسطوته ؟
لقد مهدت له الخلافة ، وعبدت له الطريق ليكون حاكماً في أمتي ، وقد أسفرت الأحداث الرهيبة التي توالت على أمتي عن مصير الخلافة إلى هذا الباغي ، فإنه حينما استتب له الأمر ، حكم بسياسة العنف والبطش فقتل خيار المسسلمين ، وطارد المصلحين ، فقتل سبطي وريحانتي الإمام الحسن فدس إليه سماً قاتلاً على يد زوجته جعدة بنت الأشعث ، وقتل حجر بن عدي ، وهو من أكابر أصحابي في تقواه وورعه ، وفرض سب وصيي علي ، وأهل بيتي على المنابر ، وتتبع شيعتهم تحت كل حجر ومدر فاشاع فيهم القتل ، والتنكيل .
لولا تأميرك إليه على الشام ، وتأييدك له ، ومبالغتك في تسديده . لما حدث في الاسلام ما حدث ، وما جرى على المسلمين ما جرى من النكبات والويلات ، وانتهاك الحرمات ، فلا حول ولا قوة إلا بالله .
اثارة الاحقاد على علي :
واكتفيت بأخذ الخلافه من علي ، وتقمصك لحقه ، فقد رحت تثير عليه الاحقاد ، وتوغر عليه الصدور ، فقد دخل عليك ، ومعك جماعة من الموتورين الذين وترهم الاسلام بسيف علي ، فقلت لاحدهم هذا قاتل عمك ، وقلت لآخر هذا قاتل أخيك ، وقلت لثالث هذا قاتل ابيك ، وهكذا اخذت تذكرهم بما صنعه الامام بآبائهم واخوانهم واقربائهم في سبيل اقامة هذا الدين ، فانبرى إليك علي فقال لك : مالك تثير عليَّ احقاد قوم قد وترهم الاسلام ، فإنّي لم أصيب منهم ما أصبت إلا من أجل الاسلام وإعلاء كلمة الله .
إن الضغائن التي أثرتها على علي كانت من دون شك منبثقة عن كراهيتك له ، وكنت تغمر في دخائل نفسك حقداً عارماً على أهل بيتي ، وكنت تبالغ في عدائهم فقد جائتني أم هاني بنت أبي طالب فقالت : يا رسول الله ان عمر بن الخطاب لقيني فقال لي : إن محمداً لا يغني عنك شيئاً ، فغضبت ، وقمت خطيباً فقلت :
« ما بال أقوام يزعمون أن شفاعتي لا تنال أهل بيتي ، وان شفاعتي لتنال بين حاء وحكم » .
المنع عن تدوين الحديث :
إن المنع عن تدوين ما أُثر عني من السنن والأحكام قد سبب للمسلمين المضاعفات السيئة ، وأخلد لهم الفتن والمصاعب ، وجرَّ لهم الويلات والخطوب فقد كثر الوضع عليّ ، وكثرت الأحاديث الموضوعة التي شوهت معالم الدين ، وقد نسبوا إلي من الأقوال ما لم أفد بها .
لقد عمد أبو بكر إلى جميع بعض الأحاديث فأحرقها (3) ولما آل الأمر اليك استشرت عامة الصحابة في تدوين ما أُثر عني فأشار عليك عامتهم بذلك وحبذوه لك ، ولبثت مدة تفكر في الأمر ثم عدلت عنه ، وقلت :
« إني قد ذكرت لكم من كتاب السنن ما قد علمتم . ثم تذكرت فإذا اناس من أهل الكتاب قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتباً فأكبوا عليها ، وتركوا كتاب الله ، وإني والله لا أُلبس كتاب الله بشيء أبداً ، ثم تركت ذلك وعدلت عنه (4) وهو تعليل غير وثيق لأن حديثي لا يشذ عن كتاب الله ، ولا يخالفه ، وليس تدوينه موجباً لهجر القرآن الكريم ولا مستلزماً للإعراض عنه ، ولو أنك بادرت الى ذلك لصنت المسلمين من الأختلاف ، ولسددت باب الوضع ، فقد عمد ( كسرى العرب ) معاوية بن أبي سفيان إلى لجان تفتعل الأحاديث ،
وتضع الأخبار تارة للحط من كرامة العترة الطاهرة وأخرى لتمجيد الصحابة والثناء عليهم وثالثة للاشادة بالأمويين ، وقد رووا في ذلك الشيء الكثير ، فقد روى ابن العاص أني قلت في آل أبي طالب :
« إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء إنما ولي الله وصالح المؤمنين »
وروى سمرة بن جندب ان الآية الكريمة وهي « ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام ، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد » (2) انها نزلت في علي ، وقد أخذ عوض ذلك الشيء الكثير من بيت مال المسلمين وقد كان أبو هريرة في طليعة الوضاعين فقد روى المئات من الأحاديث عني ، وفي الكثير منها خروج على حكم المنطق والعقل ، ونسبها لي ، وكذلك المغيرة بن شعبة ، وعمرو بن العاص ، وغيرهم من الوضاعين وقد نسوا قول الله تعالى في كتابه الكريم « إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكافرون » (4) . وجافوا قولي : « من كذب عليَّ متعمداً ليحل حراماً ، أو يحرم حلالاً ، أو يضل الناس بغير علم فليتبوء مقعده من النار » (5) .
بلى والله لقد سمعوا ذلك ، ولكن حليت لهم الدنيا ، وراق لهم زبرجها ، فانطلقوا وراء شهواتهم وملاذِّهم ، وعمدوا إلى الكذب والإغراء ، والتضليل في سبيل مصالحهم الضيقة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
وعلى أي حال لقد كان منعك من تدوين أحاديثي موجباً إلى رزية الأمة ومحنتها في جميع مجالاتها العقائدية ، فلو كان الحديث مدوناً ، ومحفوظاً لما تمكن الوضّاعون والمنحرفون عن دينهم من الكذب عليّ ، ومن افتراء الحديث وأنت قد شددت على المسلمين في رواية الحديث عني ، فقلت لهم :
« جرِدوا القرآن ، ولا تفسروه ، وأقلّوا الرواية عن رسول الله ، وأنا شريككم » (1) .
فلماذا منحت المسلمين من رواية حديثي ؟
ولماذا صددتهم عن تدوين سنّتي ؟
الحصار على الصحابة :
وقد منح الاسلام الحرية التامة لكل مواطن ، فجعل له حرية القول والعمل والسكن ما لم يجاف أحكام الله ، ولكنك لما آل اليك الأمر فرضت الحصار على صحابتي فلم تسمح لهم بمغادرة يثرب ، ولم تتركهم وشأنهم في السفر إلى أي بلد أحبوه .
ما هو السبب في ذلك ؟
ماهي الدواعي التي حفزت إلى ذلك ؟
إن الحاكم في الإسلام الذي يرتدي ثوب النيابة عني يجب عليه أن يمثل سيرتي وهديي ، وسلوكي بين الناس ، أفهل رأيتني أني فرضت الإقامة الجبرية في عاصمتي على أحد من أصحابي حتى تفعل ذلك ، ولكن إنا لله وإنا إليه راجعون ، وهو المستعان على ما تصفون .
فرارك من الزحف :
وأذكرك في أيام حياتي حينما دهمتنا قوى الشرك والالحاد ، في واقعة أحد ، فقد انهزمت ، وكذلك فررت من واقعة خيبر ، وقد كنت بعثت قبلك أبا بكر فرجع بالجيش منهزماً وبعثت بعدكما علي بن أبي طالب ففتح الله على يده ، ورجع بالغنائم والأسرى .
هو حديث افتراضي بين الرسول الاكرم صل الله عليه وآله وسلم
وبين الحاكم الثاني ( عمر بن صهاك)
يحاسب فيه الرسول الاعظم -ص- السارق رقم 2 للخلافة فانظروا اخواني
الموالين الكرام كيف عدد لنا الرسول الاكرم -ص- مناقبه
والكلام افتراضي يجري في صورة ادبية علي لسان سيد الثقلين عليه
واله الصلاة والسلام
(...يا عمر, الآن أعرض عليك بعض ما ارتكبته من المخالفات لنصوص كتاب الله وسنته ، أطلب منك أن تجيبني عنها .)
الحيلولة بيني وبين الكتاب :
عندما حضرتني الوفاة ، وكادت روحي أن تصعد إلى ربها راضية مرضية ، أردت أن أضع لأمتي منهاجاً صحيحاً يقيها من الفتن والأهواء ، ويضمن لها السعادة والنجاح في جميع مراحل تاريخها فقلت :
« إئتوني بالكتف والدواة أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً . . »
وقد علمت قصدي ، وعرفت غايتي أني سأوصي بالخلافة لأمير المؤمنين ، وأعزز ما أعلنته يوم غدير خم ، فتفوت بذلك أهدافك وينهار قصدك ، فقلت راداً عليَّ :
« حسبنا كتاب الله » .
أتحترم مقامي ، ولم تراع ما أنا فيه من شدة الألم ، والمرض ، فرددت عليّ ، وقد انطلقت النسوة من وراء الحجاب فقلن لك ولأصحابك :
« ألا تسمعون ما يقول رسول الله صلى الله عليه وآله » .
فصحت فيهن لئلا يفسد عليك الأمر قائلاً :
« إنكن صويحبات يوسف إذا مرض عصرتن أعينكن ، وإذا صحّ ركبتن عنقه » .
فأزعجني كلامك ، وقلت لكم :
« دعوهن فإنهن خير منكم » .
وكادت أن تفوز الجبهة التي أرادت تنفيذ إرادتي في إحضار الكتف والدواة ، فقلت ويا لهول ما قلت :
« إن النبي ليهجر »( .
وقد سددت لي سهماً بذلك ، وأنا في سكرات الموت ، أتحكم عليَّ بأني أهذي وأهجر ، واني فاقد لرشدي ، وقد زكاني الله تعالى من ذلك ، في جميع أدوار حياتي إلى أن لحقت بالرفيق الأعلى وإني على سمت واحد ، لم أفقد رشداً ولا هديا ، وقد نطقت نصوص القرآن بذلك . قال تعالى : « ماضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى » .
وقال تعالى : « إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون » إلى غير ذلك من الآيات التي دلت على عصمتي من الهجر ، وغيره من ألوان النقص .لقد بعثني الله رحمة للعالمين ، وجعلني قدوة وهادياً للناس أجمعين ، وقد نسبت لي الهجر طاعناً في كرامتي ، وناسباً لي ما لا يليق بشأني .
الثقة بالدين :
يا عمر : لا يحق منصب الخلافة والامامة إلا لمن كان عالماً بسنن الشرع ، ومحيطاً بشؤون الدين ، وعارفاً بما تحتاج إليه الأمة في جميع مجالاتها ، وقد اعترفت على نفسك بقلة الفقه فقلت : « كل الناس أفقه منك يا عمر حتى ربات الحجال » . وكنت تعترف لعلي -ع-
بالفضل على من سواه ، فقلت :
« لولا علي لهلك عمر » .
وقلت : « لولا علي لضللت » (2) .
وقلت : « لولا علي لافتضحت » .
وقلت : « عقمت النساء أن تلدن مثل علي » .
وقلت : « أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن » .
وقلت : « لا أبقاني الله لشدة لست لها ، ولا في بلد لست فيه ومع اعترافك بفقهه كيف سانح لك أن تتقدم عليه ، وتحرم أمتي من التمتع بمواهبه وفضله وعبقرياته ، وقد خالفت في جملة من قضائك وأحكامك نصوص الكتاب وصريح السنة ، والآن أقرأ عليك جملة منها .
1 ـ تحريم متعة الحج
شرع الله الحج ، وجعله على ثلاثة أنواع حج القران وحج الافراد ، وحج التمتع ، وقد فرض تعالى حج التمتع على من بعُد عن مكة بثمانية وأربعين ميلاً من كل جانب ، والقسمان الأولان فرض من بعُدَ عنها دون المسافة ، وقد كنت في حياتي أعمل بها ، وقد نص عليها القرآن الكريم قال تعالى : « من تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى » (3) ولم تنزل آية بنسخها (4) وقد أبحت لمن حلَّ منها أن يأتي بكل ما كان محرماً عليه من قبل الاحرام فجميع القيود
المحُرِم في حال إحرامه بالعمرة قد وضعتها عنه إذا حل من إحرامه ، وقد نهيت يا عمر عما أحله الله بعد الاحرام فقد اجتاز عليك رجل من الحجاج ، تقوح منه رائحة الطيب فقلت له :
ـ أمحرم أنت ؟
ـ نعم .
ـ ما هيأتك بهيأة محرم ، إنما المحرم الأشعث الأغبر الأذفر فقال لك ، وقد أخذته الرهبة والخوف منك :
« إني قدمت متمتعا ، وكان معي أهلي ، وانما أحرمت اليوم » .
وأصدرت فتياك فقلت :
« لا تتمتعوا في هذه الأيام فاني لو رخصت في المتعة لعرسوا بهن في الأراك ثم راحوا بهن حجاجاً » (1) .
لقد عمدت بذلك الى تحريم ما حلله الله بنص كتابه ، واستهنت بالسنّة وقد أصررت على ذلك ، فقلت على منبري :
« متعتان كانتا على عهد رسول الله ، وأنا أنهى عنهما ، وأعاقب عليهما متعة الحج ، ومتعة النساء » .
بأي حق جاز لك هذا التشريع ، وكيف سانح لك أن تحرم ماحلله الله ؟
إن سلطة التشريع ليست بيد أحد ، إنما هي لله تعالى ، فهو الذي شرّع الأحكام ، وبيّن معالم الدين ، وليس لأحد مهما كان شأنه أن يسن سنّة ، أو يلغي حكماً ، فإن ذلك من التشريع الذي يعلم بالضرورة من الدين تحريمه .
2 ـ متعـة النساء :
إن النكاح الذي حلله الله على ثلاث أنواع « الأول »الدائم وهو الذي يحتاج إلى الايجاب والقبول ، وذكر المهر ، ولا يحل عقده إلا الموت أو الطلاق .
« الثاني » المنقطع وهو يحتاج الى إيجاب وقبول ، إيجاب من الزوجة ، وقبول من الزوج ، ويحتاج الى مهر ، وإلى تعيين مدة من الزمن ، وينحل بانتهائها ، ولا يحتاج إلى طلاق ، والزوجان ، لا يتوارثان ، وإن مات أحدهما في خلال المدة المعلومة ؛
« الثالث » ملك اليمين ، فمن ملك امرأة جاز له ملامستها بغير عقد ، وهذه الأنواع الثلاثة قد شرّعها الله ، وسارت عليها السنّة ، وقد شرّع تعالى زواج المتعة تيسيراً على عباده ، وصيانة لهم من الفجور ، وقد نص القرآن الكريم على مشروعيتها قال تعالى : « فما استمعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة » (1) وقد كان المسلمون يتمتعون بالقبضة من التمر والدقيق على عهدي ، وعهد أبي بكر (2) ، ومضيت على ذلك شطراً من خلافتك ، ثم حرمتها وقلت :
« إن الله عزّ وجلّ كان يحل لنبيه ما شاء ، وإن القرآن قد نزل بنازله ، فافصلوا حجّكم من عمرتكم ، واتبعوا نكاح هذه النساء فلا أوتى برجل تزوج امرأة إلى أجل إلا رجمته » (3) .
لقد حكمت برجم المتمتع ، وهو لم يشرّع إلا للزاني ، وليس ذلك من الزنا في شيء ، وإنما هو عقد أحله الله ، ولم يمنع عنه ، ولو عمل بها المسلمون لما زنى إلا شقي كما قال علي (4) وقد أقر العمل بها جماعة من الصحابة والتابعين منهم :
1 ـ عبد الله بن مسعود .
2 ـ أبو سعيد الخدري .
3 ـ عبد الله بن عمر .
4 ـ الزبير بن العوام .
5 ـ خالد بن مهاجر .
6 ـ عمرو بن حريث .
7 ـ أبي بن كعب (1) .
8 ـ سعيد بن جبير .
9 ـ طاووس اليماني .
10 ـ السدي .
11 ـ زفر بن أوس المدني .
12 ـ جابر بن عبد الله الأنصاري .
13 ـ علي بن أبي طالب .
إن هذه الجمهرة من الصحابة والتابعين وغيرهم رفضوا حكمك بالتحريم وأسروا على إباحتها ، وعدم تحريمها .
ميراث الجد مع الأخوة :
وجعلت الجد كأب مطلقاً ، والحال أنه يختلف من كان لأب عمن كان لأم ، كاختلاف الأخوة بعضهم عن بعض بالحصص ، وقد افتيت في هذه المسألة كثيراً ، وكل فتوى تناقض الأخرى (4) وكان عليك أن ترجع في ذلك إلى باب مدينة علمي ، والعارف بسنّتي علي عليه السلام لكنك أبيت .
وقد صدقت نبوءتي فيك عندما سألتني عن ميراث الجد مع الأخوة فقلت لك :
« ما سؤالك عن هذا يا عمر ؟ إني أظنك تموت قبل أن تعلم ذلك ، وقدمتَ ، ولم تعرف ذلك (1) .
كيف سانح لك القضاء ، والحكم بين الناس ، وأنت لا تعلم ذلك ، وقد أوجبت على من يتصدى للقضاء أن يكون عالماً باحكام الدين ومحيطاً بشؤون القضاء .
ـ توريث الأخوة مع وجود الولد :
وانما ترث الأخوة والأخوات مع عدم وجود الولد ذكراً كان أم أنثى ، وقد نطق بذلك الذكر الحكيم قال تعالى : « يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة أن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فان كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك ، وان كانوا أخوة رجالاً ونساءً فللذكر مثل حظ الانثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم » .(2) ولكنك يا عمر حملت الولد على الذكر دون الأنثى فساويت في الميراث بين البنت وأخته لأبيه وأمه ، فجعلت لكل منهما النصف مما ترك ، فأشركت العصبة مع البنت التي هي ولد لغة وشرعاً ، والله تعالى يقول : « وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله » .
فكان حكمك في ذلك مصادماً لنص القرآن ، ومنافياً لما أثُر عني في ذلك ، فلا حول ولا قوة إلا بالله .
8 ـ اسقاط فريضة الصلاة لفاقد الماء :
عمن فقد الماء ، فقد جاءك رجل فقال لك . إني أجنبت فلم أجد ماءَ ، فقلت له لا تصل ؛
فقال لك : عمار يا أمير المؤمنين أما تذكر اذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماءً فاما أنت فلم تصل ، وأما أنا فتمعكت في التراب ، وصليت ؛
فقال النبي صلى الله عليه وآله انما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ، ثم تنفخ ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك ، فقلت له : اتق الله يا عمار ، فقال لك : ان شئت لم احدث به (1)
وقد نطق القرآن بوجوب التيمم لفاقد الماء قال تعالى : « يا ايها الذين آمنوا اذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم الى المرافق ، وامسحوا برؤسكم وارجلكم الى الكعبين وان كنتم جنباً فطهروا وان كنتم مرضى او جاء احد منكم من الغائط او لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وايديكم منه » ( وقال تعالى : « يا ايها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً الا عابري سبيل حتى تغتسلوا وان كنتم مرضى او على سفر او جاء احد منكم من الغائط او لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم ان الله كان عفواً غفوراً »
لقد خفيت عليك هذه المسألة وهي مما تعم بها البلوى ، وقد بينتها مراراً وتكراراً للمسلمين .
ـ شكوك الصلاة :
والشيء العجيب خفاء احكام الشك عليك في صلاتك ، فقد سألت ابن عباس فقلت له :
« يا ابن عباس اذا اشتبه على الرجل في صلاته فلم يدر أزاد ام نقص . . » .
فقال لك ابن عباس : ما ادري ، ما سمعت في ذلك شيئاً .
فقلت له : والله ما ادري .
وبينما انت تتحدث مع ابن عباس في حكم المسألة اذ جاءكم عبد الرحمن بن عوف ، فقال لك :
« ما هذا الذي تذكران ؟ » .
فقلت له : ذكرنا الرجل يشك في صلاته كيف يصنع ؟
فعّرفك بما سمعه مني في احكام الشك (1) .
ان احكام الصلاة يجب على عموم المسلمين تعلُمها ، وانت اولى من غيرك بالفقه بها والوقوف عليها .
10 ـ البكاء على الميت :
إن البكاء على الميت إذا كان عزيزاً وأثيراً على أهله من الضرورات الطبيعية للإنسان ، فإنه مجبول على الانقياد لغرائزه ، وعواطفه ، فقد تجيش عواطفه إذا مات خليله ، حتى يتمنى مفارقة الحياة ، والبكاء بطبعه يخفف من لوعة المصاب ، ويطفىء غائلة الخطب ، وذلك سنّة من سنن الحياة لا يمكن التنكر لها . ولما توفي ولدي ابراهيم بكيت عليه ، وقلت : « إن العين تدمع ، والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون » (2) .
ولما استشهد عمي حمزة ، وجاءت أخته صفية بنت عبد المطلب تطلبه ، فحالت الأنصار بينها وبينه ، فقلت دعوها فجلست عنده ، فجعلت تبكي ، فكلما بكيت بكيتُ ، وإذا نشجتْ نشجتُ ، وقلت : لن أصاب بمثلك أبداً (3) . وكنت إذا زرت قبر أمي بكيت عليها (4) ، ولما توفيت رقية بنتي بكت النسوة
عليها فجعلت تنهاهن فزجرتك ، وقلت لك :
« مه يا عمر ؟ » .
وخاطبت النسوة فقلت لهن : « إياكن ونعيق الشيطان فإنه مهما يكن من العين ، والقلب فمن الرحمة ، وما يكون من اللسان واليد فمن الشيطان ، وأخذت بضعتي سيدة النساء العالمين تبكي على رقية فجعلت أمسح دموعها ، (1) ولو كان غير مشروع لنهيتها عنه » .
وقد رويتَ عني إني قلت : « ان الميت يعذب ببكاء الحي (2) وأخذت تضرب النساء الثواكل التي نخب قلبهن الحزن على فقيدهن فقد ضربت أم فروة بنت أبي قحافة حين مات أبو بكر (3) ، وحينما مات خالد بن الوليد اجتمع في بيت ميمونة نساء يبكين عليه ، فشددت عليهن بالدرة ، فسقط خمار امرأة منهن فقالوا لك : سقط خمارها ، فقلت دعوها ، فلا حرمة لها (4) فأي جناية جنت هذه المرأة حتى تسقط حرمتها ، وأي ذنب اقترفته النسوة حتى تعلوهن بدرتك !!
وقد نسبت الظلم إلى الله لعذيبه الموتى ببكاء الأحياء ، والله تعالى يقول في كتابه : « ولا تزر وازرة وزر أخرى » (5) وقد جاء في الكتاب الكريم فيما اقتص من حزن يعقوب على ابنه يوسف ، وبكائه عليه حتى ذهب بصره من الحزن « وتولى عنهم وقال يا اسفي على يوسف وابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم » . « قالوا تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين ، قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون »
إن المنع عن البكاء لا يقره عقل ، ولا شرع وهو مجاف لسنن الحياة ومصادم لطبيعة الانسان التي تتصدع حينما تفقد عزيزاً ، وخليلاً ، وإني ـ والحمد لله ـ ما جئت بشيء مجاف للطبيعة أو منحرف عن سنن الكون ونواميس الحياة ، وقد نسبت إليّ ما لم أشرعه ، فلا حول ولا قوة إلا بالله .
التجسس :
ونهى الله عن التجسس لمجرد ظن السوء ، قال تعالى : « يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن ان بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً » (1) .
أمر تعالى بذلك حفظاً على كرامة الناس ، وصيانة لشرفهم ، ولكنك لم تعن بذلك فقد خرجت ليلة فاجتزت بدار فسمعت فيها صوتا فارتبت ، وتسورت الدار ، فرأيت رجلاً عنده امرأة ، وزق خمر فقلت له :
« يا عدو الله أظننت أن الله يسترك ، وأنت على معصيته ؟ » فزجرك ، وبيِّن لك موضع خطيئتك قائلاً :
( لا تعجل ما إن كنت أخطأت في واحدة فقد أخطأت في ثلاث . قال الله تعالى : « ولا تجسسوا » وقد تجسست ، وقال : « أتوا البيوت من أبوابها » (2) وقد تسورت ، وقال : « إذا دخلتم بيوتاً فسلّموا » (3) وما سلمت ) .
فلم تكن لديك مندحوة إلا ان قلت : وهل عندك من خير إن عفوت عنك ؟ .
فقال : نعم والله لا أعود . .
فعفوت عنه .
لقد جافيت ما أثر عني من النهي عن التجسس ، والأخذ بالظن ، فقلت :
« إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ، ولا تناجشوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تدابروا ، ولا تباغضوا ، وكونوا عباد الله إخوانا . . » (1) .
لقد كان تقحمك بيوت الناس بغير حق ، وبغير وجه مشروع ، فقلت كنت تلج البيوت مفتشاً عن آثام الناس وعوراتهم ، أفهذا من سنتي ، ومن شرعتي ؟!! .
لقد خرجت في غلس الليل البهيم ومعك عبد الله بن مسعود ، فرأيت ضوء نار في بعض البيوت فاتبعته ، حتى دخلت الدار وحدك ، فإذا شيخ جالس ، وبين يديه شراب ، وقينة تغنيه ، فلم يشعر الشيخ بهجومك عليه ، فصحت في وجهه فقلت له :
« ما رأيت منظراً أقبح من شيخ ينتظر أجله ؟ !! » .
فرفع الشيخ إليك رأسه ، ورد عليك قائلاً :
« بلى صنيعك أنت أقبح مما رأيت مني ، إذ تجسست ، وقد نهى الله عن التجسس ، ودخلت بغير إذن » .
فتحيرت في الجواب ، والدفاع عن نفسك ، وقلت له صدقت ، ثم خرجت على ثوبك تبكي .
وكان اللازم عليك ان تعاقب هؤلاء المتمردين بعدما اطلعت عليهم ، ولكنك لم تتخذ معهم أي اجراءات ، فهل كان خروجك للتجسس لأجل النزهة ، وترويح النفس ، أو التلذذ بمشاهدة المخمورين ، ان تسامح الحاكم يؤدي الى تمرد المجرمين في إجرامهم ، وانطلاقهم في ميادين الإثم .
12 ـ درؤك الحد عن المغيرة :
ومن الدواهي عدم إقامتك الحد على المغيرة بن شعبة لأنه كان أثيراً عندك ،
فقد شهد عليه بذلك كلا من أبي بكرة ، وهو من فضلاء الصحابة في علمه وتقواه ، وشهد نافع بن حارث ، وشبل بن معبد ، وكانت شهادتهم صريحة واضحة بأن المغيرة قد زنى بامرأة محصنة ذات بعل ، وهي أم جميل بنت عمرو القيسية زوجة الحجاج الجشمي ، وكتبت الى زياد وهو الشاهد الرابع فلما حضر قلت له :
إني أرى رجلاً لا يخزي الله على لسانه رجلاً من المهاجرين (1) .
وقد أفهمته بكلامه عدم رضائك باقامة الحد على المغيرة فوجل منك ، واندفع يشهد كما اردت ، وبذلك درأت الحد عن المغيرة ، وأمرته بان يقيم الحد على الشهود الثلاث .
بأي وجه اظهرت رغبتك إلى زياد بأن لا يفضح المغيرة ، وتعطيلك الحد عنه ، لقد مهدت الطريق بذلك الى تعطيل الحدود ، ودرئها بغير حق ، فلا حول ، ولا قوة إلا بالله .
13 ـ اقامتك الحد بغير وجه :
وأغرب من ذلك اقامتك على جعدة من بني سليم ، ولم تقم عندك البينة على ارتكابه جريمة الزنا ، فقد قدم عليك بريد فنثر كنانته فبدرت صحيفة فقرأتها فاذا فيها :
فأمرت باحضار جعدة فجلدته مائة معقولاً (2) فبأي وجه أقمت عليه الحد ،
ولم تقم عندك البينّة على أنه قد زنى ، سوى هذه ابيات لا تصلح للاعتماد عليها .
نقصان الحد :
وأخذت تتصرف في حدود الله حسب ما شئت بغير وجه مشروع ، فقد نقصت حد شارب الخمر ، فقد جيء لك بشارب فبعثت به الى مطيع بن الأسود ليقيم عليه الحد ، واجتزت عليه فرأيته يضربه ضرباً شديداً فقلت له :
« قتلت الرجل ، كم ضربته ؟ » .
« ستين » .
فقلت اقص عنه بعشرين ، فجعلت شدة الضرب قصاصاً بالعشرين التي بقيت من الحد (1) كيف سانح لك نقصان الحد ، واعفاءه عما بقي منه وهذا من الاجتهاد قبال السنّة الذي لا يقره الشرع .
15 ـ ارث الاعاجم :
ومن غريب فقهك أنك أبيت ان تورث احداً من الأعاجم الا من وُلد في بلاد العرب (2) بأي كتاب أم بأية سنّة ان العجمي لا يرث ؟ أليس المسلمون جميعاً على اختلاف قومياتهم وألوانهم سواء كاسنان المشط لا تفاوت لأحد على احد إلا بالتقوى ، وعمل الخير .
إن هذه الفتوى تتصادم مع ضروريات الاسلام ، وتتنافى مع جوهره وواقعه ، فإني قد جئت بالشريعة السمحاء التي هدمت جميع حواجز الجاهلية ،
فقد ساويت بين جميع المسلمين ، وقد هتف القرآن الكريم بذلك قال تعالى : « يا ايها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم » .
إن التفاخر بالعناصر ، والرجوع الى القوميات من الخلق الجاهلي وهو الطاعون الأسود الذي فرق بين أمتي ، فجعلهم أحزاباً وأنواعاً ، وقد تناسوا ان كلمة الاسلام هي الجامع الواقعي التي تضم بين جميع المسلمين .
ـ رجم المضطرة :
ورفع الاسلام الحكم التكليفي في حال الاضطرار فلا عقاب ولا إثم على المضطر ، وقد قلت « رفع عن امتي ما اضطروا اليه » وقد جهلت ذلك يا عمر ، فقد جيء اليك بامرأة قد زنت ، وقد اقرّت بذلك فأمرت برجمها ، فانبرى علي إليك فأنكر عليك ذلك ، وقال لعل لها عذراً ، ثم قال لها :
ـ ما حملك على الزنا ؟
قالت : كان لي خليط ، وفي إبله ماء ، ولبن ، ولم يكن في إبلي ماء ، ولا لبن فطمئت ، فاستسقيته ، فأبى أن يسقيني حتى أعطيه نفسي ، فأبيت عليه ثلاثاً ، فلما ظمئت ، وظننت أن نفسي ستخرج أعطيته الذي أراد فسقاني ، ولما سمع ذلك علي ، تلا قول الله تعالى : « فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم » .
ـ المتزوجة في عدتها :
ومن أحكامك التي تتصادم مع واقع السنة انك حكمت في المرأة المتزوجة في
عدتها بالتفريق بينهما ، وجعلت صداقها من بيت المال ، وقد بلغ ذلك علياً ، فأنكر عليك ، وقال :
« ما بال الصداق وبيت المال انهما جهلا فينبغي للامام أن يردها إلى السنّة » .
وقد سئل عن السنّة في ذلك فأجاب « الصداق بما استحل من فرجها ، ويفرّق بينهما ، ولا جلد عليهما ، وتكمل عدتها من الأول » .
أحكام الصلاة :
ومن غريب أمرك خفاء أحكام الصلاة عليك فقد صليت المغرب فلم تقرأ في الركعة الأولى فاتحة ، وقرأتها مرتين في الركعة الثانية (3) . وقد أردت بذلك قضاءها ، وهي من الأجزاء التي لا تقضى وإنما اللازم سجدتا السهو .
ـ رجم من ولدت لستة أشهر :
ومن غريب ما حكمت به أنّك قد حكمت برجم امرأة ولدت لستة أشهر فرد عليك علي حكمك ، وقال لك : إن الله تعالى يقول : « وحمله وفصاله ثلاثون شهراً » وقال تعالى : « وفصاله في عامين » فالحمل ستة أشهر والفصال في عامين ، فتركت رجمها ، وقلت « لولا علي لهلك عمر »
اعفاؤك عن معاوية :
كنت في كل سنة تحاسب عمالك ، وتشاطرهم أموالهم سوى معاوية تتواتر
اليك الأخبار بأنّه يسرق من اموال المسلمين ، ويبذخ فيها فتعتذر عنه وتقول :
« ذاك كسرى العرب » .
متى كان هذا الصعلوك كسرى العرب ، فقد كان في أيامي مهان الجانب محقر الكيان ، قد أذله الاسلام ، وحطم شأنه .
وغريب أمرك في موالاتك وحبك له مع اني قد لعنته ، ولعنت أباه (1) . وقد جاءتني امرأة تستشيرني في زواجه ، فنهيتها ، وقلت لها :
إنه صعلوك ، وقد حذرت منه المسلمين فقلت : « أذا رأيتم معاوية على منبري فاضربوا عنقه (2) » .
وكان اللازم عليك ان لا تستعمله والياً على الشام وتستعمل رجلاً من خيار المسلمين ممن تتوفر فيه النزعات الخيرة والمثل الكريمة ليقوم بتهذيب المسلمين ، ونشر روح الثقة والفضيلة في نفوسهم .
ولو لا تسديدك له ، ونزعك عنه قميص العار والخزي لما امكنه ان يعمل في الشام عمل من يريد الملك والسلطان ، وقد ذاكرك في موضوعه جماعة من خيار الصحابة ، وعرفوك بخروجه عن جادة العدل ، ولبسه للديباج والحرير واستعماله للذهب ، وغير ذلك فامتعضت وزجرتهم ، ونهيتهم عن ذمّه فقلت :
« دعونا من ذم فتى من قريش ، من يضحك في الغضب ، ولا ينال ما عنده من الرضا ، ولا يؤخذ من فوق رأسه الا من تحت قدميه » (3) .
لماذا هذا التسديد ؟ !!
لماذا هذا الحب ؟ !!
ولم تكتف بهذا كله ، وانما نفخت فيه روح الطموح ، ودفعته الى الخلافة
وهددت به اعضاء الشورى فقلت لهم : « انكم إن تحاسدتم وتقاعدتم ، وتدابرتم وتباغضتم غلبكم على هذا معاوية بن أبي سفيان » (1) .
لماذا شدت بمعاوية دون بقية عمالك ؟
كيف ساغ لك أن تهدد أعضاء الشورى بسطوته ؟
لقد مهدت له الخلافة ، وعبدت له الطريق ليكون حاكماً في أمتي ، وقد أسفرت الأحداث الرهيبة التي توالت على أمتي عن مصير الخلافة إلى هذا الباغي ، فإنه حينما استتب له الأمر ، حكم بسياسة العنف والبطش فقتل خيار المسسلمين ، وطارد المصلحين ، فقتل سبطي وريحانتي الإمام الحسن فدس إليه سماً قاتلاً على يد زوجته جعدة بنت الأشعث ، وقتل حجر بن عدي ، وهو من أكابر أصحابي في تقواه وورعه ، وفرض سب وصيي علي ، وأهل بيتي على المنابر ، وتتبع شيعتهم تحت كل حجر ومدر فاشاع فيهم القتل ، والتنكيل .
لولا تأميرك إليه على الشام ، وتأييدك له ، ومبالغتك في تسديده . لما حدث في الاسلام ما حدث ، وما جرى على المسلمين ما جرى من النكبات والويلات ، وانتهاك الحرمات ، فلا حول ولا قوة إلا بالله .
اثارة الاحقاد على علي :
واكتفيت بأخذ الخلافه من علي ، وتقمصك لحقه ، فقد رحت تثير عليه الاحقاد ، وتوغر عليه الصدور ، فقد دخل عليك ، ومعك جماعة من الموتورين الذين وترهم الاسلام بسيف علي ، فقلت لاحدهم هذا قاتل عمك ، وقلت لآخر هذا قاتل أخيك ، وقلت لثالث هذا قاتل ابيك ، وهكذا اخذت تذكرهم بما صنعه الامام بآبائهم واخوانهم واقربائهم في سبيل اقامة هذا الدين ، فانبرى إليك علي فقال لك : مالك تثير عليَّ احقاد قوم قد وترهم الاسلام ، فإنّي لم أصيب منهم ما أصبت إلا من أجل الاسلام وإعلاء كلمة الله .
إن الضغائن التي أثرتها على علي كانت من دون شك منبثقة عن كراهيتك له ، وكنت تغمر في دخائل نفسك حقداً عارماً على أهل بيتي ، وكنت تبالغ في عدائهم فقد جائتني أم هاني بنت أبي طالب فقالت : يا رسول الله ان عمر بن الخطاب لقيني فقال لي : إن محمداً لا يغني عنك شيئاً ، فغضبت ، وقمت خطيباً فقلت :
« ما بال أقوام يزعمون أن شفاعتي لا تنال أهل بيتي ، وان شفاعتي لتنال بين حاء وحكم » .
المنع عن تدوين الحديث :
إن المنع عن تدوين ما أُثر عني من السنن والأحكام قد سبب للمسلمين المضاعفات السيئة ، وأخلد لهم الفتن والمصاعب ، وجرَّ لهم الويلات والخطوب فقد كثر الوضع عليّ ، وكثرت الأحاديث الموضوعة التي شوهت معالم الدين ، وقد نسبوا إلي من الأقوال ما لم أفد بها .
لقد عمد أبو بكر إلى جميع بعض الأحاديث فأحرقها (3) ولما آل الأمر اليك استشرت عامة الصحابة في تدوين ما أُثر عني فأشار عليك عامتهم بذلك وحبذوه لك ، ولبثت مدة تفكر في الأمر ثم عدلت عنه ، وقلت :
« إني قد ذكرت لكم من كتاب السنن ما قد علمتم . ثم تذكرت فإذا اناس من أهل الكتاب قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتباً فأكبوا عليها ، وتركوا كتاب الله ، وإني والله لا أُلبس كتاب الله بشيء أبداً ، ثم تركت ذلك وعدلت عنه (4) وهو تعليل غير وثيق لأن حديثي لا يشذ عن كتاب الله ، ولا يخالفه ، وليس تدوينه موجباً لهجر القرآن الكريم ولا مستلزماً للإعراض عنه ، ولو أنك بادرت الى ذلك لصنت المسلمين من الأختلاف ، ولسددت باب الوضع ، فقد عمد ( كسرى العرب ) معاوية بن أبي سفيان إلى لجان تفتعل الأحاديث ،
وتضع الأخبار تارة للحط من كرامة العترة الطاهرة وأخرى لتمجيد الصحابة والثناء عليهم وثالثة للاشادة بالأمويين ، وقد رووا في ذلك الشيء الكثير ، فقد روى ابن العاص أني قلت في آل أبي طالب :
« إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء إنما ولي الله وصالح المؤمنين »
وروى سمرة بن جندب ان الآية الكريمة وهي « ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام ، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد » (2) انها نزلت في علي ، وقد أخذ عوض ذلك الشيء الكثير من بيت مال المسلمين وقد كان أبو هريرة في طليعة الوضاعين فقد روى المئات من الأحاديث عني ، وفي الكثير منها خروج على حكم المنطق والعقل ، ونسبها لي ، وكذلك المغيرة بن شعبة ، وعمرو بن العاص ، وغيرهم من الوضاعين وقد نسوا قول الله تعالى في كتابه الكريم « إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكافرون » (4) . وجافوا قولي : « من كذب عليَّ متعمداً ليحل حراماً ، أو يحرم حلالاً ، أو يضل الناس بغير علم فليتبوء مقعده من النار » (5) .
بلى والله لقد سمعوا ذلك ، ولكن حليت لهم الدنيا ، وراق لهم زبرجها ، فانطلقوا وراء شهواتهم وملاذِّهم ، وعمدوا إلى الكذب والإغراء ، والتضليل في سبيل مصالحهم الضيقة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
وعلى أي حال لقد كان منعك من تدوين أحاديثي موجباً إلى رزية الأمة ومحنتها في جميع مجالاتها العقائدية ، فلو كان الحديث مدوناً ، ومحفوظاً لما تمكن الوضّاعون والمنحرفون عن دينهم من الكذب عليّ ، ومن افتراء الحديث وأنت قد شددت على المسلمين في رواية الحديث عني ، فقلت لهم :
« جرِدوا القرآن ، ولا تفسروه ، وأقلّوا الرواية عن رسول الله ، وأنا شريككم » (1) .
فلماذا منحت المسلمين من رواية حديثي ؟
ولماذا صددتهم عن تدوين سنّتي ؟
الحصار على الصحابة :
وقد منح الاسلام الحرية التامة لكل مواطن ، فجعل له حرية القول والعمل والسكن ما لم يجاف أحكام الله ، ولكنك لما آل اليك الأمر فرضت الحصار على صحابتي فلم تسمح لهم بمغادرة يثرب ، ولم تتركهم وشأنهم في السفر إلى أي بلد أحبوه .
ما هو السبب في ذلك ؟
ماهي الدواعي التي حفزت إلى ذلك ؟
إن الحاكم في الإسلام الذي يرتدي ثوب النيابة عني يجب عليه أن يمثل سيرتي وهديي ، وسلوكي بين الناس ، أفهل رأيتني أني فرضت الإقامة الجبرية في عاصمتي على أحد من أصحابي حتى تفعل ذلك ، ولكن إنا لله وإنا إليه راجعون ، وهو المستعان على ما تصفون .
فرارك من الزحف :
وأذكرك في أيام حياتي حينما دهمتنا قوى الشرك والالحاد ، في واقعة أحد ، فقد انهزمت ، وكذلك فررت من واقعة خيبر ، وقد كنت بعثت قبلك أبا بكر فرجع بالجيش منهزماً وبعثت بعدكما علي بن أبي طالب ففتح الله على يده ، ورجع بالغنائم والأسرى .
تعليق