إعـــــــلان

تقليص

للاشتراك في (قناة العلم والإيمان) عبر (الواتساب) إضغط هنا

وعبر (التلغرام) إضغط هنا
شاهد أكثر
شاهد أقل

الإمام عين الحياة !

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الإمام عين الحياة !

    بسم الله الرحمن الرحيم

    والحمد لله رب العالمين
    وبعد..

    فإنّ الإمامة محور الخلاف الأوسع في دائرة الإسلام.. وإليها يرجع أسُّ الخلاف بين المسلمين..
    دارت مدارها كثيرٌ من الأبحاث، وطُرِحَت حولها تساؤلات وتساؤلات:

    لماذا تركيز الشيعة أو الرافضة على عقيدة الإمامة؟ وما الداعي لبذل الغالي والنفيس للحفاظ عليها؟
    ألا يغالي الشيعة في عقيدتهم بأئمتهم؟ ألا يساوون النصارى في قولهم؟
    ما هو موقف العقل من الإمامة؟
    ثم كيف نفسر استضعاف الأمة للإمام مع كونه خليفة الله؟ ألا يطعن استضعاف الأمّة له بإمامته؟! أين محلُّ ولايته على الكون إذاً؟
    ما هي حقيقة هذه الإمامة؟

    أسئلة كثيرةٌ وإشكالات عديدة يرددها المخالفون للشيعة تارةً، وبعض الشيعة أو المنتسبين للتشيع تارة اخرى.

    هذه الأسئلة وغيرها كانت محور أبحاثٍ ألقيناها في شهر رمضان المبارك للعام الماضي (1441 هـ) في (منتدى الحوزة العلمية)، وقام بعض الأخوة الأعزاء برَقمِها مشكوراً مأجوراً، فصارت جاهزة للنشر..

    وكانت أولى سنابلها بحثٌ تحت عنوان: الإمام عين الحياة..

    والحمد لله رب العالمين
    27-ربيع الأول 1442 هـ
    13-11-2020 م.

    شعيب العاملي

  • #2
    (1) الإمام عين الحياة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الماء والحياة
    قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء30]
    جعل الله تعالى عِبرةً في فتق السماوات والأرض، وفي إحياء كلّ شيء بالماء..
    المُخاطَب الذي يؤمّل منه الإعتبار هو الإنسان، وهو الذي يعيش على الأرض وتظلّه سماؤها، وهو الذي يتلمّس مضمون الآية فيرى أن كل شيء يحيا بالماء.
    للإنسان صِلةٌ لا تنفك عن الماء، الذي به جعل الله كل شيء حي، فالإنسان جُعِل حياً بالماء منذ تكوينه ولا يزال.. إنّ خليط الإنسان الأول كان من طينٍ مخلوطٍ بالماء، فقَوامُ حياة الإنسان بالماء.. منذ اليوم الأول لخلقه، وإلى آخر ساعات حياته..
    لقد عَجِزَ غاصب الخلافة عن إجابة سؤال رأس الجالوت عن أصل الأشياء، فأجاب أميرُ المؤمنين عليه السلام بأن أصل الأشياء هو الماء واستشهد بهذه الآية المباركة المتقدّمة.
    وَ سَأَلَهُ (ع) رَأْسُ الْجَالُوتِ بَعْدَ مَا سَأَلَ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَعْرِفْ مَا أَصْلُ الْأَشْيَاءِ؟
    فَقَالَ ع: هُوَ الْمَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍ﴾.‏

    من آثار الماء
    لقد ذكر الله تعالى الماء في آيات مباركة، وذكر أنّ به حياة الأرض بعد موتها:
    ﴿وَاللّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [النحل : 65]
    وإخراج الثمرات والنبات:
    ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ
    ﴿وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْ﴾
    الماء اليوم يغطي أكثر من ثلثي الأرض، وأكثر من ثلثي جسم الإنسان مكوّنٌ من الماء حسب ما يقول العلماء، ويقول أيضاً أن الماء هو الوسيط الرئيسي في جميع الكائنات الحيّة.
    ويقول العلماء أيضاً أن اكتشاف سحابة هائلة من بخار الماء في الكون مؤشرٌ على أن الماء موجود في الكون منذ بداية نشأئه.
    كل هذه مؤشّرات علمية تتطابق مع ما ورد في الشريعة المقدسة في الكتاب الكريم وعلى لسان أمير المؤمنين عليه السلام.
    وبهذا يتبين أنّ الماء قد اقترن بالحياة، فحيثما وجد الماء وجدت الحياة وكانت مبثوثة.

    طعم الماء طعم الحياة
    لكن سؤالاً يُطرح ها هنا: ما هو طعم الماء يا ترى؟
    كلنا يتذوق الطّعم الحلو والحامض والمالح، ويتفنن الناس في ألوان الطعام وأذواقه، وكلنا يشرب الماء أيضاً، وللماء طعمٌ بلا شك ولا ريب، وله نكهةٌ، ولكنها لا تُعرَفُ بالحلاوة ولا بالحموضة ولا بشيءٍ مما تعرف به سائر الاطعمة، وقد لا يرتوي الانسان بغير الماء أبداً.
    يقول العلماء المعاصرون أن الماء عديم اللون والرائحة والطعم، لا طعم للماء إذاً عندهم.. لمّا خلا من الحلاوة والحموضة والملوحة فهو عديم المذاق لديهم!
    لكنّ مفارقةً لطيفة تسجل هنا.. وهي سؤالٌ غريبٌ طرحه رجلٌ غريبٌ على إمامنا الصادق عليه السلام حينما سأله عن (طعم الماء).
    كان للإمام كلامٌ آخر مغايرٌ لكلام هؤلاء العلماء.. جوابٌ محيّر.. قال له (ع): سَلْ تَفَقُّهاً وَ لَا تَسْأَلْ تَعَنُّتاً.
    كأنّ الامام رأى في سؤال السائل تعنُّتاً لا تعلماً، رغم ذلك أجابه الإمام فقال له: طَعْمُ الْمَاءِ طَعْمُ الْحَيَاةِ. (الكافي ج‏6 ص380).
    هي كلمةٌ عظيمة تحتاج إلى تأمُّلٍ وتدبُّر.
    وقد سئل الإمام السؤال نفسه في مجلس آخر: ما طعم الماء؟
    فظن الحاضرون أن السائل زنديق، فصار الصادق عليه السلام يتأمل بالرجل، ينظر إلى أعلاه وأسفله، ثم قال له: «وَيْلَكَ، طَعْمُ الْمَاءِ طَعْمُ الْحَيَاةِ، إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَ عَزَّ يَقُولُ: ﴿وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ﴾ (قرب الإسناد ص116)
    كيف يكون طعم الماء طعم الحياة؟
    هل أن طعم الماء طعم الحياة بمعنى أن الماء هو أصل الحياة؟
    أم بمعنى أنّ كل شيء يحيا بالماء؟ فالماء سببُ الحياة في الكائنات، فإذا شرب الإنسان الماء تذوق طعم الحياة بنفسها ؟
    هل هذا مراد الامام عليه السلام؟ ام أنّ له أبعاداً خلف هذا؟
    هل سيتمكن أحدنا من سبرِ أغوار هذه الكلمة الجميلة للإمام عليه السلام؟ طعم الماء طعم الحياة.
    ماذا عن ماء الأنفس والأرواح؟ ماذا عن حياة النفوس في شهر الله تعالى؟ كيف تكون حياتها؟ أبالماء أيضا؟
    إنّ المؤمن والكافر يشتركان في التنعم بنعمة الحياة عبر الماء، لكن ماءً من نوع آخر يشير إليه إمامنا الرضا عليه السلام في حديثه حين يقول:

    الإمام السحاب الماطر
    الْإِمَامُ السَّحَابُ الْمَاطِرُ
    هل هو تشبيهٌ للإمام بالسحاب الذي يأتي لنا بالمطر؟
    المطر ماءٌ ينزل من السماء، فكيف يكون الإمام السحاب الماطر؟ ما هي آثار المطر الذي يتأتى من سُحب الإمام الثقال؟! هل هو علم الإمام؟ بركة وجوده؟ رعايته لنا؟ أم أخذه بيد محبيه إلى الله تعالى؟!
    أم أن حياة المحبين ببركة الإمام عليه السلام؟
    كلُّ هذه المعاني قد يتضمنها هذا الحديث، لكنّ الله تعالى يصف السحاب في القرآن الكريم ويذكر آثارها فيقول:
    ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾
    الرياح تبشر بالرحمة، ثم تأتي الرحمة بعدما تقل الرياح السحاب فيقول:
    ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف57]
    ضرب الله تعالى مثلا للسحاب الذي ينزل منه الماء فيخرج به من كل الثمرات، ثم جعل إخراج الموتى نظيراً له.. البلد كان ميتاً فأحياه الله تعالى كما يحيي الموتى.
    السحاب أتى بالماء فبُثَّت الحياة.. هذا كلُّه في جانبٍ، وفي الجانب الآخر: الإمام السحاب الماطر.
    فهل يحيينا الإمام كما يحي الماءُ الأرض الميتة؟ أم أننا بالغنا في المقابلة بين الآية والرواية؟

    فضلنا كفضل الماء
    إنّ خير دليلٍ على مراد الإمام عليه السلام يذكره خيرُ خلق الله تعالى النبي العظيم محمد |، حينما حاوره يهوديٌّ فسأله عن فضله على النبيين وفضل عشريته على الناس.. وكان مما أجاب به | جواب يسلب الألباب حين قال |: وَ أَمَّا فَضْلُ عَشِيرَتِي وَ أَهْلُ بَيْتِي وَ ذُرِّيَّتِي كَفَضْلِ الْمَاءِ عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ.
    بِالْمَاءِ يَبْقَى كُلٌّ وَ يَحْيَا كَمَا قَالَ رَبِّي تَبَارَكَ وَ تَعَالَى ﴿وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ‏﴾ (الإختصاص ص37).
    التشبيهُ في محلّه إذاً، إذ أن فضلهم عليهم السلام على كل شيء كفضل الماء: بالماء يبقى كل شيء ويحيا، وبهم يبقى كل شيء ويحيا..
    هل من حياة دون الماء؟ هل من حياة دون الإمام؟
    أيُّ حياةٍ وأيّ نورٍ يمشي به من لا يعرف الإمام؟
    لقد روينا أن الخضر شرب من عين الحياة، ولا يزال الخضر حياً إلى يومنا هذا، يموت قومٌ وتتقلب الدنيا بين الأمم، ولا يزال الخضر حيا لما شرب من هذه العين..
    كان ماءً ذاك الذي شربه الخضر، لكنه ليس ككلّ ماء، إنّه ماء الحياة الدائمة.
    فالماء الذي نعرفه يبث الحياة في الإنسان أمداً، ثم يحتاج إلى سواه..
    أما ماء الحياة الذي شربه الخضر.. من عين الحياة، فقد بث الحياة الدائمة فيه عليه السلام
    والسؤال:
    ماذا نفعل نحن للحصول على عين الحياة ومائها؟ وهل هناك عينٌ أخرى بمعنىً آخر تدعى عين الحياة تكون بها حياتنا الدائمة؟ فتبقى أرواحنا حيّة بها كما بقي الخضر حياً بجسده؟

    نحن عين الحياة
    لقد ذُكِرَت عين الحياة عند إمامنا الصادق عليه السلام فقال:
    أ تدرون ما عين الحياة؟
    قلنا: الله وابن رسوله أعلم.
    قال: نحن عين الحياة، فمن عرفنا وتولّانا فقد شرب عين الحياة، وأحياه اللّه الحياة الدائمة في الجنة وأنجاه من النار. (شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار عليهم السلام ج‏3 ص494)
    إنّ عين حياة الخضر قد أحيته في الدنيا فلا يموت حتى يأخذ الله الأرض ومن عليها، أمّا الإمام والعترة الطاهرة فهم عين الحياة.
    الغَرفة فيها تعني معرفتهم وولايتهم، الشراب منها لا سبيل له الا باتباعهم، فينال المُتَّبِعُ الحياة الدائمة التي لا انقطاع لها.
    إنّ عين الحياة التي شربها الخضر ينقطع أثرها عندما يُفني الله الأرض ومن عليها، ثم يعود الخضر مع المؤمنين بالإمام، الذين شربوا من عين حياته عليه السلام، يعود الجميع إلى جنان الله تعالى بعين حياتنا.. الإمام المعصوم عليه السلام.

    ولايتنا أعظم نعم الله
    هذه هي الولاية.. وهذه أبعادُها.. وبهذا صارت أعظم نعم الله تعالى على خلقه.
    لقد أمرنا الله تعالى بذكر آلائه ونعمه التي لا تُعدّ ولا تحصى، فكان أعظمها عين الحياة، ولمّا كانت ولايتهم هي عين الحياة، صارت أعظم نِعَم الله.
    قال الإمام الصادق عليه السلام في قوله تعالى: ﴿ فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾:
    هِيَ أَعْظَمُ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَهِيَ وَلَايَتُنَا.
    وإمامتهم هذه فيها تمام كل الفرائض.. كما قال الرضا عليه السلام:
    بِالْإِمَامِ تَمَامُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَتَوْفِيرُ الْفَيْ‏ءِ وَالصَّدَقَاتِ..

    بدّلوا نعمة الله كفراً
    إنّ مقتضى قانون المقابلة، وقاعدة التنافر والتنافي، يكشف حال من تنزّهت عين الحياة عن أن يقربوا منها.. مَن أنكر الإمامة أو جحدها، حيثُ صار مصداقاً لكلمات أمير المؤمنين عليه السلام :
    مَا بَالُ أَقْوَامٍ غَيَّرُوا سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ص وَعَدَلُوا عَنْ وَصِيِّهِ، لَا يَتَخَوَّفُونَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِمُ الْعَذَابُ؟!
    ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ﴾..
    ثُمَّ قَالَ: نَحْنُ النِّعْمَةُ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ وَبِنَا يَفُوزُ مَنْ فَازَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
    هي نِعمَةٌ تحلِّقُ بالإنسان عالياً في سماء القرب من الله تعالى، وتنقله من حياض البهيمية والحيوانية إلى مراقي القدس والجلال، بابٌ فتحه الله لأوليائه لينزّههم عن صفات البهيمية.. وقد قال إمامنا الحسن الزكي عليه السلام:
    وَلَوْلَا مُحَمَّدٌ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَالْأَوْصِيَاءُ مِنْ وُلْدِهِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) كُنْتُمْ حَيَارَى كَالْبَهَائِمِ، لَا تَعْرِفُونَ فَرْضاً مِنَ الْفَرَائِضِ، وَهَلْ تُدْخَلُ قَرْيَةٌ إِلَّا مِنْ بَابِهَا (الأمالي ص655).
    نظرةٌ عابرةٌ سريعةٌ في أيامنا هذه.. كم من الخلق لم يؤمنوا بالله رباً؟ وكم منهم لم يؤمنوا بمحمد | نبياً ورسولاً؟ وكم منهم لم يؤمنوا بأمير المؤمنين والإثني عشر أولياء؟
    كل هؤلاء بمقتضى حديثه عليه السلام لا زالوا حيارى كالبهائم!
    لهذا كانت الامامة! ولهذا اهتم الشيعة بها، وشكّلت عندهم محوراً ومفصلاً وأصلاً من أصول دينهم، فكلّما عرف المسلم من فروض دينه كانت معرفته منقوصة لولا الإمامة، إذ بالإمام تمام الصلاة والصوم وسواهما..

    أحيا الناس جميعاً
    يتساءل بعض الأعزاء في شهر الله تعالى عن أهم الفرائض وأسماها.. ما الذي يأخذ بيدنا إلى مراتب القرب من رب العباد؟ ما الذي يصفي نفوسنا؟
    ولماذا القيل والقال وكثرة المقال في أبحاث الإمامة؟
    إذا كانت الحياة بالإمام أيها الأحبة، فكم هو عظيمٌ إحياءُ نفسٍ بإخراجها من عمى جهل الإمام إلى حياة معرفة الإمام؟
    وهل من نفسٍ أعظم عند الإنسان من نفسه؟! إن هي إلا نفسٌ واحدة يعيشها أحدنا..
    أفلا يكون التعرُّف على الإمام أو الزيادة في غوصَاً في عين الحياة؟! ونوعاً من التقرُّب الى الله تعالى في أعظم ما يحب؟!
    إنّ المؤمن إذا شرب شيئاً من هذه العين الطاهرة، لم ينس إخوته المؤمنين، ولم ينس نظراءه في الخلق المتعطشين للانتقال من الظلمات، ظلمات الجهل، إلى النور، نور الإمامة والعلم والمعرفة.
    روينا عن أبي عبد الله عليه السلام لمّا سئل عن قول الله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَ مَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾
    فَقَالَ: مَنْ أَخْرَجَهَا مِنْ ضَلَالَةٍ إِلَى هُدًى فَقَدْ أَحْيَاهَا، وَمَنْ أَخْرَجَهَا مِنْ هُدًى إِلَى ضَلَالٍ فَقَدْ قَتَلَهَا. (المحاسن ج‏1 ص232)
    فهل هناك هدايةٌ أعظم من التعرف على إمامنا عليه السلام؟ ومعرفة مواطن رضاه ومحالها، فمن سواه يكون في رضاه رضا الرحمان؟

    الطهارة بالإمام
    أليست طهارة النفوس بالإمام عليه السلام؟
    ألم يقل تعالى:
    ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ
    ماء المطر طاهرٌ مطهّر، لكن هل يذهب ماء المطر برجز الشيطان وحده؟ أم أننا بحاجة للإمام لتطهر نفوسنا كما تطهُرُ اجسادنا بماء المطر؟!
    لقد سأل جابر إمامنا الصادق عليه السلام عن هذه الآية المباركة، فقال عليه السلام: السماء في الباطن رسول الله، والماء علي ع!
    الامامُ هنا لا يتعرض لظاهر الاية، بل يتكلم عن باطنها، فان ظاهر القران أنيق وباطنه عميق، يعلمه أل بيت النبوة والعترة ولهم منه وجوه شتى.
    ثم يقول:
    جعل الله علياً من رسول الله ص فذلك قوله: ﴿ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾: فذلك عليٌّ يطهر الله به قلب من والاه.(تفسير العياشي ج‏2 ص50)
    أيُّ طهارة في شهر الله تعالى أعظم وأفضل من التعرف على باب الطهارة، على ماء الله عزّ وجل الذي ينزله الله تعالى ليطهّر به النفوس والقلوب، قلوب الشيعة والمؤمنين.
    بِعليٍّ، بالماء، برمز الامامة، يربط الله على قلوبنا ويطهرها ويدفع عنا رجز الشيطان.
    فلا غرابة إذاً أن يكون الإمام عين الحياة، أن يكون الإمام الماء الذي به نحيا، أن تكون طهارتنا مقرونة بمعرفتنا لإمامنا..

    العيون الكَدِرَة والعيون الصافية
    في مطلع شهر الله تعالى، نتوسل إلى الله تعالى بأوليائه وأحبائه وأصفيائه وخير خلقه، أن يأخذ بيدنا لنغوص في عين حياتهم، وننهل من معينهم، فلا نكون كالذين ذهبوا إلى عيونٍ كدرةٍ.. ولنكون ممن ذهب إلى عيون صافية تجري بأمر ربها. لا نفاد لها ولا انقطاع.
    سلام الله عليك يا أمير المؤمنين.. يا عين الحياة..السلام عليكم يا أئمة الهدى.. لا نفاد لعيونكم الصافية ولا انقطاع، فمن أغنى من شيعتهم في هذه الأيام المباركة؟ حيث طرقوا باب الله تعالى.
    مَن طرق بابهم فقد طرق باب الله سبحانه وتعالى، ليس علينا الا التوسل بهم والتوجه نحوهم والتعرف على مقاماتهم والتشرف بقربهم والامتثال لأوامرهم والانتهاء عن نواهيهم، ثم مع هذا كلّه البراءة من اعدائهم والحذر من العيون الكدرة حتى في هذا الشهر المبارك.
    إنّ إبليس وإن صفِّد فيه وغلّت أياديه.. إلا أن بذور النفاق والخبائث التي زرعها في نفوسٍ أمارة بالسوء لا تزال عصيّة على الإقرار بالإمامة الكبرى وباب الله الذي منه يؤتى.
    والحمد لله رب العالمين.

    شعيب العاملي

    تعليق


    • #3
      مرفق بادن الله
      https://www.omaneducportal.com/

      تعليق


      • #4
        (2) الإمام واحد دهره!

        بسم الله الرحمن الرحيم

        الْإِمَامُ وَاحِدُ دَهْرِهِ:
        كلمةٌ من كلمات النور على لسان إمامنا الرضا عليه السلام، ثامن الحجج المعصومين..
        كلمةٌ عظيمة عميقة تختصرُ بعضاً من مقامات الإمام والإمامة..

        الْإِمَامُ وَاحِدُ دَهْرِهِ، لَا يُدَانِيهِ أَحَدٌ، وَلَا يُعَادِلُهُ عَالِمٌ، وَلَا يُوجَدُ مِنْهُ بَدَلٌ، وَلَا لَهُ مِثْلٌ وَلَا نَظِيرٌ، مَخْصُوصٌ بِالْفَضْلِ كُلِّهِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ مِنْهُ لَهُ وَلَا اكْتِسَابٍ (الكافي ج‏1 ص201).

        دُرَرٌ وجواهر في هذه الكلمات..
        يقول الموحدون أن الله تعالى واحدٌ أحد.. متفرّد بالوحدانية والعظمة والجلال..
        لكنّ الشيعة يقولون أيضاً أنّ الإمام واحد داهره! لا يدنو من مقامه أحد، ولا يقرب من مكانته مخلوقٌ سواه.
        يقولون أنّ الله تعالى هو العالم بالغيب وبما في الضمائر، العالم بكلّ شيء قبل أن يكون، والعالم بما لم يكن لو كان كيف يكون.
        ويقولون أنّ الإمام عالمٌ أيضاً، ولا علم يقاس بعلمه، ولا يعادله عالمٌ سواه.
        وَلَا يُوجَدُ مِنْهُ بَدَلٌ: أي أنّ للإمام دوراً لا يقوم به أيُّ بديلٍ عنه..

        الله تعالى ليس كمثله شيء.. والإمام ليس له مِثلٌ ولا نظير!
        كلماتٌ محيِّرةٌ فعلاً!

        كلُّ متكاملٍ متعلِّم يكتسب ويطلب الكمال حتى يصل إلى شيء منه، وكلنا نبحث عن الكمال ونعمل لنسلك في مدارجه ونترقى فيه، أمّا الإمام فمخصوصٌ بالفضل كله!

        ليس للإمام فضلٌ في جنبةٍ دون أخرى، ولا يشاركه فيما خصّه به تعالى سواه (مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ مِنْهُ لَهُ وَلَا اكْتِسَابٍ): لم يكن خالياً من الفضل يوماً ثم اكتسبه بالطلب، إنّما اختصه الله تعالى به (كلّه) من غير طلب!
        هذا نزرٌ يسيرٌ مما تدلُّ عليه ظواهر كلمات الإمام الرضا عليه السلام، وينفتح من كل بابٍ منها أبوابٌ وأبواب..

        أيُّ مغالاة هذه ؟
        لكن القارئ المخالف قد تثير فيه هذه الكلمات استغراباً ووحشة، ولعلَّه يقول: أيُّ غلوٍّ هذا؟
        أليس هذا نوعُ تشبيهٍ للمخلوق بخالقه؟!
        لقد جعلتم الإمام لا مثيل له، والله وحده هو الذي لا مثيل له ولا شبيه، فهل صار الإمام عندكم هو الله؟
        أم أنّ الإمام صار قائماً مقام الله؟ يحلّ محله!

        إنّكم تقولون في زياراتكم عند زيارة إمامكم: وَالْحَمْدُ لله الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِحُكَّامٍ يَقُومُونَ مَقَامَهُ لَوْ كَانَ حَاضِراً فِي الْمَكَانِ (بحار الأنوار ج‏99 ص116).
        هل لله مكان يحضر فيه؟ أم أن الإمام يقوم مقامه فيحضر بدلاً عنه؟!
        أم تقولون أيها الشيعة أن الإمام صار جزءً من الله؟ فتارة تقولون أنّه (وجه الله تعالى) وتارة (عينه) وأخرى (يده).. وما تركتم وصفاً ونسبةً لله تعالى الا ونسبتموها للإمام الذي تعتقدون بعصمته!

        فأي فرق بينكم وبين النصارى إذاً؟
        لقد قال النصارى بأن المسيح هو الله المتجسّد، يقولون كما في كتابهم المقدّس أنّ الله ظهر في الجسد! ويعتقدون بحرفيّة هذا المعنى! دون أن يحملوه على معنى مجازي!
        ويشنع قرآنكم عليهم لقوهم بألوهية المسيح ويحكم عليهم بالكفر.
        لكنكم أيها الشيعة وصفتم الإمام بصفات الله تعالى، فهل يكون الإمام هو الله المتجسد أيضاً؟ لتصيروا بهذا كفاراً بعدما صرتم رافضة؟

        إشكالاتٌ قد تنقدح في الأذهان، وقد يعزِّزها ما ألصق بالشيعة من تهم وافتراءات على مر العصور.. وتكتمل سلسلة الحلقات ببعض الجهلة الذين لا يعرفون للإنصاف طريقاً ولا سبيلاً، ممّن يقتاتون على الكذب.. ويهيمون في بحار الافتراء..
        وتكون النتيجة أن الشيعة من أهلّ الغلو! لقولهم أن الإمام واحد دهره لا مثل له ولا نظير!

        الجواب: قال النصارى بألوهية عيسى

        يتّضح الجواب على هذه الشبهة الرخيصة بأدنى مقارنة بين العقيدتين، ليظهر أن عقيدة الشيعة في أئمتهم تتنافى تماماً مع عقيدة النصارى في المسيح عليه السلام..
        أما النصارى، فإنهم وإن صرّحوا بتوحيد الله تعالى، إلا أنهم قالوا بتثليثه في عين توحيده!
        أي أن الله سبحانه وتعالى واحدٌ، لكن لهذا الإله أقانيم ثلاثة، وقد فسرت الاقانيم عندهم بتفسيراتٍ شتى.

        لقد أطلق لفظ الأقنوم ليراد منه معنىً غير مفهوم كما ثبت في كلمات بعض علماء النصارى، وذهب بعضهم إلى ان الأقنوم يعني (الشخص) فصار الإله عندهم واحداً في الجوهر متعدداً في الأشخاص، لا يقولون بالآلهة الثلاثة بل بإلهٍ واحد من حيث الجوهر (الحقيقة أو المفهوم أو الطبيعة) وله ثلاثة مصاديق هم أفراده وأشخاصه وتعيُّناته..

        إن أهم بنود قانون الإيمان المسيحي.. المعروف بالقانون النيقاوي القسطنطيني المتفق عليه بين النصارى هو قولهم:
        نؤمن بإلهٍ واحد، الأب ضابط الكل وخالق السماء والأرض وكل ما يُرَى وما لا يرى.

        من هذه الفقرة التي تتصدّر قانون الإيمان المسيحي يخال القارئ أن القوم موحدون.
        لكن القوم وقعوا في الضَّلَالَةِ لمّا لم يتبعوا من يستنقذهم من الجهالة.. أنبياء الباطن: العقول، وأنبياء الظاهر: المرسلون.
        فعطّلوا العقول وجعلوها مصلوبةً أمام القول بالثالوث، وقتلوا الأنبياء، فكم من نبيٍّ من بني إسرائيل قد أذاقوه العذاب والويل، حتى أرادوا قتل المسيح عليه السلام، فلمّا لم يتمكنوا من قتله بشخصه، قتلوا اعتقاده، فقالوا بالثالوث!

        إنّ الله تعالى منزهٌ عن الأبوّة والأخوّة والقرابة، وعن صفات المخلوقات، والأبوة صفةٌ في المخلوقات لا في الخالق.
        لقد قالوا في سائر فقرات قانونهم:
        وبرب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوي الأب في الجوهر، الذي على يده صار كل شيء..

        صار عيسى رباً وابناً لله ومولوداً أزلياً، وإلهاً من إله.
        هو غير مخلوق عندهم، وهو أزليٌّ كالله تعالى، فالقديم ليس واحداً، وجوهر عيسى مساوٍ لجوهر الله تعالى.
        هل هناك فرق بين الاب والابن اذا؟
        هل يعني كونهم من جوهرٍ واحدٍ أنّه لا فرق ولا تمايز بينهم؟
        يقولون: كلا، هناك تمايزٌ جليّ، فالآب ليس الابن، الابن مولودٌ أزلي من الاب.
        على هذا نقول لهم: يلزم ان يصير الابن محتاجاً للآب، وعيسى يصرح بذلك في انجيلكم.
        يقولون: ان وحدة جوهرهم تعني كمالهم وتساويهم حتى مع تمايزهم.

        هنا يحار العقل فيما يذهب اليه النصارى، فنغض النظر عن كل الاشكالات العقلية والنقلية على عقيدتهم، ونكتفي بما يتراءى للناظر من بعيد أنها عقيدة باطلة تجعل عيسى هو الله، لنبين حقيقة الغلو الصريح في قولهم وبراءة مذهبنا من هذا الغلو.

        فما ذهبوا إليه هو الغلو الصريح، بل الشرك الصريح، بل الكفر بالله الواحد الأحد، وقد حكم الله تعالى على القائل بالثالوث بالكفر، لكن ما هو المحور الثالث في الثالوث؟
        لقد أضافوا إلى الآب والابن الروح القدس:
        ونؤمن بالروح القدس، الرب المحيي، المنبثق من الأب، ومع الأب والإبن، يُسجَد له ويُمجد..
        فجعلوه رباً، وسجدوا له سجود عبادة لا سجود تعظيم واحترام.
        هذه هي عقيدة النصارى.. فهل بينها وبين عقيدة الشيعة من تشابهٍ أيها المتهم للشيعة بالغلو؟!

        قلنا بأن الأئمة مخلوقون مربوبون

        لقد كذب من افترى على الشيعة ونسبهم للغلوّ، فإنهم يقولون بأنّ الله تعالى هو الإله الخالق الأزلي، كان ولم يكن معه شيء، فخلق الأشياء كلّها لا من شيء، لم يشاركه شيء منها في الأزلية، وكان أول ما خلق الله أنوار محمد وآله عليهم السلام.

        نورهم أول نورٍ خلقه الله، رغم ذلك فإنّهم والأنبياء والأئمة عبادٌ مخلوقون مربوبون.. لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون..

        إن قول الشيعة أن الإمام واحد دهره، وأنه لا مثل له، إنما يدل على كونه (لا مثل له في مخلوقات الله تعالى)، وليس بين الشيعة من يعتقد أن الإمام يترقى ويرتفع إلى مرتبة الإله الخالق الرازق المعطي، الذي جلَّ عن النظير والمثيل والشبيه!

        إن قمّة الرِّفعة لهذه الثُلّة الطاهرة التي لا مثيل لها تتجلى في قمة عبوديتها، وقد قال القرآن المجيد عن النبي المصطفى صلى الله عليه وآله: (الْحَمْدُ لله الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا) [الكهف1]

        فوصف الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وآله بالعبودية، وكان صلى الله عليه وآله يقول: أفلا أكون عبداً شكوراً؟
        إن تخصيص الإمام بالفضل كله من غير طلب منه هو تخصيصٌ من الله تعالى، وإلا فلا حول لأحد من المخلوقات ولا قوة إلا بالله تعالى.

        هل يعلم الإمام بغير تعليمٍ من الله تعالى؟! حاشا مقام الربوبية أن يشاركه أحدٌ في علمه، وعلمه عين ذاته..
        وإذا كان الإمام حادثاً فإن علمه حادثٌ كذلك، أوَيكون الإمامُ حادثاً وعلمه أزليّ؟!
        غاية الأمر أنه خُلق عالماً، خلقه الله عالماً لسبق علمه بما سيكون عليه.

        وهو تفضُّلٌ من الله تعالى كما تفضَّلَ على الانبياء المتقدمين بأن خلقهم معصومين مطهرين من غير جبرٍ ولا إكراه.
        وهكذا يسقط كل ما يتوهمه المستشكل غلواً عند الشيعة، وينكشف مقدار جهله بعقيدة الشيعة.

        إنّ الله تعالى منزه عن المكان، ولا يباشر الناس بنفسه، فكان الأئمة كما الأنبياء أبواب الله وطرقه.. إنها معانٍ مجازية كما لا يخفى على الأطفال، لكنها تخفى على اللئام الذين اعتاشوا على الكذب والافتراء.
        بهذا يتضح معنى قولنا: لا فرق بينك وبينهم إلا أنهم عبادك وخلقك.
        فإن العبودية تستبطن كل معاني الاختلاف.. الاختلاف بين الرب والعبد، بين الخالق والمخلوق..

        نعم ليس للامام مِثلٌ في المخلوقات إذاً، وأيّ جاهل يقارن الله بمخلوقاته؟ ويقارن الإمام المخلوق بالإله القدير الذي لا يوصف؟!
        الشيعة إذاً منزّهون عن الغلوّ في أئمتهم وان قالوا أن ليس لأئمتهم نظيرٌ في الوجود بأسره.

        تنزيه الإله يثبت لزوم بعثة الأنبياء
        وبعدما ثبت أن الله تعالى حكيمٌ كاملٌ منزّه عن المكان والجسمية ومماسة خلقه، فإن هذا بنفسه يدلُّ على لزوم وجود النبي والامام المعصوم المسدد.

        لقد روينا عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَنَّهُ قَالَ لِلزِّنْدِيقِ الَّذِي سَأَلَهُ: مِنْ أَيْنَ أَثْبَتَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ؟
        قَالَ: إِنَّا لَمَّا أَثْبَتْنَا أَنَّ لَنَا خَالِقاً صَانِعاً مُتَعَالِياً عَنَّا وَعَنْ جَمِيعِ مَا خَلَقَ، وَكَانَ ذَلِكَ الصَّانِعُ حَكِيماً مُتَعَالِياً، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُشَاهِدَهُ خَلْقُهُ وَلَا يُلَامِسُوهُ، فَيُبَاشِرَهُمْ وَيُبَاشِرُوهُ وَيُحَاجَّهُمْ وَ يُحَاجُّوهُ.

        لا يمكن أن يتنزّل هذا الخالق المتعال بصفةٍ وصورةٍ بشرية للناس، لذا:
        ثَبَتَ أَنَّ لَهُ سُفَرَاءَ فِي خَلْقِهِ يُعَبِّرُونَ عَنْهُ إِلَى خَلْقِهِ وَ عِبَادِهِ، وَ يَدُلُّونَهُمْ عَلَى مَصَالِحِهِمْ وَمَنَافِعِهِمْ وَمَا بِهِ بَقَاؤُهُمْ وَفِي تَرْكِهِ فَنَاؤُهُمْ، فَثَبَتَ الْآمِرُونَ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْحَكِيمِ الْعَلِيمِ فِي خَلْقِهِ وَ الْمُعَبِّرُونَ عَنْهُ جَلَّ وَعَزَّ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ ع وَصَفْوَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ..

        لكن قد يتساءل متسائل: لما لا يصح أن يكون الأنبياء مشاركين للناس في صفاتهم وخصائصهم؟ بل من قال أنّهم يختلفون عن سائر الناس؟
        لقد رأى الناس الانبياء والأئمة والأوصياء، وقد قال تعالى عن خير خلقه: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ) ألا يعني هذا أنه بصفة الناس وأنّ حاله كحال بني البشر؟ وما الحاجة لرفعه فوق الآخرين والقول بأنّه واحد دهره لا يدانيه أحد؟

        يقول الإمام عليه السلام:
        غَيْرَ مُشَارِكِينَ لِلنَّاسِ عَلَى مُشَارَكَتِهِمْ لَهُمْ فِي الْخَلْقِ وَالتَّرْكِيبِ فِي شَيْ‏ءٍ مِنْ أَحْوَالِهِمْ (الكافي ج‏1 ص168)

        إذا لم يرسل الحكيم من يتميّز عن غيره فإن بعثته خلاف الحكمة، وما لم يرسل الكاملُ كاملاً ولم يرسل معصوماً مسدّداً ينتفي وجه الحكمة من البعثة.

        والأئمة وإن اشتركوا مع الخلق في أصل الخلقة وفي التركيب، فالكلّ مكوّن من جسد ونفس وإن اختلفت الطينة، لكنهم: غَيْرَ مُشَارِكِينَ لِلنَّاسِ عَلَى مُشَارَكَتِهِمْ لَهُمْ فِي الْخَلْقِ وَالتَّرْكِيبِ فِي شَيْ‏ءٍ مِنْ أَحْوَالِهِمْ.

        السهو والجهل والخطأ والغضب في غير مواضعه وسوى ذلك من الصفات الذمومة طُهِّرَ عنها صفوة الخلق، وحجج الله على عباده، الذين لا يخلو منهم دهر ولا زمان.
        ينفردون بالعلم والأخلاق والكمالات النفسية والصفات الروحية عن سائر الناس، يعيش الإمام في عالم المعرفة فلا يعزب عنه شيء مما علّمه الله سبحانه وتعالى.

        لذا كان الإمام واحد دهره.. لا يدانيه أحدٌ، ولا له مِثلٌ ولا نظير..

        هذه هي عقيدة الشيعة صافية نقية.
        ليس للإمام مِثل ولا نظير في المخلوقات.. يستوي في ذلك الأنبياء والعلماء والحكماء، فضلاً عن الملك الأعلى..
        مقامهم مقام النبي صلى الله عليه وآله حيث دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى.
        حيث جبريل يقف عند أعتابهم.. والملائكة تحيط بهم وتتمنى خدمتهم، فهل لهم من نظير؟
        وهَل تُسمع دعاوى المدعين للإمامة سواهم؟ وهل يليق بأن يتبوأ منصبها أحد سواهم؟

        (من أرشيف محاضرات شهر رمضان المبارك، سلسلة: الإمام عين الحياة)

        والحمد لله رب العالمين.

        شعيب العاملي

        تعليق


        • #5
          (3) عليٌّ وعيسى.. وحيرة الألباب!

          بسم الله الرحمن الرحيم

          قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ

          لقد ذهب النصارى إلى أنّ الله هو المسيح ابن مريم، فحكم عليهم القرآن الكريم بالكفر، وبرّأ ساحة عيسى عليه السلام حين قال: ﴿ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾
          لقد دعا عيسى عليه السلام الناس إلى عبادة الله الواحد الأحد لكنهم عبدوه هو، قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة17]

          المسيح نبيٌّ من أنبياء الله تعالى، مؤمنٌ بربِّه، موحدٌ يدعو بني إسرائيل إلى عبادة الله الواحد الأحد.
          فيرفض النصارى دعوته، ويجعلوه إلهاً وربّاً، أقنوماً من أقانيم الله، تنزّه ربنا عز وجل عن ذلك.

          لقد شكّلَ عيسى عليه السلام شخصية لها فرادتها، فكانت صفاته وأفعاله محل عُجُبٍ وتعجُّبٍ من أكثر الخلق: إحياؤه للموتى، وشفاؤه للمرضى، وخلقه من الطين كهيئة الطير.. والخلق وإن كان خلق تقدير لا خلق تكوين.. إلا أن المعجزات والكرامات التي ظهرت على يديه جعلته إلهاً في عيون قومه! فكفروا بذلك.

          قلّما عبد الناس شخصاً كما عبد النصارى عيسى، ولو فتّشت كتب التاريخ وسبرت أغواره لترى هل لعيسى بن مريم من شبيه، لوجدت أنه يشبه آدم في التولد من غير أب، حتى ضرب الله تعالى مثلاً بهما: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران59]

          لقد مثّل الله تعالى عيسى بآدم تارة، وبشخصية أخرى لا تضاهى في عظمتها..
          روينا أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان جالساً ذات يوم:
          إِذْ أَقْبَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ص: إِنَّ فِيكَ شَبَهاً مِنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَلَوْ لَا أَنْ تَقُولَ فِيكَ طَوَائِفُ مِنْ أُمَّتِي مَا قَالَتِ النَّصَارَى فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ لَقُلْتُ فِيكَ قَوْلًا لَا تَمُرُّ بِمَلَإٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا أَخَذُوا التُّرَابَ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْكَ يَلْتَمِسُونَ بِذَلِكَ الْبَرَكَةَ.

          ما هو الشبه بين عيسى وعليّ؟ هل هو تأليه فئة من الناس لكلٍّ منهما؟ أم أن هناك اشتراكاً في الصفات بينهما؟ في خَلقهما؟ في خُلقهما؟ في تواضعهما؟

          ما السرُّ فيك يا عليّ اذ تقدَّستَ كالمسيح، فغالى من غالى فيك، والنبيُّ لم يقل بعدُ ما أحجم عن قوله؟! خوفاً من أن يجعلوك الله كما جعلوا المسيح!
          أيُّ سرٍّ فيك هذا يا علي؟! أيُّ صفاءٍ وطهارة وإخلاص قدّمتَه بين يدي الله تعالى فقدّم الدنيا بين يديك؟! فقلت لأهلها إن ولايتهم لا تساوي عندك عفطة عنز إلا أن تقيم حقا؟!

          لقد أثار قول النبيّ صلى الله عليه وآله (إِنَّ فِيكَ شَبَهاً مِنْ عِيسَى) حفيظة الأعرابيان اللذان تلمّسا ورأيا بالعين ما ظهر من كراماته الباهرة وما اتّبعا الحق أبداً!
          تقول الرواية: فَغَضِبَ الْأَعْرَابِيَّانِ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَعِدَّةٌ مِنْ قُرَيْشٍ مَعَهُمْ.
          هؤلاء هم الصحابة التي يزعم المخالفون عدالتهم ويرفعونهم الى أرفع المراتب، لقد غضبوا لكلام النبي صلى الله عليه وآله، فَقَالُوا: مَا رَضِيَ أَنْ يَضْرِبَ لِابْنِ عَمِّهِ مَثَلًا إِلَّا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ! (الكافي ج‏8 ص57)
          هؤلاء لا يؤمنون بقول الله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾
          يظنون أن هذا من سحر محمدٍ وكيده لإبقاء الخلافة في بني هاشم، فأنزل الله تعالى بعد قولهم هذا على نبيّه آية مباركة: ﴿وَلمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّون﴾‏

          لقد سلبت ألباب الخليقة أيها المسيح العظيم! وحيرت العقول.
          لقد رأى الناس منك ما أطاح ألبابهم.. إذ أحييت الموتى يا نبيّ الله بحرفين من أحرف اسم الله الأعظم!

          فماذا كان عند علي من هذا الاسم؟
          لقد روينا عن أبي عبد الله عليه السلام قوله:
          إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَ اسْمَهُ الْأَعْظَمَ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَسَبْعِينَ حَرْفاً ... أَعْطَى عِيسَى مِنْهَا حَرْفَيْنِ وَكَانَ يُحْيِي بِهِمَا الْمَوْتَى، وَيُبْرِئُ بِهِمَا الْأَكْمَهَ‏ وَالْأَبْرَصَ، وَأَعْطَى مُحَمَّداً اثْنَيْنِ وَ سَبْعِينَ حَرْفاً، وَاحْتَجَبَ حَرْفاً (بصائر الدرجات ج‏1 ص208).
          وعن الباقر عليه السلام: وَعِنْدَنَا نَحْنُ مِنْ الِاسْمِ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ حَرْفاً.
          فما عند محمد صلى الله عليه وآله عند الأئمة عليهم السلام.
          هذا مقامُ عيسى من مقام الامام..

          حيّرت الألباب يا عيسى بحرفين من اسم الله الأعظم، وعند محمد وعلي والأئمة اثنان وسبعون حرفاً!
          حمداً لك يا رب العباد، أن حافظت لنا على عقولنا لئلا تطيح كما طاحت ألباب كثيرٍ من خلقك بعيسى حيث صار معثَرَةً لهم.
          فكيف لم يصر الامام عليٌّ معثرةً للخلق وهو أعظم من عيسى؟
          نعم، لقد عثر به المغالون، لكنّ أتباعه وأشياعه عرفوا الحق فاتبعوه.

          عليٌّ يا حيرة الألباب.. أيُّ مقامٍ جعلك الله فيه فصيّرك إماماً وبنيك من بعدك؟
          هذا هو منصب الإمام، وهذا محله، ولمّا كان عيسى قد سلَبَ الألباب، وكان منصبُ الإمامة أجلُّ شأناً، تُطرح تساؤلات حول الإمامة..

          وههنا تساؤلان حول مقامها ودور العقل:
          فهل يُستدلُّ على الإمامة بالعقل؟ وهل تُدرَك حقيقتها؟

          التساؤل الأول: هل يدل العقل على لزوم الإمامة؟

          حيث نزعم أن الإمامة حاجةٌ ضروريةٌ، وأنّ العقل يدلُّ على لزومها.
          فلسامعٍ أن يقول: إنّ زعمكم كون الإمامة حاجةً وضرورة عقليةً ينافي كمال الله تعالى، وعظمته وجلاله.

          ويقول:
          ألا يعني ادّعاء ضرورة الإمامة نسبة النقص لله تعالى؟ إذ يقدرُ الله تعالى على أن يُعرِّفَ الناس بنفسه دون توسُّط الإمام، وإن فرضتم أيها الشيعة لزوم الحاجة إلى الإمام لزم من ذلك احتياج الله تعالى، والله تعالى منزه عن الحاجة.

          فنقول:
          إن قولنا بحتمية الإمامة وضرورتها ليس أمراً خارجاً عن الإرادة الإلهية والحكمة الربانية، بمعنى أن الله تعالى وإن كان قادراً على أن تكون هدايته قهرية جبرية، أو أن تكون بلا واسطة، كأن يزرع في الإنسان إلى جانب الفطرة ما يجعله ملزماً بالطاعة، أو يخلق الإنسان كالملائكة بحيث لا يسبقونه بالقول.
          إلا أن إرادة الله تعالى وكماله وحكمته وعدله التي اقتضت أن يخير الإنسان بين طريقين فيثيب المطيع ويعاقب العاصي، اقتضت أن لا يُعَرِّفَ الله تعالى العباد بنفسه.. وأن لا يباشرهم حتى بمثل الوحي جميعاً، وإن كان أقرب إليهم من حبل الوريد..

          وهو ما يقتضي حينها لزوم وجود الخليفة لله في الأرض، وليس سوى الإمام بعد النبي صلى الله عليه وآله.
          وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: .. إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَوْ شَاءَ لَعَرَّفَ الْعِبَادَ نَفْسَهُ، وَلَكِنْ جَعَلَنَا أَبْوَابَهُ وَصِرَاطَهُ وَسَبِيلَهُ وَالْوَجْهَ الَّذِي يُؤْتَى مِنْه‏ (الكافي ج‏1ص184).

          هي ضرورةٌ عقليةٌ ليس فيها ما ينازع الله في سلطانه، لأنه إله عادلٌ اختار أن لا يعرّف العباد نفسه كمعرفة الملائكة.. بل أراد أن تجري الأمور معهم بأسبابها، كما قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: أَبَى اللَّهُ أَنْ يُجْرِيَ الْأَشْيَاءَ إِلَّا بِأَسْبَابٍ فَجَعَلَ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ سَبَباً (الكافي ج‏1 ص183).

          الإمامُ ذاً كالنبيّ حاجةٌ عقليةٌ بضميمة عدم إرادة الله تعريف الناس بنفسه، ولا الإيحاء لهم جميعاً.
          هكذا كانت كلمات المعصومين، تعلّمها منهم تلامذتهم، فأقرّ الصادق عليه السلام قول هشام بن الحكم: إِنَّ مَنْ عَرَفَ أَنَّ لَهُ رَبّاً فَيَنْبَغِي لَه‏ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ لِذَلِكَ الرَّبِّ رِضًا وَسَخَطاً، وَأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ رِضَاهُ وَسَخَطُهُ إِلَّا بِوَحْيٍ أَوْ رَسُولٍ، فَمَنْ لَمْ يَأْتِهِ الْوَحْيُ فَقَدْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَطْلُبَ الرُّسُل (الكافي ج‏1 ص 169).

          ههنا لا فرق بين النبي والإمام، فهم خلفاء الله تعالى في أرضه وأمناؤه على دينه..
          إذا تبين هذا عُلِمَ سبب قول الصادق عليه السلام: الْحُجَّةُ قَبْلَ الْخَلْقِ وَمَعَ الْخَلْقِ وَبَعْدَ الْخَلْقِ (الكافي ج‏1ص178).
          لا بدّ إذاً من تمامية الحجة الإلهية، دلّ على ذلك العقل بنفسه بعد إيمانه بالله الواحد الكامل الذي لم يباشر الناس بنفسه، فثبت بهذا أن الامامة لها دليلٌ عقليٌّ قطعيٌّ لا يتخلّف.

          التساؤل الثاني: هل تُدرك حقيقة الإمامة؟

          اذا كان عليٌّ قد حيّر العقول كما حيرها عيسى..
          وإذا كان العقل قد دلّ على لزوم الإمامة وضرورتها، أفليس لهذا العقل أن يدرك حقيقة الإمامة ومراتبها وعظمتها؟
          قد يظن ظان ان هناك تلازما بين ادراك الامامة او ضرورة الامامة وبين ادراك حقيقتها وكنهها وجوهرها ومراتبها .

          وها هنا لا بدّ من التمييز بين الامرين، فكما أنّ العقل يدلّ على وجود الله سبحانه وتعالى وعلى اتصافه بصفات الكمال والجلال، ثم يدلُّ على أن الله سبحانه وتعالى منزَّهٌ عن الاحاطة والادراك، كذلك يدل العقل على أنّ الإمامة وإن كانت ضرورية إلا أنّ حقيقتها فوق حدّ الإدراك.

          وإن عجز العقل عن ذلك، أرشده حديث المعصوم من آل محمد عليهم السلام، وفي ذلك يقول الإمام الرضا عليه السلام:
          إِنَّ الْإِمَامَةَ أَجَلُّ قَدْراً وَأَعْظَمُ شَأْناً وَأَعْلَى مَكَاناً وَأَمْنَعُ جَانِباً وَأَبْعَدُ غَوْراً مِنْ أَنْ يَبْلُغَهَا النَّاسُ بِعُقُولِهِمْ، أَوْ يَنَالُوهَا بِآرَائِهِمْ، أَوْ يُقِيمُوا إِمَاماً بِاخْتِيَارِهِمْ.
          بماذا صارت الإمامة أجلّ من أن تُدركها العقول؟
          أليس الله تعالى هو خالق الإمام وخالق العقل؟
          لماذا ليس للناس أن ينصبوا إماماً باختيارهم؟
          إِنَّ الْإِمَامَةَ هِيَ مَنْزِلَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَإِرْثُ الْأَوْصِيَاءِ: هل اختار الناس أنبياءهم؟ كي يختاروا أوصياءهم وأئمتهم؟
          لماذا سلّمت البشرية بأنّ النبي لا بدّ أن يكون مختاراً من الله سبحانه وتعالى، منتجباً ومرسلاً من قبله عزّ وجلّ، ثم لم يشترطوا هذا في الإمام، أليس هذا كيلاً بمكيالين؟

          إذا كانت الإمامة منزلة الأنبياء وإرث الأوصياء، فلا بدّ أن تكون أيضاً بتنصيبٍ من الله سبحانه وتعالى.
          وإذا كان العقل يدرك نبوّة النبي لمكان الإعجاز.. أفهل يبلغ مقام النبوة والإمامة لمجرد إدراكه للمعجِز؟ إن الكافر يعرف إعجاز المعجز لكنه لا يتمكن من أن يسبر أغوار النبوة والإمامة.

          إِنَّ الْإِمَامَةَ خِلَافَةُ الله:
          أننازع الله في سلطانه؟ فيختار الله إماماً ونختار إماماً سواه؟! هنا لبُّ النزاع ومحلُّ الخلاف وبيت القصيد:
          هل هي خلافة الله أم خلافة الأهواء؟
          الإمام خليفة الله، وتريد الأمة أن تسلب الله حقه في اختيار الإمام! ثم تقرّر الأمة بالعقول الناقصة مَن يكون إماماً! فتقدم المفضول على الفاضل! فيصيرُ أمرها سفالاً كما هو حال أمتنا اليوم، أمّةٌ هوت إلى الحضيض وستبقى الى ظهور الحجة عليه السلام، لأنّ الإمام هو الوحيد الذي يقيم شأنها، هو الوحيد الذي يمثل الله على الأرض.

          وَخِلَافَةُ الرَّسُولِ ص وَمَقَامُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع وَمِيرَاثُ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ع..
          .. فَمَنْ ذَا الَّذِي يَبْلُغُ مَعْرِفَةَ الْإِمَامِ أَوْ يُمْكِنُهُ اخْتِيَارُهُ؟
          كلماتٌ ذهبية نقف عند شيء يسير منها، وهي بنفسها دليلٌ على عصمة الإمام وعلى عظمته، بل هي بنفسها دليلٌ على عظمة الله سبحانه وتعالى، فالله القادر على أن يخلق إماماً بهذه العظمة وبهذه البلاغة وبهذه الفصاحة والعلم والعمق والدقة هو إلهٌ جديرٌ بالعبادة..

          هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ضَلَّتِ الْعُقُولُ وَتَاهَتِ الْحُلُومُ وَحَارَتِ الْأَلْبَابُ!
          عليٌّ يا حيرة الألباب..
          العقل طريق الإدراك، قد ضلَّ فيك يا عليّ..
          الحِلم .. التثبت والأناة.. العقل.. كلُّه لم يتمكن من الغوص في بحارك يا عليّ!

          وَخَسَأَتِ الْعُيُونُ وَتَصَاغَرَتِ الْعُظَمَاءُ وَتَحَيَّرَتِ الْحُكَمَاءُ وَتَقَاصَرَتِ الْحُلَمَاءُ وَحَصِرَتِ الْخُطَبَاءُ وَجَهِلَتِ الْأَلِبَّاءُ وَكَلَّتِ الشُّعَرَاءُ وَعَجَزَتِ الْأُدَبَاءُ وَعَيِيَتِ الْبُلَغَاءُ: عَنْ وَصْفِ شَأْنٍ مِنْ شَأْنِهِ أَوْ فَضِيلَةٍ مِنْ فَضَائِلِهِ..
          نحن لا نريد معرفة حقيقة أمير المؤمنين عليه السلام، بل نريد وصف شأنٍ من شأنه أو فضيلةٍ واحدة من فضائله، فنعجز جميعاً كما يقرّ هؤلاء بالعجز والتقصير، وهم نخبة البشرية وصَفوَتُه، عظماؤها وحكماؤها وألبّاؤها وأدباؤها وبلغاؤها.

          لقد وُصَفَ أمير المؤمنين عليه السلام بكثيرٍ من الاوصاف، فكيف تقولون أنّ هؤلاء جميعاً يعجزون عن وصف شأن من شأنه أو فضيلة من فضائله؟!
          إننا نسمع فضائله عليه السلام ونتلمّس شيئاً منها ونحوم حولها لكننا لا ندرك حقيقتها لأنّ لها بُعداً لا ندركه ينبع من عظمة فاعلها، فعظمة فعل علي عليه السلام بمقدار عظمته هو، وبمقدار قربه من الله سبحانه وتعالى، لذا تكون ضربةٌ واحدةٌ منه معادلةً لعبادة الثقلين، فمن يدرك عبادة الثقلين؟! كي يدرك ضربةً من ضربات علي عليه السلام.

          وَكَيْفَ يُوصَفُ بِكُلِّهِ أَوْ يُنْعَتُ بِكُنْهِهِ أَوْ يُفْهَمُ شَيْ‏ءٌ مِنْ أَمْرِهِ أَوْ يُوجَدُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ وَيُغْنِي غِنَاهُ؟
          لا يقوم أحدٌ مقامه فقد وصل إلى مقام النبي.. هناك حيث قاب قوسين أو أدنى.. المنتهى من غايات القرب من الله عز وجل، فلا دنوّ بعد هذا ولا اقتراب..

          لَا، كَيْفَ، وَأَنَّى، وَهُوَ بِحَيْثُ النَّجْمُ مِنْ يَدِ الْمُتَنَاوِلِينَ وَوَصْفِ الْوَاصِفِينَ.
          من منا يتمكن من تناول النجم في السماء؟
          عليٌّ.. بحيث النجم من يد المتناولين!

          فَأَيْنَ الِاخْتِيَارُ مِنْ هَذَا، وَأَيْنَ الْعُقُولُ عَنْ هَذَا، وَأَيْنَ يُوجَدُ مِثْلُ هَذَا، أَ تَظُنُّونَ أَنَّ ذَلِكَ يُوجَدُ فِي غَيْرِ آلِ الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ص؟
          كَذَبَتْهُمْ وَاللَّهِ أَنْفُسُهُمْ وَمَنَّتْهُمُ الْأَبَاطِيلَ فَارْتَقَوْا مُرْتَقًى صَعْباً دَحْضاً تَزِلُّ عَنْهُ إِلَى الْحَضِيضِ أَقْدَامُهُمْ..
          أيُترَكُ محمدٌ وآله ويُتّبع فلانٌ وفلان الاعرابيان؟
          إن أمتنا اليوم في الحضيض لأنها تركت محمداً وآل محمد، هؤلاء الذين لا يوجد مثلهم في غير آل الرسول.

          الإمام الماء العذب على الظما!

          بعيداً عن هذا الخلق المنكوس المتعوس، الذي أعرض عن إمامه وذهب يُمنة ويسرةً، ما حال الإمام بالنسبة لشيعته ومحبيه وأتباعه؟

          يقول الإمام عليه السلام عبارة تسلب الألباب والقلوب والعقول: الْإِمَامُ الْمَاءُ الْعَذْبُ عَلَى الظَّمَإِ، وَالدَّالُّ عَلَى الْهُدَى، وَالْمُنْجِي مِنَ الرَّدَى.
          ما همَّنَا ظمأ الصوم في هذه الأيام يا مولاي.. فإنّا لظهورك نترقب.. وأنت الماء العذب على الظمأ..
          أبغيرك نحيا يا سيدي؟ لا ورب الكعبة..
          فيك وبك الحياة.. يا منوّر قلوب المؤمنين..

          مَتَى نَرِدُ مَنَاهِلَكَ الرَّوِيَّةَ فَنَرْوَى، مَتَى نَنْتَفِعُ مِنْ عَذْبِ مَائِكَ فَقَدْ طَالَ الصَّدَى.
          هذا لسان حال الشيعة يا سيدي ومولاي..
          عذب مائك الذي يروي الظما يتلهف له كلّ مؤمنٍ..
          يا مولاي، يا صاحب العصر والزمان.. يا حامل إرث النبيين والوصيين..
          عجل الله فرجك. وسهل الله مخرجك، وجعلنا من أشياعك واتباعك والذابين عنك.. بحق هذه الأيام المباركة..

          والحمد لله رب العالمين

          شعيب العاملي

          تعليق


          • #6
            (4) الأئمة المحسودون!

            بسم الله الرحمن الرحيم

            قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة109]

            يرغب كثيرٌ من أهل الكتاب أن يعود المؤمنون كفاراً، لماذا يا ترى؟
            تصرّح الآية الشريفة بسبب ذلك: ﴿حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾.
            فهل يحسدونهم على إيمانهم بالله تعالى؟
            إنّ اليهود والنصارى يقولون أنّهم مؤمنون بالله تعالى، ويعدّوُن أنفسهم من الموحدين، على ماذا إذا يحسدون المؤمنين؟
            لا بدّ وأن يكون شيئاً سوى التوحيد والايمان بالله سبحانه وتعالى.

            لقد بيّن ذلك الامام العسكريّ عليه السلام في التفسير المنسوب اليه: حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ لَكُمْ بِأَنْ أَكْرَمَكُمْ بِمُحَمَّدٍ وَعَلِيٍّ وَآلِهِمَا الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ بِالْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّاتِ عَلَى صِدْقِ مُحَمَّدٍ وَفَضْلِ عَلِيٍّ(ص515).
            يودُّ أهل الكتاب إذاً أن يردوا المؤمنين عن إيمانهم بمحمد وعليٍّ والأئمة عليهم السلام.
            من يؤمن من المسلمين بالأئمة سوى الشيعة؟ فمن سيكون محسوداً سواهم من أهل الكتاب؟!
            لقد سعى أهل الكتاب هؤلاء ليردوا المؤمنين عن إيمانهم: بِمَا يُورِدُونَهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الشُّبَهِ!
            ينبّه الإمام إلى شُبَهِ أهل الكتاب.. فما هي؟ لبحثها محلٌّ آخر..

            ما هو الحسد؟

            لو أردنا أن ننظر في كتب اللغة لنتعرّف على معنى الحسد لتعجّبنا، من أن أغلبها لا تُعَرِّف الحسد، بل تكتفي بالقول أنه معنىً معروف، وذلك لشدة وضوحه..
            يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي في كتابه العين:
            حسد‌: الحَسَد: معروفٌ (كتاب العين ج‌3 ص130).

            والمعروف هذا قد ذكره بعض علماء اللغة فقالوا:
            الحَسَد: أن تتمنَّى زوال نعمة المحسود إليكَ.
            الحسد: تمنّي زوال نعمة من مستحقٍ لها، وربما كان مع ذلك سَعيٌ في إزالتها.

            هو إذاً صفةٌ نفسانيةٌ ذميمةٌ قبيحةٌ بنفسها ولو لم يتعقبها فعلٌ آخر كالسعي في سلب نعم الله عن الآخرين.
            وههنا أمران أو مرتبتان: أولاهما حالة نفسانية وهي تمني زوال النعمة عن الغير، والآخر السعي لسلب تلك النعمة عمن استحقها أو وصلت إليه.
            فهل الحالة الأولى التي لا تستتبع عملاً جوارحياً محرماً قولاً أو لفظاً محرمةٌ بنفسها كما هو ظاهر جملة من النصوص؟
            أم أنّها مذمومةٌ وإن لم تكن محرّمة كما يشير إليه الحديث الشريف: وضع عن أمتي.. الْحَسَدُ مَا لَمْ يُظْهِرْ بِلِسَانٍ أَوْ يَدٍ..
            في المسألة خلافٌ وتفصيلٌ ليس هنا محل بحثه..

            لكن المهم هو أن الحسد يدعو بنفسه الى ارتكاب القبائح والمحرمات بلا شك، كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام في نهجه الشريف:
            والْحِرْصُ وَالْكِبْرُ وَالْحَسَدُ دَوَاعٍ إِلَى التَّقَحُّمِ فِي الذُّنُوبِ.
            فالحسد يدعو صاحبه للتقحم في الذنوب، سعياً في سلب النعم عن الآخرين، إما للحصول عليها لنفسه، أو لمجرد سلبهم إياها.
            وأهل الكتاب في الآية المباركة يحسدون المؤمن على إيمانه، لا ليؤمنوا، فإنّهم عرفوا الحق ولم يرغبوا باتباعه، وباب الحقّ مفتوحٌ لهم كما هو مفتوح للمؤمن.

            لماذا إذاً يريدون سلب الإيمان من المؤمن؟
            لأن للمؤمن فضلاً خلا منه الحسود.. الفضل والنعمة التي حصل عليها المؤمن استدعت حسداً من الكافر ورغبة في زوالها.. وسعياً لذلك..

            متى بدأ الحسد؟ أوله؟

            من أين بدأ الحسد يا ترى؟ متى كانت بدايته؟

            يقول الإمام عليه السلام:
            فَأَمَّا إِبْلِيسُ فَعَبْدٌ خَلَقَهُ لِيَعْبُدَهُ وَيُوَحِّدَهُ، وَقَدْ عَلِمَ حِينَ خَلَقَهُ مَا هُوَ وَإِلَى مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَعْبُدُهُ مَعَ مَلَائِكَتِهِ حَتَّى امْتَحَنَهُ بِسُجُودِ آدَمَ، فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ حَسَداً وَشَقَاوَةً غَلَبَتْ عَلَيْهِ، فَلَعَنَهُ عِنْدَ ذَلِكَ. (الإحتجاج ج‏2 ص339).

            كان سبب امتناع ابليس عن السجود لآدم وعن طاعة الله سبحانه وتعالى رغبته بأن ينال النعمة التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها على آدم.
            بدأ حالةً نفسيةً قبيحةً ذميمةً وتطوّرت للامتناع عن طاعة الله سبحانه وتعالى، وقد ورد أنّ هذا الحسد صيّر ابليس إلى الكفر والشرك وجعل إبليس في مرتبة الردّ على الله تعالى عندما أبى عن السجود لآدم عليه السلام (تحف العقول ص371).

            لذا ورد في الحديث: إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ ذَنْبٍ كَانَ مِنَ الْجِنِّ قَبْلَ الْإِنْسِ (دعائم الإسلام ج‏2 ص352).
            لقد فتح إبليس باب الحسد واستمر ذلك.. واعترف بنفسه بهذا الامر، ففي حديثٍ شريفٍ أنّه: لَمَّا هَبَطَ نُوحٌ ع مِنَ السَّفِينَةِ أَتَاهُ إِبْلِيسُ فَقَالَ لَهُ: مَا فِي الْأَرْضِ رَجُلٌ أَعْظَمُ مِنَّةً عَلَيَّ مِنْكَ، دَعَوْتَ اللَّهَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْفُسَّاقِ فَأَرَحْتَنِي مِنْهُمْ.

            تأملوا ايها الأحبة، إبليس يشكر نوحاً عليه السلام على دعائه حيث أراحه الله بدعائه من هؤلاء الفساق، وهؤلاء كانوا أتباع إبليس قتَلَةً لأئمة الهدى!
            ثم يقول إبليس لنوح عليه السلام:
            أَ لَا أُعَلِّمُكَ خَصْلَتَيْنِ:
            إِيَّاكَ وَالْحَسَدَ فَهُوَ الَّذِي عَمِلَ بِي مَا عَمِلَ.
            وَإِيَّاكَ وَالْحِرْصَ فَهُوَ الَّذِي عَمِلَ بِآدَمَ مَا عَمِلَ (الخصال ج‏1 ص51).

            تسرّب هذا الحسد من الجنّ الى الانس، حيث حسد ابنُ آدم أخاه فقتله، وكان أوّل حسدٍ على هذه الأرض بين أبناء آدم، ثم استشرى بين الشعوب والأقوام وفي أمم الانبياء والمعصومين، حتى قالوا عليهم السلام: وَكَانَتْ أَوَّلُ بَلْوَى نَزَلَتْ بِيَعْقُوبَ وَآلِ يَعْقُوبَ الْحَسَدَ لِيُوسُفَ لَمَّا سَمِعُوا مِنْهُ الرُّؤْيَا (علل الشرائع ج‏1ص46).
            وهكذا نرى ان للحسد دخالة في كثير من أحداث التاريخ وفي أهمّ مفاصله بدءً من السجود لآدم مروراً بأولاده عليه السلام وإلى يومنا الحاضر.

            آثار الحسد وخطورته

            فما هي آثار الحسد؟ وما خطورته؟ وبم يتميّز عن غيره من الرذائل؟ ولماذا أوصل إبليس إلى الكفر؟
            لقد روينا عن الصادق عليه السلام قوله: إِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ (الكافي ج‏2 ص306).

            فسّر العلماءُ هذا المعنى بانه نوعٌ من الاستعارة يراد منه أنّ الحسد يُخرِجُ صاحبه عن طاعته لله تعالى وينقله الى ساحة المعاصي، فيحوّله من عزّ الطاعة الى ذلّ المعصية، ويخسر شرف الثواب ويسقط في مهاوي الرذيلة، فيكون شبيهاً بالنار التي تأكل الحطب، حينما يأكل حسنات الانسان، لمّا يأخذ بيده ويورده كل معصية وذنب ومهلكة.
            لذا ورد عن الباقر عليه السلام: الْحَسَدُ هُوَ أَصْلُ الْكُفْرِ (الكافي ج‏5 ص505)
            فهل أن كثرة المعاصي الناتجة عن الحسد وتتابعها قد يُخرج الإنسان إلى حدّ الكفر؟ أم أنّ هناك معنى آخر؟

            لماذا صار الحسدُ أصل الكفر؟

            1. الحاسد ساخط لنعمة الله
            يبيّن الامام الصادق عليه السلام أمراً في غاية اللطافة والدقة والأهمية حين ينقل حديثاً قدسياً فيه قولُ الله عز وجلّ لموسى ابن عمران:
            يَا ابْنَ عِمْرَانَ لَا تَحْسُدَنَّ النَّاسَ عَلَى مَا آتَيْتُهُمْ مِنْ فَضْلِي، وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى ذَلِكَ، وَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ:
            هي إشارةٌ الى مقدار ما يتعرّض له الحاسد من أذىً في نفسه حتى لكأنّ نفسه تموت على ما يرى في يد الآخرين، فجاء الأمر الإلهي: لا تجعل نفسك تذهب حسرات على ما آتيتُ الاخرين من فضلي.
            وتألُّمُ الحسود يجعله في حالةٍ تكاد نفسه تخرج منه لذلك!
            فَإِنَّ الْحَاسِدَ سَاخِطٌ لِنِعَمِي:
            ههنا محطّ الرحال، الحاسد ساخطٌ لنعم الله، غير راضٍ بما أنعم الله به على غيره!
            النعمةُ نعمةُ الله وليست نعمة هذا العبد، والله يخص من يشاء من فضله، لكن هذا العبد يسخط من إنزال الله سبحانه وتعالى لنعمه على من يشاء من عباده!
            صَادٌّ لِقَسْمِيَ الَّذِي قَسَمْتُ بَيْنَ عِبَادِي، وَمَنْ يَكُ كَذَلِكَ فَلَسْتُ مِنْهُ وَلَيْسَ مِنِّي (الكافي ج‏2 ص307).
            الله سبحانه وتعالى ذو الجلال والإكرام، الرحيم العطوف، يتبرأ من هذا الحاسد، لاعتراضه على مشيئته تعالى، ورفضه لما قسمه الله سبحانه وتعالى وسخطه على توزيع نعم الله سبحانه وتعالى.

            2. الحاسد جاحدٌ لفضل الله
            روي عن الصادق عليه السلام: الْحَاسِدُ يُضِرُّ بِنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يُضِرَّ بِالْمَحْسُودِ كَإِبْلِيسَ أَوْرَثَ بِحَسَدِهِ لِنَفْسِهِ اللَّعْنَةَ وَلِآدَمَ ع الِاجْتِبَاءَ وَالْهُدَى.. وَالْحَسَدُ أَصْلُهُ مِنْ عَمَى الْقَلْبِ وَالْجُحُودِ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏ (مصباح الشريعة ص 104).
            اجتمعَ في الحاسد إضراره بنفسه، وعمى قلبه، وسخطه لنعم الله، وجحوده لفضل الله، فأيُّ داء هو هذا؟!

            داء الأمم دب في هذه الأمة

            هذا حال الحسد منذ إبليس وامتناعه عن السجود، مروراً بابني آدم، وصولاً الى بني إسرائيل حُسّاد المؤمنين.. ثم لما تصل النوبة إلى بعثة النبيّ (ص) يحصل تطوُّرٌ خطير، يحيط بأمّة الإسلام.. لا يتمثل بحسد اليهود والنصارى فحسب.. بل بما تفشى في أمة النبي | قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص ذَاتَ يَوْمٍ لِأَصْحَابِهِ:
            أَلَا إِنَّهُ قَدْ دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ مِنْ قَبْلِكُمْ، وَهُوَ الْحَسَدُ، لَيْسَ بِحَالِقِ الشَّعْرِ لَكِنَّهُ حَالِقُ الدِّين (مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها ص337).
            لقد تفشّى الحسد في هذه الأمّة والنبي (ص) لا يزال بين ظهراني قومه، فكان حالقاً للأديان!

            تسعة أعشار الحسد في قريش

            ههنا ننقل الكلام إلى المخالفين لنرى ما عندهم حول الحسد.. وليظهر مقدار تفشي الحسد بلسان الحُسّاد أنفسهم..
            لقد روى علماء العامة كابن ابي الحديد وغيره قول المغيرة:
            فَوَالله لَوْ كَانَ هَذَا الْحَسَدُ يُدْرَكُ بِحِسَابٍ لَكَانَ لِقُرَيْشٍ تِسْعَةُ أَعْشَارِهِ، وَلِلنَّاسِ كُلِّهِمْ عُشْر..
            لماذا يرى المغيرة ذلك؟ ألأنّه عاش بين قومٍ حُسّادٍ فرأى منهم ما جعله يدرك أن ليس على وجه البسيطة من حَسَدٍ بمقدار حسد قريش؟!

            لم يقتصر الأمر على هذا، حيث يردّ عمر بن الخطاب على المغيرة فيقول له:
            ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُغِيرَةَ! وَمَا تِسْعَةُ أَعْشَارِ الْحَسَدِ! بَلْ َ تِسْعَةُ أَعْشَارِ الْعُشْرِ، وَفِي النَّاسِ كُلِّهِمْ عُشْرُ الْعُشْرِ، بَلْ وَقُرَيْشٌ شُرَكَاؤُهُمْ أَيْضاً فِيهِ!
            لم يكتفِ عمر بن الخطاب بكلام المغيرة بل زاد عليه ما زاد.. فما الذي يقوله عمر ابن الخطاب؟! وما الذي يريد الوصول اليه؟
            ثُمَّ قَالَ: أَ لَا أُخْبِرُكُمَا بِأَحْسَدِ قُرَيْشٍ كُلِّهَا؟.. كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعَقَّ، وَهُوَ الَّذِي سَأَلْتُمَا عَنْهُ، كَانَ وَاللَّهِ أَحْسَدَ قُرَيْشٍ كُلِّهَا (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج‏2 ص31)

            لا يقصدُ عمر ابن الخطاب أن أبا بكرٍ حَسَدَ أمير المؤمنين على الخلافة، إنما يقصد أن أبا بكر حسده هو وأخّره عن الخلافة، فعمرٌ يريد الخلافة لنفسه، ويعتقد أن أبا بكرٍ حسده فنحّاه عنها!
            قلنا أن الحسد هو تمني زوال النعمة عن مستحقّها أو عن من هي عنده، ولكنّ عمر ليس خليفة للمسلمين، ولا يستحق أن يكون خليفةً، ولم يتسنم هذا المنصب في السقيفة، لكن رغم ذلك يرى أن أبا بكرٍ قد حسده.
            فأبو بكرٍ عنده أحسد قريشٍ كلّها، وفيها أكثر من 99% من حسد الدنيا، فكان عمر يرى أن أعظم حاسدٍ في الوجود هو أبو بكر، وأنّه سلبه الخلافة حسداً منه له! هذه هي نظرة عمر بن الخطاب..

            يتبيّن هذا المعنى جلياً عندما يقول عمر: أما سمعت نداءهم من كل ناحيةٍ عند عرضها عليّ: لا نريد سواك يا أبا بكر، أنت لها! فرددتها إليه عند ذلك، فلقد رأيته التمع وجهه لذلك سروراً (شرح النهج ج2 ص33)
            يُدرك عمر أن أبا بكرٍ رمى الكرة إليه لكي يرجعها إليه، ولكي تظهر كوامنُ نفسه، ويصرِّح عمر بحقيقة موقفه من أبي بكر قائلاً: لقد تقدمني ظالماً وخرج إلي منها آثماً!

            نحن المحسودون

            يؤكدّ الإمام الصادق أن الحسد أهلك قريشاً، فيقول:
            إِنَّ بَنِي هَاشِمٍ وَقُرَيْشاً لَتَعْرِفُ مَا أَعْطَانَا الله، وَلَكِنَّ الْحَسَدَ أَهْلَكَهُمْ كَمَا أَهْلَكَ إِبْلِيس‏ (كامل الزيارات ص329)
            وقد أصاب المغيرة وعمر في أن عند قريشٍ حسداً عظيماً جداً، وفي أنّ أحسد قريش هو أبو بكر، ولعلّ عمراً أصاب في أن أبا بكرٍ يحسده، لكن المحسود الحقيقي ليس عمر بن الخطاب، فإنّه يشترك مع أبا بكرٍ في حسد المحسودين حقيقة..
            المحسود الحقيقي هو صاحب منصب الإمامة والخلافة والولاية حقاً، وليسا من أهلها..
            لذا فسّر الأئمة عليهم السلام قوله تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى‏ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) بقولهم:
            نَحْنُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وَنَحْنُ الْمَحْسُودُونَ (الكافي ج‏1 ص186).

            على ماذا حُسدتم يا آل محمد؟
            نَحْنُ النَّاسُ الْمَحْسُودُونَ عَلَى مَا آتَانَا الله الْإِمَامَةَ دُونَ خَلْقِ الله (بصائر الدرجات ج‏1 ص35)
            قالها الباقر عليه السلام.. فصارت الإمامة إذاً محور الخلاف وإليها يرجع كثيرٌ من البلاء حتىّ الحسد..

            لماذا هم المحسودون؟

            إذاً توفُّرَ أحدٌ على الفضل صار ذلك مدعاةً لحسد الأدنى منه له..
            فيحسد الفقيرُ الغني، والجاهلُ العالم، والضعيف القوي، والكافر المؤمن، وهكذا.. الفاقد لخصلةٍ وفضيلةٍ يحسد الواجد لها..
            فما بالك بمن جمع الفضل كله؟!

            قال إمامنا الرضا عليه السلام في وصف الإمام بأنه:
            مَخْصُوصٌ بِالْفَضْلِ كُلِّهِ!
            أي فضل هذا؟ كلُّ فضلٍ، وذلك باختصاص الواحد الوهّاب! فلا يقفُ عند غنى النفس والروح ولا عند العلم والإيمان والقوة والقرب من الله تعالى، فكلُّ ما يتصور ولا يتصور من فضلٍ قد جمعه الله في الإمام!
            (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [آل عمران74]
            الله العظيم يصفُ الفضل بالعظيم، فيخصُّ اللهُ الإمام بالفضل كلّه: (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)
            جمع الإمامُ الفضل من أطرافه.. صفاته النفسانية والجسدية.. العلم والحلم والكرم والسخاء والشجاعة.. ما شئت من صفات الكمال وأدركت وجدتها مجتمعةً فيهم عليهم السلام.
            أفلا تحسدهم هذه الأمة بعد ذلك؟!

            لقد ذكر الإمام عليه السلام موسى والخضر عليهما السلام فقال عنهما:
            لَا وَاللَّهِ مَا حَسَدَ مُوسَى الْعَالِمَ.. بَل أَقَرَّ لَهُ بِعِلْمِهِ وَلَمْ يَحْسُدْهُ كَمَا حَسَدَتْنَا هَذِهِ الْأُمَّةُ بَعْدَ رَسُولِ الله ص (الإختصاص ص259)
            فمن حسدهم من هذه الأمّة؟
            وما هي أصناف الحاسدين لمحمد وآله؟
            من هم حساد الإمامة؟ هل كلهم مخالفون؟ أم أن فيهم المخالف والمؤالف؟ هذا ما نتعرض له في البحث القادم إن شاء الله تعالى.
            والحمد لله رب العالمين

            شعيب العاملي

            تعليق


            • #7
              (5) حسّاد الإمامة.. مخالفٌ ومؤالف!

              بسم الله الرحمن الرحيم

              ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى‏ ما آتاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ﴾

              لقد روينا عن إمامنا أَبِي جَعْفَرٍ (ع) فِي تفسير الآية قوله: نَحْنُ النَّاسُ الْمَحْسُودُونَ عَلَى مَا آتَانَا الله الْإِمَامَةَ دُونَ خَلْقِ الله (بصائر الدرجات ج‏1 ص35).
              فصار الأئمة هم المحسودون على عظيم المنزلة التي آتاهم الله، والإمامة أعظم منزلة خصّهم بها تعالى.

              والحسد من دواعي التقحُّم في الذنوب، وهو أصلَ الكفر، لأن الحاسد ساخطٌ لنعم الله تعالى، جاحدٌ لفضله عزّ وجل، وقد دبّ في أمّتنا كما دبّ في الأمم السابقة.
              وكلما تعاظمت النِّعم تعاظم حسد الحسّاد.. فمن زادت نِعَمُه زاد حُسّاده..

              ولمّا جُمِعَت النِّعَم والفضائل كلها في المعصومين، صاروا هم المحسودون في الآية الشريفة، على ما آتاهم الله الإمامة.

              فلم يكن في حسدهم ذنبٌ! بل كان (مجمع الذنوب)! لاجتماع الفضائل فيهم.. فاجتمع كلُّ حسدٍ عليهم..
              والجريمة تعظم بِعِظَم من تقع عليه، فليس قاتل الكافر كقاتل المؤمن!
              كثيرةٌ هي الجرائم التي يرتبكها الإنسان والتي ارتكبها أقوام الأنبياء.. حيواناتٌ كثيرةٌ تُقتل كلّ يوم.. لكنَّ عَقرَ الناقة صار سبباً في نزول العذاب على قومٍ لأنها ناقةٌ نُسِبَت لله تعالى..
              فكيف بجريمةٍ تقع على (خليفة الله) في أرضه وسمائه؟ وحجته على عباده؟

              عن النبي |: يَا أَبَا ذَرٍّ، لَا تَنْظُرْ إِلَى صِغَرِ الْخَطِيئَةِ وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى مَنْ عَصَيْتَ (الأمالي للطوسي ص528).
              من هو الذي عُصي حينما حُسد الأئمة عليهم السلام؟
              لم يكن المحسود إلا إمام الإمة، وخليفة الله تعالى.. ومن عُصي في خليفته هو ربُّ السماء والأرض.
              فأي ذنبٍ أعظم من هذا؟

              إن الاعتداء على الإمام اعتداءٌ على البشرية قاطبة، بل تجاوزٌ على حق الله تعالى في لزوم احترام خليفته وطاعته..
              وللاعتداء على حقّه صور متكثرة.. من تَمَنِّي زوال النعمة عنهم، الى السعي في إزالتها قولاً وفعلاً.. وهو ما يجرّ الى محاربتهم وقتالهم وقتلهم.. حتى وقع عليهم من الظلم ما لا يحصيه الا الله تعالى.
              وقد قُتلوا بأصناف القتل، قتل أشخاصهم بسلب أرواحها.. وقتل شخصياتهم بإسقاط مكانتهم وتحريف دورهم والكذب عليهم..

              لقد قال الإمام عليه السلام: حسدتنا الأمة بعد رسول الله (ص).
              فمن هم حساد الأئمة والإمامة في هذه الأمة؟
              هل هم من جاهر بالعداوة فقط؟ أم أنّ ممَّن يُظهِر لهم المودة أيضاً من قد يكون لهم حاسداً؟
              إنّ حُسّادهم على أصنافٍ وفئات وإن تَداخل بعضها، ومنها ثلاثة:

              1. حساد النبي في حياته

              الفئة الأولى: التي حسدت النبي وعترته في حياته.
              لقد دلت الروايات أن النبي كان محسوداً، ففي الحديث الشريف حول النبي (ص): فَلَمَّا جَاءَهُمْ كَفَرُوا بِهِ حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ (الغارات ج‏1 ص118).

              ولهؤلاء مشاربُ شتّى، فمنهم اليهود، كما في التفسير المنسوب للإمام العسكري عليه السلام: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جاءَهُمْ﴾ جَاءَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ ﴿ما عَرَفُوا﴾ مِنْ نَعْتِ مُحَمَّدٍ (ص) وَصِفَتِهِ ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ وَجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ حَسَداً لَهُ وَبَغْياً عَلَيْهِ (ص393).
              لقد كانوا يعرفون وصفه في كتبهم، وكانوا يترقّبون ظهوره، لكنّهم كفروا به حسداً.. بعدما تمنّوا أن تكون النبوّة فيهم لا في بني هاشم.

              ومن الحُسّاد من كان قريباً للنبي (ص)، كأبي جهل، وهو القائل: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا الَّذِي يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ (ص) هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ، حَسَداً لِرَسُولِ الله (ص) (تفسير القمي ج‏1 ص277)
              أبو جهل ليس باحثاً عن الحقيقة، فهو يتمنى نزول العذاب إن كان محمدٌ رسول الله، لا يريد الحياة التي يكون فيها محمدٌ مرسلاً من الله تعالى، لعجزه عن إبطاله دعوته وسلبه نعمة النبوة..
              وهو نموذجٌ معبِّرٌ من نماذج الحسد مع الإقرار بفضل المحسود.

              2. حساد الأئمة بعد النبي (ص)

              الفئة الثانية: التي حسدته في حياته وحسدت عترته بعد وفاته.
              وقد تُرجِمَ سوءهم وخبث سريرتهم بأوضح صُوَرِهِ بعد وفاته (ص) وإن ظهر قبل ذلك في مواطن عدة..
              وأبرز نماذج هذه الفئة رموز الخلافة وأعوانهم وأتباعهم.. السالبين لحقّ الإمامة والظالمين للأئمة والقاتلين لهم.. فهؤلاء ظَلَمَةُ قريشٍ وجُهَّالُ العرب وطغاتهم، كما وصفهم النبيّ (ص) حينما قال:
              يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ مِنْ بَعْدِي مِنْ ظَلَمَةِ قُرَيْشٍ وَجُهَّالِ الْعَرَب وَطُغَاتِهِمْ تَعَباً وَبَلَاءً وَتَظَاهُراً مِنْهُمْ عَلَيْكُمْ، وَاسْتِذْلَالًا وَتَوَثُّبَا عَلَيْكُمْ، وَحَسَداً لَكُمْ وَبَغْياً عَلَيْكُمْ، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي (كتاب سليم بن قيس الهلالي ج‏2 ص907).

              جُهَّالِ الْعَرَب: عنوانٌ فضفاضٌ واسعٌ يندرج تحته الكثير منذ زمانهم وحتى أيامنا هذه، مَن ظَلَمَ النبي (ص) والعترة ومَن اتبعهم وسار على نهجهم فظلم شيعتهم إلى يومنا هذا..

              ووصيّة النبي (ص) هي الصبر على ذلك حفظاً للدين والنفس: فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي.. هي عينها وصية الحجّة الغائب لشيعته في زمن الغيبة، الصبرُ حتى ظهوره عجل الله فرجه.

              ما أكثر أهلَ هذه الفئة، ومن أبرز مصاديقها من تسنّم الخلافة بعد وفاة النبي (ص)، الذي كان أحسد قريشٍ بحسب كلام شريكه الخليفة الثاني، حتى أنّ حسده امتدّ إلى منع الحقوق المالية لآل محمد عليهم السلام، فقد جعل الله تعالى لهم نصيباً في خمس الأموال، لكنّه منعهم إياها حسداً، ففي الحديث الشريف:
              قد فرض الله في الخمس نصيبا لآل محمد (ص)، فأبى أبو بكر أن يعطيهم نصيبهم حسداً وعداوة، وقد قال الله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ الله فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (تفسير العياشي، ج‏1، ص: 325).
              حسدهم وعاداهم فصار عدوّاً لله تعالى، فمن عاداهم عادى الله.

              أما الثاني، فله تاريخٌ أسود مظلم مع العترة الطاهرة، مع عليّ والزهراء عليهما السلام، بضعة الرسول ومهجة قلبه، ولقد تحدّث يوماً عن هجومه على الدار فقال:
              وَأَخَذْتُ سَوْطَ قُنْفُذٍ فَضَرَبْتُ، وَقُلْتُ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ:
              أَنْتَ وَرِجَالُنَا هَلُمُّوا فِي جَمْعِ الْحَطَبِ، فَقُلْتُ: إِنِّي مُضْرِمُهَا.
              فَقَالَتْ: يَا عَدُوَّ الله وَعَدُوَّ رَسُولِهِ وَعَدُوَّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَضَرَبَتْ فَاطِمَةُ يَدَيْهَا مِنَ الْبَابِ تَمْنَعُنِي مِنْ فَتْحِهِ، فَرُمْتُهُ فَتَصَعَّبَ عَلَيَّ، فَضَرَبْتُ كَفَّيْهَا بِالسَّوْطِ فَأَلَّمَهَا، فَسَمِعْتُ لَهَا زَفِيراً وَبُكَاءً، فَكِدْتُ أَنْ أَلِينَ وَأَنْقَلِبَ عَنِ الْبَابِ فَذَكَرْتُ أَحْقَادَ عَلِيٍّ وَوُلُوعَهُ فِي دِمَاءِ صَنَادِيدِ الْعَرَبِ، وَ كَيْدَ مُحَمَّدٍ وَسِحْرَهُ..

              ليس هذا من المؤمنين بالله طرفةَ عين، ولا من المؤمنين بنبوة النبي صلى الله عليه وآله، بل من الطامعين الحاسدين أصحاب الكتاب الملعون..
              يقول:
              فَرَكَلْتُ الْبَابَ وَقَدْ أَلْصَقَتْ أَحْشَاءَهَا بِالْبَابِ تَتْرُسُهُ، وَسَمِعْتُهَا وَقَدْ صَرَخَتْ صَرْخَةً حَسِبْتُهَا قَدْ جَعَلَتْ أَعْلَى الْمَدِينَةِ أَسْفَلَهَا، وَقَالَتْ:
              يَا أَبَتَاهْ!
              يَا رَسُولَ اللَّهِ!
              هَكَذَا كَانَ يُفْعَلُ بِحَبِيبَتِكَ وَابْنَتِكَ.
              آهِ يَا فِضَّةُ! إِلَيْكِ فَخُذِينِي فَقَدْ وَاللَّهِ قُتِلَ مَا فِي أَحْشَائِي مِنْ حَمْلٍ (بحار الأنوار ج‏30 ص294).

              هو وصاحبه ومن كان معهم أصحابة السقيفة الملعونة الذين قالوا بعدما قرن النبي بين الثقلين كتاب الله وعترته، قالوا:
              يُرِيدُ مُحَمَّدٌ أَنْ يَجْعَلَ الْإِمَامَةَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ.
              فَخَرَجَ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ مِنْهُمْ إِلَى مَكَّةَ وَدَخَلُوا الْكَعْبَةَ وَتَعَاهَدُوا وَتَعَاقَدُوا وَكَتَبُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ كِتَاباً: إِنْ مَاتَ مُحَمَّدٌ أَوْ قُتِلَ أَنْ لَا يَرُدُّوا هَذَا الْأَمْرَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ أَبَداً.
              هذا أثرُ الحسدُ، التواطؤ منذ حياته على سلب الخلافة أهلها من بعده.

              تستمر سلسلة الحُسّاد الطويلة، حتى يرسل عليٌّ عليه السلام كتاباً إلى معاوية يقول فيه:
              تَبَوَّأْ مَقْعَدَكَ مِنْ جَهَنَّمَ وَكَفى‏ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً، نَحْنُ آلُ إِبْرَاهِيمَ الْمَحْسُودُونَ وَأَنْتَ الْحَاسِدُ لَنَا (الغارات ج1 ص117).
              فئة هؤلاء الحُسّاد عريضةٌ، يجمعُ أفرادها ومصاديقها عنوانان:

              أ. من زعم أنه إمام

              الأول: من زعم أنه إمامٌ وليس بإمام. فهي تشمل كل رموز الجور وأئمتهم.
              لقد روينا عن الصادق عليه السلام: مَنِ ادَّعَى الْإِمَامَةَ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا فَهُوَ كَافِرٌ (الكافي ج‏1 ص372)
              وعن الباقر عليه السلام في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾، قال: مَنْ قَالَ إِنِّي إِمَامٌ وَلَيْسَ بِإِمَامٍ..
              يقول الراوي: قلت: وَإِنْ كَانَ عَلَوِيّاً؟
              قَالَ: وَإِنْ كَانَ عَلَوِيّاً (الكافي ج‏1 ص372).
              فهذا مشركٌ بالله سواء نفى إمامة الأئمة، أو أثبتها وأثبت معها إمامة غيرهم، علوياً كان أم غير علويّ، فليس بين الله وبين أحدٍ قرابة، والكاذب على الله ممّن يسودّ وجهه يوم القيامة.
              وعن الصادق عليه السلام:
              مَنْ أَشْرَكَ مَعَ إِمَامٍ إِمَامَتُهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مَنْ لَيْسَتْ إِمَامَتُهُ مِنَ اللَّهِ كَانَ مُشْرِكاً بِاللَّهِ (الكافي ج‏1 ص373).

              ب. من ائتم بهم

              الثاني: من زعم أن الله أمره بالائتمام بهؤلاء.. وهم عموم هذه الأمة المتعوسة الكارهة للحق الجاهلة بمقام الإمام والإمامة..
              فلو لَم يكُن للأول مُتَّبِعٌ وناصر لم يتمكنوا مِن سلب الخلافة أهلها، ومِن ظُلمِ علي عليه السلام، ولو وقفت الأمة موقف الحق إلى جوار وليّها لما كان لأولئك حظٌّ فيما فعلوا.

              يُسأل الإمام عليه السلام عن الآية الشريفة: ﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، فظاهر الآية لا ينسجم مع ما ينقل عن الأمم السابقة، إذ لم نسمع من زعم أن الله تعالى أمره بالفاحشة، لذا يقول الإمام عليه السلام:
              فَإِنَّ هَذَا فِي أَئِمَّةِ الْجَوْرِ، ادَّعَوْا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُمْ بِالائْتِمَامِ بِقَوْمٍ لَمْ يَأْمُرْهُمُ اللَّهُ بِالائْتِمَامِ بِهِمْ، فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا عَلَيْهِ الْكَذِبَ، وَسَمَّى ذَلِكَ مِنْهُمْ فَاحِشَةً (ٍالكافي ج‏1 ص373).
              فالفاحشة هي الكذب على الله تعالى في أمر الإمامة، حينما يزعم المخالف أن الله تعالى أمره باتباع هؤلاء الخلفاء.

              من لا إمام له فهو ضال

              يضاف الى هؤلاء وهؤلاء من جَهِلَ الإمام.. ولم يتخذ إماماً.. والفارق بينه وبين المتقدمين أن منهم اتخذوا أئمة الجور أئمة، أو اتخذوا أئمة الحق والجور أئمة معاً، وهؤلاء لم يتخذوا أئمة.
              يقول الباقر عليه السلام:
              كُلُّ مَنْ دَانَ اللَّهَ بِعِبَادَةٍ يُجْهِدُ فِيهَا نَفْسَهُ وَلَا إِمَامَ لَهُ مِنَ اللَّهِ فَسَعْيُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ وَهُوَ ضَالٌّ مُتَحَيِّرٌ وَاللَّهُ شَانِئٌ لِأَعْمَالِه‏.. (الكافي ج‏1 ص375).
              الإمامة طريقُ الله تعالى، وهو تعالى يريد أن يُعبد كما يريد، فمن ردّ على الأئمة فقد ردّ على الله، ومن جهلهم فقد جهل الله، ومن مات من هذه الأمة ولا إمام له من الله مات ميتة كفرٍ ونفاق.. وإن كان على ظاهر الإسلام وحَرُمَ دمُه ومالُه وعرضه.

              3. حساد مؤالفون!

              الفئة الثالثة: يطيب لنا أن نسمي أهلها (الحُسَّاد المؤالفون)!
              وإن كان إلفهم في الظاهر، فإن المحبّ لا يحسد حبيبه.. وإن تظاهر بالمحبة.
              يريد هؤلاء الحساد إنكار علوم آل محمد فيسعون أولاً لقتل رواة علومهم.

              ٍ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ع أَنَّهُ قَالَ يَوْماً لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ : ... إِنَّ مِنَ الْعِلْمِ صَعْباً شَدِيداً مَحْمِلُهُ لَوْ حَمَّلْتَهُ الْجِبَالَ عَجَزَتْ عَنْ حَمْلِهِ، إِنَّ عِلْمَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ سَيُنْكَرُ وَيُبْطَلُ وَتُقْتَلُ رُوَاتُهُ وَيُسَاءُ إِلَى مَنْ يَتْلُوهُ بَغْياً وَحَسَداً لِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عِتْرَةَ الْوَصِيِّ وَصِيِّ النَّبِيِّ ص (الغيبة للنعماني، ص142).

              يبيّن الحديث أن هناك من يقتل حَمَلة علم آل محمد عليهم السلام، وما ذلك إلا حسداً لما فضل الله به عترة الوصي (ع)، ولمّا عجز هؤلاء عن أن يبلغوا مرادهم لجؤوا إلى أساليب المكر والخداع، فقد تحدّث الإمام العالم بما أطلعه الله من الغيب عمّا سيجري، حينما روي عنه قوله:
              وَمِنْهُمْ قَوْمٌ نُصَّابٌ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْقَدْحِ فِينَا، يَتَعَلَّمُونَ بَعْضَ عُلُومِنَا الصَّحِيحَةِ فَيَتَوَجَّهُونَ بِهِ عِنْدَ شِيعَتِنَا.. ثُمَّ يُضِيفُونَ إِلَيْهِ أَضْعَافَهُ وَأَضْعَافَ أَضْعَافِهِ مِنَ الْأَكَاذِيبِ عَلَيْنَا الَّتِي نَحْنُ بِرَاءٌ مِنْهَا، فَيَتَقَبَّلُهُ [الْمُسْلِمُونَ‏] الْمُسْتَسْلِمُونَ مِنْ شِيعَتِنَا عَلَى أَنَّهُ مِنْ عُلُومِنَا فَضَلُّوا وَأَضَلُّوهُمْ.

              ليس كلُّ أحدٍ يتمكن من أن يقدح في محمد وآل محمد، فيأتي المراوغون ليمزجوا الحقّ بالباطل ويلقونه إلى الشيعة.
              وَهُمْ أَضَرُّ عَلَى ضُعَفَاءِ شِيعَتِنَا مِنْ جَيْشِ يَزِيدَ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ع وَأَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُمْ يَسْلُبُونَهُمُ الْأَرْوَاحَ وَالْأَمْوَالَ..
              وَهَؤُلَاءِ عُلَمَاءُ السَّوْءِ النَّاصِبُونَ، الْمُشَبِّهُونَ بِأَنَّهُمْ لَنَا مُوَالُونَ، وَلِأَعْدَائِنَا مُعَادُونَ يُدْخِلُونَ الشَّكَّ وَالشُّبْهَةَ عَلَى ضُعَفَاءِ شِيعَتِنَا (التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام ص301).

              اذاً هناك فئة تدّعي وتزعم وتُظهر محبة محمدٍ وآله وموالاتهم، وتأتي بشيء من علومهم الحقة وتبثها بين الشيعة ممزوجة بالكذب..
              ويُدركُ الشيعة أن عليهم البراءة من هؤلاء، حُسّاد الإمامة ولو تمظهروا بمظهر الولاء وزعموا حبّ آل محمد، وتشبّهوا بهم في ظاهر أمرهم..

              البراءة منهم

              ورد في الحديث حولي أعداء آل محمد وظالميهم:
              الْعَجَبُ لِمَا قَدْ أُشْرِبَتْ قُلُوبُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ حُبِّهِمْ وَحُبِّ مَنْ صَدَّهُمْ عَنْ سَبِيلِ رَبِّهِمْ وَرَدِّهِمْ عَنْ دِينِهِمْ.
              كيف يصدُّ هؤلاء الأمةَ عن دينها ويحرفونها عن مسيرها فيسلبونها أعظم ما أعطاها الله سبحانه وتعالى بعد النبوة، ثم يبقى حبُّ هؤلاء في قلوب الأمة؟!

              يقول عليه السلام:
              وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَامَتْ عَلَى أَرْجُلِهَا عَلَى التُّرَابِ، وَوُضِعَتِ الرَّمَادُ عَلَى رُءُوسِهَا، وَتَضَرَّعَتْ إِلَى اللَّهِ، ودَعَتْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنْ‏ أَضَلَّهُمْ وَصَدَّهُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.. لَكَانُوا مُقَصِّرِينَ فِي ذَلِكَ (كتاب سليم بن قيس الهلالي، ج‏2، ص: 703)

              نحنُ كلُّنا إذاً مقصّرون في الدعاء على هؤلاء، وكيف لا ندعو عليهم ولا نبرأ منهم وهم سبب بلاء الأمة ومصيبتها!
              يقول الإمام الصادق بعدما ينقل أمر النبي (ص) باتباع الثقلين: فَلَمَّا خُولِفَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، وَنُبِذَ قَوْلُهُ وَعُصِيَ أَمْرُهُ فِيهِمْ ع، وَاسْتَبَدُّوا بِالْأَمْرِ دُونَهُمْ وَجَحَدُوا حَقَّهُمْ وَمَنَعُوا تُرَاثَهُمْ، وَوَقَعَ التَّمَالِي عَلَيْهِمْ «أي الاجتماع والتعاون» بَغْياً وَ حَسَداً وَظُلْماً وَعُدْوَاناً، حَقَّ عَلَى الْمُخَالِفِينَ أَمْرَهُ وَ الْعَاصِينَ ذُرِّيَّتَهُ وَ عَلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ وَ الرَّاضِينَ بِفِعْلِهِمْ مَا تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ مِنَ الْفِتْنَةِ وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ (الغيبة للنعماني، ص55).
              لقد حقّ العذاب عليهم وعلى من رضي بفعلهم واتّبعهم..

              هي فتنةٌ في الدين، قوامها العمى عن سواء السبيل.. وثمرتها التشتّت والخبط والجهالة، وهو حال أمتنا اليوم..
              وحقّ للشيعة أن يبرؤوا ممن يزعم الموالاة ولا يتبرأ من الأعداء.

              اللهم إنا نبرأ إليك ممن ظلم عترة نبيك، ومن التابعين لهم، ومن الراضين بفعلهم.. ومن المعظّمين لأئمتهم، وإن تسربلوا بالخشوع، وأظهروا المودة لنبيك وعترته الطاهرة، فإنهم أهل النفاق والشقاق..
              والحمد لله رب العالمين

              شعيب العاملي

              تعليق

              المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
              حفظ-تلقائي
              x
              إدراج: مصغرة صغير متوسط كبير الحجم الكامل إزالة  
              x

              رجاء ادخل الستة أرقام أو الحروف الظاهرة في الصورة.

              صورة التسجيل تحديث الصورة

              اقرأ في منتديات يا حسين

              تقليص

              المواضيع إحصائيات آخر مشاركة
              أنشئ بواسطة وهج الإيمان, 23-01-2021, 07:23 AM
              ردود 0
              13 مشاهدات
              0 معجبون
              آخر مشاركة وهج الإيمان
              بواسطة وهج الإيمان
               
              أنشئ بواسطة مروان1400, 21-01-2021, 11:59 PM
              ردود 2
              28 مشاهدات
              0 معجبون
              آخر مشاركة مروان1400
              بواسطة مروان1400
               
              أنشئ بواسطة وهج الإيمان, 23-01-2021, 11:22 AM
              ردود 0
              6 مشاهدات
              0 معجبون
              آخر مشاركة وهج الإيمان
              بواسطة وهج الإيمان
               
              أنشئ بواسطة وهج الإيمان, 23-01-2021, 11:19 AM
              ردود 0
              14 مشاهدات
              0 معجبون
              آخر مشاركة وهج الإيمان
              بواسطة وهج الإيمان
               
              أنشئ بواسطة مروان1400, 07-12-2018, 05:29 AM
              ردود 11
              1,532 مشاهدات
              0 معجبون
              آخر مشاركة مروان1400
              بواسطة مروان1400
               
              يعمل...
              X