بسم الله الرحمن الرحيم

(ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ) (الأحزاب40)

في ليلة المبعث النبوي الشريف، التي: (نُبِّئَ رَسُولُ اللَّهِ ص فِي صَبِيحَتِهَا)، والتي يُكتَبُ (لِلْعَامِلِ فِيهَا مِنْ شِيعَتِنَا أَجْرَ عَمَلِ سِتِّينَ سَنَة)..
وفي يوم المبعث الذي مَن صامه (كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ صِيَامِ سَبْعِينَ سَنَةً)..

تأسُرُنا كلمةُ الزهراء البتول الطاهرة، في حقّ أبيها (ص):

أَنَارَ اللَّهُ بِأَبِي مُحَمَّدٍ (ص) ظُلَمَهَا، وَكَشَفَ عَنِ الْقُلُوبِ بُهَمَهَا..

فهذا لسانُها يُفرِغُ عن لسانه (ص)، الذي أنار الله به ظُلَمَ الأمم العاكفة على نيرانها، والعابدة لأوثانها، والمنكرة لله مَعَ عرفانها..

وهو الذي: (ابْتَعَثَهُ اللَّهُ إِتْمَاماً لِأَمْرِهِ)

فصار أمرُ الله كلُّه من أوَّله إلى آخره بما أَرسَلَ من رُسُلٍ وبَعَثَ من أنبياء غير تامٍ، حتى ابتعث الله خاتمهم وسيِّدهم، فصارت بعثته (ص) إتماماً لأمر الله تعالى.

ثمّ صار أمرُ النبي (ص) غير تامٍ حتى أُكمِلَ بولاية عليٍّ عليه السلام: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي‏ وَرَضيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دينا).

فبعثة النبي (ص) كانت إتماماً لأمر الله، وإتمام البعثة كان بالولاية، فصارت الولاية والإمامة إتماماً لأمر الله.

ولعلَّ قائلاً من المخالفين يقول:

هل تعتقدون إذاً أن علياً شريكٌ لمحمدٍ في بعثته؟!
وهل صار عليٌّ نبيّاً؟
وهل تعتقدون فعلاً بأنّ جبرائيل قد غلط ونزل على محمد (ص) دون عليّ (ع)؟!

كثيراً ما يسمع الشيعةُ هذه التهمة من المخالفين، ويظنُّ بعضُنا أنّها نشأت في أحضان العوام منهم لجهلهم بمذهب الشيعة، فنسبوها وأمثالها لنا.

لكنّ هذه التهمة قديمةٌ بِقِدَمِ الكذب على رسول الله (ص) وآل بيته الأطهار..
لقد نسب ابن قتيبة الدينوري (المتوفى سنة 276 هـ) إلى فرقةٍ من الشيعة سمّاها الغرابية قولهم بأنّ جبرائيل قد أخطأ فنزل على رسول الله (ص) دون أمير المؤمنين عليه السلام!

يقول ابن قتيبة عن الرافضة:
ومنهم الغُرابية، وهم الذين ذكروا أن علياً رضي الله عنه كان أشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم من الغراب بالغراب، فغلط جبريل عليه السلام حين بُعِثَ إلى عليٍّ لشبهه به (تأويل مختلف الحديث ص70)

ثم يتبعه في ذلك ابن حزمٍ كما في الفصل في الملل والأهواء والنحل ج4 ص183.

ثم يوسِّعُ ابن الجوزيّ الدائرة فيجعلها شاملةً لكلّ الرافضة، حين ينقل عن الشعبي (المتوفى سنة 100 هـ) قوله حول جبرائيل: (الرافضة يقولون: غلط بالوحي) (الموضوعات ج1 ص339)

ويلحقهم ابن تيمية، رَمزُ أعداء الإمامية فيقول: الرَّافِضَةُ يَقُولُونَ: غَلِطَ [جِبْرِيلُ] بِالْوَحْيِ عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (منهاج السنة النبوية ج1 ص27 و ص 32)

وينسب هؤلاء للشيعة قولهم:
غلط الأمين فجازها عن حيدرٍ * * * والله ما كان الأمين أميناً !!

ويتفنّن المخالفون في الكذب علينا، كيف لا وقد نسبها لنا أعلم علمائهم!

فما هي عقيدة الرافضة حقاً؟!

ليس من كلام أكثر تعبيراً عن اعتقاد الشيعة من كلام مولى الموحدين، حينما سُئلَ أمير المؤمنين عليه السلام:
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَ فَنَبِيٌّ أَنْتَ؟
فَقَالَ: وَيْلَكَ، إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ مُحَمَّدٍ ص‏ (الكافي ج1 ص90).

عَبدٌ من عبيد محمدٍ جعله محمدٌ (ص) نفسَه في آية المباهلة، وجعل الله ولايته إكمالاً للدين وإتماماً للنعمة.

يقول عليه السلام في نهجه الشريف:

وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ، وَالْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ..

وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِهِ عَلَماً وَيَأْمُرُنِي بِالاقْتِدَاءِ بِهِ..

وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ غَيْرِي، وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ ص وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا.

أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ، وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ ص فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ؟

فَقَالَ: هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ، إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ، وَتَرَى مَا أَرَى، إِلَّا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ، وَلَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ، وَإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ (الخطبة 192)

لقد رأى (ع) نور الوحي وشمّ ريح النبوة وكان وزيراً للنبيّ ولكنّه ليس بنبي.. وليس في الشيعة من يعتقدُ ذلك.. وإن اعتقدوا أنّه شريك النبيّ في أمره لا في نبوّته، فهو (ص) خاتم الأنبياء وحده..

لقد قال النبي (ص) كما قال موسى عليه السلام: (وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي‏)، فجعل الله له علياً شريكاً.

بهذا وسواه صار عليٌّ شريكاً في بعثة الخاتم، دون أن يكون نبياً..

وكما حاز (ص) من صفات الكمال أعلاها، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام:
وَلَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ بِهِ ص مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ، يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ وَمَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ..

كذلك كان حال أمير المؤمنين والأئمة من ذريته..
عنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي).

قَالَ: خَلْقٌ أَعْظَمُ مِنْ جَبْرَئِيلَ وَمِيكَائِيلَ، كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص، وَهُوَ مَعَ الْأَئِمَّةِ، وَهُوَ مِنَ الْمَلَكُوتِ (الكافي ج‏1 ص273)

إذا تبيّن عِظَمُ شأن الإمام عليه السلام فُهِمَ قولهم عليهم السلام:
وَنَحْنُ مَعْدِنُ النُّبُوَّةِ، وَنَحْنُ مَوْضِعُ الرِّسَالَةِ (بصائر الدرجات ج1 ص63)

قال الخليل بن أحمد الفراهيدي:
المَعْدِن: مكان كلّ شي‌ء، أصله ومبتدؤه (كتاب العين ج‌2 ص42)

فالنبوّة قد اختصّ بها سيد الكائنات محمد (ص)، لكنّ العترة الطاهرة هم معدن هذه النبوة وأصلها ومبتدأها، فمَن يُدرِكُ عظيم منزلتهم؟
وهم الذين صار جبريل خادماً لهم، و(الروح) طوع أمرهم..

وما جزاء من يفتري عليهم وعلى شيعتهم؟

ذاك أمرُه إلى الله تعالى: (فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ).

والحمد لله رب العالمين

الخميس 27 رجب 1442 هـ
الموافق 11 - 3 - 2021 م

شعيب العاملي