إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

آداب التوبة

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • آداب التوبة

    اعلم أيها العزيز!.. أن التوبة من المعاصي أول طريق الســالكين إلى الله تعـــالى ، وهي رأس مال الفائزين ، ومفتاح استغاثة المريدين ، وأصل نجاة الناجين

    وقد وردت الآيات والأخبار الصحاح في فضل ذلك ، ويكفي مدحاً لها قول أصدق الصادقين في كتابه الكريم:
    { إن الله يحب التوابين } . البقرة /222 .. وقول النبي (ص) : التائب من الذنب كمن لا ذنب لـه. الكافي 2/ص435..
    وقد ذكرتْ معان عديدة للتوبة ، فمنها :

    المعنى الفقهي: وهو ترك المعاصي في الحال ، والعزم على الترك في الاستقبال ، وتدارك ما يمكن تداركه في المآل.
    ومن معانيه : خلع لباس الجفاء ، ثم نشر بساط الوفاء .
    ومن معانيه : مطلق الندم.
    وعلى أي حال ، لا إشكال في وجوبه عقلاً وشرعاً بلا تأمل ، إذ لو علمت انحصار السعادة الحقيقية الأبدية في لقاء الله تعالى ، لعلمت أن المحجوب عنه شقي محترقٌ بنار الفراق في دار البوار ، ومن المعلوم أن من أغلظ الحجب : حجاب اتباع الشهوات وارتكاب السيئات ، لكونه إعراضاً عن الله تعالى بمتابعة الشيطان والهوى ، بل بعبادتهما في الواقع ، لما روى من أنه : من أصغى إلى ناطق فقد عبده. الكافي 6/ص434..
    ولعلمت أيضا أن الانصراف عن طريق البعد للوصول إلى مقام القرب واجب ، ولا يتم الانصراف إلا بالأمور الثلاثة المذكورة في معنى التوبة ، وقد تقرر في محله أن مقدمة الواجب واجبة عقلاً وشرعاً ، نظراً إلى الملازمة بينهما ، كما أن وجوبه أيضا فوري كما لا يخفى .. فكما أن شارب السم لا بد له من إخراج السم من بدنه فوراً - بقيءٍ أو بغيره - وإلا سبّب له الهلاك الدائم ، فكذلك الأمر في سموم المعاصي ، فلو تساهل في التوبة منها ، فسيحل عليه الهلاك ويختم له بالشر ، وقد كانت عمدة خوف الأنبياء والأولياء من سوء الخاتمة.

    فالبدار البدار!.. يا إخوان الحقيقة وخلان الطريقة إلى التوبة الحقيقية ، قبل أن تعمل سموم الذنوب في روح الإيمان بما لا ينفع بعده الاحتماء ، وينقطع عنه تدابير الأطباء ، ويعجز عن التأثير فيه نصح العلماء ، وتكونوا من مصاديق قوله تعالى :
    {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} . يس/9

    ثم اعلم أيها الأخ الأعز!.. أنك لا تخلو من المعصية في جــوارحك من: الغيبــة ، والإيـذاء ، والبهتـان ، وخيـانة البصـر وغيـرها من صنـوف المعاصي ، ولـو فـرض خلـوك منها ، فإنك لا تخلو عن الرذائل في نفسك والهمّ بهـا ، وإن سلِمت منها فلا أقل من الخواطر المتفـرقة المذهلة عن ذكر الله ، ولـو سلِمت منها أيضاً فلا أقـل من الغفلة والقصـور في معـرفة الله وصفات جمـاله وجلاله وعجائب صنعه وأفعـاله ، ولا ريب في أن كل تلك الأمور ، من موجبـات النقص التي ينبغي تداركهـا ، ولذلك وجبت التوبة في كل آنٍ من الآنات .. إذ قــال أشرف المخلوقات صلى الله عليه وآله :
    إنه ليغان على قلبي ، حتى استغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة المستدرك 5/ص320..

    فإذا عرفت معنى التوبة وضرورتها ، والتفت إلى أن تركها يعني الإصرار على الذنب ، فاعلم أن الله تعالى إنما يقبل التوبة الصحيحة بشروطها ، ومنها غسل وسخ القلوب بالدموع ، بعد اشتعال نيران الندامة فيها.
    وكلما زادت نيران الندم اشتعالا كلما تحقق الأمل بتكفير الذنب ، وبذلك تتحقق علامة الصدق في التوبة.. وعليه فلا بد من تبديل حلاوة الشهوات بمرارة الندم ، ليكون علامة على تبدل السيئات بالحسنات .. ألم تسمع قصة ذلك النبي من بني إسرائيل الذي سأل الله التوبة لعبدٍ أمضى حياته جاهداً في عبادة ربه ، فلم يقبل الله تعالى توبته لأنه كان يجد حلاوة المعصية - التي تاب منها - في قلبه!!.
    ومن هنا قالوا أنه لا بد من إذابة اللحم الذي نبت على الحرام ، فهو لحمٌ فاسد ومفسد للصحيح.

    ولا بد من تعلق قصده بترك كل مُحرّم ، وأداء كل واجب في الحال وفي الاستقبال إلى أن يلقى ربه ، كما أنه لا بد من تدارك ما قد فاته في سالف أيامه.
    إن على التائب أن يستقصي في نفسه عالم ما قبل البلوغ وحين البلوغ وبعد البلوغ ، لينظر إلى تصرفاته في أموال الآخرين ، سواء كانت بعمد أم خطأ ، مكلفاً كان أو غير مكلف .. فإذا كان حقـاً ماليـاً ووجـد صاحبه - ولو كان وارثا - استحل منه ، وإلا رد تلك المظلمة حين القدرة والاستطاعة.

    ثم ينظر في الطاعــات ، فمـا ترك منهـا يلتزم بقضائها وكفارتها.. ثم ينظـر إلى الحقـوق الشرعية كالخمس والزكاة وما في ذمته ، فيوصـلها إلى مصارفهـا الشرعية لئـلا يبقى في حياته ما يحتاج إلى تداركٍ وتعويض ، فإنه لو مات على تلك الحالة أُبتلى بالعذاب الأليم.

    وإلى جميع ما ذكر يشير قول أمير المؤمنين عليه السلام: الاستغفار واقع على ستة معان :
    أولها الندم على ما مضى ، ثم العزم على ترك العود اليه أبدا ، وأن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم ، حتى تلقى الله أملس ليس عليك تبعةٌ ، وأن تعمد إلى كل فريضة عليك ضيّعتها فتؤدي حقها ، وأن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتُذيبه بالأحزان ، حتى تُلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد ، وأن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية ، فعند ذلك تقول : استغفر الله . البحار 90-285
    ومن المناسب أن تكون الطاعة - في مقام التوبة - من جنس المعصية ، فإذا كان عاصياً بسفر محرم فتداركُه إنما يكون بسفر الطاعة ونحو ذلك ، مما يطول ذكر أمثلته..

    ولا بد أن يحقق في نفسه شيئاً من الحزن والندامة الصادقة ، ثم يتوب بالطريقة التي ذكرها السيد بن طاووس في مـا رواه عن النبي (ص) وهي : أن يغتسل ويتوضأ ، ثم يصلي أربع ركعات : يقرأ في كل منها {الحمد } مرة و{ قل هو الله أحد } ثلاث مرات { والمعوذتين } مرة ثم يسـتغفر سبعين مرة ، ثم يختم بكلمة : لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم ، ثم يقول سبع مرات :
    يا عزيز !.. يا غفار !.. اغفر لي ذنوبي وذنوب جميع المؤمنين والمؤمنات ، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت .

    فإن من قام بهذا العمل قُبلت توبته ، وغُفرت ذنوبه ، ورضي عنه خصماؤه يوم القيامة ، ومات على الإيمان وما سلب منه الدِّين ، ويُفسح في قبره ويُنوَّر فيه ، ويرضى عنه أبواه ، ويُغفر لأبويه ولذريته ، ويوسَّع في رزقه ، ويرفقُ به ملكُ الموت عند موته ، ويخرج الروح من جسده بيسر وسهولة .
    ومن المناسب - قبل هذا العمل - أن يُقدّم شيئاً من الصدقة ولو كانت قليلة ، لأن صدقة السر تُطفئ غضب الرب تعالى .. وأن يذهب إلى مكان خالٍ جالساً على التراب ، متذكراً معاصيه واحدة بعد أخرى ، مصرحاً بزمانه ومكانه ، ملتمساً من ربه المغفرة ، معترفاً بالندامة .. وهكذا يحسن التفصيل في الاعتراف بجزئيات الذنوب ، ببكاء وحزن.

    كما أنه من المناسب أيضا بعد ذلك ، قراءة دعاء التوبة في الصحيفة السجادية وأوله: يا من لا يصفه نعت الواصفين .. الصحيفة ص138 وكذلك المناجاة الأولى من المناجاة الخمسة عشر.. ثم يقسم على الله تعالى بحق المقربين لديـــه أن يقبل توبتـه ، ثم يسأله العـزم على الثبات ، وليغلب على ظنـه أن الله تعـالى يقبـل التوبة ويعفـو عن السيئات ، فهو يعامل عبده بمقدار حسن ظنـه به ، كمـا تدل عليه الروايات.

    ولو خالف التوبة وعاد إلى المعصية ، فعليه بالتوبة مرة بعد أخرى ولا ينبغي له أن ينتابه اليأس من العودة إلى الذنب ، فإنه أرحم من كل رحيم.
    واعلم أن للإنسان ثلاث حالات في المعاصي: حالةٌ قبل المعصية ، وحالةٌ حين المعصية ، وحالةٌ بعد المعصية ، ولكل من الحالات أحكام مختلفة.
    أما حاله قبل ارتكاب المعصية : فعليه أن يلقّن نفسه أخبار الخوف ، لعل ذلك يوجب له الانصراف عن المعصية ، فليتصوّر ما لو هدده مولاه بقوله : ( إني لا أغفر لك أبداً ).

    فإن الرب قد جعل للعبد حدوداً من المخالفة يستحق فيها العفو.. فإذا تجاوز العبد حدّه طرده مولاه ، وأخرجه من قابلية التوبة والمغـفرة ، إذ أن الرحمة - في هذه الحالة - خلاف مقتضى الحكمة ، ومن المعلوم أن العبد عند كل معصية ، يحتمل أنه - بتلك المعصية - قد تجاوز الحدَّ الموجب للطرد .

    وأما حاله حين ارتكاب المعصية : فإنه لا بد أن يشتد عندها خوفُه ، لأن مالك الملوك - جلّ شأنه العظيم - حاضر لديه ، وناظر إليه ، والعبد في محضره يهتك حرمته وهو يعلم أن كل ما في الوجود ، جنود مجندة بين يدي مولاه ، بل جوارحه التي عصى بها ، فإنها طوع إرادته في أن يعاقب بها من يريد .
    وليعلم أن العودة إلى التوبة ، مما يُحمد عليها في أية مرحلة من مراحل المعصية..
    وأما حاله بعد المعصية وغلبة الشهوة : فإنه ينبغي مراجعة أخبار الرجاء ، لئلا يُلقي الشيطان في روعه اليأس قائلا : إنك عصيت عن عمدٍ والتفـــات ، فما فائدة التوبة بعد ذلك ؟..

    إن على العبـد - في هذه الحالـة - أن يعلـم أن كل وهـمٍ وخيـالٍ يمنعــانه عن التوبـة والتدارك إنمـا هو من الشيطان .. فلا بد من تذكيــــر نفسه بكرم المولى عـز اسمه ، وأن اليأس من رحمته من المعاصي الكبيرة.
    فكيف لا يعـود العـبد إليه وهو الراحم لمن لا راحم له ، وهـو الذي تسمى بالوهّاب لكثرة جوده ، وهو الذي عند حسن ظن عبـده المؤمن ..كـل هـذه الأمـور تدل بوضوح على أن العبد إذا لم يكن متمرداً على المـولى ، فإن الرحمـة الواسعة شاملة له ، إلا إذا قبُحت الرحمة في حقه .

    وقد ورد عن النبي (ص) قبـول توبة من قتل سبعين نبياً ثم تاب إلى الله تعالى.
    ثم اعلم أيها الأخ الأعز !.. إن العبد إذا تاب على التفصيل المذكور فإنه سيكون في أول درجات التائبين .. فلا بد له من الوصول إلى حقيقـة التوبة بعد ذلك.
    إنّ حقيقة التوبة ليست هذه الألفاظ وإنما لها واقع ودرجات ، شأنها شأن جميع الدرجات الأخلاقية ، التي لها حقائق لا بد من استيعابها ، وهي مما لا يمسه إلا المطهرون.

    فهذا آدم (ع) قال: { ربنا ظلمنا أنفسنا } . الأعراف/23.. وهذا نبي الله أيوب (ع) قال: { رب إني مسني الضر وأنت ارحم الراحمين }. الأنبياء/83.. ونحن نكـرر مـا قـالاه ، ولكن كم من الفــرق بين الأمرين!!
    إن استيعاب حقائق كلامهم (ع) ودقائق إشاراتهم ، يفوق ما يدور بيننا من سؤال وجواب ، ورسالتنا هذه لا تحتمل تفاصيل هذا الأمر.. اللهم اهدنا فيمن هديت.
    فحاصل الكلام من البـدء إلى الختم بتقرير آخر : إن السالك سبيل التقوى يجب عليه مراعاة أمور.

  • #2
    السلام عليكم

    شكرا لك على هذا الموضوع القيم

    تعليق

    المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
    حفظ-تلقائي
    x
    إدراج: مصغرة صغير متوسط كبير الحجم الكامل إزالة  
    x

    اقرأ في منتديات يا حسين

    تقليص

    لا توجد نتائج تلبي هذه المعايير.

    يعمل...
    X