صيام القلب خير من صيام اللسان وصيام اللسان خير من صيام البطن
إن من الشعائر التي رفعها الأنبياء والمرسلين والأولياء من زمن اَدم عليه السلام إلى يومنا هذا وهو شعيرة الصيام التي يدلي بها صاحب الأمر الإلهي على حياته وعلى ما وصل إليه من فعل باطني وتربية روحية إلهية قد مَنّ الله بها عليه وكرمه بالحياة النورانية التي طلبها وسعى لها وصبر عليها فاتجه إلى إظهار ما وصل إليه وما كُرم به إلى من حوله من الناس الذين لم يتعرّفوا بل جهلوا الحياة الإلهية .
إن الصيام الذي يرفعه أهل الحياة كشعار مبني وقائم على باطن أي أنه ظاهر وباطن يعني اصل وفرع و ما يهمنا هو الأصل فإذا وصل الإنسان إلى الأصل وعمل به فانه حتما يعمل بالفرع فيكون عمله بالفرع قائم على اصل وحياة وليس على فراغ ولا شيء فيصبح العمل بالفروع وهم وخالي من الحقيقة ، فأصل الصيام هو الانقطاع عن الجاهلية والجهل وعن الظلم والفساد والابتعاد عنهما ، فنجد إن محمدا ( صلى الله عليه واله ) قد صام عن الجاهلية في زمنه وعن الحياة المتخلفة فصامت جوارحه أي صام قلبه عن الدنيا وشهواتها كما في عنوان هذا المقال الذي هو حديث للإمام علي (عليه السلام ) فليس الصيام هو صيام البطن عن الأكل والشرب ولكن صيام القلب هو خير الصيام فنجد أن مبدأ الأنبياء والمرسلين و الأولياء هو الصيام الباطن فكل منهم صام بقلبه عما حوله من الظلم والتخلف من جهة وعن شهوات الدنيا من جهة أخرى ففطروا على النعمة الإلهية والمعرفة النورانية بان لا يسمعوا إلا كلام ربهم ولا يرون إلا فعله بصفاته وهو يربي الحجر والشجر والحيوان والإنسان ، فأصبح لسان كل منهم لا ينطق إلا بالحكمة والنور وتذكرة الناس بأمر الله فبذلك صام لسانهم عن ذكر الدنيا ، فصام بطونهم عن الأكل والشرب وهو شعار لصيام القلب واللسان فانشغل كل منهم بذكر الله وكلامه فهم يفطرون في كل لحظة على الحقائق والنور فوجدوا الله دائم الكلام معهم يعطيهم من عطاء رحمته فهم في شغل شاغل عن الدنيا وشهواتها وعن ظلم الناس وكفرهم .
فليكن لنا أسوة بهؤلاء الصالحين الذين كتبوا على أنفسهم الصيام وكتبه الله عليهم كما في قوله تعالى (( يا أيها الذين امنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون )) فلتصم قلوبنا عن الجهل والظلم وعن الشهوات وصوم القلب هو صوم الجوارح كما قال الإمام الصادق عليه السلام ( إذا صمت فليصم سمعك وبصرك وجلدك وشعرك) فتلك الجوارح اتصالها بالقلب مباشرة فإذا صام القلب صام السمع والبصر والشم واللمس والذوق ، وليكن إفطار قلوبنا على حقائق الأيمان على النور والحكمة والاتصال بالله والا فيكون إفطارنا على الدنيا وشهواتها وعلى الأفكار المنحرفة كما قال رسول الله صلى الله عليه واله ( كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ) تلك صفة من لم يصم قلبه ونفسه مشغولة بالشهوات ، وبعد ذلك إذا صام قلبنا فليصم لساننا فلا يذكر إلا الله أي يربي بحقائق الأيمان فلا يسب ولا يطعن ولا يلعن لان اللسان ترجمان القلب فإذا صام القلب وانشغل بذكر الله وطلب الربوبية والحياة والوجود فطبيعيا صام اللسان وإذا لم يصم القلب فان اللسان يتبع القلب فيكون الصائم فقط عن الطعام والشراب أي صيام البطن وهو اضعف الصيام ، فلتنشغل قلوبنا بالصيام وذكر الله من بعد معرفة أنفسنا من أين وفي أين والى أين .
تعليق