منتديات يا حسين .. الصفحة الرئيسية
منتديات يا حسين .. الصفحة الرئيسية
موقع يا حسين  
موقع يا حسين
الصفحة الرئيسية لموقع يا حسين   قسم الفيديو في موقع يا حسين   قسم القرآن الكريم (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم اللطميات (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم مجالس العزاء (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم الأدعية والزيارات (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم المدائح الإسلامية (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم البرامج الشيعية القابلة للتحميل في موقع يا حسين
العودة   منتديات يا حسين > المنتديات العلمية والأدبية > الأدب والشعر > منتدى القصص والحكايات
اسم المستخدم
كلمة المرور
التّسجيل الأسئلة الشائعة قائمة الأعضاء التقويم البحث مواضيع اليوم جعل جميع المنتديات مقروءة

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 20-10-2007, 06:46 AM
العقرب العقرب غير متصل
عضو
 

رقم العضوية : 9711

تاريخ التّسجيل: Mar 2004

المشاركات: 345

آخر تواجد: 16-07-2017 02:24 AM

الجنس:

الإقامة: البحرين

معجزة الخلق

" قصة آل عمران عليهم السلام "


بلغ عمران من العمر عتياً اصبح شيخاً طاعناً في السنّ لم يرزقه الله طفلاً .

و كانت " حنّة " امرأته عقيماً لا تلد ، و كانت تتمنى أن يرزقها الله ولداً .

و أوحى الله سبحانه الى عمران : اني واهب لك ولداً مباركاً !

فرح عمران و بشّر امرأته قائلاً :

ـ أن الله استجاب دعاءنا و سيرزقنا صبيّاً مباركاً .

و فرحت المرأة الصالحة عندما شعرت بالحمل في بطنها .

و ذات صباح انطلقت حنّة الى المعبد و نذرته لله ، قالت :

ـ ربّ اني نذرت لك ما في بطني محرّراً فتقبل مني انك انت السميع العليم .

النذر :

و كان زكريا النبي ( عليه السلام ) في المعبد فرح عندما سمع بذلك ، ان الله قادر على كل شيء يرزق من يشاء .

دخل المحراب و راح يصلّي لله ، ثم انطلق الى دكانه في السوق .

و مضت أيام و أسابيع و شهور ، توفي عمران قبل أن يرى وجه الطفل الذي رزقه الله ، و جاءت ساعة المخاض كانت حنّة تعتقد ان الله سيرزقها صبياً ذكراً مباركاً و لكنها فوجئت بان الوليد لم يكن سوى فتاة جميلة .


و الآن كيف ستفي بنذرها لله ، كيف يمكن للفتاة أن تخدم في المعبد ؟!

قالت و هي تنظر الى السماء :

ـ ربّ اني وضعتها انثى . . و ليس الذكر كالانثى .

الله سبحانه القى في روعها ان لهذه الفتاة شأن و انها ستلج المحراب و المعبد ، قالت حنّة بخشوع !

ـ و اني سميتها مريم ، و اني اعيذها بك و ذرّيتها من الشيطان الرجيم .

سمت المرأة الصالحة ابنتها " مريم " أي العابدة ، أو خادمة المعبد .

كبرت مريم اصبحت بنتاً و آن لها أن تذهب الى المعبد لتخدم فيه .

و حدثت المشكلة من الذي سيكفل مريم ؟ جميع الكهنة أرادوا كفالتها لأنها ابنة عمران الرجل الصالح و ابنة حنّة المرأة التقية .

اتفق الكهنة على اجراء القرعة أيهم يكفل مريم ، و خرجت القرعة على زكريا ( عليه السلام ) .

كان زكريا رجلاً تقياً ، و كان يحبّ مريم فقد توسم فيها الخير و البركة .


زكريا زوج خالتها ، اصبح كافلاً لها مشرفاً على تربيتها . .

البتول :

في غرفة صغيرة في أعلى البيت المقدّس عاشت مريم منقطعة عن العالم . .

لا أحد يستطيع الدخول اليها أو دخول غرفتها سوى زكريا .

كبرت مريم في عزلتها ، مثل قطرة الندى طاهرة ، مثل شمس وراء الغيوم ، مثل قمر منير .

نمت مريم مثل زهرة ندية . . مثل وردة بنفسج ، يملأ عطرها الفضاء دون أن يراها أحد .

كانت مريم تمضي وقتها في المحراب تصلّي لله بخشوع و في كل يوم كانت الحقائق تسطع في روحها ، و الملائكة تطوف حولها تبشرها بان الله قد اصطفاها و طهرها من الرجس ، انها لؤلؤة في صدفة ، لا يعلم سرّها إلاّ الله سبحانه .


رَطَبٌ في الشتاء !

في يوم شتائي قارس البرد ارتقى زكريا السلّم الطويل ، ليذهب الى غرفة مريم ، يحمل اليها طعاماً ، كسرة خبز و قليلاً من اللبن .

سمع زكريا صوتاً مثل خرير الجداول لم يكن سوى مريم تناجي ربّها الذي اجتباها فطهرها .

دخل زكريا الغرفة بهدوء ، فرأى شيئاً عجيباً . . رأى إناءً مليئاً بالرطب ، كانت نكهة الرطّب تملأ فضاء الغرفة .

تعجب زكريا و قال :

ـ من أين لك هذا ؟!

قالت مريم و وجهها الملائكي يشرق بخشوع :

ـ هو من عند الله ان الله يرزق بغير حساب .

امتلأت نفس زكريا بالايمان و قال في نفسه :

ـ فاكهة الصيف يرزقها الله المؤمن في قلب الشتاء !!

و تمرّ الايام و يأتي فصل الصيف ، و زكريا يتفقد مريم البتول فرآها تسجد لله في محرابها و رأى إناءً مليئاً بالبرتقال امتلأت نفسه احتراماً لهذه الفتاة التي بلغت منزلة جليلة عند الله .

الله سبحانه أكرم مريم ، يرزقها بغير حساب ، تجد رزقها في غرفتها ، لأنها انقطعت اليه ، حتى لو ماتت من الجوع فأنها لن تغادر غرفتها وفاءً لنذر امّها المرأة الصالحة .


هنالك دعا زكريا ربّه :

رأى زكريا كرامة مريم عند الله و كيف يرزقها الله فاكهة الصيف في الشتاء و فاكهة الشتاء في الصيف ، ان الله قادر على كل شيء يرزق من يشاء بغير حساب .

و وقف زكريا الرجل الصالح العجوز يصلّي لله بخشوع قال :

ـ ربّ هب لي من لدنك ذرّية طيبة .

فجأة غمر نور سماوي المحراب ، و سمع زكريا الملاك يناديه :

ـ ان الله يبشرك بيحيى . . لم يجعل له من قبل سميا .

و تحققت أمنية زكريا ، كان يتمنى ولداً مثل مريم في طهره و صدقه و ايمانه . و لكنه قال :

كيف يكون لي ولد وأمرأتي عقيم ، وقد أصبحت شيخاً طاعناً في السنّ .

قال الملاك :

ـ كذلك قال ربّ هو علي هيّن .

قال زكريا :

ـ و كيف اعرف ان الله قد رزقني يحيى ؟

قال الملاك :

ـ ان علامة ذلك أن تفقد قدرتك على الكلام ثلاث ليال .

كان المساء قد حلّ و غمر كل شيء بالظلام ، و شعر زكريا بان لسانه مثل الخشبة ، لا يستطيع القدرة على النطق أبداً ، و سجد زكريا لله الحنّان ، المنّان .

الله سبحنه رزق زكريا ولداً طاهراً سيكون له شأن ، و خرج زكريا من المعبد أراد أن يعظ الناس ، أن يقول لهم لا تنسوا الله . . اسجدوا لله . . اذكروا الله دائماً . .

لكن لسانه لم يعد مِلكاً له . . راح زكريا يشير لهم باتجاه السماء ، ان هناك يا بني اسرائيل من يراقبكم . . سبحوا الله يا قومي و اذكروه .

ثلاث ليالٍ تمرّ و زكريا ما يزال عاجزاً عن الكلام ، و في اليوم الرابع قال لزوجته الصالحة اليصابات :

ـ لقد بشرني الله بولد اسمه يحيى .

قالت المرأة الصالحة :

ـ يحيى ياله من اسم عجيب !! ثم كيف لي أن ألد و أنا عقيم !

قال زكريا :

ـ ان الله قادر على كل شيء . .

الله سبحانه بيده قوانين الخلق . . في قبضته السماء و الأرض و هو خلق أبانا آدم من تراب .

المعجزة :

اصبح اليهود في ذلك الزمان قساة لا يؤمنون إلاّ بما يشاهدون ، لجأ بعضهم الى السحر ، و أصبح بعضهم يشتغل في صياغة الذهب ، و لكنهم جميعاً كانوا يحبّون المال أكثر من كل شيء .

كانوا يبتعدون عن تعاليم موسى يوماً بعد آخر .

من أجل هذا أراد الله سبحانه أن يوقظهم من غفلتهم ، وهب الله زكريا ولداً ، حملت زوجته العقيم و انجبت صبياً ، وجهه يضيء بالايمان و المحبّة .

و انجبت حنّة بنتاً هي مريم .

الله سبحانه كان قد وعد عمران بميلاد صبي له شأن ، و لكنّه توفي و لم ير ابنته مريم .

الله سبحانه طهّر مريم ليجعل منها آية للناس ، و سيجعل منها آية أخرى .


البشارة :

كانت مريم في خلوتها تتعبد ، وجهها يتألق نوراً و كان قلبها الطاهر يسافر بين النجوم ، يطوف في السماوات .

مثل قطرة ندى في الصباح ، كانت الفتاة الطاهرة تتألق .

قلبها يضيء ، و روحها شفافة ، تكاد تحلّق بعيداً في عوالم مفعمة بالنور .

مريم منقطعة عن العالم ليس بينها و بين الدنيا سوى نافذة صغيرة تطلّ على الافق الازرق الذي يلامس التلال الخضراء .

فجأة امتلأت غرفتها بالنور ، و في قلب هالة النور رأت شاباً .

ذعرت مريم خافت قالت :

ـ إنّي أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً .

قال الشاب :

لا تخافي يا مريم " انما أنا رسول ربّك لأهب لك غلاماً زكيّاً " .

قالت مريم و هي تطرق حياءً :

ـ كيف يكون لي طفل و لم اتزوّج بعد ؟!

كانت مريم معجزة و ها هي تصبح أمّا لمعجزة كبرى سوف تنجب و هي ما تزال عذراء !

قال الملاك :

ـ كذلك يا مريم قال ربّك : هو عليّ هيّن ، و لنجعله آية للناس و رحمة منّا ، و كان أمراً مقضياً .

و تقدم الملاك من مريم لينفخ في قميصها ، و شعرت مريم ان روحاً عظيمة نفّاذة تنفذ في اعماقها .

و غاب الملاك ، و أدركت مريم انّها مقبلة على أيام عصيبة ، انها تتحمّل مسؤولية كبرى .

انها تحمل في أحشائها روح الله و كلمته ، و لكنها كانت تشعر بالقلق من يصدّق حملها المبارك ، و كيف يصدّق الناس أن طفلاً يولد دون أب ؟!

كان الحمل المبارك ينمو في أحشاء مريم الطاهرة ، و ذات صباح مشرق ، انطلقت مريم الى التلال القريبة ، كانت حائرة خائفة قلقة ، و لكنّ ايمانها بالله يقوّي عزيمتها و إرادتها .

مريم متعبة جلست عند جذع نخلة ، و شعرت بالآم شديدة ، آلام الولادة . . هتفت مريم :

ـ يا ليتني مت قبل هذا و كنت نسياً منسياً !

كانت مريم تفكر من يصدّق انها تنجب طفلاً دون أب !!

و سمعت مريم الجنين يخاطبها :

ـ لا تحزني يا أمي . . الله هيّأ لك جدول ماء فاشربي منه ، و هزّي جذع النخلة سوف تنثر عليك رطباً فكلي و اشربي و قرّي عينا .

شعرت مريم بالهدوء يترقرق في قلبها مثل مياه الجدول ، و لكنها قالت بقلق :

ـ والناس يا بني . . ماذا أقول للناس يا روح الله ؟

قولي لهم نذرت لله صوماً فلن اكلّم اليوم انساناً .

و ولد عيسى المعجزة . . ولد طفل بلا اب ليكون آية للناس على قدرة الله . . ليكون رحمة للناس . .

الطفل الطاهر يبتسم لأمه وضعته أمه في احضانها ، ثم حملته عائدة الى قومها !

و انحدرت مريم من التلال الى المعبد ، و شاهد الناس منظراً عجيباً ! ان مريم تحمل طفلاً ! مريم ابنة عمران تحمل طفلاً !! مريم بنت حنّة لم تتزوج بعد و لكنها تحمل طفلاً !

ـ ماذا ؟ !! كيف ؟ أين هي ؟!

ـ تلك مريم انها تتجه الى غرفتها في المعبد .

و انتشر الخبر المثير في كل مكان ، و اصبح حديثاً للجميع .

الجميع كانوا يتعجبون ، و الناس المؤمنون كانوا ساكتين ، أما البعض فكان يثرثر بكلمات سيئة . .

و سمع زكريا ما يثرثر به الناس ، و سمع الكهنة بعض الشائعات من أجل هذا انطلق زكريا و مع كهنة المعبد الى مريم . .

قال أني عبد الله !

كانت مريم تصلّي في المحراب ، و عيسى في مهده مثل كوكب مضيء . . مثل برعم يتفتح للربيع .

و دخل زكريا الغرفة و دخلها رجال المعبد :

قال احدهم و مخاطباً مريم بقسوة :

ـ لقد جئت شيئاً فريّا .

و قال آخر :

ـ يا أخت هارون ما كان أبوك امرء سوءٍ و ما كانت أمّك بغيّاً .

وقفت مريم تنظر الى قومها و قد تألق وجهها بنور سماوي لم تقل شيئاً أشارت الى الطفل .

تعجب الرجال قالوا :

ـ كيف نكلم من كان في المهد صبياً ؟!

كيف نكلم طفلاً ، و هل يستطيع طفل في المهد أن يتحدّث ؟!

و في هذه اللحظة و فيما كان الرجال يحدّقون في الطفل متسائلين ، حدثت المعجزة !

إن الطفل يتكلم يكشف عن حقيقة كبرى :

ـ اني عبد الله ! آتاني الكتاب و جعلني نبياً . . إنّ الله ربّي و ربكم فاعبدوه . .

لقد جعلني الله مباركاً . . و أوصاني بالصلاة و الزكاة ما دمت حيّاً . .

أوصاني ببرّ والدتي و لم يجعلني جبّاراً شقياً .

و السلام عليّ يوم ولدت و يوم أموت و يوم ابعث حيّاً .

و امام هذا المشهد المثير . . سجد زكريا لله مصدّقاً بعيسى بن مريم ، روح الله و كلمته القاها الى مريم !

بعض الرجال خشعوا و امتلأت قلوبهم بالايمان ، و بعض ظلّ ينظر بقسوة غير مصدّق بالمعجزة .

البيت الكريم :

وعد الله زكريا أن يرزقه ولداً ، و حدثت المعجزة ولد يحيى و كانت أمه " اليصابات " عقيماً و لكن الله الذي خلق عيسى دون أب ، قادر على أن يرزق المرأة العقيم طفلاً ففرح .

ولد يحيى و كان طفلاً طاهراً مؤمناً يحبّ الله ، و الله يحبّه كانت أُسرة زكريا أُسرة كريمة ، أب صالحٌ و أمٌ مؤمنة و طفل يبرّ والديه ، و يحبّ الخير للناس .

و في ذلك المجتمع ولد عيسى و كانت ولادته معجزة و كان آية للناس على قدرة الله .

و ولد يحيى بمعجزة كانت أمه عقيماً ، قرزقها الله ولداً صالحاً ليكون آية للناس و رحمة .

كانا آيتين و دليلين على قدرة الله و رحمته ، فماذا حصل لهما عند أصبحا شابيّن ؟

التوقيع :




الرد مع إقتباس
قديم 20-10-2007, 06:47 AM
العقرب العقرب غير متصل
عضو
 

رقم العضوية : 9711

تاريخ التّسجيل: Mar 2004

المشاركات: 345

آخر تواجد: 16-07-2017 02:24 AM

الجنس:

الإقامة: البحرين

و حناناً من لدنّا

قصّة سيدنا يحيى عليه السلام

ولد سيدنا عيسى بن مريم . . ولد الطفل المعجزة ، كلمة الله و رحمته !

الذين يعرفون طهر مريم ، و شهدوا الطفل و هو يتكلم و يبشر برحمة الله صدّقوا و آمنوا .

في ذلك الزمان كان المجتمع اليهودي غارقاً في الفساد ، في الكذب ، في المادّيات .

لم تبق من كلمات التوراة إلاّ القليل . . اليهود كانوا يحرّفون كلام الله . . يفعلون ذلك من أجل مصالحهم و اطماعهم .

أصبح اليهود مجتمعاً مادّياً لا يؤمن بشيء إلاّ ما كان مادّياً .

الفقراء يزدادون فقراً ، و الاثرياء يزدادون ثراءً ، و لم يكن هناك شيء مقدس سوى الذهب !


إلى مصر :

حدثت بلبلة في البلاد . . الطفل الذي تكلم في المهد هو طفل عجيب !

حضر مسؤول من الحكومة للاستفسار عن الطفل العجيب !

عن الطفل الذي تكلم في المهد و بشر الناس بالنبوّة و الخلاص !

إنّ العاصمة روما تشعر بالقلق و تودّ معرفة ما يجري في مقاطعاتها !

حتى زكريا لم ينجُ من كيد اليهود ، كانوا يتآمرون عليه و يحيكون الدسائس ، و يحرّضون الحاكم الروماني على قتله .

اليهود يضمرون الحقد للناس يحبّون أنفسهم فقط ، و كلّما جاءهم نبي يَعِظهم و يرشدهم الى طريق الصلاح كانوا يتآمرون عليه و يخططون لقتله .

منذ " السبي البابلي " ، عندما احتلّ بخت نصر فلسطين و أخذهم أسرى الى بابل ، و هم يحقدون .

منذ ذلك الزمان و هم يخططون للسيطرة على العالم .

ألّفوا كتاباً سموه " التلمود " و قالوا انه اكثر قدسية من التوراة . . حتى التوراة لم تسلم من مكرهم فراحوا يحرّفون كلام الله و شريعة موسى رسول الله .

من أجل هذا ولد عيسى من دون أب ، ليكون معجزة و يرشد بني اسرائيل الى الطريق الصحيح . و لكن اليهود كانوا يكذبون الانبياء ، لأن الانبياء يريدون الخير لكل الناس .

خافت مريم على طفلها ، خافت مكر اليهود ، و عندما جاء المسؤول الروماني للتحقيق ، فكرت بالهروب الى مصر .


و ذات ليلة حملت مريم روح الله و كلمته و غادرت وطنها الى مصر . و هناك عاشت سنوات طويلة .

يا يحيى خذ الكتاب :

كان يحيى طفلاً عجيباً ، عندما ينظر المرء اليه يجد نور الايمان في وجهه ، و يرى هيبة الانبياء تشعُّ من عينيه .

جاء اليه الاطفال قالوا له تعال نلعب فقال لهم بأدب :

ـ ليس للعب خُلقتُ .

منذ أن كان طفلاً أدرك اشياء كثيرة ، لماذا فرّت السيدة مريم مع طفلها المعجزة ؟! ، لماذا يغرق اليهود في الجهل و الانحراف و الفساد ؟!

لماذا تسلّط الرومان الكفّار على قومه ؟!

كل ذلك حصل لأن بني اسرائيل ابتعدوا عن الدين الحق .

لأنهم كفروا بالانبياء ، لأنهم اصبحوا أنانيين .

كبُر يحيى و أصبح شابّاً مهيباً ، كان يهتف علانية :

ـ من له ثوبان فليعط من ليس له .


و من له طعام فليعط الجائع .

لا تظلموا أحداً ! و لا تفتروا على أحد !

ان طريق الله واضح مستقيم ، لا تجعلوه معوجّاً .

هيرودس :

في ذلك الزمان كان يحكم الشام حاكم روماني اسمه " هيرودس " كان وثنياً شرّيراً .

و كان لأخ هيرودس زوجة جميلة ، هيرودس أخذها بالقوّة لتكون له زوجة !

لم يعترض أحد ، سيدنا يحيى وحده الذي قال للغاصب :

ـ لا يجوز لك ان تفعل ذلك .

لم يسكت يحيى كان يندد بهيرودس و بالشرور التي يرتكبها .

أصدر هيرودس أمراً بالقاء القبض على النبي و جاء الشرطة لاعتقاله .

عندما القوه في السجن لم يخف . . لم يتوسل كان شجاعاً ، في السجن كان يصيح :

ـ سيأتي من بعدي من هو أقوى مني . . ستعمّ الرحمة و تزهر الزنابق ، و تبصر العيون ضوء النهار ، وتنفتح الآذان الصمّ .


الاحتفال :

أقام هيرودس احتفالاً كبيراً . . ترقص فيه النساء و يشرب فيه الرجال الخمر . . الناس الفقراء خارج القصر يئنّون من الجوع ، و يتألمون من الظلم و يرتجفون من البرد .

الناس الفقراء عراة لا يملكون شيئاً يسترون به اجسامهم و هيرودس الحاكم يرتدي الحرير ، و يجلس على عرش مطعم بالذهب و الفضة و الأحجار الثمينة .

و كان صوت يحيى يتردد داخل جدران السجن :

ـ لا يحلّ لك أن تتزوج امرأة لها بعل . . لا يحل لك يا هيرودس أيّها الظالم . . أيّها الغاصب !

صالة الاحتفال مزدحمة بالفتيات . . بالرجال و بدأت الموسيقى تصدح .

كان هيرودس جالساً على العرش ، و زوجته الجديدة جالسة الى جانبه ، عيناها تبرقان بالتآمر و الشرّ .

هيرودس يكرع كؤوس الخمرة المعتّقة .

و دخلت فتاة جميلة جدّاً ، ترفل بثياب حريرية ملوّنة .

هبّ هيرودس واقفاً و خاطب زوجته الجديدة :

ـ ابنتك جميلة جميلة جدّاً .

قالت المرأة بمكر :


ـ سالومي سترقص من أجلك .

هتف الحاكم منتشياً .

ـ من أجلي ؟!

ـ نعم من أجلك .

اقتربت سالومي و قالت بدلال :

ـ سارقص لك .

هتف الحاكم :

أعطيك نصف مملكتي .

ـ بل أريد ما أشاء .

أمنحك ما تشائين .

و راحت سالومي ترقص بقدمين عاريتين !

كان هيرودس مفتوناً يكرع كؤوس الخمر !

قالت المرأة اليهودية :

ـ سأزفّها لك .

و جُنّ هيرودس :

و اقتربت سالومي أكثر قالت :

ـ أريد ما أشاء .

صاح هيرودس مفتوناً .

ـ اطلبي ! اعطيك نصف مملكتي .

قالت سالومي و هي تتلوي كالافعى :


ـ أريد رأس يحيى . . يحيى بن زكريا !

ـ كلاّ . . كلاّ . . اطلبي ما تشائين . . أعطيك عرشي .

قالت الأم بخبث :

ـ و لكن يحيى لن يسمح لك بالزواج من سالومي .

ـ يحيى يمنعني !

ـ نعم يحيى .

قالت سالومي :

ـ أريد تقدم لي راس يحيى في طبق من الفضة .

صفّق هيرودس ، و عيناه تبرقان بالشرّ ، توقفت الأنغام .

صاح هيرودس :

ـ اليّ بالسجين !! احضروا يحيى .

فرّت الفتيات من الصالة .

تحولت صالة الاحتفال الى محكمة مخيفة .

و أحضر الشرطة يحيى . . كان مكبلاً بالسلاسل . . وجهه يضيء بنور سماوي .

مثل غيمة بيضاء كان يتالق .

صاح هيرودس :

لقد تزوجت هذه المرأة . . انني حاكم هذه الأرض !

قال يحيى بغضب :

ـ لا يحلّ لك .

صاح هيرودس :

ـ وسوف اتزوج ابنتها . . سوف اتزوّج سالومي .

هتف يحيى :

ـ لا يحلّ لك . . لا يحلّ للرجل أن يتزوّج أمرأة ذات بعل . . لا يحلّ للرجل أن يتزوّج ربيبته .

صاح هيرودس بحقد :

ـ سأقطع رأسك . . حتى يخرس صوتك .

هتف يحيى بصوت هزّ جدران القصر :

ـ لا يحلّ لك ! لا يحلّ لك .

صاح هيرودس :

ـ ايها الجلاّد اقطع راسه فوراً .

و هوى سيف غادر لقطع رأس النبي ، و حدث شيء مدهش ، رأس يحيى يتدحرج فوق البلاط المرمري و صوت يصيح :

لا يحلّ لك ! لا يحلّ لك . . لا ي . . ح . . ل .

شعر هيرودس بالخوف فأمر رجاله باطفاء المشاعل واللحاق به .

استشهد يحيى و لكن كلماته ظلّت تدوّي داخل القصر و في المدينة .

لقد بشر يحيى بانبياء سيأتون بعده ، و كان يحيى أول من صدّق نبوّة عيسى و بشّر بقدومه .

قال سبحانه في القرآن الكريم :

{ وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا }

قال سيدنا محمد صلى الله عليه و آله عنه : " ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلاّ ذا ذنب إلاّ يحيى بن زكريا ".

و قال عنه أيضاً : " ما من أحد من ولد آدم إلاّ و قد اخطأ أو همّ بخطيئة إلاّ يحيى بن زكريا " .

صدق رسول الله .

عندما سمع سيدنا المسيح بالنبأ حزن كثيراً و قال : " لم يقم في مواليد النساء من هو أعظم منه " .


عودة المسيح :

مات هيرودس و لكن الشرور ظلّت مستمرة و اليهود غارقون في ضلالهم .

و قرر عيسى بن مريم أن يعود ألى فلسطين ، و سكن مع والدته قرية في جبال " الجليل " تدعى " الناصرة " . و هناك جاءه الملاك و أمره بتبليغ رسالة الله .


ماذا جرى لسيدنا عيسى ؟

التوقيع :




الرد مع إقتباس
قديم 22-10-2007, 07:51 AM
العقرب العقرب غير متصل
عضو
 

رقم العضوية : 9711

تاريخ التّسجيل: Mar 2004

المشاركات: 345

آخر تواجد: 16-07-2017 02:24 AM

الجنس:

الإقامة: البحرين

روح الله

قصة سيدنا المسيح ( عليه السلام )




كان جالساً في المعبد . . في البيت المقدس ، عمره ثلاثون سنة . . طويل القامة ، نحيفاً . . حاف القدمين ، يرتدي قميصاً من الصوف ، يفكّر في مصير أمّته وشعبه .

غادر المعبد ، متجهاً نحو التلال . . كان الرعاة يسوقون أغنامهم عائدين ، فقد جنحت الشمس للمغيب ، وفكّر المسيح في بني إسرائيل وتساءل :

كيف لي أن أسوق خراف بني إسرائيل الضالة إلى ينابيع النور ؟

كيف لي أن أردّ الضائعين إلى الطريق .

غابت الشمس ، وعاد الرعاة إلى منازلهم ، والأغنام إلى حظائرها ، والطيور إلى أوكارها ، والأطفال إلى أحضان أمهاتهم . .

أمّا المسيح فلا يعود . . لماذا ؟ لأنه ليس له بيت !

كان ينام في البريّة ، أمّا إذا نزل المطر أو الثلج فأنه يأوي إلى المغارات في الجبال ، وعندما يجوع فأنه يقتطف بعض ما تنبته الأرض من النباتات البرّية . .

هكذا كان يعيش المسيح حرّاً زاهداً لا يخاف أحداً إلاّ الله ، عاش عزيزاً لأنه لا يطمع بشيء في هذه الدنيا .

حلّ المساء وحان وقتُ النوم ، توسّد عيسى حجراً ونام .

كان ينظر إلى السماء الواسعة المرصّعة بالنجوم . .

فجأة ظهر الملاك . . نوره يملأ المكان . .

ان الله يأمرك بإبلاغ الرسالة !

ونهض المسيح بأمر الله . . ان روح القدس تؤيده والله معه وهو ناصره .

الإعلان السماوي :

وكان السوق مكتظاً بالناس ، ووقف عيسى ليعلن نبأ السماء .

هتف المسيح بشجاعة .

{ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ }[1].

في ذلك الوقت كان " فونتيوس فلاتوس " حاكماً على فلسطين وكانت الحكومة القيصرية ، تفرض على حكام الولايات الاستجابة إلى مطالب الناس في الأقاليم المحتلة إذا لم تمس أمن الإمبراطورية الكبرى .

كان الحاكم يراقب عن كثب ما يجري في مقاطعته ، وذات يوم وصلته تقارير عما يجري في البلاد ، إنّ شاباً يدعى عيسى ، يقول أنه رسول من الله ، وهو يدعو الناس إلى العودة إلى فطرة الله والابتعاد عما يلوّث النفس .

كان الكهنة اليهود أول من انزعج لدعوة المسيح . . لماذا ؟ لأن المسيح يدعو الناس إلى مواساة الفقراء وإطعام الجياع . . لأن المسيح يقول ان الكهنة حرّفوا التوراة .

لأن الكهنة يخدعون الفقراء . . ينهبون أموالهم باسم النذور !

في ذلك الزمان كان بعض اليهود ينكرون يوم القيامة ، والحياة بعد الموت ، ولا يؤمنون بالحساب والعقاب والثواب ، لم يكونوا يعلنون ذلك ، كانوا يتظاهرون بالدين ويضمرون الانحراف . . يتظاهرون بالإيمان ويُضمرون الكفر .

الصراع :

بدأ الكهنة حربهم ضد المسيح . . راحوا يطلقون الشائعات يتهمونه بالكفر !

كانوا يصيحون بحقد لو كان نبياً فأين معجزاته . . لقد كان لموسى معجزات كثيرة ، فما الذي جاء به عيسى ؟

وكان يقولون عن مريم أشياء سيئة !

كانوا يتهمونها ، وهي الطاهرة البيضاء !

ووقف عيسى في البرّية يدعو بني إسرائيل إلى الروح . . إلى أن يتخلصوا من أسر المادّة . .

قال أحدهم :

الروح هي الدماء التي تجري في عروقنا .

قال عيسى بن مريم :

الروح كلمة الله .

لا نفهم ما تقول .

انحنى المسيح وتناول قبضة من الطين وقال :

ما هذه ؟

قبضة طين !

هل فيها روح ؟

كلاّ .

فإذا صنعت منها كهيئة الطير . . وإذا نفخت فيها وأصبحت طيراً بإذن الله !

قالوا بدهشة :

ماذا تعني ؟!

اعني انني قادر على انفخ فيها فتصير طيراً بإذن الله . . ذلك أن الله هو واهب الحياة . . وأن الله على كل شيء قدير .

وفي تلك اللحظات كان عيسى ( عليه السلام ) يصنع في قبضة الطين شكلاً يشبه الطير . .

اكتمل الشكل ، ونفخ في ذلك الشكل الطيني .

فجأة تحولت قبضة الطين إلى حمامة بيضاء ، صفقت بجناحيها ، ثم طارت في الفضاء الأزرق .

وامتلأ المسيح خشوعاً لله القادر الخالق البارئ المصوّر .

الحوّاريون :

هل آمن بنو إسرائيل بعيسى ؟ . . هل خشعوا لله ؟ كلاّ ، كان الكهنةُ يزدادون حقداً ، وراحوا يشيعون بين الناس البُسَطاء : إن عيسى شابٌ كافر .

راحوا يتآمرون لقتله ، شعر عيسى أن الكفر يبرق في عيونهم من أجل هذا هتف !

مَن أنصاري إلى الله ؟


فنهض اثنا عشر رجلاً وهتفوا :

نحن أنصار الله . . آمنا بالله واشهد بانّا مسلمون . .

ثم اتهجوا بأبصارهم نحو السماء وقالوا :

ربّنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول ، فاكتبنا من الشاهدين .

عازر :

كان سيدنا المسيح يحب صديقاً له اسمه عازر ، وكان عازر شابّاً مؤمناً .

ذات يوم ذهب عيسى إلى منزل عازر سأل عنه ، خرجت أمّه تبكي قالت :

لقد مات . . ودفن قبل ثلاثة أيام .

قال المسيح :

أتحبين أن تريه ؟

قالت الأم المؤمنة :

نعم يا روح الله !

قال عيسى :

غداً سآتي لأحييه بأذن الله .

وفي الصباح الباكر ، جاء عيسى وقال للأم :

انطلقي معي إلى قبره .

وقف المسيح عيسى بن مريم أمام القبر واتجه ببصره إلى السماء وراح يتضرع إلى الله واهب الحياة ، ثم هتف بإيمان ملتهب :

انهض من نومتك يا عازر !

فجأة انزاح التراب ، وانشق القبر، وخرج عازر من قلب التراب !!

عانقت الأم ابنها ودموع الفرح تموج في عينيها .

قال المسيح :

أتحب أن تبقى مع أمّك ؟

قال عازر :

نعم يا كلمة الله .

قال المسيح :

ان الله قد كتب عمراً جديداً ، سوف تتزوج ويرزقك الله أولاداً صالحين .

المائدة السماوية :

أوحى الله إلى الحواريين ، أن آمنوا بي وبرسولي ، قالوا : آمنّا واشهد باننا مسلمون .


التف الحواريون حول الرسول عيسى بن مريم يصدقونه ، ويدافعون عنه ، كانوا مثل جيش صغير ، ولكنّه قوي .

وكان المسيح وجيهاً في الدنيا والآخرة ، بلغ من إيمانه انه كلّما سأل الله سبحانه شيئاً استجاب له .

ولم يكن عيسى ليسأل إلاّ من أجل يؤمن الناس بالله ويعودوا إلى فطرتهم الأولى .

كان مثل راع طيّب ، حريص على خرافه أن تشذّ فتخطفها الذئاب ، وكان الفقراء من بني إسرائيل ، مثل خراف ضالّة ، وكان الكهنة المنافقون مثل الذئاب ، يختطفون الفقراء ، ويقتلون في نفوسهم الإيمان برسالة المسيح ( عليه السلام ) .

ذات يوم مضى المسيح ومعه الحواريون . . مضى إلى التلال القريبة كان يريد نشر الإيمان بين أهالي القرى .

جلس قرب نبع من الماء وجلس معه الحواريون ، راح المسيح يغسل أقدامهم ، تعجبوا من عمله ، قالوا له :

لم تفعل ذلك يا رسول الله ؟!

قال المسيح ونفسه تفيض بالتواضع :

أريدكم أن تفعلوا مع الناس كما أفعل . . ان تخدموهم كما أخدمكم .

كان الحواريون جائعين ، وكان المسيح عندما يجوع يقتطف بعض النباتات البرّية ويسدّ بها جوعه .

الحوّاريون لا يستطيعون ذلك ، لقد كان المسيح زاهداً ، علّم نفسه كيف يكون سيّداً لمعدته !

تهامس الحواريون فيما بينهم ، ان المسيح الذي خلق من الطين كهيئة الطير ، ثم نفخ فيه فكانت طيراً ، والمسيح الذي نادى على عازر في قبره فنهض ، يستطيع أن يسأل الله طعاماً نأكله .

من أجل هذا قالوا :

يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك أن ينزّل علينا مائدة من السماء ؟!

تأثر عيسى بشدّة ، هل يشك هؤلاء بقدرة الله ؟ قال لهم مخدراً :

اتقوا الله إن كنتم مؤمنين !

قالوا :

نريد أن نأكل منها ، ونعلم أن قد صدقْتنا ، ونكون عليها من الشاهدين .

من أجل أن تطمئن قلوبنا ، ولسوف نشهد بهذه المعجزة أمام الناس جميعاً ، فتكون دليلاً آخر على صدق رسالتك . . ونريد أيضاً أن نتبرك بمائدة سماوية كريمة .

سكت سيدنا عيسى ( عليه السلام ) ، وكان وجهه المضيء حزيناً ، وقد شعّ من عينيه نور سماوي .

سجد المسيح لله رب السماوات ، ثم رفع رأسه إلى الفضاء الأزرق وهتف من أعماق نفسه الطاهرة :

{ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ }[2].

وتألق نور سماوي غمر المكان وسمع عيسى ( عليه السلام ) والحواريون كلاماً مهيباً ينفذ في القلوب إنّ صوت الله يقول لهم :

{ قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ }[3] .

وهبطت مائدة سماوية فيها رزق كريم ، وكانت حافلة بالخبز واللحم ، وملأت رائحة الطعام الفضاء ، وجاء الجياع ، وجاء الفقراء الذي لا يجدون شيئاً يأكلونه . . جاءوا إلى عيسى بن مريم ليطعمهم . ووجدوا المائدة الكريمة ، فأكلوا وشبعوا . . وأكل الناس في ذلك اليوم أهنأ وأطيب طعام .

على ساحل البحر :

ومضى السيد المسيح يتفقد الناس الفقراء ، ورآه الصياديون فهتفوا :


جاء المعلم !

كانوا حزينين ، لقد ألقوا شباكهم في البحر دون أن يحصلوا على شيء .

بعضهم كان جالساً على الشاطئ وبعضهم في قوارب الصيد ينظرون إليه بأسى ، وبعض كانوا يلفوّن الأشرعة وقد سيطر اليأس على الجميع .

ركب عيسى قارباً وأشار إلى الصيادين باستئناف رحلة الصيد .

ارتفعت الأشرعةُ من جديد ، وكانت القوارب تجري خَلف قارب المسيح ( عليه السلام ) .

توقفت القوارب في نقطة من البحر الأزرق ، وأشار المسيح ( عليه السلام ) أن القوا شباك الصيد في المياه . وكانت المفاجأة أن كل الشِباك عادت وهي مليئة بالسمك ثم ألقيت مرة أخرى وأخرى حتى امتلأت القوارب بالأسماك .

وعاد الصيّاديون يصدحون بأناشيد الفرح ويشكرون الله على ما رزقهم .

الشفاء :

ذات مرّة دعا أحد الحواريين سيدنا المسيح إلى منزله ولبّى المسيح الدعوة فمضى معه .

في الطريق رأى المسيح شابّاً يسير والناس يسخرون منه !!

كان الشاب أبكم . .لا يسمع شيئاً لهذا فهو لا يستطيع أن يتكلم . . لأنه لم يسمع كلاماً أبداً . . ولكنه كان ينظر بحيرة إلى الناس وهم يضحكون منه .

وضع المسيحُ كفّيه بلطف ومسح على رأسه وأذنيه . . وحدثت المعجزة أن الشاب ولأول مرّة بدأ يسمع ؟!

وتحولت سخريات الناس إلى دهشة ، وبعضهم آمن بالمسيح وأصبح من أتباعه .

ومضى المسيح في طريقه إلى منزل صديقه .

في الصباح سمع المسيح أصوات طَرْق على الباب ، وكانت الحجارة تنهال بشدّة .

وخرج المسيح ليرى ما يجري ، رأى رجلاً أبرص والناس يقذفونه بالحجارة لكي يجبروه على مغادرة القرية !

كانوا يرمونه من بعيد ، ويتقززون من رؤيته .


وضع المسيح يده المباركة ومسح على وجهه مثلما يذوب الملح في الماء اختفت آثار المرض وعادت الفرحة إلى وجه الفتى .

أمّا الناس فقد راحوا يتدافعون نحو السيد المسيح للتبرّك به .

المؤامرة :

هكذا عاش المسيح من أجل الفقراء . . من أجل البؤساء والمساكين . كان يُرشدُ الناس إلى النور ويبشرّهم بالرسول الأكرم يسمّيه المعزّي فيقول لهم .

" وأمّا المعزّي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكّركم بكل ما قلته لكم "[4].

وكان يقرأ لهم ما ورد في التوراة مما قاله الله سبحانه لموسى ( عليه السلام ) :

" أقيم لهم نبياً من وسط إخوانهم مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به "[5].

من أجل هذا ، حقد كهنة اليهود ، وراحوا يحرّضون على قتل المسيح .


راحوا يشيعون عليه أنه ساحر ، وانه مرتدّ عن شريعة موسى ( عليه السلام ) .

وذات يوم اندفعوا نحو المعبد ، وكان المسيح مع حوّاريه ، كانوا يريدون قتله .

وتدخلت الشرطة ، وكان الحكم " فيلاتوس " استهدف من وراء اعتقاله حمايته من شرور اليهود والتحقيق في أفكاره ودعوته .

وسيق المسيح مخفوراً إلى القصر ، واندفع الغوغاء وراءه ، خرج فيلاتوس ليتحدث معهم حول سبب نقمتهم ، فجاءت الصيحات من كل مكان :

هو كافر!

ملحد!

خائن!

أغلق الحرسُ بوابة القصر ، وراح فيلاتوس يتأمل في وجه المسيح . . الصفاء والسلام يشعان من عينيه ، تساءل في نفسه :

إن شاباً كهذا لا بدّ وانه يحمل أفكاراً صافية !

قال فيلاتوس :

هناك من يقول انك تدعو الناس وتحرّكهم ضد الحكومة .

قال المسيح بثقة :

انني أدعو إلى عودة الروح . . إلى أن يحسن الإنسان إلى أخيه الإنسان . . إلى أن يعبد الله الواحد الأحد .

كان فيلاتوس قد قرأ عن مذاهب بعض فلاسفة اليونان فلم يجد في أفكار عيسى خطراً على روما .

من أجل هذا فتُحت بوّابة القصر وأُفرج عن المسيح .

أمّا اليهود فقد راحوا يُشِيعُون ان الحاكم قد تأثر بأفكار المسيح ، وأنه يريد خيانة القيصر .

كانوا خبثاء لم يكتفوا ببث الشائعات بل راحوا يسجّلون الطوامير ويبعثون بالرسائل إلى روما لعزله عن الحكم .

وهكذا حدثت فوضى في البلاد ، وخاف الحاكم من أن تنقلب الأمور ضدّه ، فسمح لليهود أن يفعلوا بالمسيح ما يشاءون .

كان اليهود في ذروة حقدهم ، وكان الكهنة مثل الذئاب يبحثون عن المسيح ، ليمزّقوه بأسنانهم ، لا لذنب إلاّ لإنسانيته!! إلاّ لأنه جاء بالشريعة الحقيقية ، كما أنزلها الله على سيدنا موسى ( عليه السلام ) !

كان كهنة اليهود في اجتماع صاخب ، يبحثون في كيفية القاء القبض على عيسى ين مريم ( عليه السلام ) .

وانتشر الجواسيس في كل مكان للبحث عنه ، وكان اختفاء المسيح قد اُثار لهم قلقاً ، لأنّ في بقائه خطراً على مصالحهم .

رَصدَ الكهنةُ جوائزَ مغرية لمن يعثر عليه أو يقدّم لهم معلومات تساعد في القبض عليه!

آلام المسيح :

لقد تعذّب المسيح كثيراً ، تعذب هو وأمه .

اليهود عذّبوا مريم منذ ميلاد عيسى ( عليه السلام ) وبدل أن تخشع قلوبهم للمعجزة فأنهم اتهموا مريم ، وقالوا ان والد عيسى رجل اسمه يوسف النجار .

وعندما كبر عيسى وحمل أعباء الرسالة راحوا يطاردونه في كل مكان ،وهاهم الآن يحرّضون الحكومة على قتله ، ويتّهمون الحاكم بخيانة القيصر!

نجح اليهود في الحصول على الضوء الأخضر في قتله ، وهاهم يبحثون عنه في كل مكان ، وقد وضع الحاكم الروماني مفرزة من الجنود تتولى القبض عليه وصلبه .

ولكن أين ياتُرى كان المسيح ( عليه السلام ) ؟


كان المسيح يتنقل بخفاء من مكان إلى آخر ، وكان يمضي كل ليلة في مكان ومعه بعض أتباعه . وذات ليلة ، اختبأ عيسى ( عليه السلام ) في بستان مع بعض الحوّاريين ونهض المسيح _ بعد أن تناولوا طعامهم _ ليلقّن أتباعه درساً في التواضع ، فغسل أيديهم ، قائلاً :

لقد فعلت ذلك حتى أكون لكم قدوة ، فتواضعوا للناس !

وفي تلك الليلة قال المسيح وقد شعر الغدر .

أخبركم ان الراعي سيذهب ، وستبقى الغنم وحدها وسيكفر بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرّات .

وتبادل الحوّاريون النظرات ، وكانت عينا يهوذا الاسخريوطي تبرقان بالغدر .

كانت تلك الليلة شتائية قارسة البرد ، عندما نام الجميع تسلّل يهوذا خارجاً .

كان يفكر في الذهب . . في الجائزة التي سيحصل عليها ، لهذا اتجه إلى المعبد حيث كهنة اليهود يترقّبون الأخبار .

وهمس يهوذا في أذن الكاهن الأكبر ، وتسلّم حفنة من النقود الذهبية .

وصاح الديك ثلاث مرّات ، وأصدر الكهنة أوامرهم إلى مفرزة الجنودِ الرومان بمرافقة يهوذا الاسخريوطي ، كان يهوذا متلثماً حتى لا يعرفه أحد .


كان يسير والجنود يسيرون وراءه ، واستيقظ الناس وحدثت الفوضى ، واقتحم عشرات الجنود البستان .

فرّ الحوّاريون في جميع الاتجاهات .

وأراد الله أن ينتقم من الغادر فألقى شبه السيد المسيح على وجه يهوذا .

اما المسيح فقد رفعه الله إلى السماء بعيداً عنهم وخلّصه من مؤامرات اليهود القذرة .

الصليب :

لم يعثر الجنود الرومان على المسيح . . ولم يكونوا ليعرفوه من قبل لأنهم لم يروه سابقاً ، وفي غمرة الفوضى وقعت أعينهم على يهوذا ورأوا أن العلامات تنطبق عليه تماماً فألقي القبض عليه وسيق مخفوراً .

أراد اليهود التخلّص من المسيح بأسرع وقت .

فأُخِذَ فوراً إلى تلّ الجلجلة .

وهناك صُلب الشبيه ، ليسدلُ الستار على قصّة المسيح ( عليه السلام ) .

ولكن هل انتهت قصته حقاً ؟

كلاّ ، انتشرت شائعات كثيرة عن ظهوره . . ولعلّ الفقراء الذين كانوا يحبونه هم وراء مثل هذه الشائعات .

ومع ذلك فقد خاف اليهود لأنهم لم يتيقّنوا من قتل المسيح ، لهذا راحوا يشيعون بأنهم قتلوا عيسى بن مريم وأنهم صلبوه .

أما الحقيقة ، فان الله سبحانه يقول في القرآن الكريم : { ..وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا }[6].

وسيعود المسيح ذات يوم .. متى ؟

في اليوم الموعود . . يوم يظهر الإمام الثاني عشر من ائمة أهل البيت : الإمام محمد المهدي ( عليه السلام ) الذي بَشّر بظهوره سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله ) .

سيشهد المسيح بصدق المهدي ، وسينصر الحق على الباطل ، ويسودُ الأرضَ الربيعُ والسلام .

التوقيع :




الرد مع إقتباس
قديم 22-10-2007, 07:52 AM
العقرب العقرب غير متصل
عضو
 

رقم العضوية : 9711

تاريخ التّسجيل: Mar 2004

المشاركات: 345

آخر تواجد: 16-07-2017 02:24 AM

الجنس:

الإقامة: البحرين

إنهم فتية آمنوا

قصة أصحاب الكهف و الرقيم




في عام 106 بعد ميلاد السيد المسيح ( عليه السلام ) اجتاحت الجيوش الرومانية بلاد الاردن ، حيث تنهظ مملكة الانباط .

وكان الإمبراطور الروماني " تراجان " وثنياً متعصباً ، فراح يطارد المؤمنين خاصّة اتباع السيد المسيح ( عليه السلام ) .

وقد كانت سوريا وفلسطين والأردن قبل هذه الحملة العسكرية تتمتع بنوع من الحكم الذاتي ، وكانت العاصمة " روما " تكتفي من تلك البلدان بدفع الضرائب .

ويعود سبب ذلك إلى ضآلة القوّات الرومانية فيها .

وهكذا جاءت الحملة العسكرية ليستكمل الرومان احتلالهم العسكري لتلك الأقاليم ، وإخضاعها لحكم روما المباشر .


وفي سنة 112 ميلادية اصدر الإمبراطور تراجان مرسوماً يقضي ، بان كل عيسوي يرفض عبادة الآلهة سوف يحاكم كخائن للدولة ، وانّه سيعرض نفسه للموت .

فيلادلفيا :

في ذلك الزمان كانت عمّان [1] تدعى " فيلادلفيا " وكانت مدينة جميلة ، ولكن التماثيل التي كانت تزيّن المدينة ، لم تكن للزينة فقط ، بل كانت تعبد كآلهة من دون الله سبحانه .

فهناك تمثال لأثينا إلهة الحرب ، حيث تمسك بحربة في يدها اليمنى وتحتمي بترس في يدها اليسرى ، وهناك أيضاً تمثال " تايكي " أو إلهة الخط وحارسة المدينة ! وهو الآن في متحف الآثار في عمّان !

وإلى الشرق والجنوب الشرقي من عمّان كانت تنهض " فيلادلفيا " ، وقد وصلت آنذاك أوج تمدّنها المادّي ، أمّا المؤمنين فقد كانوا يعيشون خائفين خاصّة بعد أن احتلت القوّات الرومانية في عهد " تراجان " البلاد ، وفرضت عليها حكماً مباشراً .

أصدر تراجان في سنة 112 ميلاديةمرسومه باعتبار جميع النصارى خونة للدولة ! وكان المسيحي يخيّر بين عبادة الآلهة أو الموت !

الفتية السبعة :

كثيرون هم الذين خافوا ، وتظاهروا بعبادة آلهة الرومان ، وبدأت لجان الدولة بالتحقيق والتفتيش في عقائد أهل البلاد ، فعاش الناس في خوف وقلق ، وفي تلك المدينة عاش فتية سبعة ، ذكر التاريخ أسماءهم كما يلي :

1. ماكس منيانوس .

2. امليخوس .

3. موتيانوس .

4. دانيوس .

5. يانيوس .

6. اكساكدثونيانوس .

7. انتونيوس .

عاش أولئك الفتية المؤمنون في حيرة ، ماذا يفعلون ؟ ماذا سيكون موقفهم؟

لم يكن أمامهم سوى طريقين : الموت أو الكفر .

وفي تلك اللحظات المصيرية اتخذوا قراراً مصيرياً هو الفرار من المدينة ، ولكن كيف ؟


في فجر ذلك اليوم وفيما كانت لجان التفتيش تطارد المؤمنين رأى الحرّاس سبعة رجال ومعهم كلب يغادرون المدينة .

سأل الحرّاس :

إلى أين ؟

أجاب أحدهم :

اننا نقوم برحلة للصيد .

قال الحارس :

حسناً ولكن يجب أن تعودوا للاشتراك في الاحتفال الرسمي .

إلى الكهف :

اتجه الفتيان السبعة ومعهم كلبهم شرقاً إلى كهف على بعد (8) كيلومترات ، بالقرب من قرية تدعى " الرقيم " .

وصل الفتية المنطقة الجبلية وراحوا يتسلقون المرتفعات في طريقهم إلى كهف كانوا قد انتخبوه من قبل .

يقع الكهف في السفح الجنوبي من الجبل ، كان كهفاً فريداً في موقعه ، فهو معتدل الجوّ بسبب وجود فتحتين في جانبيه الأيمن والأيسر ، أما بابه فهو يقابل القطب الجنوبي ، وللأرض في داخل الكهف فجوة تبلغ مساحتها (5/7) متراً ، وفي المكان الذي قرر الفتية الاستفادة منه في اختبائهم .

كانت فكرة الفتية هي اعتزال الناس والاختباء في هذا المكان ، وانتظار رحمة الله .

لم يكن هناك من أمل في الانتصار على الرومان الوثنيين .

كما أنهم يرفضون بشدّة عبادة تلك الآلهة هو افتراء على أكبر حقيقة في الوجود .

كان الناس في ذلك الزمان لا يعتقدون بيوم القيامة ، كانوا يتصوّرون ، إنّ روح الإنسان عندما يموت تنتقل إلى إنسان آخر أو تحلّ في حيوان .

النوم الطويل :

وصل الفتية إلى الكهف متعبين ، وكانوا قلقين ، من أن يطاردهم الجنود الرومان ويكتشفوا مخبأهم .

كانوا متعبين لأنهم لم يناموا في الليلة السابقة ، لهذا شعروا بالنعاس يداعب أجفانهم فناموا ، وهم يحلمون بغدٍ أفضل .


الله سبحانه ومن أجل أن يجسّد قدرته في بعث الموتى ، ومن أجل أن يعرف الناس قدرته ، وأنه هو وحده مصدر العلم والقدرة ، ألقى عليهم نوماً ثقيلاً ، وضرب على آذانهم .

كم من الوقت ظلّوا نائمين ؟ لقد استمر نومهم أياماً طويلة وكانت الشمس تشرق وتغيب وهم نائمون .

كانت مفارز الجنود تبحث عنهم في كلّ مكان ، ولكن دون جدوى .

أصبحوا حديث أهل البلاد ، لقد اختفى الفتية السبعة في رحلة للصيد ولم يعثر عليهم أحد .

وهكذا تمرّ الأعوام تلو الأعوام ، ولا أحد يعرف ما يجري في ذلك الكهف .

الكلب باسط ذراعيه في باب الكهف ،وقد استسلم لنوم ثقيل طويل .

كان الهواء معتدلاً في داخل الكهف ، لأن بابه كان يواجه القطب الجنوبي ، كما أن وجود فتحتين على جانبيه قد مكّن لنور الشمس من إلقاء أشعة الصباح داخل الكهف وكذلك عند الغروب .

كانوا نائمين لا يعلمون بما يجري لقد مرّت عشرات السنين وهم نائمون .

لو قدّر لراع أن يعثر على الكهف أو على مسافر أن يأوي إليه عند هطول المطر ، فأنه سوف يهرب وهو يرى منظراً مخيفاً ، لماذا ؟

لأنه سيرى رجالاً مفتوحي الأعين ويبحلقون في الفراغ ويرى كلباً من كلاب الصيد هو الآخر جامد كالتمثال .

كانوا غارقين في نوم عميق بلا أحلام .

ولكن ماذا يجري خارج الكهف ؟ ماذا يجري للمدن والقرى في البلاد ؟

موت تراجان :

مات الإمبراطور " تراجان "[2] ، وجاء بعده أباطرة آخرون ومات أيضاً الإمبراطور دقيانوس الذي حكم من سنة 285 إلى 305 ميلادية.

وخلال تلك الفترة سقطت " تدمر " سنة 110 ميلاديةثم استعادت هيبتها لتسقط نهائياً سنة 272 حيث قضى الرومان على " زنوبيا " وذلك بعد حروب مدمرّة .

الملك الصالح :

وفي سنة ( 408 ) ميلادية اعتلى الإمبراطور " ثيودوسيوس " عرش روما ، وهو الإمبراطور الذي اعتنق الدين المسيحي لتصبح إمبراطورية روما مسيحية .

وفي سنة 412 ميلادية شاء الله أن تتجلّى الحقيقة ، وأن تظهر قدرته للناس رحمة منه .

كان قد مرّ على هروب الفتية السبعة ثلاثة قرون .

فماذا حصل داخل الكهف يا ترى ؟

نبح الكلب " كوتميرون " ، واستيقظ الفتية من أطول نوم في التاريخ .

تساءل أحدهم قائلاً وكان يظن ناموا عدّة ساعات فقط :

كم نمتم من الوقت ؟

كانوا ما يزالون يشعرون بالنعاس ورأوا أن الشمس قد جنحت إلى الغروب وكانت أشعتها الذهبية تغمر جانباً صغيراً على جدار الكهف .

لهذا ظن بعضهم انهم ناموا يوماً كاملاً : كانوا يظنون انهم أمضوا الليل كله نياماً دون أن يشعروا بغروب الشمس ، ثم شروقها ، وها هي تغرب الآن . لذلك قالوا :

نمنا يوماً أو بعض يوم .

بعضهم قالوا :

ربكم أعلم بما لبثتم . .

الله وحده الذي يعلم كم استمر نومكم ، الله وحده الذي يعلم يما هو محجوب عن النفس ، الإنسان عندما ينام ، ينقطع عن العالم . . عن الدنيا . .

لو افترضنا ان إنساناً نام في أول الخريف ثم استيقظ ورأى الثلوج ورأى الأشجار بلا أوراق لا كتشف أنه نام أكثر من ثلاثة أشهر ، لماذا ؟ لأنه مضى فصل الخريف وهو الآن في الشتاء .

الفتية السبعة استيقظوا ورأوا الشمس مائلة إلى الغروب ، لم يعرفوا ما إذا ناموا عدّة ساعات فقط أم ناموا أكثر . . لأنهم لا يعرفون ما إذا كانت الشمس قد غابت ثم أشرقت في اليوم التالي وهاهي تغيب مرّة أخرى أم لا!

كانوا مؤمنين حقاً لهذا قالوا : الله وحده الذي يعلم كم نمنا ، كانوا يظنون فقط أنهم ناموا يوماً أو بعض يوم !

المهمة الخطرة :

في صباح اليوم التالي ، شعروا بالجوع ، قال أحدهم وأخرج نقوداً ذهبية :


ليذهب أحدنا بهذه النقود ويشتري لنا طعاماً طيّباً . . وليكن على حذر تام ، حتى لا يكتشف أحد هوّيته . . إنّنا إذا وقعنا في قبضتهم فسيكون مصيرنا الموت .

قال آخر :

حقاً لقد وضعوا حكم الرجم بالحجارة ، لمن يدان برفض الآلهة !

وقال آخر :

وقد يجبروننا على السجود للآلهة . .

وقال آخر :

يا له من مصير بائس إذن .

في السوق :

تبرع أحد الفتية بالانطلاق إلى المدينة وشراء الطعام من السوق . .

غادر الكهف وانحدر من الجبل ، وكان يفكّر كيف يدخل المدينة وكيف سيجيب إذا سأله أحد ، وماذا يقول للحرّاس والجنود الرومان ؟!

لم يلتفت إلى التغيرات التي أحدثتها الأمطار والسيول والرياح مدّة ثلاثة قرون . .

كان خائفاً قلقاً ، لأنه لم يذهب في رحلة للصيد أو النزهة ، عندما فرّ مع رفاقة إلى الكهف .

وها هو الآن يعود لشراء الطعام . ما يزال يشعر بالخوف .

انه يتصوّر ان الأمور كما هي عليه بالأمس . . وصل المدينة وبدأ يتطلع إلى أسوارها ومبانيها ، كان يمشي حائراً يتعجّب . تصوّر أنه وصل مدينة أخرى!

لم يعترضه أحد عندما دخل المدينة ، ولم يجد أثراً لتماثيل الآلهة ، رأى نفسه غريباً في المدينة !

الناس هنا يرتدون أزياء جديدة ، ولم يشاهد جنوداً يقمعون الناس أو يحاسبونهم على عقيدتهم !

الناس هنا يعيشون بسلام ، يعملون ويزرعون ، ولا يبدو عليهم الخوف أو القلق .

ومضى الفتى إلى السوق . . سأل أحدهم فدلاّه وتعجّب الفتى من طريقة الكلام تغيرّت لهجة الناس كثيراً إنهم يتحدّثون بلهجة جديدة !!

أمر عجيب ؟!!

تساءل الفتى في نفسه :

هل أخطأت الطريق ووصلت مدينة أخرى ؟!

الحقيقة الكبرى :

انتبه إلى نفسه ، وفكر باداء مهمته وهي شراء الطعام والعودة إلى المخبأ في الجبل .

لهذا تظاهر بانه يتصرّف بطريقة عادية ، وكأنه أحد سكان المدينة . .

الناس حسبوه رجلاً غريباً ، جاء من قرية بعيدة وسط الجبال .

بحث الفتى عن رجل طيّب ، كان يبيع الطعام ، لكنه لم يجده ووجد باعة كثيرين تلوح على وجوههم الطيبة .

اختار الفتى بعض الأطعمة المعروضة ، ونقد البائع الثمن ، وهنا حدث ما كان متوقعاً!

عندما تسلم البائع النقود ، تأمل فيها مدهوشاً ! انها نقود تعود إلى زمن الإمبراطور تراجان وقد مضى على سكّها ثلاثة قرون .

نظر البائع إلى الفتى بدهشة ، وفكّر أنه قد يكون عثر على كنز ، لهذا قال له :

هل عثرت على كنز ؟!

ماذا تعني ؟

ماذا أعني هذه النقود الذهبية إنها تعود إلى ما قبل عشرات السنين .

إنّها نقودي ، وجئت أشتري طعاماً لي .

قال البائع وهو يريه العملة المتداولة :

انظر ! اننا نتعامل بهذه النقود !

نظر الفتى إلى المسكوكة ، انه لم يرها من قبل قال في نفسه :

يا إلهي ماذا حصل ؟!

قال البائع :

إذا اشركتني بالكنز ، فلن أخبر أحداً .

أي كنز ؟! انني لا أملك سوى هذه النقود !

إذن سأخبر الشرطة !

وارتفع صوت البائع وهو يتعلق بثياب الفتى .

وتحلّق الناس حولهما قال الفتى وهو يتلفت :

أرجوك اتركني سوف يقتلوني إذا أمسكوا بي . . إن جنود " تراجان " لا يرحمون أحداً .

تراجان ؟!


قال الناس متعجبين ، ضحك رجل وقال :

لقد مات تراجان قبل مئات السنين . . هل أنت مجنون يا فتى ؟!

سأل الفتى :

ومن يحكم الآن ؟

تيوديوس . . إنه إمبراطور طيب وقد اعتنق دين المسيح قبل عامين أو ثلاثة .

تساءل الفتى :

تعني انهم لم يعودوا يقتلون العيسويين ؟!

ماذا تقول ؟! لقد آمن الناس بدين الله ، لقد مضى زمن الظلم والعذاب .

قال شيخ وهو يفرك جبينه :

يا إلهي عندما كنت طفلاً كانت جدّتي عن فتية خافوا على دينهم من الإمبراطور فهربوا ولم يعثر عليهم أحد ؟!

اصيب الفتى بما يشبه الدوار . . وكاد يسقط على الأرض من هول ما يسمع . . هل يعقل أنهم ناموا كل هذه السنين ، وهل يمكن أن ينام الإنسان ثلاثة قرون ؟!

انه لا يذكر شيئاً تصوّر أنه نام بالأمس واستيقظ اليوم .

راح الفتى يفرك عينيه تصوّر نفسه في حلم . .

ولكن لا . . لا ان ما يراه حقيقة . . ولكنها حقيقة كبرى !

النهاية :

وصلت الأنباء المثيرة إلى حاكم المدينة ، كان رجلاً مؤمناً فأمر بإحضاره ، واكتشف الحاكم انه أمام حقيقة كبرى ، وأن الله سبحانه أراد أن يريهم آية تدلّ على قدرته في بعث الموتى ، وحقّانية البعث والمعاد يوم يقوم الناس لربّ العالمين .

طلب الحاكم من الفتى أن يرشدهم إلى الكهف ، وهكذا سار الفتى وخلفه الحاكم المؤمن وجنوده .

كان الفتية في الكهف خائفين ويعيشون حالة من القلق ، لقد تأخر أخوهم . .

قال : أحدهم :

ربّما أُلقي القبض عليه !

وقال آخر :

ربّما تأخر في دخول المدينة . . انتم تعرفون شدّة الحراس .

وفي تلك اللحظات المثيرة ، غادر أحدهم الكهف وراح يتسلق الجبل إلى القمة ، ومن هناك راح يراقب الطريق المؤدية إلى المدينة ، فرأى بعينيه ما كان يخشاه !

هاهم الجنود الرومان قادمون من بعيد . .

أسرع في العودة لاخبار رفاقه قال لهم :

لقد رأيت جنوداً قادمين نحونا ، لقد القي القبض عليه ودلّهم علينا .

قال :

لا أظنّ ذلك ، لننتظر . . ربما يقصد الجنود مكان آخر .

مرّت اللحظات مثيرة سريعة ، فجأة دخل الفتى الكهف ، وأخبرهم بالحقيقة الكبرى . . انهم لم يناموا يوماً أو بعض يوم ، لقد امتدّ نومهم إلى ثلاثة قرون ، وان الله قد جعلهم آية على قدرته ، وانه يحيي الموتى ، ويعيد الأرواح إلى أجسادها مرّة أخرى !!

في ذلك الزمان كان هناك من يقول : ان الروح عندما تخرج من الجسد لا تعود إليه ، ولكنها تحلّ في جسد آخر .

اما المؤمنون فكانوا يعتقدون بأنّ الله قادر على كل شيء ، وهو الذي خلق الإنسان ، وهو الذي يتوفى روحه ثم يعيدها إليه يوم القيامة .

كان الفتى قد طلب من الحاكم أن يذهب بمفرده لأنهم يخافون من الظلم وهم لا يعرفون ما حصل لهم .

عندما اكتشف الفتية هذه الحقيقة بكوا خشية لله ، وشوقاً إليه وتضرعوا إليه أن يقبض أرواحهم ، ذلك أنهم ينتمون إلى زمن مضى . . إلى ما قبل ثلاثة قرون .

واستجاب الله دعاءهم فألقى عليهم النعاس وحلّقت أرواحهم بعيداً إلى عالم مفعم بالخير والسلام .

كان الحاكم ينتظر ولكن دون جدوى ، لهذا قرر الذهاب بنفسه إلى الكهف ، وعندما دخل ، ومعه رجاله رأى منظراً عجيباً !

كانوا سبعة فتيان ومعهم كلبهم وقد ماتوا منذ لحظات . . ما تزال أجسادهم دافئة .

وسجد الحاكم لله سبحانه وسجد معه المؤمنون . .

في ذلك الزمان كان الناس يتجادلون حول الروح بعضهم يقول انها تعود إلى الجسد مرّة أخرى يوم القيامة ، وبعضهم يقول انه تحلّ في جسد آخر .

ولكن عندما رأوا بأعينهم أصحاب الكهف ، وكيف عادت لهم الروح أيقنوا بقدرة الله .

ولكن المشركون كانوا في شك لهذا قالوا :

أبنوا عليهم بنياناً . . ربّهم أعلم بهم !

ولكن المؤمنين قالوا :

لنتّخذنّ عليهم مسجداً . . ونتبرّك بهذا المكان الذي أظهر الله فيه قدرته .

وانتصر المؤمنون وبنوا في ذلك المكان مسجداً يعبد فيه الله وحده .

وازدادوا تسعاً :

واليوم عندما يزور المرء عمّان عاصمة الأردن ، يمكنه التوجه إلى الجنوب الشرقي منها وعلى مسافة ثمانية كيلومترات بين قريتي " الرقيم " و " أبو علندا " ، حيث يوجد كهف أصحاب الكهف .

سيرى عدّة قبور على هيئة النواويس البيزنطية والتي تبلغ سبعة نواويس إضافة إلى ناووس صغير لعلّه مدفن كلب أصحاب الكهف .

ويعود الفضل في هذا الاكتشاف إلى عالم الآثار " رفيق وفا الدجاني " الذي نشر نتائج تنقيباته سنة 1964 ميلادية ، وأثبت إنّه الكهف الذي ورد ذكره في القرآن الكريم ، وليس الكهف الذي يدّعي المؤرخون الأوربيون وجوده في مدينة أفسوس في تركيا .

ولكن ما حيّر المفسرين هو كم لبث أصحاب الكهف في رقودهم 300 أم 309 سنة ؟

يقول القرآن الكريم : { وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا }[3].

الجواب هو أن مدّة نومهم تساوي 300 سنة شمسية ، وهي تعادل 309 سنة قمرية والآن لنحاول حساب ذلك :

السنة الشمسية = 365 يوماً

السنة القمرية = 354 يوماً

× 365 = 109500 يوماً

309 × 354 = 109386 يوماً

وبما أن السنة القمرية = 354 يوماً و 8 ساعات و48 دقيقة .

إذن 8 ساعات و48 دقيقة = 528

اليوم = 24 ساعة = 1440 دقيقة


وبما أن السنة الثانية والخامسة والعاشرة سنين كبيسة .

إذن 309 – 300 = 9 = 10 لأن السنة التاسعة قريبة من العاشرة .

وبناء على ذلك يحصل لدينا أربعة أيام أخرى .

109386 + 110 + 4 = 109500 يوماً وهو نفس عدد أيام ال 300 سنة شمسية .

وأخيراً فان 300 سنة شمسية تعادل 309 سنة قمرية .

المصادر :

1. تفسير الميزان ، المجلد : 13 تفسير سورة الكهف .

2. عمّان عاصمة الأردن / منشورات امانة العاصمة الأردنية .

3. قصص القرآن / صدر الدين البلاغي .

4. المنجد في اللغة والأعلام .

5. التكامل في الإسلام / أحمد أمين .

التوقيع :




الرد مع إقتباس
قديم 22-10-2007, 07:53 AM
العقرب العقرب غير متصل
عضو
 

رقم العضوية : 9711

تاريخ التّسجيل: Mar 2004

المشاركات: 345

آخر تواجد: 16-07-2017 02:24 AM

الجنس:

الإقامة: البحرين

هُجوم الأبابيل

قصة أصحاب الفيل


في عام 535 الميلادي أعلن ابرهة الحبشي حاكم اليمن استقلاله عن امبراطورية الحبشة .

و راح أبرهة الحبشي يتصرّف كامبراطور يفكّر في توسيع رقعة بلاده باحتلال أراضي الغير .

و في تلك الفترة كان الصراع بين امبراطورية فارس و امبراطورية الروم على أشدّه .

و كان الرومان يشجعون أبرهة و يعزّزون العلاقات معه ، أما الفرس ، فكانوا يدعمون النصارى المعارضين لحكم ابرهة و يدعمون أيضاً اليهود في اليمن .

و قد كان لليهود دورّ في سقوط اليمن بأيدي الاحباش ، ذلك إنهم كانوا يحرّضون ذو نؤاس على اضطهاد نصارى نجران مما دفع بالحبشة الى ارسال قوّات لاحتلال اليمن .

" القليس " :

فكّر أبرهة الحبشي بانه قد يستطيع التوغل في الحجاز و السيطرة على الطريق البرّي للتجارة و بالتالي الاتصال بامبراطورية الروم .

الرومان كانوا يشجّعون على ذلك ، لانه يمكن تعزيز نفوذهم في مناطق متاخمة لامبراطورية الفرس .


لهذا كانوا يرسلون المبشّرين لنشر النصراينة ، و فكّر ابرهة الحبشي ببناء أكبر كنيسة في المنطقة ، و كان الهدف من ذلك اجتذاب انظار العرب و صرفهم عن الحج الى الكعبة و تنصيرهم .

انتهى البناء من الكنيسة الكبرى ، و دعا العرب الى زيارتها ، و لكنّ قوافل العرب ظلّت تتجه الى الكعبة المقدّسة .

و أعلن ابرهة الحبشي إنّه سيدّمر الكعبة ، و هكذا عبأ قوّاته يتقدّمها فيل إفريقي مدّرب .

غادر أبرهة صنعاء على رأس جيش جرّار باتجاه مكّة .

و قد حاولت بعض القبائل العربية في اليمن و اطرافها عرقلة تقدّم الاحباش ، و لكنها منُيت بالهزيمة ، و هكذا كان الجيش الحبشي يتقدم باتجاه مكّة لاحتلالها و تدمير الكعبة .

كان الجيش الحبشي يستولي على كل ما يصادفه ، و عندما وصل قريباً من مكّة ، وجد في أحد الأودية إبلاً لعبد المطلب بن هاشم فصادرها .


وصلت انباء الحملة العسكرية الى مكة ، فغادرها السكّان الى قمم الجبال ، لم يبق في المدينة سوى عبد المطلب جدّ سيدنا محمد ( صلى الله عليه و آله ) .

للبيت ربّ يحميه :

كان سيد مكة قد نصح السكان بإخلاء المدينة حتى لا يتعرّضون الى عدوان الجنود الاحباش .

كان عبد المطلب رجلاً مهاباً ، و هو الذي حفر بئر زمزم و ذلك سنة 540 ميلادية ، و منذ ذلك الوقت و الناس يعظّمونه و يؤيّدون زعامته .

توجه عبد المطلب الى الكعبة يتضرّع الى الله لحماية بيته العتيق ، ثم هتف بصوت مؤثر :

ـ لا همّ إنّ المرءُ يمنع رِحْله فأمنع رحالك !

إنّ كل انسان يدافع عن بيته إذا ما تعرّض للعدوان ، يا ربّ فأحم بيتك من عدوان الاحباش .

وصلت قوّات الأحباش مشارف مكّة ، فعسكرت هناك استعداداً لاحتلالها .

سأل ابرهة عن زعيم مكّة فأخبروه ان زعيمها شيخ يدعى عبد المطلب من نسل ابراهيم الخليل .

طلب ابرهة مقابلته ، و انطلق رجل حميري ، و جاء الى عبد المطلب ، قال له :

ـ إنّ الملك يقول إنّه لم يأت للحرب ، و أنما جاء لهدم الكعبة فقط ، فاذا لم يقاوموا الجيش فلن يتعرّض الجنود لأهل مكة .

أجاب عبد المطلب :

ـ إننا أيضاً لا نريد الحرب ، و لسنا قادرين على مقاومة جيش الحبشة . . .

و أشار عبد المطلب الى الكعبة و قال :

ـ هذا بيت الله الحرام ، و بيت خليله ابراهيم ، و أن الله هو وحده يستطيع أن يحمي بيته . . اننا لا نملك جيشاً للدفاع .

قال المبعوث :


ـ اذا لم تكن لديكم نوايا للحرب ، فان الملك يودّ مقابلتك و انطلق عبد المطلب الى خارج مكة لمقابلة ابرهة الحبشي .

كان ابرهة جالساً على سرير المُلك و قد فُرش له سجاد ثمين .

عندما رأى ابرهةُ عبد المطلب دخلتَ الهيبةُ في قلبه و نهض له باحترام و استقبله بحفاوة ، و اجلسه معه على السرير ، و راح يحادثه مؤكداً أنه لم يأت إلاّ لهدف واحد هو هدم الكعبة .

التفت ابرهة الى المترجم و قال :

ـ اسأله هل لديه حاجة ؟!

قال عبد المطلب :

ـ ان الجيش قد صادر مئتي بعير لي ، و أنا اطالب باعادتها . عندما سمع ابرهة الترجمة نظر الى عبد المطلب نظرة فيها استصغار و قال :

ـ عندما رأيتك هبتك ، و لكن عندما تحدثت زهدت فيك . . أتطلب مني إعادة إبلك ، و تترك بيتاً تقدّسه أنت و آباؤك ؟!

نظر عبد المطلب الى ابرهة و أجاب :

ـ انا ربّ الأبل . . أمّا البيت فله ربّ يحميه .

قال ابرهة ساخراً ؟

ـ لا أظن ذلك .

قال عبد المطلب بايمان راسخ :

ـ سوف نرى .

شعر ابرهة بالانزعاج فنهض منهياً المقابلة ، و نهض عبد المطلب عائداً الى الكعبة ، فأمسك بحلقة الباب المقدس و هزّها بقوة و قال باكياً :

ـ يا الهي ان كل إنسانٍ يدفع العدوان عن بيته ، فادفع يا ربّ العدوان عن بيتك .

الهجوم :

في الساعات الأولى من الصباح بدأ جيش الأحباش بالتقدم نحو الكعبة ، و كان الفيل الأبيض يتصدّر الزحف في مهمة تدمير الكعبة .

كان ابرهة يراقب تقدّم قوّاته التلال سوف يحيل الكعبة التي يقدّسها العرب الى أنقاض .

كانت الفكرة أن يبدأ الفيل بزعزعة البناء وبدء الضربة الأولى ثم ينهال عليها الجنود بالمعاول و الحراب .

كان أهل مكّة يراقبون من فوق الجبال المشرفة ما يجري في الوادي .

كانوا يتطلعون بأسى الى بيت بناه ابراهيم الخليل .

و كان عبد المطلب أكثر الناس حزناً و فجيعة .

تجّار مكة كانوا أيضاً يشعرون بالحزن ، و لكن خوفاً على مصالحهم الشخصية ، لأن مكّة قد اصبحت منذ زمن بعيد مركزاً تجارياً هامّاً .

و كان عبد الله بن عبد المطلب في رحلة الى الشام ، و قد ترك زوجته آمنة في بيت عبد المطلب ، إنّها الآن مع أهالي مكة و هي تفكر في جنينها المبارك .

تمرّد الفيل :

أصبح الفيل الأبيض قريباً من الكعبة ، فجأة وقع شيء عجيب ، إنّ الفيل لا يطيع قائده ، توقف !

إنه يحاول التراجع و الانسحاب ، القائد يلهب ظهره بالسياط و لكن دون جدوى .

ابرهة القائد العام يراقب حائراً ما يجري ، أطلق صيحة غاضبة ، و قائد الفيل يفعل المستحيل لكي يتقدم بالفيل صوب الكعبة ، و لكن الفيل لا يتقدّم خطوة واحدة !

و حدث شيء آمر أعجب برك الفيل ، و أصبحت مهمة القائد مستحيلة جداً ، لقد تمرّد الفيل و لم يعد يمكن السيطرة عليه .

لو كانت لأبرهة ذرّة من الايمان لفكّر لماذا يفعل الفيل ذلك رغم السياط اللاهبة ؟!

و لكنّ أبرهة مغرور و لا يفكّر إلاّ بأطماعه التوسعية و السيطرة .


القصف الجهنّمي :

فجأة ظهر في الأفق سوادٌ يشبه الغيوم لم يكن غيوماً ، كانت أسراب من الطيور . . طيور الابابيل تحمل حجارة من سجيل .

حجارة تشبه الجمر في شدّة اشتعالها .

حلقت الطيور فوق الجيش الحبشي ، و بدأت قصفها الجهنّمي !

كانت هجمات الطيور على شكل اسراب متتابعة كل سِرْب يلقي حمولته و يمضي ليأتي سرب آخر و يقصف .

حدثت فوضى بين الجنود ، و كانت القذائف تصيب أهدافها بدقّة ، و كان المعتدون يتساقطون كالذباب .

كان عبد المطلب يراقب ما يجري و قد غمرته حالة من الخشوع و كانت عيناه تشعّان إيماناً . . إنها قدرة الله .

ألهب ابرهة ظهر حصانه بالسياط و كانت الأبابيل تلاحقه بقذائفها الحارقة .

وصل ابرهة عاصمته صنعاء ، و لكنه سقط من فوق حصانه عند بوابتها ، و كانت عيناه جاحظتين ، تعكسان احساسه بالرعب .

العصف المأكول :

جاء عبد المطلب الى الكعبة و راح يتأمّل المنطقة المحيطة بالكعبة و قد تحوّلت الى ساحة لمعركة رهيبة تكتظ بالاجساد المحترقة .

ميلاد الشمس :

ما كاد عبد المطلب يبشر أهل مكّة بنجاة الكعبة من التدمير و انتقام الله من المعتدين ، حتى بشر بميلاد صبي مبارك ، لقد انجبت آمنة صبياً .

تهلّل وجه عبد المطلب بالفرح ، لقد حمى الله بيته ، و أنجبت آمنة صبياً مباركاً .

احتضن عبد المطلب حفيده و قال :

ـ سمّيته محمداً .

تعجّب الناس و تساءلوا :

ـ لماذا سميته هذا الاسم !

قال عبد المطلب :

ـ ليكون محموداً في السماوات و الأرض .

عام الفيل :

عاد أهل مكّة الى منازلهم فرحين ، و اتجه عبد المطلب الى الكعبة ليطهرها من رجس المعتدين .

و انتشرت الانباء بين القبائل العربية ، و زادت قداسة الكعبة لدى العرب .

و سمّى الناس ذلك العام عام الفيل ، و هو العام الذي ولد فيه سيدنا محمد ( صلى الله عليه و آله ) .

و بعد حوالي 40 سنة و عندما أصبح عمر سيدنا محمد ( صلى الله عليه و آله ) أربعين سنة ، و هبط جبريل يبشره بالرسالة ، كانت سورة الفيل من أوائل السور التي ذكّرت أهل مكّة بعام الفيل :

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ }[1] .

الحنيفية :

كان عبد المطلب يدين بالحنيفية و هي دين جدّه ابراهيم الخليل .

و عندما انقذ الله سبحانه الكعبة ، من عدوان الأحباش ، عرف الناس قدر عبد المطلب و وجاهته عند الله سبحانه .

عبد المطلب لم يتوسل الى الاصنام ، لم يتوسل الى هبل و اللات و العزى ، لقد تضرّع الى الله سبحانه فقط .

الله سبحانه استجاب دعاءه و انزل عذابه على المعتدين .


التجارة :

أصبحت مكّة مركزاً تجارياً هاماً ، و كانت قوافل قريش تنطلق في رحلات تجارية الى الشام في الصيف ، و الى اليمن في فصل الشتاء .

و كان تجار قريش يسيرون آمنين من غارات القبائل ، و كل ذلك يعود الى الكعبة التي يقدّسها العرب جميعاً .


و عندما بعث سيدنا محمد ( صلى الله عليه و آله ) ذكر الله سبحانه فضله في انقاذ الكعبة من العدوان و الدمار ، كما ذكر فضله في رحلات قريش الآمنة قال تعالى :

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

{ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ }[2] .

و اليوم أصبحت الكعبة شعاراً للتوحيد ، و رمزاً لاتحاد المسلمين كلّ المسلمين .

و عندما نتوجه في صلاتنا اليومية الى الله سبحانه علينا أن نتذكر الكعبة ، بيت الله الحرام . . البيت الذي بناه إبراهيم و إسماعيل .


علينا أن نعرف انّه رمز قوّتنا ، و رمز عزّتنا .

الكعبة لؤلؤة الاسلام .

الكعبة قلب العالم الاسلامي و قبلة المسلمين في كل مكان

.


انتظرو قصص مع المعصومين

التوقيع :




الرد مع إقتباس
قديم 24-10-2007, 05:26 PM
هشام ا هشام ا غير متصل
عضو
 

رقم العضوية : 39844

تاريخ التّسجيل: Jun 2007

المشاركات: 53

آخر تواجد: 29-12-2007 04:24 PM

الجنس:

الإقامة:

بارك الله فبك اخي الكريم

الرد مع إقتباس
قديم 27-10-2007, 02:21 AM
العقرب العقرب غير متصل
عضو
 

رقم العضوية : 9711

تاريخ التّسجيل: Mar 2004

المشاركات: 345

آخر تواجد: 16-07-2017 02:24 AM

الجنس:

الإقامة: البحرين

بسم الله الرجمن الرحيم


والآن قصص مع المعصومين

سيّدنا محمد( صلى الله عليه وآله )

تأليف

سيد مهدي آيت اللّهي

ترجمة

كمال السيّد



قريش :

في ارض الحجاز عاشت قبيلة قريش ، أبرز القبائل العربية ، " قصيّ بن كلاب " هو الجدّ الرابع لسيدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) ، وله ولاية البيت العتيق .

وقبيلة قريش بيوت متعددة أبرزنا بنو هاشم ، وهاشم رجل شريف سخيّ يتمتّع باحترام أهل مكّة .

كان يصنع للحجاج طعاماً على سبيل الضيافة ، و قد سُمِّيَ هاشماً ، لأنّه هشم الثريد لقومه بمكة ، بعد ما أصابهم القحط . و إليه تعود تجارة قريش في الشتاء والصيف ، ومن أجل هذا دعاه الناس "سيّداً " وما يزال الذين ينتسبون إلى هاشم يُدعون بالسادة .

بعد هاشم جاء ابنه المطلب ، وأعقبه عبد المطلب لزعامة قريش .

كان عبد المطلب رجلاً مهاباً ، يحترمه الناس ، وفي زمانه هجم أبرهة الحبشي على مكة لتحطيم الكعبة ، ولكن الله ردّ كيده إلى نحره ، وارتفع شأن عبد المطّلب بين القبائل.

كان لعبد المطلب أولاد كثيرون ، ولكن عبد الله كان أفضل أولاده وأعزّهم لديه ، كان في الرابعة والعشرين من عمره عندما اقترن بـ " آمنة بنت وهب " ، وكان ثمرة هذا الزواج المبارك أن وُلِدَ سيِّدُنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) بعد شهرين من عام الفيل .

توفي أبوه وهو في بطن أمه ، ثم ماتت أمه وهو ما يزال صبياً فتكفّله جدُّه " عبد المطلّب " ، وهكذا نشأ يتيماً.

عاش محمد في مكة ، في كنف جده العظيم ، وعانى الكثير من مرارة اليُتْم .

ولمّا أصبح شابّاً عرف أهل مكة فضلَه وأمانته ، واشتهر بلقب الصادق الأمين ، فكانوا يُودِعون أموالهم لديه .



كان يحبّ الفقراء والمساكين . . . يدافع عنهم ، ويتناول الطعام معهم ، يصغي لهمومهم ، ويسعى في حلّ مشاكلهم .

وعندما أسّس شبابُ مكّة حلفَ " الفضول " للدّفاع عن المظلومين والانتصاف من الظالمين ، سارع " محمد " فانضمّ إليه ، لأنه ينسجم مع أهدافه وأخلاقه .

اشترك في إحدى قوافل " خديجة " التجارية بطلب من عمّه " أبي طالب " وتزعّم قيادة القافلة .

وعندما لمسَتْ خديجةُ – عن قربٍ _ أمانته وصدقه وحسن سيرته عرضتْ عليه الزواج فوافق على ذلك ، وكانت خديجة امرأة فاضلة ثريّة .

وكانت ثمرة زواجهما بنتاً هي " فاطمة " ( عليها السلام ) سيدة النساء ، ومنها كان نسلُ الأئمة من أهل البيت ( عليهم السلام ) .

الحجر الأسود :

مضت عشرة أعوام على حياة " محمد مع خديجة ، و صادف أن اجتاحت السيولُ مكة ، ولحقتْ بالكعبة أضرارٌ كبيرة .

عزمتْ قريش على إعادة بناء البيت الحرام ، فاقتسمتْ طوائفُ قريش العمل ، وعندما اكتمل البناء ، وأرادوا وضْع " الحجر الأسود" في مكانه اختلفوا فيمن يقوم بذلك العمل ، وأرادت كلُّ طائفة منهم أن تنهض بهذا الشرف ، وكاد الأمر أن يصل إلى القتال والحرب ، فتدخّل سيدُنا محمد بتلك الفكرة التي تفتّق عنها ذهنُه الصافي ، حيث نزع رداءه و وضع " الحجر الأسود فيه ، فأخذت كلُّ طائفة طرفاً من الرداء ، وحملت الحجر الأسود ، فأعاده النبي إلى مكانه .

الوحي :

عندما بلغ سيدُنا محمدٌ الأربعين من عمره هبط عليه جبريلُ وبشَّره برسالة السماء.

كان يتعبّد كعادته في غار حرّاء . . يتفكّر في خلْق السماوات والأرض وخلْق الناس .

وفي تلك اللحظة هبط عليه جبريلُ وناداه بكلمات الله :

إقرأ . . . إقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلَق الإنسانَ من علَق ، إقرأ وربك الأكرم ، الذي علّم بالقلم ، علّم الإنسان ما لم يعلم .

وهبط رسول الله من الجبل يحمل رسالة السماء إلى العالمين .(1)

كانت دعوة الرسول في بدايتها سرّية ، وكان الذين يؤمنون به يخفون إيمانهم وإسلامهم .

وخديجة كانت أوّلَ من آمن به وصدّقه ثم علي ( عليه السلام ) .

مرّت ثلاثةُ أعوام انتشر فيها الإسلام بين فقراء مكّة ، وجاء أمرُ الله بإعلان الدعوة إلى الناس كافّة .

ليس من السهل إعلان التوحيد في مدينة تغصّ بالأصنام و الأوثان وبين قبائل تقدّس الحجارة وتعبدها على مرّ السنين والأعوام .

وصدَع رسولُ الله بالأمر ، وهتف في مكّة : لا الله إلا الله وأنا رسول الله .

وبعد هذا الإعلان العام بدأت المصاعب ، وبدأ مشركو قريش حرْبهم للدين الجديد .

في البدء فكّروا أن يرْشوا " محمداً " بالأموال وبالزعامة والجاه ، وعندما أخفقوا في ذلك راحوا يصبّون العذاب على ضعفاء المسلمين . صادروا أموالهم ، ونهبوا منازلهم ، وسخروا منهم ، ولكن كل ذلك لم يمنع من انتشار دعوة الله .

واصَل المشركون عُدوانهم على المسلمين وفكّروا في إخراج الرسول و مَن ناصره من مكّة ، فحاصروهم في " شِعْبِ أبي طالب " حتى مات بعضُهم من الجوع .

ولم يكتفِ المشركون بذلك ، بل كانوا يراقبون " الوادي " مراقبةً دقيقة لمنْعهم من البيع والشراء وتهيئة الطعام ، وكان الذين يتعاطفون معهم يخافون أن يحملوا إليهم حتى الماء ، وكانوا ينتظرون حلول الظلام لكي يتسلّلوا خُفية ويُوصِلوا إليهم شيئاً من الطعام والشراب .

وفشِل الحصارُ ، وأخفق المشركون في القضاء على الدين الإسلامي .

وقف المشركون عاجزين أمام صلابة المسلمين وإيمانهم ، فتآمروا على قتْل الرسول ، والقضاء عليه .



الهجرة :

هبط الوحي على رسول الله وأخبره بتآمر المشركين وخطّتهم ، فعرض النبيُّ على ابن عمه " علي " ( عليه السلام ) المبيت في فراشه ، فيما انسلّ رسول الله في الظلام مهاجراً من مكّة إلى " يثرب ".



اجتمع المتآمرون وحاصروا منزل النبي ينتظرون الفرصة المناسبة لاقتحام الدار وقتل الرسول ، وشعروا بالدهشة وهم يرَون " علياً " في فراشه ، وغادروا المنزل لاقتفاء أثر النبي ، وراحوا يبحثون عن المهاجر في الطرق والمفازات ولكن دون جدوى ، فعادوا إلى مكة خائبين .

بعد تسعة أيام قضاها الرسول في الطريق وصل مكاناً قرب " المدينة " يدعى "قُبا" فتوقّف فيه وبنى هناك أول مسجد في الإسلام .

بدأ المسلمون في بناء المسجد بحماس ، وكان الرسول يعمل معهم ، وما أسرع أن اكتمل البناء ، وصلّى الرسول فيه أول صلاة للجمعة ، ومكث فيهم مدّة يعلّمهم الكتاب والحكمة .

كان الرسول ينتظر قدومّ ابن عمه علي الذي خلّفه في مكة لأداء الأمانات إلى أهلها ، حتى جاء علي ومعه نساء من بني هاشم .

دخل الرسول " يثرب " ، وأصبح اسمها مدينة الرسول أو المدينة المنوَّرة .

كان علي قد أمضى ثلاثة أيام في مكة ، وأدّى الأمانات إلى أصحابها ، ثم التحق بالنبي في قُبا .

استقبل أهل المدينة الرسولَ ومن معه من المهاجرين استقبالاً كبيراً ، وعمّت الفرحة ، وكان كلُّ واحد من المسلمين يدعو الرسول للحلول في داره واستضافته ، و كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : دعوا الناقة فإنّها مأمورة .

ومضت الناقة في طريقها حتى إذا وصلت أمام دار " أبي أيوب الأنصاري " وقفتْ وبركتْ ، فحلّ النبي في دار الصحابي " أبي أيوب " .

وكان أوّل شيء فعله نبينا ( صلى الله عليه وآله ) هو تأسيسه المسجد ليكون قاعدة كبرى لنشر رسالة الإسلام .

وعندما حلّ النبي في المدينة انتهت العداوة والبغضاء والحروب بين الأوس والخزرج ، والتي امتدت اكثر من مئة وعشرين سنة ، وكان اليهود يزيدون أوارها ، وحلّ مكانَها الإخاءُ والوئام .

ولكي يُذيب الرسولُ الحواجز بين " المهاجرين " القادمين من مكّة وبين "الأنصار" من سكان المدينة ، فقد آخى بينهم ، وأصبح لكلِّ مهاجر أخٌ من الأنصار ، ولكلّ أنصاري أخٌ من المهاجرين ، كما شجع النبيُ المهاجرين على العمل والسعي لكي لا يبقوا عبئاً على إخوانهم من الأنصار .

كان اليهود ينظرون بحقد إلى الإخاء الذي ساد بين المهاجرين والأنصار ، وبين الأنصار أنفسهم ، وكانوا يحاولون – دائماً – ضرب هذا الإتحاد وبثّ روحَ التفرقة بينهم ، وكان سيدُنا محمّدٌ ( صلى الله عليه وآله ) يخمد نار الفتنة كلما حاول اليهود إشعالها .

تغيير القبلة :

عندما كان رسول الله في مكة كان يتّجه في عبادته وصلاته إلى المسجد الأقصى في مدينة القدس مدّة ثلاثة عشرة سنة ، وعندما هاجر إلى المدينة استمر على هذا سبعة عشر شهراً ، وكان اليهود – أيضاً – يتّجهون في صلاتهم إلى المسجد الأقصى ، ويسخرون من المسلمين ويقولون لهم : لو لم نكن على الحق لما اتبعتم قبلتنا .

وذات يوم هبط الوحي يأمر رسول الله أن يتّجه المسلمون في صلاتهم إلى الكعبة المسجد الحرام .

وقد ساء هذا الخبر اليهود وقالوا ما حوّلهم عن قبلتهم ؟ غافلين عن أن هذا امتحان واختبار للمسلمين .



حروب النبي :

معركة بدر



تحالف رسولُ الله مع القبائل القريبة لحماية المدينة من الغارات والغدر ، ولما كانت قريش قد صادرت أموال المسلمين في مكة فقد فكر النبي في استعادتها منهم ، فتعرض إلى قوافلهم التجارية ، وقد كان رسولُ الله يهدف من وراء ذلك زعزعة هيبة قريش بين القبائل إضافة إلى استعادة ما نهبوه من أموال المسلمين في مكّة .

وهكذا حدث أول صدام مسلّح بين المسلمين والمشركين قُرْب آبار بدر ، فسُمَّيَتْ بذلك معركة بدر ، حيث انتصر المسلمون انتصاراً ساحقاً وارتفع شأنهم في الجزيرة العربية.

معركة اُحد :

شعرتْ قريش بالغضب بسبب هزيمتها في بدر أمام المسلمين ، وراح " أبو سفيان" يعدّ العدّة للثأر ، حتى أنه منع النساء من البكاء على قتلاهم في بدر لكي يبقي على نار الحقد متأجِّجة في النفوس .

وكان اليهود الذين أقلقهم انتصار المسلمين ، يُحرِّضون قريشاً على الثأر ، فقد أرسلوا " كعب بن الأشرف " إلى مكة ليُردِّدَ أشعاراً تحرِّض المشركين على الثأر و الإنتقام.

وعقدت قريش اجتماعاً في " دار الندوة " للتداول في ذلك ، واستقرّ رأيهم على غزو المدينة للثأر ، ورصدوا أموالاً طائلة لجيشهم بلغت أكثر من خمسين ألف دينار ، ولم ينسوا أن يطلبوا النجدة من حلفائهم من القبائل المحيطة بمكة .

التحرك : بلغت قوّات المشركين ثلاثة آلاف مقاتل . . . كانت تطوي الصحراء في طريقها إلى المدينة المنوَّرة .

كان العباس بن عبد المطلب مؤمناً برسول الله ، ولكنه كان يُخفي إيمانه ، فكتب رسالة إلى النبي يُخبره فيها بتحرّك جيش المشركين .

تولى أبو سفيان قيادة الحملة ، فيما كان " خالد بن الوليد " قائداً للفرسان .

عقد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) اجتماعاً طارئاً في مسجد المدينة للتشاور مع المسلمين حول مواجهة الخطر القادم ، وبعد مداولات طويلة استقرّ الرأي على تجهيز جيشٍ كبير ومغادرة المدينة .

وفي صباح يوم السبت السابع من شهر شوّال من العام الثالث الهجري تحرك جيش المسلمين باتجاه جبل أُحد .

أمر رسول الله " عبدَ الله بن جُبَير " وخمسين من الرماة بالمرابطة فوق سُفوح "أُحد" وحماية مؤخَّرة الجيش الإسلامي ، وحذَّرهم من مغادرة أماكنهم ، سواء انتصر المسلمون أو هُزموا .

وهكذا التقى الجيشان . . جيش التوحيد وجيش الشرك ، وخاض المسلمون قتالاً ضارياُ ، ولاح النصر في جبهتهم ودبّت الهزيمة في جيش المشركين .

كان الرماة يراقبون سير المعارك ، وعندما شاهدوا إخوانهم يطاردون فلول المشركين غادروا أماكنهم لجمع الغنائم ، متناسين أوامر الرسول بعدم مغادرة مواقعهم في كل الظروف . وهنا تغير سير المعركة ، فقد انتهز خالد بن الوليد الفرصة واندفع مع قوّاته في حركة التفاف سريعة مهاجماً مؤخرة الجيش الإسلامي .

دبّت الفوضى في جيش النبي ، وراح بعضهم يقتل بعضاً ، فيما فرّ الكثير منهم في الصحراء ، ولكن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثبت في مكانه يقاتل ، وحوله جمعٌ من المسلمين ، في طليعتهم " علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ".

قدّم المسلمون في هذه المعركة سبعين شهيداً ومع هذا فقد جمع النبي – وقد انسحب إلى الجبل – قوّاته ، وبدأ حملة مطاردة لجيش المشركين الذين أسرعوا في العودة إلى مكّة ، فعاد رسول الله إلى المدينة ، وقد تعلّم المسلمون درساً في الطاعة لن ينسوه .

معركة الأحزاب :

تمكن اليهود الذين أُخرجوا من المدينة بسبب غدرهم وعُدوانهم من تشجيع قريش وتحريض القبائل على محمّد ورسالته ، و وعدوهم بمساعدات ضخمة .

وهكذا تشكّلت جبهة عريضة ضد الإسلام جمعت تحت رايتها كثيراً من القبائل والمنافقين واليهود .



وفي شوّال من العام الخامس للهجرة زحفتْ جيوشُ الأحزاب بقيادة " أبي سفيان" ، وقد بلغت عشرة آلاف مقاتل .

وصلت الأنباء مدينة الرسول حمَلها فرسان من خزاعة ، فأعلن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حالة الاستنفار ، وتبادل المسلمون الرأي في الدفاع عن دينهم ومدينتهم ، وحظي اقتراح " سلمان " بإجماع المسلمين ، وبوشر بحفر خندق كبير لحماية المدينة من العدوان .

ثلاثة آلاف مسلم كانوا يعملون ليلَ نهار منهكمين في حفر خندق بلغ طوله اثني عشر ألف متر ، بعمق خمسة أمتار ، وبعرض ستة أمتار تقريباً ، وقد جهز الخندق بمنافذ للعبور و وُضعت خلف الخندق متاريس ومواضع للرماة .

فوجئت الجيوش الزاحفة بخطّ لا يمكن اقتحامه ، فعسكر المشركون للحصار .

أراد أبو سفيان حسْمَ الموقف ، وإنهاء حالة الانتظار ، فبعث " حيَّ بن أخطب " زعيمَ يهود " بني النضير " ليتحدث مع " كعب بن أسد " زعيم يهود " بني قريظة " في مهاجمة المسلمين من داخل المدينة ، وفتْح الطريق أمام جيوش الأحزاب .

كان رسولُ الله يُدرك طبيعة الغدْر في اليهود ، فرصد خمسمئة مسلّح للقيام بدوريات في المدينة ومراقبة تحركات " بني قريظة " وهكذا أمّن الرسولُ المدينةَ من الداخل ، أمّا في الجانب الآخر من الخندق فقد بقيتْ قوّاتُ المشركين عاجزةً عن القيام بأي عمل مسلّح ما عدا مناوشات بالنبال .

كانت الأوضاع تزداد تأزُّماً حيث تمكّن خمسة من أبطال المشركين بقيادة " عمرو بن عبد ودّ " من اقتحام الخندق وتحدّي المسلمين .

راح " ابن عبد ود " يسخر من المسلمين ، فنهض له عليُّ بن أبي طالب وخاض معه معركة ضارية سقط " عمرو بن عبد ود " على أثرها صريعاً ، وفرّ رفاقه ، فسقط أحدهم في الخندق أثناء العبور ، فنزل إليه عليُّ وقتَله ، فيما لاذَ الباقون بالفرار .

وكان لضربة عليٍّ وموقفه الباسل الأثرَ الكبير في تصاعد الروح المعنوية لدى المسلمين ، وبثّ روح الذعر في قلوب المشركين . . . حتى أنّ رسولَ الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : ضربة علي يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين سبعين سنة .

حاول " خالد بن الوليد " تدارك الخسارة وتدنّي معنويات الأحزاب ، فقام بعمليات استعراضية حاول فيها اقتحام الخندق ، فتصدى له المسلمون وأجبروهم على الفرار.

وأثناء الحصار أسلم " نعيم بن مسعود " وكان رجلاً معروفاً بالذكاء ، فطلب منه الرسول أن يكتم إسلامه ويحاول تخذيل المشركين وبثّ الفرقة بينهم وبين اليهود ، فنجح في مهمّته ، كما تسلل شخص من المسلمين هو " حذيفة " أثناء الظلام في صفوف المشركين ، وتمكن من حضور اخطر اجتماعاتهم ، فراح يشنّ عليهم حرباً نفسيّة أشعرتهم بالهلع .

وهبّت عواصف عاتية ، وكان الهواء شديد البرودة ، فسيطرت روح اليأس ، وساد الاختلاف بين الجنود بعد حصار بلا طائل .

قرّر أبو سفيان الاستفادة من الظلام ، والانسحاب على عجَل ، قبل أن تحدث تطوّرات غير محمودة العواقب .

وأشرقت الشمس وخرج المسلمون إلى مواقعهم ، وكم كانت فرحتهم كبيرة وهم ينظرون إلى الجانب الآخر من الخندق ولا أثر للمعتدين .

وعندما اطمأنّ الرسول إلى انسحاب المشركين ، أصدر أمره إلى المسلمين بترك مواقعهم والعودة إلى ديارهم .

بني قريظة :


لم يلتزم يهود بني قريظة بعهودهم بعدما أرادوا الغدر ، فقرّر النبي تأديبهم ، فحاصر حصونهم وقِلاعهم مدّة خمسة وعشرين يوماً ، اضطرّوا بعدها للاستسلام .

عندما شعر اليهود أن طريقهم الوحيد للنجاة هو الاستسلام ، طلبوا من المسلمين مغادرة المدينة ، ولكن النبي رفض ذلك ، وأصّر على الاستسلام دون قيد أو شرط .

لقد كان اليهود وراء كل الدسائس والمؤامرات ، ولم ينس المسلمون غدر " بني قينقاع " و " بني النضير " .

وأخيراً طلب اليهود النزول على حكم " سعد بن معاذ " فقد يتعاطف معهم ، ولكن سعداً حكم فيهم بما أنزل الله ، وانتهت لذلك مؤامرات اليهود في المدينة .

صلح الحديبية :

عزّزت الانتصارات المتلاحقة من موقع المسلمين في الجزيرة العربية وزادت هيبتهم بين القبائل ، وشعرت قريش بالفزع .

وفي شهر ذي القعدة من العام السابع الهجري عزم الرسول ( صلى الله عليه وآله ) على حج بيت الله الحرام ومعه ألف وأربعمئة من المسلمين ، فقصد مكّة حيث أحرم في مكان يدعى " ذو الحليفة ".

وكان لهذه الخطوة مكاسبها السياسية إضافة إلى فوائدها الروحية والمعنوية ، فقد أظهرت المسلمين كأمّة جديدة تتمتع بكيان خاص بين القبائل في جزيرة العرب .

وعندما وصلت الأنباء مكة أقسم أهلها بالأصنام أن يمنعوا دخول محمد وأصحابه إلى مدينتهم ، بينما تحرّك خالد بن الوليد في مقدّمة مئتي فارس لاعتراض النبي وأصحابه .

كان النبي يتفادى الاصطدام بقريش ، ولذا سلك طريقاً آخر إلى أن وصل "الحديبية " .

وقد بعث النبي مندوباً إلى مكّة يخبرهم بعزم النبي على زيارة بيت الله وأنه لم يأت للقتال والحرب .

واستُقبل مبعوث النبي ببرود ، وعُومل معاملة قاسية ، وكانت تصرفاتهم تحمل كل معاني العداء والكراهية للنبي والمسلمين .

وقف النبي تحت " الشجرة " وتحلّق حوله المسلمون مجددِّين معه البيعة ، وقد بان العزم في عيونهم ، والتصميم في قلوبهم .

وعندما علمتْ قريش بذلك شعرتْ بالخوف وأرسلت " سهيل بن عمرو " للتفاوض مع الرسول وإبرام الصلح مع المسلمين .

وبعد مداولات بين الطرفين تمّ الصلح ، ووقّع الفريقان على بنوده الخمسة ، وفيها أن يعود المسلمون إلى المدينة على أن يحجّوا العام القادم دون سلاح ، وهم أحرار في أداء مراسم الحج حسْب طريقتهم .

وكان من نتائج هذا الصلح ، انتشار الإسلام في الجزيرة ، ثمّ تُوِّج- في النهاية – بفتح مكّة ، وبالرغم من ذلك فإن بعض المسلمين اعترضوا على الصلح وعدّوه ضعفاً دون أن يلتفتوا إلى فوائده العديدة .

لقد تضمّن الصلح بنداً يفيد بأن يعيد المسلمون كلَّ من يُسلم من قريش إلى مكّة .

معركة خيبر :

في مطلع ربيع الأول من العام السابع الهجري توجّه سيّدُنا محمد إلى " خيبر " ومعه ألف وستمائة مقاتل من المسلمين ، وأحاط الرسول تحركه بسرّية كاملة لمفاجئة اليهود ومنْع الإمدادات العسكرية التي قد تصلهم من قبائل " غطفان " .

فوصل منطقة تدعى "رجيع " تفصل بين "خيبر " و " غطفان " .



وتحت جنح الظلام حاصر المسلمون حصون " خيبر " واتخذوا مواقعهم بين أشجار النخيل ، وفي الصباح بدأت المعارك ، وكانت الحصون تسقط ، الواحد تلو الآخر .

واستعصى على المسلمين فتْح آخر حصنين ، وكان اليهود قد اجتمعوا فيهما للمقاومة ورشْق المسلمين بالسهام .

بعث رسول الله " أبا بكر " على رأس قوّة من المسلمين ، وما أسرع أن عاد مهزوماً ، فأرسل رسول الله " عمر " فعاد هو الآخر ، وكان اليهود يسخرون من المسلمين .

فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسولَه ويحبُه الله ورسولٌه كرّار غير فرار فلا يرجع حتى يفتح الله عليه . . .

وبات المسلمون ليلتهم وهم يتساءلون عن هذا الشخص ، وكلُّ يحلم بذلك .

في الصباح دعا سيدنا محمدٌ ( صلى الله عليه وآله ) علياً ( عليه السلام ) وسلّم الراية إليه ، ودعا له بالنصر .

هزّ عليٌ الراية بحماس ، وانطلق مع قوّاته باتجاه أعداء الإسلام .

كان اليهود قد غرّتهم بعض الانتصارات السابقة ، فبدأوا يجترئون ، وعندما وصل " علي " وجد بعض قواتهم خارج الحصن ، فشنّ المسلمون هجوماً صاعقاً ، وقتل عليُّ كُلاً من " مرحب " و " الحارث " ، وكانا من أبطال اليهود ، فدبّ الذعر في صفوفهم ، وانسحبوا إلى داخل الحصن ، وأحكموا إغلاق الأبواب .

طارد المسلمون فلول اليهود ، حتى إذا وصلوا باب الحصن وقفوا عاجزين ، وهنا مدّ علي ( عليه السلام ) يده إلى باب الحصن وهزّه بقوّة ثم انتزعه وجعله جسراً تعبر عليه قواته ، وقد دهش اليهود من قوّة علي وشجاعته وأعلنوا استسلامهم .

المسلمون – أيضاُ – تعجبوا من قوّة علي ، وتساءلوا كيف تمكن علي من ذلك ، وحاول سبعة من المسلمين تحريك الباب فلم يستطيعوا ، فقال علي ( عليه السلام ) : لم أفعل ذلك بقوّة جسمانية ولكني فعلته بقوّة ربّانية .

طلب اليهود من رسول الله الصلحَ والبقاء في ديارهم ، شرط أن يقدّموا نصف محصولهم من كل عام إلى المسلمين ، فوافق رسول الله على ذلك وصفَح عنهم .

فدك :

وصلت أنباء الانتصار الساحق للمسلمين إلى يهود " فدك " ، فأوفد أهلها مبعوثاً للتفاوض مع النبي حول " السلام " مقابل التنازل عن نصف أراضيهم ، وقد وافق الرسول على طلبهم ووهب " فدكاً " إلى " فاطمة ( عليها السلام ) " وكان يعلم أن ابنته سوف تهب وارداتها إلى الفقراء والمحرومين .

انطلق رسول الله إلى آخر القواعد اليهودية في الجزيرة في منطقة " وادي القرى " وما أسرع أن سقطت بأيدي المسلمين ، وقد صفح عنهم رسول الله وترك لهم أرضهم مقابل تقديم نصف ريعها إلى المسلمين ولقد أنعشت هذه الاتفاقيات وضْع المسلمين الاقتصادي كما عزّزت قدرتهم العسكرية لمواجهة الأعداء في خارج الجزيرة العربية .

معركة مؤتة :

بعث رسول الله سفيراً إلى ملِك " بُصرى " لدعوته إلى الإسلام ، ولما وصل إلى أرض " مؤتة " اعترضه حاكم تلك الديار وألقى القبض عليه و أمر بقتله .

وعلى أثر ذلك جهّز النبي جيشاً يتألّف من ثلاثة آلاف مقاتل ، وعيّن جعفر بن أبي طالب قائداً ، فإن استشهد فزيد بن حارثة ، فإن استشهد فعبد الله بن رواحة .

وانطلقت القوّات الإسلامية نحو مؤتة ، وعندما وصلت الأنباء إلى الروم ، فحشدوا قوّاتهم البالغة مئتي ألف جندي نصفهم من الروم والنصف الآخر من القبائل العربية الموالية لهم .

وفي مؤتة اشتعلت حرب غير متكافئة ، فحشود الروم تبلغ مئتي ألف أما الجيش الإسلامي فلم يتعدّ الثلاثة آلاف فقط .

ولكن الإيمان العميق للمسلمين لا يراعي للكثرة وزنا ، فقد اندفع " جعفر " إلى المعركة وقاتل بحماس حتى استشهد ، وأستشهد بعده " زيد " ثم " عبد الله " وفي خضمّ المعارك الطاحنة انتخب المسلمون " خالد بن الوليد " الذي فكر بالانسحاب و إنقاذ البقية الباقية من الإبادة ، وفي المساء وضع خطة للانسحاب ، وقاد المسلمين باتجاه المدينة المنوّرة.



فتح مكّة :

وصلت أخبار المعركة إلى مكة و استبشر المشركون وظنوا أنها نهاية مجد الإسلام ، فانتهزوا الفرصة وخرقوا " صلح الحديبية " ، وذلك بإغارتهم على قبيلة خزاعة حليفة المسلمين ، واستنجدت القبيلة المنكوبة بحلفائها وأرسلت لذلك وفداً إلى المدينة المنورة .

أدرك " أبو سفيان " أن المسلمين لن يتركوا " قريشاً " دون جواب ، فأسرع إلى المدينة لتجديد بنود " الصلح " ، وحاول تقديم اعتذار قريش عن هذه الإساءة .

وقد قوبل أبو سفيان ببرود تام حتى من قبل ابنته " أم حبيبة " وكانت زوجة للنبي ( صلى الله عليه وآله ) .

أمر رسول الله المسلمين بالاستعداد للحرب فاجتمع عشرة آلاف مقاتل ، وأحاط النبي تحركاته بسرّية كاملة وبثّ دوريات تطوف حول المدينة لمنع تسرّب الأخبار .

أراد أحد المسلمين اسمه حاطب – ولكي يكسب ودّ فريش – أن يخبر أهل مكّة بذلك ، فبعث رسالة بيد امرأة ، وهبط الوحي يخبر رسول الله بهذه الخيانة ، فبعث النبي "علياً " فأوقفها ، وصادر الرسالة .



وفي العاشر من شهر رمضان المبارك تحرك الجيش بقيادة الرسول ، وبعد أسبوع عسكرت قوات الإسلام قرب مكّة .

فوجئت قريش بهذا الجيش الكبير ، وكان الرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يحاول تفادي الحرب بأي ثمن ، وحاول بثّ الخوف في نفوس المشركين ، فأمر المسلمين بإيقاد النار ليلاً ، فارتفعت ألسنة النيران وأضاءت رمال الصحراء .

كان أبو سفيان يراقب هذا المنظر المهيب فأدرك أن مكة لن تصمد بوجه المسلمين ، فجاء إلى العباس بن عبد المطلب عم النبي يطلب السلام .

وبعد مفاوضات بين النبي و أبي سفيان ، استسلم أبو سفيان وأعلن إسلامه .

العفو العام :

دخل الجيش الإسلامي مكة فاتحاً ، وكان بعض المسلمين يفكّر الانتقام والثأر من الذين عذّبوهم وأخرجوهم من ديارهم بغير حق .

لكن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أعلن العفْو العام حتى عن أولئك الذين آذوه وشرّدوه ، وتهاوت الأصنام و الأوثان .

اعتلى بلال الكعبة ، وارتفع هتاف التوحيد :

الله أكبر ، لا إله إلا الله ، محمد رسول الله .

معركة حنين :

احدث سقوط مكة بأيدي المسلمين دويّاً في الجزيرة العربية ، وأصبح المسلمون القوة الضاربة .

أرادت قبيلتا هوازن وثقيف مفاجأة المسلمين والانقضاض عليهم ، وحشدوا للحرب اثني عشر ألف محارب بقيادة " مالك بن عوف " ، واحتلّوا مرتفعات " حنين " حيث الوادي الّذي سيعبر منه المسلمون .

تقدمت قوّات الإسلام إلى مواقع " هوازن " و" ثقيف " ، وعندما دخلت الكتائب الإسلامية بطن الوادي في ظلمة الفجر تعرضت لوابل من السهام والنبال ، فساد الارتباك طلائع الجيش ، و كانت بقيادة خالد بن الوليد ، وجرف المنسحبون في طريقهم الكتائب الأخرى ، وسادت الفوضى صفوفهم ، و غادر المشركون مواقعهم لمطاردة المسلمين ، وأنزلوا بهم خسائر فادحة .

وفي ذلك المواقف العصيب ثبت رسول الله ومعه جمع من المؤمنين في طليعتهم عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، وتجلّت قدرة الرسول القيادية ، وراح يهتف : أنا رسول الله . . . هلمّوا إليّ .

و أمر النبيٌّ عمَّه العباس أن ينادي بالمسلمين ، وكان صوته جهورياً ، فنادى بأعلى صوته : يا معشر الأنصار ، يا أصحاب بيعة الشجرة ! وكان النبي ومعه المؤمنون الصادقون يقاتلون بضراوة .

وهكذا بدأ المسلمون يضيقون من هول الصدمة وراحوا يتجمّعون حول قائدهم العظيم الذي حوّل هزيمتهم إلى نصر ساحق .

اجتمع حول النبي مئة مقاتل وهم يصيحون : لبيك لبيك ، واندفع علي إلى حامل راية المشركين فقتله ، وسقطت راية الشرك ، فساد الذعر حشودهم وتحطمت روحهم المعنوية وحميّتهم الجاهلية .

وعندما شاهد النبي أن الكفّة قد مالت لصالح المسلمين أصدر أمره بشنّ الهجوم المعاكس و نادى : الآن قد حمي الوطيس ، شدّوا عليهم ، واندفع المسلمون نحو أعدائهم ومزّقوا صفوفهم وألحقوا بهم هزيمة ساحقة ، وارتفعت في الأفق راية " لا إله إلا الله " .

معركة تبوك :

و في شهر رجب من السنة التاسعة للهجرة تناهت إلى الرسول ( صلى الله عليه وآله ) أخبار عن حشود عسكرية يقوم بها الروم على الحدود الشمالية ، و أنهم يبيّتون خطّة لاجتياح مناطق الشمال .



قام الرسول ، وخلافاً لما عهد في تحركاته السابقة ، بالإعلان عن التعبئة العامّة .

ولم يبخل المسلمون بتقديم كافّة أنواع الدعم ، حتى النساء جادتْ بأقراطهن وحليّهن الذهبية .

موقف المنافقين :

قام المنافقون والذين في قلوبهم مرض بحرب نفسية لتثبيط العزائم وبثّ روح الفشل في نفوس المؤمنين ، وراحوا يبثّون الدعايات المغرضة .

وجاء بعض المنافقين إلى رسول الله وهو يستعدّ للحرب فقالوا : إنّا قد بنينا مسجداً ، وإنّا نحب أن تأتينا فتصلّي لنا فيه ، وأدرك الرسول أن في مسجد " ضرار " أهدافاً خبيثة ، وأنهم يريدون التنصّل عن الجهاد في سبيل الله ، وهبط الوحي يفضح تلك الأهداف الدنيئة .

وكان المنافقون يجتمعون في بيت اليهودي " سويلم " ويبثّون سمومهم ، فبعث إليهم الرسول جمعاً من المؤمنين ، فأشعلوا النار ، وفرّ المنافقون .

إلى تبوك :

غادر الجيش الإسلامي – وكان قوامه ثلاثون ألف مقاتل – المدينة متَّجها نحو تبوك في مسيرة تبلغ أكثر من ستمئة كيلومتر ، في صحراء ملتهبة ، وفي فصل الصيف الحارق .

كان الرسول قد استخلف على المدينة " علي بن أبي طالب " ( عليه السلام ) لإحباط مؤامرات المنافقين ، وقال بعد أن سمع دعايات المنافقين : كذبوا ولكني خلّفتك لما تركت ورائي ، أفلا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي .

قطع الجيش الإسلامي الصحراء نحو تبوك ، ووصلت الأنباء إلى الروم الذين فضّلوا الانسحاب وعدم المغامرة في حرب مع المسلمين .

عسكر الجيش الإسلامي مدّة عشرين يوماً ، أثبتوا خلالها عزمهم الأكيد على مواجهة دولة الروم الكبرى دون أي إحساس بالخوف أو التهيّب ، يحدوهم في ذلك إيمانهم العميق بالله ورسوله .

وهكذا أصدر الرسول أمره بالعودة إلى المدينة .

المؤامرة :

عندما عاد سيدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) من تبوك فكّرت زمرة من المنافقين في الاستفادة من الظلام و دفع مركب الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في الوادي ، ففضحهم الله وردّ كيدهم إلى نحورهم ، وأراد بعض المسلمين قتلهم ، ولكن النبي منعهم.

عاد رسول الله إلى المدينة وأصدر أمره بحرّق مسجد " ضرار " وبثّ اليأس في نفوس المنافقين ، وقد تاب بعضهم فقبل رسول الله توبته .

استخدم الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في "تبوك " لأول مرة أسلوب الحرب الشاملة ، إذ عبّأ كل قادر على حمل السلاح ، ولم يتخلّف سوى ثلاثة أشخاص .

كما أدّت هذه الغزوة إلى ارتفاع معنويات المسلمين ، وهم يرون بأعينهم كيف تراجع الروم عن مواجهتهم .

البراءة من المشركين :

في العاشر من ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة ، وكان المشركون ما يزالون يحجّون إلى بيت الله ، نزلت سورة التوبة ، التي تضمنّت آياتها إعلان الجهاد على الشّرْك : { براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين } .

وانطلق علي ( عليه السلام ) بأمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى مكّة ليقرأ كلمات الله في إعلان نهاية الوثنية ، وينادي في الحجاج جميعاً : " أيها الناس لا يدخل الجنّة كافر ، ولا يحجّ بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عند رسول الله عهد فهو إلى مدّته " .

المباهلة :

بعث سيدنا محمّد برسائل إلى ملوك الأرض يدعوهم فيها إلى الإسلام ، وكان من بين تلك الرسائل رسالة إلى أسقف نجران ، وكان الأسقف يترقّب ظهور نبي جديد حسب ما ورد في بشارة الإنجيل ، فأرسل وفداً إلى المدينة للتحقيق في ذلك ، وحاورهم رسول الله بالتي هي أحسن وبيّن لهم حقائق الإسلام، وكان المسيحيون يتساءلون عن طبيعة السيد المسيح ؛ هل هو " ابن الله " أم " ابن مريم " ؟

فأجابهم سيدنا محمّد بالقرآن : { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلَت من قَبله الرسُلُ وأمّه صديقة كانا يأكلان الطعام }[2] . و { إن مَثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون }[3] .

ولكن وفد نجران ، الذي كان يتألف من ستين شخصاً ، رفَض الإيمان بهذه الحقائق والإذعان لها ، وهنا دعاهم الرسول إلى المباهلة لكي يلعن الله الكاذب . قال الله تعالى :{ فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندْعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين }[4] .

وتحدد موعد المباهلة ، ولكن أهل نجران تراجعوا في اللحظة الأخيرة وهم ينظرون إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد خرج يحمل الحسين ( عليه السلام ) ويمسك بيده الحسن ( عليه السلام ) وخلفه فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) و زوجها علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، وخافوا أن تحلّ بهم لعنة الله .

حجّة الوداع :

غمرت الفرحة قلوب المسلمين بعد إعلان النبي ( صلى الله عليه وآله ) عزمه على حج بيت الله الحرام ، وانتشر الخبر في جميع الأرجاء .

وفي الخامس والعشرين من ذي القعدة تحرك موكب الرسول تحيط به الألوف ، وخلّف على المدينة أبا دجانة الأنصاري .

وعندما وصل سيدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) ذا الحليفة ، ارتدى ثوب الإحرام ، وهتف : لبيك . . لبيك لا شريك لك لبيك . . إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك .

وبعد عشرة أيام وصل الرسول مكة وطاف بالبيت العتيق سبعة أشواط ، ثم صلّى خلْف مقام إبراهيم وسعى بين الصفا والمروة .

ووقف فوق جبل الصفا حتى إذا اطلّ على الكعبة هتف منادياً :

لا الله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده .

غدير خم :

وفي يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة وعندما وصل الرسول " غدير خمّ " في طريق عودته من الحج هبط عليه الوحي : { يا أيها الرسول بلّغ ما اُنزل إليك من ربّك} .



وتوقف الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وأمر المسلمين أن يتوقّفوا . توقّفتْ ألوف المسلمين وهي تنتظر نبأً هامّاً في تلك الصحراء الحارقة .

خطب الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بأعلى صوته : الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا . . . .

وراح الرسول يعظهم بمواعظ الأنبياء والرسل . . . ثم قال وهو يمسك بيد علي ويرفعها عالياً :

من كنت مولاه فهذا علي مولاه . . اللهم وال من والاه وعاد من عاداه .

وقال في خطابه أيضا : ألا وأنّي تارك فيكم الثّقلين كتاب اله وعترتي أهل بيتي .

وبعد أن أتّم الرسول خطابه ، هبط الوحي مرّة أخرى . و تلا عليه كلمات الله : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا }[5] .

الوفاة :

عاد الرسول إلى المدينة بعد حجة الوداع ، فألـمّت به الحمى ولزم فراشه .

وفي تلك الفترة ادعى بعض المشعوذين النبوة كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي وغيرهما ، وخدعوا بألاعيبهم السذج والبسطاء ، ولكن الله أبطل كيدهم وعاد الناس إلى ظِلال الإسلام .

وذات ليلة استبدّ الأرق برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فخرج في قلب الظلام وقال لعلي ( عليه السلام ) : إني قد أُمرت أن استغفر لأهل البقيع فانطلق معي .

وفي البقيع قال النبي : " إني قد أُوتيت خزائن الدنيا والخلد فيها وخُيّرت بين ذلك وبين لقاء ربي ، فاخترت لقاء ربي و الجنة " .

وكان المرض يشتدّ على سيدنا محمّد يوماً بعد آخر ، وفي يوم الإثنين الثامن والعشرين من شهر صفر من السنة الحادية عشرة من الهجرة عرجتْ روح الرسول إلى الملأ الأعلى . . . تاركاً آلاف العيون الباكية والقلوب الحزينة .

فالسلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يُبعث حياً .

الهوية :

الاسم : محمّد .

اسم الأب : عبد الله .

اسم الأم : آمنة .

محل الولادة : مكّة .

تاريخ الولادة : شهران بعد عام الفيل .

تاريخ الوفاة : 28 / صفر / 11 هجرية .

محل الوفاة : المدينة المنورة .

من كلماته المضيئة :

المؤمن دعب لعب ، والمنافق قطب غضب .

حسن العهد من الإيمان .

أفضلكم إيماناً أحسنكم أخلاقاً .

حسْن الخلق يثبت المودّة .

نظر الولد إلى والديه حبّاً لهما عبادة .

الحياء من الإيمان .


الهوامش :

[1] يدعى اليوم بجبل النور ، وهو على بعد ستة كيلومترات عن مكة في الطريق إلى منى .

[2] المائدة : 75 .

[3] آل عمران : 59 .

[4] آل عمران : 61 .

[5] المائدة : 3 .

التوقيع :




الرد مع إقتباس
قديم 30-10-2007, 07:26 PM
العقرب العقرب غير متصل
عضو
 

رقم العضوية : 9711

تاريخ التّسجيل: Mar 2004

المشاركات: 345

آخر تواجد: 16-07-2017 02:24 AM

الجنس:

الإقامة: البحرين

الإمام علي ( عليه السلام )



الميلاد :


في يوم الجمعة 13 رجب وقبل 23 عاماً من الهجرة الشريفة ولد في أسرة أبي طالب صبيٌ أضاء مكة والدنيا بأسرها .

كان العباس بن عبد المطلب عم النبي جالساً مع رجل اسمه " قعنب " عندما جاءت فاطمة بنت أسد " أم علي " تطوف حول الكعبة وتدعو الله .

كانت تتجه ببصرها نحو السماء وتتضرع إلى الله بخشوع وتقول : ربي إنّي مؤمنة بك ، وبما جاء من عندك من رسلٍ وكتب ، وإني مصدّقة بكلام جدي إبراهيم الخليل ، وأنه بنى البيت العتيق ، فبحق الذي بنى هذا البيت ، وبحق المولود الذي في بطني لماّ يسّرت عليّ ولادتي .

وهنا حدث أمر عجيب ، لقد استجاب الله سبحانه ، فانشقّ جدار الكعبة لتدخل فاطمة بنت أسد ثم انغلق وراءها .

كان الحادث مدهشاً جعل الذين رأوه في حيرة من أمرهم ، فقد أسرع العباس إلى منزله وأحضر بعض النسوة لمساعدتها ولكن ظلّ الجميع يدورون حول بيت الله عاجزين عن الدخول .



ظلّ أهل مكّة في حيرة ودهشة وكانوا ينتظرون فاطمة .

مرّت أربعة أيام ، خرجت بعدها فاطمة وهي تحمل وليدها العظيم .

وتساءل الناس عن إسم هذا الوليد فقالت فاطمة أن اسمه عليُّ ، ولقد سمعت أنا في داخل بيت الله نداءً من وراء الغيب يقول : سمّيه علياً .

وتربّى علي في بيت محمّد ( صلى الله عليه وآله ) منذ أن كان رضيعاً .

يقول في إحدى خطبه في نهج البلاغة :

" وضعني في حجره وأنا ولد يضمّني إلى صدره ويكنفني في فراشه . . . وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه ".

أيام الصبا :

وعندما اصبح صبياً كان لا يفارق مربيه العظيم ، وكان يتبعه كالظل .

يقول علي متذكراً تلك الأيام :

" لقد كنت أتبعه اتباع الفصيل اثر أمّه ، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء ، ولقد كان يجاور في كل سنة بحرّاء فأراه ولا يراه غيري ، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وخديجة وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي والرسالة وأشمّ ريح النبوّة ".

وعندما بعث الله محمّداً رسولاً إلى العالمين وأمره أن يُنذر عشيرته ، أمر رسولُ الله علياً أن يصنع طعاماً لأربعين رجلاً و أن يدعو له عشيرته وفيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب .

يقول علي :

" ثم تكلَّم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقال : " يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومَه بأفضل مما قد جئتكم به ، إني قد جئتكم بخير الدنيا و الآخرة . وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه ’ فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فأحجم القوم عنها جميعاً وقلت وإني لأحدثهم سناً : أنا يا رسول الله أكون وزيرك عليه " .

عندها قال سيدنا محمّد : " هذا أخي و وصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا" .

أيام الشباب :

مضت أيام الصبا وأصبح علي شاباً قوي البُنية ، وهو ما يزال ملازماً لسيدنا محمد يدور حوله كما تدور الفراشات حول الشموع .



كان علي قوياً و كانت قوّته في خدمة دين الله ورسوله .

و عندما نقرأ تاريخ الإسلام نشاهد علياً ( عليه السلام ) حاضراً في كل المعارك والغزوات وهو يقاتل في الصفوف الأولى ببسالة .

ففي معركة " حنين " وعندما فرّ المسلمون عن رسول الله في بداية المعركة ثبت علي وظل يقاتل وراية الإسلام تخفق فوق رأسه حتى انتصر جيش الإسلام على الشرك .

و في معركة خيبر قاد علي هجوماً عنيفاً بعدما سخر اليهود من تراجع المسلمين ، وفتَح حصون خيبر ، بل أنه اقتلع بيده أحد أبوابها ، وعندما شاهد اليهود بطولته المدهشة فرّوا مذعورين ثم استسلموا بعد ذلك .

الفدائي الأول :

كل إنسان يدافع عن نفسه ، لأنه يحب الحياة ولا يريد الموت . والقليل جداً من الناس من يضحي في حياته من اجل الآخرين .



وعندما نقرأ قصة سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله ) وهجرته نقف معجبين ونحن نرى علياً وهو في ريعان شبابه ينام في فراش النبي لينجو النبي من الموت والقتل .

والقصة تبدأ عندما اجتمع المشركون في " دار الندوة " وقرروا قتل سيدنا محمد ، وكانت الخطّة أن ينتخبوا من كل قبيلة شاباً فيقتحموا منزل رسول الله ويقتلوه .

وهبط الوحي من السماء يخبر سيدنا محمد بمؤامرة " قريش " . وهنا بادر علي ونام في فراش النبي ليوهم المشركين أنه ما يزال نائماً .

ونجا رسول الله بتضحية علي ، وفوجئ المتآمرون بعلي يهبّ من فراش رسول الله ، فغادروا المنزل وهم يجرّون أذيال الخيبة والخسران .

في طريق الله :

الإسلام دين السلام والحياة ، وهو يرفض القتل وإراقة الدماء بغير حق .

إن كل المعارك والحروب التي حدثت في زمن النبي ( صلى الله عليه وآله ) كانت حروباً دفاعية أي أنها وقعت دفاعاً عن النفس ، وكان سيدنا محمد يسعى لتجنب القتال ما أمكن ، ولكن عندما يكون الإسلام في خطر فإن المسلمين كانوا يقاتلون ببسالة من اجل إعلاء كلمة الله . وتاريخ الإسلام حافل بالأمجاد ، وعندما نقرأ عن تلك الحروب نشاهد سيف علي – وهو أول سيف في الإسلام – لامعاً كبرق السماء .

كان علي مع الحق ، والحق مع علي ، كما قال سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله).

أخلاق علي ( عليه السلام ) :

كانت مدينة الكوفة عاصمة الدولة الإسلامية في عهد علي ( عليه السلام ) ، وقد أضحت منذ ذلك التاريخ مركزاً من مراكز العلم والثقافة الإسلامية .

وذات يوم التقى شخصان خارج الكوفة كان أولهما أمير المؤمنين والآخر نصرانياً ، لم يكن يعرف هوّية علي ( عليه السلام ) ، فتجاذبا أطراف الحديث وهما في الطريق حتى وصلا مفترق طريقين أحدهما يؤدي إلى الكوفة و الآخر إلى إحدى القرى القريبة ، فسلك النصراني طريق القرية حيث منزله هناك . وكان على الإمام علي ( عليه السلام ) أن يسلك طريق الكوفة ، ولكنه سلك الطريق إلى القرية ، فتعجب النصراني وقال :

أ لست تريد العودة إلى الكوفة ؟

فقال الإمام : نعم ولكني أحببت أن اُشيِّعك قليلاً وفاءً لصحبة الطريق ، إن لرفقة الطريق حقوقاً وأنا احب أن أؤدي حقك .

تأثر الرجل وقال في نفسه : يا له من دين عظيم يعلِّم الإنسانَ الخُلق الكريم .

واندفع الرجل النصراني يعلن إسلامه و انتماءه إلى أمّة الإسلام . وكم كانت دهشته كبيرة عندما اكتشف أن رفيقه في الطريق لم يكن سوى أمير المؤمنين بنفسه – حاكم الدولة الإسلامية الواسعة .

ثباته ( عليه السلام ) :

يستطيع المرء أن يضبط نفسه ويحدد موقفه الطبيعي في الظروف العادية ، ولكن عندما تجتاحه عاصفة من الغضب والعدوان فأنه في تلك اللحظات الحرجة يفقد توازنه ويصعب عليه السيطرة على نفسه .

غير أن علياً ( عليه السلام ) كان ثابتاً في كل الظروف والأحوال ، ولم تكن مواقفه متأثرة بحالته النفسية . انه يتصرف دائماً في ضوء ما يرتضيه الله .



سلوكه في البيت ، مواقفه في الحرب ، تعامله مع الناس . . . كان خاضعاً للإسلام ، لقد ربى نفسه على ذلك ، فأصبح مثالاً للمسلم المؤمن بربّه .

في معركة الخندق ، وعندما أراد المشركون غزو المدينة ، حفر المسلمون بأمر النبي خندقاً لحماية المدينة من العدوان ، وكانت الأوضاع في غاية الخطورة ، خاصة عندما تمكن بعض فرسان المشركين ، وفي طليعتهم " عمْر بن عبد ود " من اقتحام الخندق وتحدّي المسلمين .

ولم يكن " عمْر بن عبد ود " شخصاً عادياً بل كان بطلاً شجاعاً أحجم كثير من المسلمين عن مواجهته ، وهنا نهض علي بطل الإسلام لمنازلته وتقدم إليه بشجاعة وكان الرسول ينظر إليه ويقول : " برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه " .

حاول " عمرو " أن يتفادى القتال مع علي ، فقال :

- ارجع فأنا لا أحب أن أقتلك .

فأجابه علي بإيمان عظيم :

- ولكني أحب أن أقتلك .

وهنا غضب " عمرو بن عبد ود " و سدّد ضربة قوية إلى علي تفاداها علي ، وردّ على ضربته بضربة قاضية سقط فيها " ابن ودّ " صريعاً على الأرض .

وكان لهذا المشهد المثير أثره في بث الذعر في نفوس رفاقه من المشركين الذين لاذوا بالفرار.

وعندما اعتلى علي صدر خصمه بصق " ابن ودّ " في وجه علي ، وشعر علي بالغضب ولكنه توقف فلم يقدم على قتله إلى أن سكن غضبه حتى لا يكون قتله انتقاماً ، بل خالصاً لوجه الله وفي سبيل الإسلام .

لقد كان علي في حروبه ومعاركه مثلاً أعلى للفروسية ، وتركت مواقفه آثارها في تاريخ العرب و الإسلام . وعاد علي يحمل بشارة النصر إلى الرسول الذي استقبله بحفاوة وقال : " قتْل علي لعمرو يعدل عبادة الثقلين " أي أن تلك الضربة القاضية كانت تساوي عبادة الإنس والجن .

فقد كان المشركون يراقبون المعركة ، وعندما شاهدوا بطلهم يسقط على الأرض وعلياً يهتف : الله اكبر ، تحطمت روحهم المعنوية وسيطر اليأس على قلوبهم ، فأنهوا حصارهم للمدينة وانسحبوا مذعورين تحت جنح الظلام .

في صفين :

لا قيمة للشجاعة والبطولة إذا لم يكن إلى جانبها رحمة ومروءة ، ولكي يكون الإنسان بطلاً شجاعاً عليه أن يحافظ على إنسانيته .

وهكذا كان علي ( عليه السلام ) .

لم يكن ليقتل مجروحاً أو ظامئاً ولا يطارد مهزوماُ ، وكانت أخلاقه في الحروب غاية في الإنسانية ، فلم يكن يستخدم الجوع أو الظمأ سلاحاً في المعارك بالرغم من أن أعداءه كانوا لا يتورعون عن ذلك أبداً ، وكانوا يستخدمون أحطّ الوسائل من أجل الانتصار .

وفي حرب صفين سيطر جيش معاوية على نهر الفرات وأعلنوا حصارهم وحرمان جنود علي من الماء .

وذكّرهم الإمام بأن الإسلام والإنسانية والفروسية تأبى مثل هذه المواقف ، ولكن معاوية لم يكن يفكر في شيء سوى مصلحته وأهدافه الدنيئة . عندها هتف الإمام بجنوده : " روّوا السيوف من الدماء ترووا من الماء ، فالموت في حياتكم مقهورين ، والحياة في موتكم قاهرين " .

واندفعت قوّات الإمام صوب الفرات ، وسرعان ما سيطرت على الشواطئ ، فأعلن الجنود أنهم سوف يحرمون جيش معاوية من الماء ،ولكن علياً ( عليه السلام ) اصدر أمره بإخلاء الشاطئ وعدم استخدام الماء كسلاح لأنه يتنافى مع الخلق الإسلامي .

عندما كان الإمام حاكم المسلمين :

إمام الفقراء :

بالرغم من كل الآلام والمصائب التي عاناها الإمام فقد كان يباشر بنفسه شؤون الناس ، ولم يكن يعادي أحداً عداوة شخصية ، حتى الذين كانوا يعادون الإمام ويضمرون له الكراهية والحقد كانوا يأخذون نصيبهم وحقهم من بيت المال ، حتى أصحابه والمقرّبين إليه كانوا يأخذون حقوقهم دون أي امتياز عن الآخرين .



ذات يوم جاءته امرأة اسمها " سودة " شاكية بعض جباة الأموال والضرائب ، كان الإمام يصلّي ولكنه شعر بظل امرأة فأسرع في صلاته ثم التفت إليها وقال بعطف :

-ألكِ حاجة ؟

قالت سودة باكية : أشكوك ظلم عاملك على الخراج .

فتأثر الإمام بشدّة وبكى ثم رفع طرفه إلى السماء وقال : " اللهم إنك تعلم أني لم آمرهم بظلم عبادك ، ثم تناول قطعة من الجلد وكتب عليه أمره بإقالة ذلك العامل من منصبه ، وسلّمه إلى " سودة " التي انطلقت إلى موطنها سعيدة راضية " .

وذات يوم وصلته أخبار من البصرة تفيد بأن الوالي " عثمان بن حنيف " قد دُعي إلى وليمة أقامها أحد الأثرياء فلبّى دعوته ، فبعث الإمام إليه برسالة يعاتبه فيها ويحذّره مما وراء تلك الدعوات والولائم وأن هؤلاء الأثرياء ليس هدفهم إطعام الطعام بل أنها نوع من الرشاوي والبحث عن النفوذ والسلطة في المدينة من خلال الولاة .

وقد جاء في الرسالة مختلف المواعظ والحكم التي تدفع إلى التفكير والتأمل :

" أما بعد يابن حنيف ؛ فقد بلغني أن رجلاً من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان وتُنقل إليك الجفان ، وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفوّ ، وغنيّهم مدعوّ. . .

ألا وان لكل مأموم إماما يقتدي به ويستضيء بنور علمه ، ألا وان إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه " .

وقد سئل أحد أصحابه وهو " عدي بن حاتم الطائي " عن سياسة أمير المؤمنين فقال : رأيت القوي عنده ضعيفاً حتى يأخذ الحق منه ورأيت عنده الضعيف قوياً حتى يأخذ الحق له .

ويقول عن نفسه : وكيف أكون إماماً للناس ولا أشاركهم آلامهم وفقرهم ؟ !

وهو لا يقيم للسلطة والنفوذ وكرسي الحكم وزناً .

يسأل ابنَ عباس ذات يوم وكان يخصف نعله :

- ما قيمة هذه النعل ؟

فقال ابن عباس بعد أن ألقى نظرة فاحصة :

- إنها رخيصة بل لا قيمة لها .

عندها قال الإمام : إنّ قيمتها عندي لأفضل من السلطة والحكم إلاّ أن اُقيم حقاً أو اُبطل باطلاً .

إلغاء الامتيازات :


عندما تصدى الإمام إلى الخلافة أعلن منذ اليوم الأول سياسته القائمة على العدل والمساواة بين الناس ، لا فرق بين عربي وأعجمي إلاّ بالتقوى ، ولا بين السادة والعبيد . وقد لامه البعض واقترح عليه العودة إلى السياسة القديمة التي كان يتبعها الخلفاء .

فقال الإمام مستنكراً : أتأمروني أن أطلب النصر بالجور ؟!

ثم قال : لو كان المال لي لسويت بينهم فكيف وإنما المال مال الله .

جاءه أخوه عقيل ذات يوم ، فرحَّب به الإمام ، ولما حان وقت العشاء لم يجد عقيل على المائدة غير الخبز والملح فتعجب ، وقال : ليس إلاّ ما أرى .



فردّ الإمام : أو ليس هذا من نعمة الله وله الحمد كثيراً .

وطلب عقيل منه مبلغاً من المال لسداد دينه فقال الإمام : اصبر عني يخرج عطائي.

فانزعج عقيل وقال : بيت المال في يدك وأنت تسوّقني إلى عطائك .

فقال الإمام : ما أنا إلا بمنزلة رجل من المسلمين .

كان عقيل يلحّ على الإمام أن يعطيه من بيت المال ، فقال الإمام : إن شئت أخذتَ سيفك وأخذت سيفي وخرجنا معاً إلى الحيرة فأنّ بها تجاراً مياسير ، فدخلنا على بعضهم فأخذنا ماله .

فقال عقيل مستنكراً : أو سارقاً جئتُ ؟ !

عندها أجابه الإمام : تسرق من واحد خير من أن تسرق من المسلمين جميعاً .

هكذا عاش الإمام فترة حكمه كلها وهو يأكل أكل الفقراء ويعيش حياة البسطاء.

ولما قالوا له إن معاوية ينفق الأموال ويوزع الرشاوى لكي يحرز النصر ، فلما ذا لا تصنع مثله ؟ قال الإمام مستنكراً :

- أتأمروني أن اطلب النصر بالجور ؟ !



واستغاثت به امرأة طردها زوجها في يوم قائظ شديد الحر ، فأسرع يردّها إلى زوجها ويصلح بينهما .

وبعد أن طرق الباب خرج شاب لا يعرف الإمام . وعندما عاتبه الإمام على فعله صرخ بوجه الإمام غاضباً وراح يتوعد امرأته بالعذاب لأنها جاءت بهذا الرجل .

وفي الأثناء مرّ بعض الناس و كانوا يعرفون الإمام ( عليه السلام ) فسلّموا عليه قائلين : السلام عليك يا أمير المؤمنين .

واندهش الشاب وسقط على يد الإمام يقبل يده و يعتذر ، وعاهده إلاّ يعود إلى مثلها ؛ فوعظهما الإمام ونصحهما لتكون حياتهما طيبة هانئة .

غدير خم :

في العام العاشر من الهجرة حجّ الرسول ( صلى الله عليه وآله ) حجة الوداع ، وكان في تلك المدّة يفكر في مسألة الخلافة وهو يشعر بدنو أجله ورحيله عن الدنيا فكان يحاول تمهيد الأمور إلى خليفته ووصيه علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) .

وطالما سمع الصحابةُ رسولَ الله ( صلى الله عليه وآله ) وهو يقول :



" علي مع الحق و الحق مع علي " ، " أنا مدينة العلم و علي بابها " .

وكان جابر بن عبد الله الأنصاري يقول : ما كنّا نعرف المنافقين إلاّ ببغضهم علياً.

فقد سمع الصحابةُ سيدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) يقول : " أيّها الناس أوصيكم بحب أخي و ابن عمي علي بن أبي طالب فإنّه لا يحبه إلاّ مؤمن و لا يبغضه إلاّ منافق ".

وفي 18 من ذي الحجة عندما عاد سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله ) من حجة الوداع ومعه أكثر من مئة ألف من المسلمين ، هبط جبريل يحمل أمر السماء .

فتوقف الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في منطقة يقال لها " غدير خم " .

وأمر المسلمين بالتوقف ، وفي تلك الصحراء الحارقة خطب الرسول بالمسلمين قائلاً : " أيّها الناس يوشك أن أُدعى فأجيب وإني مسؤول وإنّكم مسؤولون : فماذا انتم قائلون " ؟ !

قالوا نشهد أنك قد بلّغت ، وجاهدت ونصحت فجزاك الله خيراً .

فقال : " أليس تشهدون أن لا إله ألاّ الله ، وأن محمداً عبده ورسوله وأن جنته حق ، وأن ناره حق ، وأن الموت حق وأن البعث بعد الموت حق ، وأن الساعة لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور " ؟ !

قالوا نشهد بذلك .

قال : " اللهم اشهد " .

ثم قال ( صلى الله عليه وآله ) : " أيها الناس إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وإني مخلّف فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ".

كان عشرات الألوف من المسلمين ينظرون إلى سيدنا محمد وهو يرفع يد وصيّه وخليفته عالياً .

واندفع الصحابة والمسلمون يسلّمون على علي ( عليه السلام ) ويهنئونه قائلين ، السلام عليك يا وليّ المؤمنين .

الخلافة :

توفي سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله ) وفُجع المسلمون برحيله ، وفي تلك الأثناء اجتمع بعض الصحابة بعيداً عن أعين المسلمين و اغتصبوا الخلافة ، ووجد الإمام علي ( عليه السلام ) نفسه وحيداً ، ففضّل السكوت حفاظاً على الدين ومصلحة المسلمين .

وعندما وصلت الخلافة إلى عثمان تسلّل الأمويون إلى الحكم فعمّ الفساد في أنحاء الدولة الإسلامية ؛ وراحوا يتململون من ظلم وقهر الحكام الأمويين .

وعندما وجد المسلمون أن عثمان يساند ولاته وينفي بعض الصحابة كأبي ذر ويجلد البعض الآخر مثل عمار بن ياسر ، أعلنوا الثورة وجاءوا إلى المدينة المنورة يطلبون من عثمان التنازل عن الخلافة .

حاول الإمام علي ( عليه السلام ) إصلاح الأمور وقدم نصائحه للخليفة للعودة إلى عدالة الإسلام وعدم الإصغاء إلى المنافقين من أمثال " مروان بن الحكم " .

ولكن لا فائدة .

وتصاعد غضب المسلمين وحاصروا قصر الخلافة .

كانت حياة عثمان في خطر ، فبادر الإمام إلى إرسال ولديه " الحسن والحسين " إلى القصر ، ووقفا أمام الباب لحماية الخليفة من هجوم الثائرين .

كان عثمان مُصراً على سياسته ، وكان الثوّار في ذروة الغضب ، وانفجر الموقف عندما تَسوّر بعض الثوّار القصر ، ودخلوا على عثمان وقتلوه .

واندفعت الجماهير إلى منزل علي ( عليه السلام ) يطلبون منه تسلّم مسؤولية الخلافة ، وقد رفض الإمام بشدةٍ ذلك في بداية الأمر ولكنه وافق بعد إصرار الناس ، فتصدّى إلى الحكم وإدارة البلاد وتنفيذ عدالة الإسلام .

وهكذا انتبه المسلمون بعد ( 25 ) سنة ، فأعادوا الحق إلى صاحبه .

حكومة علي ( عليه السلام ) :

أعلن الإمام ( عليه السلام ) منذ اليوم الأول سياسته في الحكم ، وأعلن منهجه القائم على المساواة والعدل ، وأنّه سيعيد الحقوق إلى نصابها ، وينتصف للمظلوم من الظالم .



لقد تعوّد الناس طوال المدّة السابقة على الظلم وعلى الامتيازات وتجمعت الثروات الهائلة عند البعض من الصحابة والأمويين ، بينما المسلمون يعيشون حياةً صعبة محرومين من لقمة العيش الكريم .

خاف بعض الأثرياء على مصالحهم وامتيازاتهم من عدل علي ( عليه السلام ) فاختلقوا الأسباب للوقوف في وجه الحكم الجديد ، فاشتعلت الحروب الداخلية ، فكانت معركة " الجمل " في البصرة أول معركة ، ثم تلتها حرب " صفين " وبعدها معركة "النهروان " .

استشهاد الإمام :

بعد هزيمة الخوارج في معركة النهروان اجتمع ثلاثة منهم ؛ وهم " ابن ملجم " و " الحجّاج بن عبد الله " و " عمر بن بكر التميمي " وتشاوروا في قتل معاوية وعمرو بن العاص و" علي بن أبي طالب " ، وتعهد ابن ملجم باغتيال علي ( عليه السلام ) .



وفي يوم 19 من شهر رمضان المبارك سنة 40 هجرية . نفّذ ابن ملجم جريمته .

كان الإمام يصلّي بالمؤمنين صلاة الفجر في مسجد الكوفة ، و تسلّل " ابن ملجم" خفية ، ثم اقترب من الإمام وكان ساجداً ، وعندما رفع الإمام ( عليه السلام ) رأسه هوى المجرم بسيفه المسموم على رأسه ، وتدفّقت الدماء الطاهرة لتصبغ المحراب بلونها القاني ، و هتف الإمام : " فُزتُ و ربِّ الكعبة ".

وسمع الناس نداءً في السماء : تهدّمت و الله أركان الهدى ، قتل اتقى الأتقياء . . . قتله أشقى الأشقياء .

حاول المجرم الفرار من الكوفة فأُلقي القبض عليه .

فقال له الإمام :

- ألم أُحسن إليك ؟



فأجاب ابن ملجم :

- نعم .

وأراد الناس الإنتقام من المجرم ولكن الإمام منعهم ، وأوصى ابنه الحسن ( عليه السلام ) أن يحسن إليه مادام حيا .

ولما استُشهد الإمام نفّذ الإمام الحسن حُكم الشريعة بالمجرم ، وذلك في يوم 21 رمضان .

وهكذا رحل الإمام عن الدنيا وكان عمره بعمر سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله) أي 63 سنة ، وحُمل جثمانه إلى خارج الكوفة و دُفن سِرّاً تحت جُنح الظلام .

من كلماته المضيئة :

1. لا تطلب الحياة لتأكل ، بل اطلب الأكل لتحيا .

2. أعم الأشياء نفعاً موت الأشرار .

3. لا تسبَّن إبليس في العلانية وأنت صديقه في السرّ.

4. عقل الكاتب في قلمه .

5. الصديق نسيب الروح ، و الأخ نسيب الجسم .

6. لا تقل ما لا تحُبُّ أن يقال لك .

7. عدم الأدب سبب كل شرّ .

8. تعلموا العلم صغاراً ، تسودوا به كباراً .

9. إختر أن تكون مغلوباً وأنت منصف ، ولا تختر أن تكون غالباً وأنت ظالم .

هوية الإمام ( عليه السلام ) :

الاسم : علي .

اللقب : امير المؤمنين .

الكنية : أبو الحسن .

تاريخ الولادة : 23 ق . هـ .

تاريخ خلافته : عام 35 هجري .

مدة الخلافة : 5 سنوات .

العمر : 63 سنة .

تاريخ شهادته : 40 هـ

التوقيع :




الرد مع إقتباس
قديم 04-11-2007, 12:36 PM
العقرب العقرب غير متصل
عضو
 

رقم العضوية : 9711

تاريخ التّسجيل: Mar 2004

المشاركات: 345

آخر تواجد: 16-07-2017 02:24 AM

الجنس:

الإقامة: البحرين

فاطمة الزهراء ( عليها السلام )


مقدمة :

كانت الأمم والشعوب تنظر إلى المرأة كحيوان أو جزء من الثروة التي يملكها الرجل .

فالعرب في الجاهلية كانوا ينظرون للمرأة كرمز للعار وكان بعضهم يدفنون بناتهم أحياءً .

وعندما أشرق نور الإسلام منح المرأة حقّها و حدّد حقوقها كأمّ و زوجة وفتاة ، وكلنا سمع الحديثَ الشريف " الجنّة تحت أقدام الأمّهات " " رضا الله من رضا الوالدين " و المرأة أحد الوالدين .

لقد حدّد الإسلام إنسانية المرأة ، وشرّع نظاماً يحمي كرامة المرأة ويحافظ على عفّتها . فالحجاب ليس سجناً للمرأة بل وسام و فخار .

إننا نشاهد اللآلئ محفوظة بين الأصداف ، والفاكهة داخل قشور ؛ والفتاة المسلمة شرع الله سبحانه لها ما يحميها و يصونها وهو الحجاب الذي لا يحافظ عليها فحسب بل يزيدها وقاراً وجمالاً .

أما الغرب فينظر إلى المرأة كمادّة للإعلان والتجارة والربح المادّي على حساب الأخلاق وكرامة المرأة كإنسان .

وقد أدّت هذه النظرة إلى سقوط المرأة و تجرّدها عن عاطفتها ومشاعرها الإنسانية النبيلة .

وها نحن نرى اليوم تفكّك الأسرة في المجتمعات الغربية .

فالمرأة في دنيا الغرب تحوّلت إلى مجرّد دمية لا قيمة لها سواءً في السينما و الإعلانات التجارية أو سباق ملكات الجمال .

تعالوا يا أعزّاني لنتعرَّف على مثال المرأة في الإسلام مجسّداً في حياة فاطمة الزهراء (عليها السلام ) .

فاطمة الزهراء بنت محمّد ( صلى الله عليه وآله ) .

فاطمة الزهراء زوجة علي ( عليه السلام ) .

فاطمة الزهراء أم الحسن والحسين وزينب ( عليهم السلام ) .

الميلاد :

وُلدت فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) بعد بعثة والدها العظيم ( صلى الله عليه وآله ) بخمسة أعوام ، وبعد حادثة الإسراء والمعراج بثلاث سنين ، وقد بشّر جبريل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بولادتها وكان تاريخ ولادتها يوم الجمعة العشرين من شهر جمادى الآخرة في مدينة مكّة .

في بيت الوحي :

نشأت فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) في أحضان الوحي والنبوة ، في بيت مفعم بكلمات الله وآيات القرآن المجيد .

سألتْ عائشةُ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ذات يوم عن سبب حبّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لفاطمة هذا الحبَّ العظيم .

فلقد كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ينهض إذا دخلت عليه فاطمة وكان يقبِّل رأسها ويدها .



فأجاب سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله ) : " يا عائشة لو علمتِ ما أعلم لأحببتيها كما أحبّ . فاطمةُ بضعة منّي فمن أغضبها فقد أغضبني ، ومن سرّها فقد سرّني " .

وقد سمع المسلمون رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " يقول إنّما سُمِّيتْ فاطمةُ فاطمةَ لأن الله عزّ وجل فَطَمَ من أحبّها من النار " .

كانت فاطمة الزهراء تشبه سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) في خَلْقه وأخلاقه .

تقول أم سلمة زوجة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : فاطمة أشبه الناس برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .

وكانت عائشة تقول : إنّها أشبه الناس برسول الله بحديثها ومنطقها .وكانت فاطمة لا تحب أحداً قدر حبّها لأبيها .

كانت ترعى أباها وعمرها ست سنين ، عندما توفيت أمها خديجة الكبرى ، فكانت تسعى لملء الفراغ الذي نشأ عن رحيل والدتها .

وفي تلك السنّ الصغيرة شاركت أباها محنته وهو يواجه أذى المشركين في مكّة .

كانت تضمّد جراحه ، وتغسل عن ما يُلقيه سفهاء قريش .

وكانت تحدّثه بما يُسلّي خاطره ويدخل الفرحة في قلبه ؛ ولهذا سمّاها سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله ) أمَّ أبيها ، لفرط حنانها وعطفها على أبيها ( صلى الله عليه وآله ) .

زواج فاطمة ( عليها السلام ) :

بلغت فاطمةُ سنَّ الرشد ، وآن لها أن تنتقل إلى بيت الزوجية ، فخطبها كثير من الصحابة في طليعتهم أبو بكر وعمر ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يردّ الخاطبين قائلاً : إنني أنتظر في أمرها الوحي .

وجاء جبريل يخبره بأن الله فد زوّجها من علي .

وهكذا تقدم علي ، والحياء يغمر وجهه ، إلى خطبة فاطمة ( عليها السلام ) .

فدخل رسول لله ( صلى الله عليه وآله ) على فاطمة ليرى رأيها وقال لها :

" يا فاطمة إن علي بن أبي طالب من قد عرفْتِ قرابته وفضْله وإسلامه ، وإني قد سألتُ ربّي أن يزوِّجكِ خيْرَ خلْقه وأحبَّهم إليه ، وقد ذكر من أمرك شيئاً فما ترين " ؟

سكتت فاطمة وأطرقت برأسها إلى الأرض حياء ، فهتف رسول الله : " الله أكبر ! سكوتها رضاها " .

مراسم العقد و الزواج :

جاء رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأخذ بيد علي ( عليه السلام ) وقال :

" قم بسم الله وقل على بركة الله ، ما شاء الله لا قوّة إلاّ بالله ، توكلّت على الله " ، ثمّ قاد علياً ( عليه السلام ) وأجلسه عند فاطمة ( عليها السلام ) وقال : " اللهم إنّهما أحبّ خلقك إليّ فأحبّهما وبارِكْ في ذُرّيتهما واجعل عليها منك حافظاً وإنّي أعيذهما وذرِّيتهما من الشيطان الرجيم " .

ثم فبّلهما مُهنّئاً وقال : " يا علي نِعم الزوجة زوجتك " ، وقال لفاطمة : " يا فاطمة نِعم البعل بعلكِ " .

ووسط زغاريد النسوة من المهاجرين والأنصار وبني هاشم وُلدت أطهر وأمثل أسرة في التاريخ ، لتكون نواة لأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

وقد تمّت مراسم العقد والزواج ببساطة تعكس سماحة الإسلام ، فقد كان علي لا يملك من دنياه شيئاً غير سيفه ودرعه ، فأراد أن يبيع سيفه ، فمنعه رسول الله لأن الإسلام في حاجة إلى سيف علي ، ولكنه وافق على بيع الدرع ، فباعه علي ( عليه السلام ) ودفع ثمنه إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) .

أمر رسول الله أن يشتروا بثمنه طيباً وأثاثاً بسيطاً يسدّ حاجة الأسرة الجديدة .

كان المنزل هو الآخر بسيطاً جداً يتألّف من حجرة واحدة إلى جانب مسجد النبي ( صلى الله عليه وآله ) .



الله وحده الذي يعلم مدى الحب الذي كان يربط بين القلبين الطاهرين ، قلب علي ( عليه السلام ) وقلب فاطمة ، كان حبهما لله وفي سبيل الله .

كانت فاطمة تقدّر في نفسها جهاد علي ودفاعه عن رسالة الإسلام . . . رسالة أبيها العظيم .

كان زوجها يقاتل في الخطوط الأولى يحمل راية الإسلام في كل المعارك والحروب التي خاضها المسلمون ولا يكاد يفارق أباها رسول الله .

فكانت تسعى إلى خدمة زوجها والتخفيف من معاناته و همومه ، وكانت نِعم الزوجة المطيعة .

كانت تنهض بأعباء المنزل فإذا جاء زوجها وجَد في ظلالها الراحة والطمأنينة والسلام .

كانت فاطمة شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، نمَتْ في نور الوحي وترعرعت في فضاء القرآن .

الأسرة المثال :

الحياة الزوجيةُ اندماج لحياتين لتصبح حياةً مشتركة . . . حياة واحدة .

حياة الأسرة تنهض على التعاون والمحبّة والاحترام .

كانت حياة علي وفاطمة (عليهما السلام ) مثالاً للحياة الزوجية الكريمة .

كان علي يساعد فاطمة في أعمال المنزل وكانت فاطمة تسعى إلى إرضائه وإدخال الفرحة في قلبه .

كان حديثهما في منتهى الأدب والاحترام .

إذا نادى علي فاطمة قال : يا بنت رسول الله ، وإذا خاطبتْه قالت : يا أمير المؤمنين . وكانا مثال الأبوين العطوفين على أبنائهما .

الثمار :

في العام الثالث من الهجرة أنجبت فاطمة ( عليها السلام ) أول أولادها فسمّاه سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله ) " الحسن " ، وبمولده غمرت الفرحة قلب رسول الله ، وهو يؤذن في أذنه اليمنى ويقيم في أذنه اليسرى ويغمره بآيات القرآن .



وبعد عام وُلد الحسين ( عليه السلام ) .

أراد الله أن تكون ذرّية رسوله محمد ( صلى الله عليه وآله ) من فاطمة ( عليها السلام ) .

واحتضن الرسولُ سبطيه يحوطهما برعايته ، وكان يقول عنهما : " هما ريحانتاي من الدنيا " .

كان يحملهما معه إذا خرج أو يُجلسهما في أحضانه الدافئة .

دخل رسول الله ذات يوم منزل فاطمة وكان الحسن يبكي جوعاً وفاطمة نائمة ، فأخذ إناءً وملأه حليباً وسقاه بنفسه .



ومرّ ذات يوم آخر أمام بيت فاطمة فسمع بكاء الحسين ، فقال متأثراً : " ألا تدرون أن بكاءه يؤذيني " .

ومرّ عام جاءت بعده " زينب " إلى الدنيا ، وبعدها " أم كلثوم " .

ولعلّ رسول الله تذكّر ابنتيه زينب وأم كلثوم عندما سمّاهما بهذين الاسمين .

وهكذا أراد الله أن تكون ذرية الرسول في ابنته الوحيدة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) . . ذرّية بعضها من بعض والله سميع عليم .

منزل فاطمة :

بالرغم من حياتها القصيرة فقد كانت حافلة بالخير والبركات ، وكانت قدوة وأسوة للنساء ، فكانت الفتاة المثال والزوجة المثال ، والمرأة المثال ، ولهذا أصبحت سيدة نساء العالمين .

كانت مريم بنت عمران سيدة النساء في عصرها ، وكانت آسية امرأة فرعون سيدة نساء زمانها ، وكذلك كانت خديجة بنت خويلد .

أمّا فاطمة الزهراء فقد توّجها الإسلام سيدةً للنساء على مرّ العصور .

كانت قدوة في كل شيء . . يوم كانت فتاة تسهر على راحة أبيها وتشاركه آلامه ، ويوم كانت زوجة ترعى زوجها وتوفّر له سكناً يطمئن إليه ويلوذ به عندما تعصف به الأيام ، ويوم كانت أمَّا تربّي صغارها على حبّ الخير والفضيلة والخلق الكريم ، فكان الحسن والحسين وزينب ( عليهم السلام ) أمثلة سامية في دنيا الأخلاق والإنسانية.

رحيل الأب :

عاد رسول الله من حجة الوداع ولزم فراش المرض وغُشي عليه من شدّة الحمّى ، وهرعت إليه الزهراء تحاول دفع الموت عنه وهي تذرف الدموع ، وكانت تتمنى أن تموت هي بدلاً عنه .



فتح الرسول ( صلى الله عليه وآله ) عينيه وراح يتأمّل ابنته الوحيدة ، فطلب منها أن تقرأ له شيئاً من القرآن ، فراحت الزهراء تتلو القرآن بصوتٍ خاشع وكان الأب العظيم يصغي بخشوع إلى كلمات الله وهي تطوف في فضاء البيت .

أراد أن يقضي آخر لحظات عمره المبارك وهو يصغي إلى صوت ابنته التي رعتْه صغيرة و وقفتْ إلى جانبه كبيرة .

والتحق الرسول بالرفيق الأعلى وعرجت روحه الطاهرة إلى السماء .

كان رحيل الرسول صدمة كبيرة لابنته البتول ولم يتحمل قلبها تلك المصيبة ، فراحت تبكي ليل نهار .

ثم وجهت لها السياسة والأطماع ضربة أخرى بعد أن اغتصبوا منها " فدكاً " وتجاهلوا حق زوجها في الخلافة .



حاولت الزهراء الدفاع عن حقّها وكان لها في ذلك مواقف غاية في الشجاعة .

كان الإمام يدرك أن استمرار الزهراء في معارضة الخليفة سيجرّ البلاد إلى فتنة ، فتضيع كل جهود الرسول ( صلى الله عليه وآله ) أدراج الرياح ويعود الناس إلى الجاهلية مرّة أخرى .

طلب الإمام من زوجته العظيمة الاعتصام بالصمت والصبر ، حفاظاً على رسالة الإسلام .

وهكذا سكتت الزهراء لكنها بقيت غاضبة وتذكّر المسلمين أن غضبها يعني غضب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وغضب الرسول يعني غضبَ الله سبحانه .

سكتت الزهراء إلى أن رحلت عن الدنيا ولكنها طلبت في وصيّتها أن تُدفن سرّاً .

الرحيل عن الدنيا :

كانت فاطمة كشمعة تتوهج وتحترق وتذبل ثم يخبو نورها شيئاً فشيئا .

لم تستطع البقاء بعد رحيل أبيها وتنكّر الزمان لها .

كانت أحزانها تتجدّد كلما ارتفع الأذان يهتف : أشهد أن محمداً رسول الله .

كانت تريد اللقاء بأبيها وكان شوقها يستعر يوماً بعد آخر .

وهزل جسمها ولم يعد يتحمل شوق روحها إلى الرحيل .

وهكذا ودّعت الدنيا :

ودّعت الحسن بسنواته السبع

والحسين بأعوامه الستة

وزينب بسنواتها الخمس

وأم كلثوم وردة في ربيعها الثالث .

وكان أصعب ما في الوداع أن تودّع زوجها وشريك أبيها في الجهاد وشريك حياتها .

أغمضت الزهراء عينيها بعد أن أوصت زوجها بأطفالها الصغار ، كما أوصته أن تدفن سرّاً .

وما يزال قبر الزهراء مجهولاً ، فترتسم علامة استفهام كبرى في التاريخ .

ما تزال الزهراء تستفهم التاريخ ، ما تزال تطلب حقها ؛ وما يزال المسلمون يتساءلون عن بقاء القبر مجهولاً .

جلس الإمام المفجوع عند قبرها ، وكان الظلام يغمر الدنيا فقال يؤبنّها :

" السلام عليك يا رسول الله . . عني وعن ابنتك النازلة في جوارك والسريعة اللحاق بك ، قلَّ يا رسول الله عن صفيّتك صبري ورقّ عنها تجلّدي . . . وستنبئك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها ، فأحفها السؤال وأستخبرها الحال . . والسلام عليكما سلام مودِّع ".

الهوية :

الاسم : فاطمة الزهراء .

اسم الأب : محمد ( صلى الله عليه وآله ) .

اسم الأم : خديجة .

تاريخ الولادة : يوم الجمعة 20 جمادى الآخرة العام الخامس من البعثة .

محل الولادة : مكّة المكرمة .

تاريخ الوفاة : 11 هـ .

محل الوفاة : المدينة المنوّرة .

محل الدفن : مجهول .

التوقيع :




الرد مع إقتباس
قديم 14-11-2007, 11:41 AM
العقرب العقرب غير متصل
عضو
 

رقم العضوية : 9711

تاريخ التّسجيل: Mar 2004

المشاركات: 345

آخر تواجد: 16-07-2017 02:24 AM

الجنس:

الإقامة: البحرين

الإمام الحسن بن علي ( عليه السلام )


ولادته و نشأته :

في الخامس عشر من شهر رمضان ، ربيع القرآن ، ولد الإمام الحسن ( عليه السلام ) .

في بيت طيني صغير فتح عينيه ، وتربّى في أحضان جدّه محمّد ( صلى الله عليه وآله) وأبيه علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وأمّه فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) .

كان سيدنا محمّد يحب حفيده الحسن ويقول : إنه ابني ، ويقول : إنه ريحانتي من الدنيا .

و طالما رآه المسلمون يحمل الحسنَ ( عليه السلام ) على عاتقه ويقول : إن ابني هذا سيد ولعل الله يُصلح به بين فئتين من المسلمين . ثم يدعو الله قائلاً : اللهم إني أحبّه فأحبّه وأحبّ من يحبّه .

وكان سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) يردد دائماً : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة .

وذات يوم كان رسول الله يصلّي في المسجد ، فجاءه الحسن وهو ساجد فصعد على ظهره ثم رقبته ، وكان الرسول يقوم برفق حتى ينزل الحسن ، فلما فرغ من صلاته قال بعض المسلمين : يا رسول الله إنك تصنع بهذا الصبي شيئاً لا تصنعه بأحد ، فقال (صلى الله عليه وآله ) : إن هذا ريحانتي وإن ابني هذا سيّد وعسى أن يصلح الله به بين فئتين من المسلمين .

أدبه :

كان الحسن مع أخيه الحسين في طريقهما إلى المسجد ، فشاهدا شيخاً يتوضأ لكنه لا يحسن الوضوء .

فكّر الحسن ( عليه السلام ) كيف يصلح وضوء الشيخ دون أن يسيء الأدب ، فتقدما إلى الشيخ وتظاهرا بالنزاع ، وكل منهما يقول : أنت لا تحسن الوضوء ، ثم قالا للشيخ : كن حكَماً بيننا ، ثم راحا يتوضأن .

كان الشيخ يراقب وضوءهما ، وأدرك هدفهما ، فقال مبتسماً :

كلاكما تحسنان الوضوء .

وأشار إلى نفسه وقال : ولكن هذا الشيخ الجاهل هو الذي لا يُحسن الوضوء ، وقد تعلّم منكما .

وشاهد أحد الصحابة رسولَ الله ( صلى الله عليه وآله ) يحمل على عاتقه الحسن والحسين . فقال الصحابي : نِعْمَ الجمل جملكما .

فقال سيدنا محمد : ونِعْمَ الراكبان هما .

تقواه :

كان الإمام الحسن ( عليه السلام ) أعبد أهل زمانه .حجّ بيت الله ماشياً خمسة وعشرين حجة .

كان إذا قام للوضوء والصلاة ، اصفرّ لونه وأخذته رجفة من خشية الله ، وكان يقول : حقّ على كل من وقف بين يدي ربّ العرش أن يصفرّ لونه وترتعد مفاصله .

فإذا وصل باب المسجد رفع رأسه إلى السماء ، وقال بخشوع : إلهي ضيفك ببابك ، يا محسن قد أتاك المسيء ، فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك ، يا كريم .

حلمه :

كان الإمام الحسن ذات يوم في الطريق ، فصادفه رجل من أهل الشام وكان يكره أهل البيت ، فراح يسبّ ويشتم الحسن ( عليه السلام ) ، وظل الحسن ساكتاً لا يجيبه إلى أن انتهى . عندها ابتسم الحسن ( عليه السلام ) وقال بعد أن سلّم عليه : أيها الشيخ أظنّك غريباً . . . إن سألتنا أعطيناك ، و لو استرشدتنا أرشدناك ، وإن كنت جائعاً أشبعناك ، وإن كنت عرياناً كسوناك ، وإن كنت محتاجاً أغنيناك ، وإن كنت طريداً آويناك ، وإن كانت لك حاجة قضيناها لك .



فوجئ الرجل الشامي بجواب الحسن ، وأدرك – على الفور – أن معاوية كان يخدع الناس و يشيع فيهم عن علي وأولاده ما ليس بحق .

تأثّر الرجل وبكى ثم قال : أشهد أنك خليفة الله في أرضه ، وإن الله أعلم حيث يجعل رسالته ، لقد كنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إليّ و الآن أنت أحبّ خلق الله إليّ .

ومضى الرجل مع الإمام إلى منزله ضيفاً إلى أن ارتحل .

سخاؤه وكرمه :

1. سأل رجل الحسن بن علي ( عليه السلام ) فأعطاه خمسين ألف درهم وخمسمائة دينار .

2. وجاء أحد الأعراب فقال ( عليه السلام ) : أعطوه ما في الخزانة ، فوُجد فيها عشرون ألف دينار .

3. كان الإمام الحسن يطوف حول الكعبة فسمع رجلاً يدعو الله أن يرزقه عشرة آلاف درهم ، فانصرف الحسن ( عليه السلام ) إلى منزله ، وبعث إليه بعشرة آلاف درهم .

4. وجاءه رجل فقال له : اشتريت عبداً ففرّ مني ، فأعطاه الإمام ثمَن العبد .

الخلافة :

التحق سيدنا علي ( عليه السلام ) بالرفيق الأعلى ليلة 21 من شهر رمضان المبارك إثر اغتياله على يد الخارجي " ابن ملجم " فخلفه ابنه الإمام الحسن ( عليه السلام) في الخلافة ، وبايعه المسلمون ؛ فنهض بقيادة الأمة ومسؤولية الخلافة ، وله من العمر 27 سنة .

وفي صباح اليوم الأول صعد المنبر وألقى خطاباً تاريخياً معلِناً استمرار سياسة أبيه في العدل والمساواة والتصدي لمؤامرات المنحرفين عن الإسلام :

" لقد قُبِض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأوّلون بعمل ولم يُدركه الآخرون بعمل ، لقد كان يجاهد مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فيقيه بنفسه وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله ) يوجِّهَهُ برَايَته ، فيكنفه جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله ، ولا يرجع حتى يفتح الله عليه . . و لقد توفي في الليلة التي عُرج فيها بعيسى بن مريم ، والتي قُبض فيها يوشع بن نون " وصي موسى ( عليه السلام ) " وما خلّف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضُلت عن عطائه ، أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله " .

ثم خنقته العبرة فبكى ، وبكى الناس ، ثم قال :

أنا ابن البشير . . أنا ابن النذير . . أنا ابن الداعي إلى الله بأذنه . . أنا ابن السراج المنير . . أنا مِن أهل بيت أذهَب اللهُ عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا . . أنا من أهل بيت فرَض الله مودّتهم في كتابه فقال تعالى :

{ قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى و من يقترف حسنة نزد له فيها حسناً}[1] فالحسنة مودّتنا أهل البيت .

نهض عبد الله بن عباس ، وقال : معاشر الناس ! هذا ابن نبيكم ووصي إمامكم فبايعوه .

فاستجاب له الناس ، وقالوا : " ما أحبّه إلينا وأوجب حقه علينا " وبادروا إلى البيعة له بالخلافة .

مؤامرات معاوية :

استمر معاوية في مؤامراته ضدّ الإمام الحسن ( عليه السلام ) كما كان في عهد سيدنا علي ( عليه السلام ) ، فكانت حرب صفين ، ثم معركة النهروان بسبب تمرّده على الخلافة ومحاولته لاغتصابها من أصحابها الشرعيين .

لقد انتخب الناسُ الحسن ( عليه السلام ) خليفةً لرسول الله وأميراً للمؤمنين ، ولكن معاوية رفض البيعة للإمام ، وبدل أن يطيع راح يبث الجواسيس إلى الكوفة والبصرة ، ويبعث الرشاوى لبعض الناس .

لم يتساهل الحسن في مواجهة مؤامرات معاوية بل أمر بإعدام الجواسيس ثم بعث برسالة إلى معاوية يحذره فيها من الاستمرار في انحرافه :

- أما بعد فإنك دسست إلي الرجال ، كأنك تحبّ اللقاء ، لاشك في ذلك فتوقعه إن شاء الله .

الاستعداد للحرب :

وجَّه معاوية جيوشه لبثّ الذعر في قلوب المسلمين والإغارة عليهم ونهب ممتلكاتهم ، وكان على الإمام الحسن أن يتصدّى للعدوان ويستعدّ للقتال ، فخطب بالناس قائلاً :



أما بعد ؛ فإن الله كتب الجهاد على خلقه ، وسمّاه كرها ثم قال لأهل الجهاد : اصبروا إن الله مع الصابرين ، فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون إلاّ بالصبر على ما تكرهون . . . أُخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم في النخيلة .

وللأسف كان الخوف مسيطراً على الناس ، وكانت استجابتهم للقتال بطيئة .

وهنا نهض عدي بن حاتم الطائي وكان من أصحاب الإمام ( عليه السلام ) فنادى بالناس مستنكراً تخاذلهم :

" أنا عدي بن حاتم ، سبحان الله ما أقبح هذا المقام ! ! ! ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيكم ؟ ! أين خطباء المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة ، فإذا جدّ الجدّ راوغوا كالثعالب ؟ أما تخافون مقت الله ؟ ".

ثم ركب فرسه وانطلق إلى معسكر النخيلة .



وقام بعض أنصار الإمام وقادته بتشجيع الناس على الاستعداد لمواجهة معاوية ، فتألف جيش بلغ عدده اثني عشر ألفاً ، فأُسندت القيادة إلى " عبيد الله بن العباس " وكان معاوية قد قتل ولديه الصغيرين في إحدى الغارات .

كان في جيش الإمام الحسن ( عليه السلام ) الكثير من أهل الدنيا والأطماع ، فسَهُل على معاوية أن يشتريهم بالأموال ، فراحوا يتسلّلون إلى معسكر معاوية في الظلام .

بل أن معاوية استطاع أن يرشي قائد الجيش " عبيد الله بن العباس " بمليون درهم ، فانحاز إلى معاوية ، تاركاً الإمام والخليفة وحيداً .

وتوالت الخيانات ، وتجرأ أحدهم فأراد اغتيال الإمام الحسن ، وقد جرح ( عليه السلام ) في ساقه .

أدرك الإمام الحسن ( عليه السلام ) أن من الصعب مواجهة معاوية بجيش ضعيف يبيع جنوده أنفسهم بثمن زهيد .

وفي المقابل كان معاوية يعرض الصلح والسلام على الإمام مقابل التنازل عن الخلافة ، وكان الإمام ( عليه السلام ) يعرف أن الاستمرار في مواجهة معاوية سوف يعرِّض أصحابه وأنصاره – وفيهم خيرة صحابة رسول الله - إلى الإبادة والموت ، وسوف يحتل جيش الشام الكوفة وينتهك الأعراض ويقتل الأبرياء ، لذا آثر الإمام ( عليه السلام ) الصلح على سفك الدماء مقابل بعض الشروط .

الصلح :

كان الخوارج يخططون لاغتيال الحسن ، وكان معاوية يشجعهم من بعيد على ذلك لكي يضطر الإمام إلى قبول الصلح والتنازل عن الخلافة .



كان سيدنا الحسن لا يفكر إلاّ بمصلحة الإسلام و المسلمين ، وأخيراً وافق على الصلح حقناً للدماء ، وكتب شروط الصلح وعرَضها على معاوية :

1. أن يعمل معاوية بكتاب الله وسنة نبيه ( صلى الله عليه وآله ) .

2. أن لا يلاحق شيعة آل البيت ( عليهم السلام ) .

3. أن لا يسبّ أو يشتم علياً ( عليه السلام ) .

4. ليس لمعاوية الحق في نصب أحد للخلافة .

5. أن لا يدعو الحسن معاوية أميراً للمؤمنين .

6. على معاوية أن يعيد الخلافة إلى الحسن فان توفي الحسن فإلى الحسين .

معاوية يخرق الشروط :

كان سيدنا الحسن يدرك أن معاوية لن يلتزم بالشروط ، فأراد الإمام أن تعرف الأمة ألاعيب معاوية و عدم احترامه للدين والعهد .



تمّ الصلح ودخل معاوية الكوفة ، فصعد المنبر وخطب بالناس قائلاً : إني ما قاتلتكم لتصوموا أو تصلّوا ولكن لأتأمّر عليكم . . ألا وإن كل شرط شرطته للحسن فهو تحت قدمي .

عيّن معاوية " زياد بن أبيه " حاكماً على الكوفة ، فراح يطارد شيعة أهل البيت ، ويصادر بيوتهم وأموالهم ، ويعذبهم ويسجنهم .

وكان سيدنا الحسن ( عليه السلام ) يساعد المظلومين والمقهورين ويستنكر أعمال معاوية وظلمه وعدم التزامه بالشروط .

كان معاوية يخطط للقضاء على الإمام الحسن ( عليه السلام ) وتنصيب ابنه "يزيد" للخلافة ، ففكر باستخدام السمّ لاغتيال سبط رسول الله .

وقع اختيار معاوية على " جُعدة بنت الأشعث " زوجة الإمام ، وكان أبوها منافقاً ، فأغراها بالمال وبتزويجها من ابنه يزيد .

وسوس الشيطان لجعدة ، وأخذت السم الذي أرسله معاوية فوضعته في " إفطار" الإمام الحسن ، وكان صائماً .



تناول سيدنا الحسن طعام الإفطار ، فشعر بألم شديد يقطع أمعاءه ، ونظر إلى زوجته وقال : " يا عدوة الله ، قتلتيني قتلك الله ، لقد غرّك معاوية وسخر منك . يخزيك الله ويخزيه " .

سخر معاوية من " جعدة " وطردها من قصره وقال لها : إننا نحب حياة يزيد ، وهكذا خسرت تلك المرأة الدنيا و الآخرة وفازت بلقب : " مسمّمة الأزواج " .

وفي الثامن والعشرين من شهر صفر من عام 50 للهجرة ، عرجت روح الإمام إلى الرفيق الأعلى . . تشكو إلى الله ظلم بني أمية .

حُمل جثمانه إلى مقبرة البقيع ، حيث مرقده الآن .

فالسلام عليه يوم وُلد ، ويوم استشهد ، ويوم يُبعث حيا .

هوية الإمام :

الاسم : الحسن .

اللقب : المجتبى .

الكنية : أبو محمد .

اسم الأب : علي ( عليه السلام ) .

اسم الأم : فاطمة ( عليها السلام ) .

اسم الجد : محمد ( صلى الله عليه وآله ) .

تاريخ الولادة : 15 رمضان عام 3هجري .

العمر : 47 سنة .

تاريخ شهادته : 28 صفر عام 5هجري .


من كلمات المضيئة :


1. اللؤم أن لا تشكر النعمة .

2. ما تشاور قوم إلا هدوا إلى رشدهم .

3. العار أهون من النار .

4. القريب من قرّبته المودّة وإن بعد نسبه ، والبعيد من باعدته المودّة وإن قرب نسبه .

التوقيع :




الرد مع إقتباس
قديم 15-11-2007, 12:18 PM
العقرب العقرب غير متصل
عضو
 

رقم العضوية : 9711

تاريخ التّسجيل: Mar 2004

المشاركات: 345

آخر تواجد: 16-07-2017 02:24 AM

الجنس:

الإقامة: البحرين

الإمام الحسين بن علي ( عليه السلام )


الميلاد :


في 3 شعبان سنة 4 هجرية وُلد سيدنا الحسين ( عليه السلام ) .

وقد استبشر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بولادته ، وانطلق إلى بيت ابنته فاطمة ليبارك لها الوليد .

أذّن جدّه النبي ( صلى الله عليه وآله ) في أذنه اليمنى ، وأقام في أذنه اليسرى ، وسمّاه " حسيناً ".

وفي اليوم السابع لولادته عقَّ عنه أبوه علي ( عليه السلام ) ، ووزّع لحم عقيقته على الفقراء والمساكين .

كان سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله ) يحب حفيده الحسين ( عليه السلام ) ، وقد دمعت عيناه حزناً بعد أن أخبره الوحي بما سيجري على الحسين ( عليه السلام ) في المستقبل .

كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : حسين مني وأنا من حسين ، وهو إمام ابن إمام وسيكون من نسله تسعة أئمة آخرهم المهدي ؛ وهو يظهر في آخر الزمان .. يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن تُملأ ظلماً وجوراً .

في عهد أبيه :

قضى الحسين ستة أعوام في أحضان جدّه النبي ، تعلّم فيها الكثير من أخلاق جده و أدبه العظيم .



و عندما توفَّي النبي ( صلى الله عليه وآله ) أمضى 30 سنة من عمره الشريف في عهد أبيه " علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) " و تألم لمحنته ، فوقف إلى جانبه .

عندما تولّى سيدنا علي ( عليه السلام ) مسؤولية الخلافة كان الحسين ( عليه السلام ) جندياً مضحياً يقاتل من أجل تثبيت راية الحق . شارك في معارك " الجمل " و "صفين " و " النهروان " .

وعندما استشهد سيدنا علي ( عليه السلام ) بايع الحسين ( عليه السلام ) أخاه الحسن ( عليه السلام ) بالخلافة ، و وقف إلى جانبه ضد معاوية .

الإمام في عهد معاوية :

دسَّ معاوية السم إلى الإمام الحسن ( عليه السلام ) فاستشهد . فتصدى سيدنا الحسين إلى الإمامة ، وكان عمره 46 سنة .



كان سيدنا الحسين يدرك أن معاوية هو السبب في كل مآسي المسلمين .

كان معاوية يتظاهر بشعائر الإسلام ولكنه كان يعمل في الخفاء للقضاء على الدين ، وكان يحرص على بقاء أهل الشام في جهل تام بحقائق الإسلام وصحابة الرسول المخلصين ، وكان يبثّ الدعايات المغرضة لتشويه سمعة آل البيت ( عليهم السلام ) ، وكان يطارد كل من يعارض سياسته ، فقد قتل كثيراً من أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأصحاب سيدنا علي ( عليه السلام ) ؛ كان في طليعتهم حجر بن عدي رضى الله عنه الذي قتله مع ابنه في " مرج عذراء " خارج دمشق .

كان معاوية يفكّر ويعمل لتنصيب ابنه يزيد للخلافة ، مع علمه بأخلاق يزيد ؛ وكان شابّاً يسخر من الدين وأهله . . يشرب الخمر ويقضي أكثر وقته يلعب مع القرود .

حذّر سيدنا الحسين ( عليه السلام ) معاوية من خطورة ما يفعله ، ولكن معاوية لم يصغ إلى أحد ، وأعلن نيّته في بيعة يزيد ، ثم أخذ له البيعة بالقوّة ، وأجبر الناس على ذلك .

مع يزيد :

مات معاوية وجاء إلى الحكم ابنه يزيد ، وكان أول ما قام به هو أن بعث برسالة إلى " الوليد " حاكم المدينة المنوّرة وأمره أن يأخذ البيعة من سيدنا الحسين ( عليه السلام ) بالقوة .

استدعى الوليدُ (حاكم المدينة ) سيدَنا الحسين ( عليه السلام ) وعرض عليه أمر يزيد .

كان سيدنا الحسين يدرك أن يزيد يريد من وراء ذلك أن يقول إن الحسين وهو ابن رسول الله قد بايع ، ومعنى هذا أن خلافته شرعية ؛ لذلك رفض الإمام ( عليه السلام) بيعة يزيد ، ذلك الرجل الفاسق الذي يشرب الخمر ولا يحكم بما انزل الله .

هدد الوليد سيدنا الحسين بالقتل إذا هو رفض بيعة يزيد ؛ غير أن الإمام ( عليه السلام ) لا يفكر في شيء سوى مصلحة الإسلام حتى لو كان في ذلك قتله .

الكوفة تستنجد بالإمام :

كان المسلمون يتململون من ظلم معاوية وكانوا يتمنون أن تعود حكومة علي بن أبي طالب . . حكومة العدل الإسلامي .

وعندما سمع أهل الكوفة أن الإمام الحسين قد رفض البيعة ليزيد ، بعثوا برسائلهم إلى الإمام يطلبون منه القدوم إلى الكوفة و إنقاذهم من الظلم والجور .

وصل عدد الرسائل التي تسلّمها الإمام الحسين اثني عشر ألف رسالة كلّها كانت تقول : اقدم يا بن رسول الله ، فليس لنا أمام غيرك .

سفير الحسين :

أرسل الإمام الحسين ( عليه السلام ) ابن عمه " مسلم بن عقيل " سفيراً إلى الكوفة ، و سلّمه رسالة إلى أهل الكوفة جاء فيها :



· أما بعد فقد أتتني كتبكم وفهمت ما ذكرتم من محبتكم لقدومي عليكم ، وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل .

استُقبل مسلم بن عقيل استقبالاً حاراً ، والتف حوله الناس يبايعون الإمام الحسين.

وبلغ عدد الذين بايعوا أكثر من ثمانية عشر ألفاً .

عندما كتب مسلم بن عقيل رسالة إلى سيدنا الحسين يخبره فيها اجتماع أهل الكوفة على نصرة الحق ورفض البيعة ليزيد ، ويطلب من الإمام القدوم في أول فرصة .

مصرع مسلم :

كان يزيد يراقب ما يجري في الكوفة ، فعين حاكماً جديداً هو " عبيد الله بن زياد" ، الذي وصل الكوفة على جناح السرعة .


بدأ " ابن زياد " سياسته في الإرهاب والقتل وتقديم الرشاوى ، وراح يهدد الناس بجيش سوف يصل من الشام .

خاف أهل الكوفة وتخلوا عن مسلم ، فبقي وحيداً ولكنه لم يستسلم فظل يقاتل وحده إلى أن جرح بشدّة ، فوقع أسيراً ثم استشهد رضى الله عنه .

وصلت أخبار قتل مسلم وبعض أنصاره إلى سيدنا الحسين وهو في طريقه إلى الكوفة ، وعرف أن أهل الكولة قد غدروا به ، فقال الإمام لأصحابه والذين التحقوا به :

- من لحق بنا استشهد ، ومن تخلّف عنا لم يبلغ الفتح .

كان سيدنا الحسين يعرف المصير الذي سيواجهه ، ولكن الإمام كان يفكر بأداء واجبه تجاه الإسلام والمسلمين .

هدف الحسين :

أعلن سيدنا الحسين رفضه البيعة ليزيد ، لأن يزيد لا يليق بالخلافة ، فهو رجل فاسق يشرب الخمر ويحلّل الحرام ويحرّم الحلال .

لذلك قال سيدنا الحسين ( عليه السلام ) في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية : إني لم أخرج مفسداً ولا ظالماً ، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي ( صلى الله عليه وآله ) أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) .

كان سيدنا الحسين يعرف أنه سيُقتل في الصحراء مع أصحابه وأهل بيته ، ولكنه أراد أن يوقظ المسلمين من نومهم ليعرفوا حقيقة معاوية وابنه يزيد ، وأنهم يفعلون كل شيء من أجل البقاء في الحكم حتى لو قَتلوا سبط النبي ، وأخذوا حرمه سبايا .


الحسين يوم عاشوراء :


قطع جيش يزيد الطريق على قافلة الحسين ( عليه السلام ) ، في مكان يدعى كربلاء قرب نهر الفرات ، ومنعوا الماء عن الأطفال والنساء .



وفي يوم 10 محرّم وكان الحرّ شديداً ، وعظ سيدنا الحسين ( عليه السلام ) الناس وحذّرهم من عاقبة عملهم :

أيها الناس انسبوني من أنا ، ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها وانظروا هل يحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي . . ألست أنا ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين بالله والمصدق لرسوله .

أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي ؟!

أو ليس جعفر الطيّار عمّي ؟ !

أو لم يبلغكم قول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لي ولأخي : هذان سيدا شباب أهل الجنّة ؟!.



كان أهل الكوفة يعرفون جيداً ، ولكن الشيطان قد غرّهم ، ففضّلوا حياة الذلّ مع " يزيد " و" ابن زياد " وتركوا الحسين ( عليه السلام ) وحيداً .

قالوا لسيدنا الحسين ( عليه السلام ) :

· بايع يزيد كما بايعناه نحن .

أجاب الحسين ( عليه السلام ) : لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ولا أفرُّ فرار العبيد .

أصدر " عمر بن سعد " قائد جيش " يزيد " أمره بالهجوم على معسكر الحسين (عليه السلام ) ، وحدثت معركة ضارية سقط فيها خمسون شهيداً ، وبقي مع الإمام عدد قليل من أصحابه و أهل بيته ، فكانوا يتقدمون إلى الموت الواحد تلو الآخر بشجاعة وبسالة دون أي إحساس بالخوف ، وكانوا يعتقدون انهم سوف يستشهدون في سبيل الله ويذهبون إلى الجنّة .

استشهد جميع أصحابه وأهل بيته وبقي سيدنا الحسين وحيداً ، فودّع عياله وأمرهم بالصبر والتحمل في سبيل الله ، ثم ركب جواده وتقدم يقاتل آلاف الجنود لوحده ، حتى سقط شهيداً فوق الرمال .



لم يكتف " ابن زياد " بقتل سيدنا الحسين بل أمر بعض الفرسان الذين باعوا ضمائرهم بأن يدوسوا على صدره ، فانبرت عشرة خيول وراحت تمزّق صدر الحسين بحوافرها .

بعدها أمر " ابن سعد " بإضرام النار في خيام الحسين بعد أن نهبوها وأخذوا الأطفال والنساء سبايا إلى الكوفة وكانت فيهم زينب بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وزين العابدين ابن الإمام الحسين ( عليهم السلام ) .

تقدمت زينب بشجاعة إلى جثمان أخيها الحسين . وضعت يديها تحت الجسد الطاهر ورفعت رأسها إلى السماء ، وقالت بخشوع :

- الهي تقبّل منّا هذا القربان .

لماذا نتذكر الحسين ؟

قدّم سيدنا الحسين كل ما يملك من اجل عزّة الإسلام والمسلمين . . قدّم أطفاله ونساءه وأصحابه ثم قدّم نفسه في سبيل الله .



علّم سيدنا الحسين الناس الثورة ضد الظلم والفساد ، وقضى آخر أيام حياته يقرأ القرآن ويصلي لله .

حتى في وسط المعركة طلب من أعدائه إيقاف القتال لأداء الصلاة .

وصلّى الحسين بأصحابه وكانت السهام تنهمر عليهم كالمطر .

كانت ثورة سيدنا الحسين من اجل الإسلام وفي سبيل الله ؛ لهذا فإن المسلمين يذكرون الإمام الحسين ( عليه السلام ) دائماً . . يذكرون بحزن يوم عاشوراء تلك المذبحة الفظيعة التي ارتكبها الأمويون وقتلوا فيها سبط النبي وخيرة المسلمين .

عاش سيدنا الحسين 57 سنة قضاها في عمل الخير وخدمة الناس .



وحجّ بيت الله الحرام ماشياً مرّات عديدة .

مرّ سيدنا الحسين ( عليه السلام ) ذات يوم بمساكين قد فرشوا كساء لهم و وضعوا عليه كسراً من الخبز ، فقالوا له :

هلمّ يابن رسول الله .

فجلس معهم يأكل ، ثم تلا قوله تعالى : {إن الله لا يحبّ المستكبرين }، وقال لهم:

- قد أجبت دعوتكم فأجيبوا دعوتي .

قالوا : نعم يابن رسول الله

فذهبوا معه إلى منزله فأكرمهم .

وعندما أراد الإمام زين العابدين دفْنَ أبيه ، سأله الناس وهم ينظرون إلى آثارٍ تشبه الجروح القديمة في ظهره ، فقال زين العابدين ( عليه السلام ) :

- هذا مما كان ينقل الجراب على ظهره إلى منازل الأرامل واليتامى والمساكين .

يوم عاشوراء :

هو يوم العاشر من المحرّم ، وكان يوماً عادياً لا يحتفل به أحد ، وعندما استشهد سيدنا الحسين ( عليه السلام ) في هذا اليوم سنة 61 للهجرة اصبح مناسبة كبرى يحتفل بها المسلون في كل مكان ، ويجلسون للعزاء والبكاء على شهداء كربلاء .



وكانت كربلاء صحراء لا يسكنها أحد ، فأصبحت – بمرور الأيام – مدينة كبيرة ومركزاً من مراكز العلم والدين .

في مصر أعلن " الفاطميون " يوم عاشوراء عزاءً عاماً تتعطل فيه الأسواق ، حيث يجتمع الناس عند مرقد السيدة زينب للبكاء و ذكر مصيبة كربلاء .

وفي إيران أمر " مُعزّ الدولة الديلمي " بإعلان يوم عاشوراء عطلة رسمية في البلاد .

وهكذا أصبح المسلمون يحتفلون في يوم عاشوراء في مصر وإيران والعراق والهند وغيرها من البلدان الإسلامية .



وما تزال ذكرى " عاشوراء تتجدد عاماً بعد عام .

وفي إيران استلهم الشعب تضحيات سيدنا الحسين ( عليه السلام ) وقام بثورة كبرى أطاحت بالنظام الفاسد و أقامت النظام الإسلامي .

من المنتصر !

يتصور البعض أن سيدنا الحسين قد مني بهزيمة أمام جيش يزيد بن معاوية ، ولكن عندما ندقّق في صفحات التاريخ سنشاهد أن سيدنا الحسين هو الذي انتصر على أعدائه .

إن المبادئ التي قُتل من اجلها الحسين ما تزال باقية حيّة في قلوب الناس .فأين يزيد الآن ، و أين ابن زياد ، بل أين معاوية نفسه . لقد ذهبوا جميعاً ولم يبق لهم من ذكر . و إذا ذكرهم أحد فإنّه يذكرهم للّعنة فقط .



لقد أراد المجرمون القضاء على سيدنا الحسين ، ولكن الله أراد له الخلود في الدنيا والآخرة ؛ وأصبح نصيب أعدائه اللعنة في الدنيا . . . والنار في الآخرة .

وأصبحت كربلاء رمزاً للثورة والحرّية وانتصار الدم على السيف .

من كلماته المضيئة :

1. لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برما .

2. هيهات منا الذلّة .

3. الناس عبيد الدنيا والدين لعِق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت معايشهم ، فإذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الديّانون .

4. قال لابنه زين العابدين ( عليه السلام ) : أي بني إيّاك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلاّ عز وجل .



إن قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار ، وإن قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد ، وإن قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار ؛ وهي أفضل العبادة .

هوية الإمام :

الاسم : الحسين .

اللقب : سيد الشهداء .

الكنية : أبو عبد الله .

اسم الأب : علي ( عليه السلام ) .

اسم الأم : فاطمة ( عليها السلام ) .

اسم الجد : محمد ( صلى الله عليه وآله ) .

تاريخ الولادة : 3 شعبان سنة 4 هجرية .

مدة الإمامة : عشرة أعوام .

العمر : 57 سنة .

تاريخ شهادته : 10 محرم سنة 61 هجرية .

محل الدفن : كربلاء .

التوقيع :




الرد مع إقتباس
قديم 18-12-2007, 09:27 AM
العقرب العقرب غير متصل
عضو
 

رقم العضوية : 9711

تاريخ التّسجيل: Mar 2004

المشاركات: 345

آخر تواجد: 16-07-2017 02:24 AM

الجنس:

الإقامة: البحرين

الإمام علي بن الحسين ( عليه السلام )

الميلاد :


فتح المسلمون بلاد فارس ( أي إيران ) في زمن الخليفة الثاني " عمر بن الخطاب".وجاء الجيش الإسلامي بالسبايا إلى المدينة المنورة ؛ و كان فيها ابنة ملك فارس " كسرى يزدجرد " .

اجتمع المسلمون في المسجد ، وأراد الخليفة بيعها ، فأشار الإمام علي ( عليه السلام ) أن لا يفعل ذلك ؛ لأن بنات الملوك لا يُبعن – ولو كنّ كفارا ، وقال اعرض عليها أن تختار أحداً لنفسها لتتزوجه ، فمن اختارته فزوِّجه ، واحسب ذلك من عطائه .

واختارت ابنةُ الملك سيدنا الحسين ( عليه السلام ) .

فأوصاه أبوه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالإحسان إليها ، وقال له :

يا أبا عبد الله لتلِدَنَّ لك خيرَ أهل الأرض .

فأنجبتْ له زينَ العابدين ( عليه السلام ) .

كان أبوه الحسين ( عليه السلام ) يسمّيه : ابن الخيرتين ؛ فخيرته من العرب قريش ، ومن قريش بني هاشم ، ومن العجم أهل فارس .

أخلاقه وصفاته :

وصف الفرزدق الشاعرُ الإمام زينَ العابدين ( عليه السلام ) بأنه أحسن الناس وجهاً وأطيبهم رائحة .

وكان بين عينيه أثرُ السجود ، ولذا لُقِّب بالسجاد .



وقال عنه ابنه محمدُ الباقر ( عليه السلام ) : كان أبي عليّ بن الحسين ( عليه السلام ) إذا انقضى الشتاء يتصدّق بكسوته على الفقراء ، وإذا انقضى الصيف يتصدّق بها أيضاً .

كان يلبس أفخر الثياب ، وإذا وقف للصلاة اغتسل وتطيّب .

اشتهر الإمام زينُ العابدين بكثرة دعائه وبكائه .

يقول طاووس اليماني ؛ وكان رجلاً من أصحابه :

رأيت رجلاً يصلّي في المسجد الحرام تحت الميزاب . . يدعو ويبكي في دعائه ، فجئته حين فرغ من صلاته ، فإذا هو زين العابدين عليّ بن الحسين ( عليه السلام ) ، فقلت له : يابن رسول الله تبكي وأنت ابن رسول الله ؟!

فقال : أما أنّي ابنُ رسول الله فلا يؤمِنُني من عذاب الله ، وقد قال الله : " فلا أنساب بينهم يومئذ . . . " . لقد خلق الله الجنةَ لمن أطاعه و أحسن ولو كان عبداً حبشياً ، وخلق النارَ لمن عصاه وأساء ولو كان سيّداً قرشيّاً .


حجّ إلى بيت الله ماشياً عشرين مرّة .

وكان يوصي أصحابه بأداء الأمانة ، ويقول : فوالذي بعث محمداً بالحق لو أن قاتل الحسين ( عليه السلام ) ائتمني على السيف الذي قتله به لأديته إليه .

وكان يوصيهم أيضاً بقضاء حوائج المحتاجين ويقول :

إنّ لله عباداً يسعون في قضاء حوائج الناس ، هم الآمنون يوم القيامة ، ومن أدخل على مؤمن سروراً فرّح الله قلبَه يوم القيامة .

كان زينُ العابدين ( عليه السلام ) جالساً بين أصحابه ، فجاءه رجل من أبناء عمومته ، وشتمه وأسمعه كلاما مرّا ، فلم يكلمه الإمام حتى مضى .

ثمّ قال الإمام لأصحابه : قد سمعتم ما قال هذا الرجل ، وأنا أحب أن تبلغوا معي حتى تسمعوا ردّي عليه .

فقاموا معه وهم يظنون أنّ الإمام سيردّ عليه بالمثل .

طرق الإمامُ البابَ ، فخرج الرجل مستعدّاً للشر .

فقال له الإمام بأدبٍ جمّ :

يا أخي إنّك فد قلتَ فيّ ما قلتَ . فإن كان حقاً فأنا أستغفر فتأثّر الرجلُ ونِدم ، وأقبل على الإمام معتذراً .



ذهب الإمام إلى محمد بن اُسامة بن زيد ليعوده في مرضه فرآه يبكي فقال الإمام : ما يبكيك ؟

فقال محمد بن أسامة : عليَّ دين .

فقال الإمام : وكم يبلغ ؟

قال : خمسة عشر ألف دينار .

فقال الإمام : هو عليَّ . ووفّاه عنه .

كان الإمام يخرج في منتصف الليل ويحمل معه الأموال والطعام ويجوب المدينة فيوزِّع على فقرائها ما يحمله وهم لا يعرفونه .

وكان يعول أكثر من مئة أسرة .

وعندما استشهد افتقدوا ذلك الرجل فعرفوا أنّه ( زينُ العابدين ) ( عليه السلام ).

كربلاء :

رافق زينُ العابدين أباه الحسينَ ( عليه السلام ) في رحلته من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى كربلاء ، حيث وقعت المذبحة . . . و كان وقتها مريضاً وقد أنهكته العلة .

وبالرغم من ذلك فقد نهض من فراشه ليشترك في القتال بعد أن رأى والده وحيداً.

ولكن الحسين ( عليه السلام ) قال لأخته زينب :

- احبسيه لئلا ينقطع نسلُ آل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .

وكان مرضه في تلك الأيام من لطف الله ، ليبقى ويفضح جرائم يزيد .

الأسر :

هجم جنود ابن زياد على الخيام بعد أن قتلوا سيِّدَنا الحسين ( عليه السلام ) وأرادوا أن يقتلوا زينَ العابدين ( عليه السلام ) وكان عمره حينذاك 23 سنة .



ولكن عمّته زينب اعترضتهم بشجاعة ، وقالت :

إذا أردتم قتله فاقتلوني قبله .

فقيدوا يديه ، وأُخذ مع بقية الأسرى إلى الكوفة .

كان موقف زينب وزين العابدين ( عليهما السلام ) وبقية الأسرى شجاعاً للغاية وكانوا يندَّدون بجرائم يزيدَ و عبيد الله بن زياد ومواقفِ أهل الكوفة المخزية .



وعندما وصل موكبُ الأسرى الكوفة ، وتجمّع أهلها حولهم ، كان زين العابدين ( عليه السلام ) مقيِّداً بالسلاسل ، والدماءُ تجري من رقبته ، فأشار على الناس بالسكوت ، ثم خطَب قائلا :

أيها الناس من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا عليُّ بن الحسين بن علي بن علي بن أبي طالب . أنا ابن من انتُهكت حرمتهُ ،وسلبتْ نعمته و انتُهب مالُه ، وسُبيَ عيالُه ، أنا ابنُ المذبوحِ بشطّ الفرات . أنا ابن من قُتِلَ صبْرا ، وكفى بذلك فخرا .

أيها الناس ناشدتكم اللهَ ! هل تعلمون أنّكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه وأعطيتموه من أنفسكم العهود والميثاق والبيعة ، وقاتلتموه ، فتبّاً لكم لما قدّمتُم لأنفسكم . بأيّة عينٍ تنظرون إلى رسول الله ؟ إذ يقول لكم : قتلتم عترتي وانتهكتم حرمتي ، فلستم من أمتي .

في قصر الإمارة :

أمر عبيدُ الله بن زياد بإحضار الأسرى ، وكان يتوقع أن يرى آثار الذلة على وجوههم .

وفوجئ بنظراتٍ كلها استصغار واحتقار ، رغم منظر الجلادين حولهم .



التفت ابن زياد إلى الإمام زينِ العابدين ( عليه السلام ) وقال :

- ما اسمك ؟

أجاب الإمام : أنا عليّ بن الحسين .

فقال ابن زياد بخُبْث : أَوَ لَم يَقتُلِ اللهُ علياً ؟

قال الإمام بثبات :

-كان لي أخ أكبر منّي يُسمّى علياً قتَله الناس .

قال ابن زياد بغضب : بل الله قتله .

قال الإمام بدون اكتراث : الله يتوفى الأنفس حين موتها وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله .

فاستشاط ابنُ زياد غضباً ، وأمر بقتل الإمام .

وهنا تدخّلت عمتُه زينب وقالت : حسْبك يابن زياد من دمائنا ما سفكت ، وهل أبقيت أحداً ؟ فإن أردتَ قتله فاقتلني معه .

وقال السجاد بشجاعة :

أما علمت أن القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة ؟

فتراجع ابن زياد وأصدر أمره بترحيل الأسرى إلى الشام .

إلى الشام :

وصل الأسرى إلى الشام في حال يُرثى لها ، وكان زينُ العابدين ( عليه السلام ) ما يزال مقيَّداً بالسلاسل .

كان يزيد بن معاوية قد أمر بتزيين مدينة دمشق وإظهار الفرَح احتفالا بقتل الحسين ( عليه السلام ) ، وكان أهل الشام قد خدعهم معاوية ورسَم لهم صورةً مشوّهة عن أولاد علي ( عليهم السلام ) .

وعندما وصل الأسرى دمشق ، تقدّم شيخٌ إلى الإمام زين العابدين وقال له : الحمد لله الذي أهلككم وأمكن الأمير منكم .

أدرك الإمام أن هذا الرجلَ يجهل الحقيقة ، فقال له بهدوء :

يا شيخ أقرأت القرآن ؟

قال الشيخ : بلى .

قال الإمام :

أقرأت قوله تعالى : {قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى }وقوله تعالى : {وآت ذا القربى حقه } وقوله تعالى : {واعلوا أنّما غنمتم من شيء فأنّ لله خمسه و للرسول ولذي القربى } ؟

قال الشيخ : نعم قرأت ذلك .

فقال الإمام : نحن – والله – القربى في هذه الآيات .

ثم قال الإمام : أقرأت قوله تعالى : { إنما يريد الله ليُذهب عنكم الرجسَ أهل البيت ويطهركم تطهيرا } .

قال الشيخ : نعم .

فقال الإمام : نحن أهل البيت يا شيخ .

فقال الشيخ مدهوشاً : بالله عليك أنتم أهل البيت .

فقال الإمام نعم – وحق جدّنا رسول الله – نحن هم من غير شكّ .

وهنا ألقى الشيخ بنفسه على الإمام يقبِّله وهو يقول :

أبرأ إلى الله ممّن قتلكم .

وعندما وصل الخبرُ إلى يزيد أمر بإعدام الشيخ .

الإمام ويزيد :

أمر يزيد بإدخال الأسرى مربوطين بالحبال ، وكان منظرُهم مؤلماً .

قال زين العابدين ( عليه السلام ) : ما ظنك يا يزيد برسول الله وأنا على مثل هذه الحالة . فبكى الحاضرون .



وصعد أحد الجلاوزة على المنبر بأمر يزيد وراح يسبّ علياً والحسن و الحسين (عليهم السلام ) ، ويثني على معاوية ويزيد .

فالتفت الإمام وخاطبه غاضباً : ويْلك أيها المتكلم لقد اشتريت مرضاةَ المخلوق بسخط الخالق ، فتبوّأُ مقعدَك من النار .

ثم التفت إلى يزيد وقال : أتسمح لي أن أصعد هذه الأعواد وأتكلّم بكلمات فيها لله رضا ولهؤلاء الجلوس أجر وثواب ؟ .

رفض يزيد وقال : إذا صعد المنبر لا ينزل إلا بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان .

وبعد إلحاح الناس وافق يزيد .

فصعد الإمامُ المنبر ، وبعد أن حمد الله وأثنى عليه ، قال :

أيها الناس أُعطينا ستّاً وفُضِّلنا بسبع : اُعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين .

وفُضلنا بأنّ منّا النبي المختار ( عليه السلام ) ، ومنا الصدّيق ومنّا الطيّار ومنّا أسدُ الله وأسد رسوله ومنّا سيدة النساء ، ومنّا سبطا هذه الأمة .

أيها الناس منْ عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفْني أنْبأته بحسبي و نسبي . أنا ابنُ مكّة ومنى . . أنا ابنُ زمزمَ والصفا . . أنا ابنُ من اُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى . . أنا ابن من بلغَ به جبرائيل إلى سدرة المنتهى . . أنا ابن من دنى فتدلّى ، فكان قاب قوسين أو أدنى . . أنا ابن محمدٍ المصطفى . . أنا ابن عليٍّ المرتضى . .

و راح الإمام يستعرض نسبه الطاهر . . حتى وصل إلى وصف تفاصيل مذبحة كربلاء .

وفوجئ الناس بحقيقة ما يجري ، وضجّ الناس بالبكاء .

خاف يزيد أن تنقلب الأمور عليه ، فأشار إلى المؤذن ليرفع الأذان ويقطع خطاب الإمام .

هتف المؤذن : أشهد أن لا إله إلاّ الله .

فقال الإمام بخشوع : شَهِد بها لحمي و دمي .

وعندما قال المؤذن : أشهد أنّ محمداً رسول الله ، التفت الإمام إلى يزيد وخاطبه قائلاً :

محمّدٌ هذا جدّي أم جدّك ؟ فإن زعمت أنّه جدّك فقد كذبت ، وإن قلتَ أنّه جدّي فلمَ قتلتَذرّيتَه ؟

وقد أثار الخطابُ ثمّ الحوارُ الذي دار بين الإمام ويزيد ردَّ فعل في أوساط الناس ، وغادر بعضُهم المسجدَ احتجاجاً على سياسة يزيد .



خاف يزيد انقلاب الأوضاع في الشام فأمر بإعادة الأسرى إلى المدينة المنوَّرة .

ندم المسلمون على موقفهم من الإمام الحسين عندما رأوا ظلم يزيد الذي ظلّ مستمراً في فساده .

وأغارت جيوشه على المدينة المنورة ، وأباحها لجنوده ثلاثة أيام يقتلون وينهبون وينتهكون الأعراض ، كما حاصرت قوّاته مكةَ وقصفت الكعبةَ بالمنجنيق وأشعلت فيها النار .

وانتقم اللهُ من يزيد ، وجنودُه يمطرون الكعبة بقذائف المنجنيق .

وتصدّى للخلافة بعد يزيد ابنه معاوية . . الذي تنازل عن الخلافة معترفاً بظلم أبيه وجدّه الذي اغتصب الحقَّ من أهله ، فأعلن مروان نفسه خليفةً ، وبايعه أهلُ الشام .

فيما أعلن عبد الله بن الزبير خلافة في الحجاز وظلّ معتصماً بالكعبة .

وفي سنة 73 زحف عبدُ الملك بن مروان بجيش جرّار و حاصر مكة مرّة أخرى ، وقصف الكعبة بالمنجنيق ، وقتل عبد الله بن الزبير .

اتَّبع عبدُ الملك سياسةَ البطش بكل من يعارضه ، وسلّط على البصرة والكوفة واحداً من أكثر الحكام دموية وسفْكاً للدماء ؛ وهو الحجّاج بن يوسف الثقفي فنفّذ المذابح بحقّ الأبرياء ، وملأ السجون بالرجال والنساء .

وكان عبدُ الملك يراقب الإمام زينَ العابدين مراقبةً دقيقة ، وكان الجواسيس يتابعون كلّ حركاته وسكناته .

ومع كل ذلك أمر بإلقاء القبض عليه وإرساله إلى الشام ، ثم أطلق سراحه فيما بعد .

الإمام وهشام :

توفي عبد الملك بعد أن وطّد الحكَم لخلَفِه هشام . وقد حجّ هشامٌ هذا وطاف حول البيت وحاول استلام الحجر الأسود ،فأخفق من شدّة الزحام فجلس ينتظر ووقف حوله أهلُ الشام ، وفي هذه الأثناء أقبل الإمام زينُ العابدين ( عليه السلام ) وهو يفوح طيباً فطاف بالبيت ، فلما وصل إلى الحجر الأسود انفرج له الناس ووقفوا إجلالاً وتعظيماً حتى إذا استلم الحجر الأسود وقبَّله وانصرف عاد الناسُ إلى طوافهم .

كان أهل الشام لا يعرفون الإمام ، وعندما رأوا ذلك المشهد تساءلوا عن هوية هذا الرجل ، فتظاهر هشام بأنّه لا يعرفه وقال باستياء : لا أعرفه .

وكان الفرزدق الشاعر حاضراً فارتجل قصيده تعدُّ من روائع الأدب العربي إذ قال جواباً على سؤال الشامي من هذا :

هذا الذي تعرف البطحاءُ وطأتَه والبيتُ بعرفه والحلُّ والحرَمُ

هذا ابنُ خيرِ عبادِ الله كلَّهمُ هذا التقيُّ النقيُّ الطاهر العَلمُ

هذا ابنُ فاطمةٍ إن كنتَ جاهلَهُ بجدّه أنبياءُ اللهِ قد خُتموا

وقد انزعج هشام لموقف الفرزدق ، فأمر بإلقائه في السجن ، ولكنه أطلق سراحه خوفاً من لسانه .

وقد أرسل الإمام هدية إلى الفرزدق تثميناً لموقفه . وقد قبلها الفرزدق تبرّكاً بها .

الصحيفة السجادية :

تبدو الصحيفة السجادية كتاباً صغيراً يتضمن مجموعة من الأدعية ولكنها في الحقيقة مدرسة كبرى تعلِّم الإنسانَ الخلُقَ الكريم والأدب الرفيع ، إضافة إلى المسائل الفلسفية والعلمية والرياضية وحتى السياسية .

وهذه نماذج من أدعيته ( عليه السلام ) :

1. اللهم إنّي أعوذ بك من الكسل والجُبن والبُخل والغفْلة والقسوة والذلّة .

2. سبحانك تسمع أنفاسَ الحيتان في قعور البحار ، سبحانك تعلم وزن الشمس والقمر ، سبحانك تعلم وزن الظلمة والنور . . . سبحانك عجَباً من عرفك كيف لا يخافُك .

وللإمام أدعية خاصّة بالأيام ، ولكلّ يومٍ من أيّام الأسبوع دعاء ، وخمس عشرة مناجاة تنساب كلماتها رقّة وعذوبة . . . تدلّ على أدب رفيع ونفس خاشعةٍ لله سبحانه .

رسالة الحقوق :

للإمام السجّاد رسالةٌ تدعى رسالةَ الحقوق ؛ و هي تشتمل على خمسين مادّة توضِّح ما يجب على الإنسان من حقوق تجاه ربّه وتجاه نفسه وتجاه جيرانه وأصدقائه ؛ يقول فيها عن حق المعلّم : من حقه عليك التعظيم له و التوقير لمجلسه وحُسْن الاستماع . . ولا ترفع في وجهه صوتك وتستر عيوبه وتُظهر مناقبه .

وفي حق الأمّ يقول الإمام :

فحق أمّك أن تعلم أنها حملتْك وأطعمتك من ثمرة قلبها ، فرضيتْ أن تُشبعك وتجوع ، وتكسوك وتعرى ، وتُرويك وتظمأ ، وتلذذك النوم بأرَقها .

وفي حقوق الجيران :

ومن حق الجار عليك حفظه غائباً وكرامته شاهداً . . ولا تحسده عند نعمة ، وأن تقيل عثرته وتغفر زلته .

و أهل الذمّة :

فالحكم فيهم أن تقبل منهم ما قبل الله وكفى بما جعل الله لهم من ذمته وعهده فلقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من ظلم معاهداً كنت خصمه فاتَّق الله فيهم .

شهادته :

في 25 محرّم سنة 95 هجرية استشهد الإمام السجّاد ، بعد أن دسّ له هشامُ ابن عبد الملك السمَّ في طعامه ، و توفّي وله من العمر 57 سنة ودُفن في البقيع إلى جانب قبر عمّه الحسن ين علي ( عليه السلام ) .

من كلماته المضيئة :

· يا بني انظر خمسة فلا تصاحبهم ولا تحادثهم في الطريق . . إياك ومصاحبة الكذّاب فإنّه بمنزلة السراب يقرِّب لك البعيد ويبعد لك القريب ، وإيّاك و مصاحبة الفاسق فإنه يبيعك بأكلة وما دونها ، وإيّاك و مصاحبة البخيل فإنّه يخذلك فيما أنت أحوج ما تكون إليه وإيّاك ومصاحبة الأحمق فإنّه يريد أن ينفعك فيضرّك ، و إيّاك و مصاحبة القاطع لرحمه فإني وجدته ملعوناً في كتاب الله .

قال لأبنه الباقر ( عليه السلام ) : افعل الخيرَ إلى كل من طلبه منك فإن كان من أهله فقد أصبت موضعه وإن لم يكن من أهله كنت أنت من أهله ، وإن شتمك رجل عن يمينك ثم تحوّل إلى يسارك و اعتذر إليك فاقبل عذره .


هوية الإمام :

الاسم : علي بن الحسين ( عليه السلام ) .

اللقب : زين العابدين .

الكنية : أبو محمد .

اسم الأب : الحسين بن علي ( عليه السلام ) .

اسم الأم : شاه زنان .

اسم الجد : علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) .

تاريخ الولادة : 5 شعبان سنة 38 هجرية .

مدة الإمامة : عشرة أعوام .

العمر : 57 سنة .

تاريخ شهادته : 25 محرّم سنة 95 هجرية .

محل الدفن : المدينة المنورة .



التوقيع :




الرد مع إقتباس
قديم 01-04-2008, 08:50 AM
العقرب العقرب غير متصل
عضو
 

رقم العضوية : 9711

تاريخ التّسجيل: Mar 2004

المشاركات: 345

آخر تواجد: 16-07-2017 02:24 AM

الجنس:

الإقامة: البحرين

الإمام محمد الباقر
( عليه السلام )
الميلاد :
وُلد الإمام الباقر في الأول من رجب سنة 57 هجرية في المدينة المنورة ، وهو خامس أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) .
أبوه الإمام زينُ العابدين ( عليه السلام ) ، وأمّه " فاطمة " من ذرّية الإمام الحسن المجتبى ( عليه السلام ) .وعلى هذا فأن الإمام الباقر ( عليه السلام ) هو أوّل إمام ينحدر من رسول الله أباً وأماً .
أدرك الإمام الباقرُ جدَّه الحسين ( عليه السلام ) ، وكان عمره أربعة أعوام حين وقعتْ مذبحةُ كربلاء .وعاش مع والده السجّاد ( عليه السلام ) خمساً وثلاثين سنة ، وعاش بعد والده ثمانية عشر عاماً وهي مدّة إمامته ، انصرف فيها إلى نشر العلوم والمعرفة الإسلامية .

وسُمّي بالباقر من بقر الأرض أي شقّها وأخرج مخبآتها ، فهو قد أخرج كنوز العلم والمعرفة ، فسمّاه الناسُ الباقر ، وله ألقاب أخرى تدلّ على صفاته الأخلاقية ؛ منها : الشاكر والهادي .
صادفه الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري وهو صغير ، فقال له : يسلّم عليك رسولُ الله . فتعجّب الناس . فقال لهم جابر : كنت جالساً عند رسول الله ذات يوم وفي حجره الحسين ( عليه السلام ) يداعبه ، فقال لي :
يا جابر يولد له مولود ، اسمه علي ، إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ :
لِيقم سيدُ العابدين ، ثمّ يولد من علي ولدٌ اسمه محمد يبقر العلم بقرا فإن أدركته يا جابر فاقرأه عنّي السلام .
وكانت للإمام بساتين يعمل فيها بيده ، ويشارك الفلاحين طعامهم ، وكان يُنفق ريعها على الفقراء والمحتاجين ، وكان في ذلك أسخى أهل زمانه .
وقد ورد في كتب التاريخ أن " محمد بن المنكدر " ، وكان متصوفاً ، قال : ما كنت أرى أن مثل علي بن الحسين يدع خلفاً أفضل حتى رأيت ابنه " محمداً ( عليه السلام ) أردت أن أعظه فوعظني ، خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارّة ، فلقيت محمدَ بن علي ( عليه السلام ) وهو متكئ على غلامين له ، فقلت في نفسي : شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا ، والله لأعظنّه ، فدنوت منه وسلّمت عليه ، فسلّم عليّ وكان يتصبّب عرقاً ، فقلت : أصلحك الله ، شيخاً من أشياخ قريش في هذه الساعة في طلب الدنيا . كيف لو جاءك الموت وأنت على هذه الحالة ؟!

فخلّى الإمام يديه عن الغلامين وتساند وقال " لو جاءني – والله – الموت وأنا على هذه الحال ، جاءني وأنا في طاعة من طاعات الله أكفّ بها نفسي عنك وعن الناس ، وإنّما كنت أخاف الموت لو جاءني وأنا على معصية من معاصي الله .
فقلت : يرحمك الله أردت أن أعظك فوعظتني .
كان موقف الإمام حازماً لكي يدرك الناس أن طلب الرزق عبادة وطاعة لله ، لا ترك العمل والانقطاع للصلاة والعيش عبئاً على الآخرين كما يفعل المتصوفون من أمثال بن المنكدر وغيره .
منزلته العلمية :
كان رجل من أهل الشام يتردّد على مجلس الإمام محمد الباقر ( عليه السلام ) ؛ وكان يقول له : لا يوجد أحد في الأرض أبغض إليّ منكم وإنّ طاعة الله وطاعة رسول الله في بغضكم ، ولكن أراك رجلاً فصيحاً لك أدب وحسن لفظ ، وأن حضوري مجلسك هو لحسن أدبك ، وكان الإمام في كل مرّة يقول له خيراً أو يقول له : لن تخفى على الله خافية .

ومرّت أيام انقطع فيها الرجل الشامي ، فافتقده الإمام وسأل عنه فقال بعضهم : إنه مريض .
ذهب الإمام لعيادته ، وجلس عنده يحدّثه وسأله عن علّته ونصحه الإمام بتناول الأطعمة الباردة ، ثم انصرف .
مضّت أيام ونهض الشامي من فراشه بعد أن عوفي من مرضه ، فكان أول شيء فعله هو أن انطلق إلى مجلس الإمام واعتذر إليه ، وأصبح من أصحابه .
وسأل رجلٌ عبدَ الله بن عمر بن الخطاب عن مسألة فحار في جوابها ثم قال له : اذهب إلى ذلك الغلام فسله وأعلمني بالجواب ، وأشار إلى محمدٍ الباقر . فجاءه الرجل وسأل الإمام وعاد إلى ابن عمر .
حوار مع عالم نصراني :
روى الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه كان في الشام مع أبيه عندما استدعاه هشام بن عبد الملك .
وذات يوم رأى في أحد الميادين جموعاً من الناس تنتظر ، فسأل عن ذلك فقالوا له : إنهم ينتظرون عالِمهم وهو لا يخرج في العام إلا مرّة فيسألونه ويستفتونه ، فجلس الإمام معهم حتى جاء العالم النصراني ، وعندما رأى النصرانيُّ الإمامَ ( عليه السلام ) سأله : هل أنت منّا أم من هذه الأمة المرحومة ؟
فقال الباقر ( عليه السلام ) : بل مِن الأمة المرحومة .

فقال النصراني : مِن جُهّالها أم علمائها ؟ .
فقال الإمام : لستُ من جُهّالها .
فقال العالم النصراني : لديَّ أسئلة :
من أين ادّعيتم أن أهل الجنّة يأكلون ويشربون ولا يتبوّلون ؟
فقال الإمام : دليلُنا الجنين في بطْن أمّه يُطعم فلا يُحدث .
فقال العالم النصراني : أخبرني عن ساعة لا هي من ساعات الليل ولا من ساعات النهار .
فقال الإمام : الساعة بين طلوع الفجر وطلوع الشمس . . يهدأ فيها المبتلى ويرقد فيها الساهر .
فوجئ النصراني بأجوبة الإمام ، فأراد أن يفحمه بسؤال جديد ، فقال : اخبرني عن مولودَين وُلدا في يوم واحد وماتا في يوم واحد ، عُمر أحدهما خمسون سنة وعمْر الآخر مائة وخمسون سنة .
فقال الإمام : عُزير وأخوه ، وكان عمر عزير خمسة وعشرون سنة . . مرّ على قرية بأنطاكية وهي خاوية على عروشها فقال : {أنّى يُحيى هذه الله بعد موتها }[1] . فأماته الله مائة عام ثم بعثه ، وعاد إلى داره شابّاً ، فيما كان أخوه شيخاً كبيراً طاعناً في السن ، فعاش مع أخيه خمساً وعشرين سنة ، ثم مات مع أخيه في يوم واحد .
وتعجّب العالم النصراني من سعة علم الإمام ، فأعلن إسلامه أمام الملأ كما أسلم أصحابه .
في مجلس هشام :
بعث هشام بن عبد الملك وراء الإمام محمد الباقر ( عليه السلام ) وابنه جعفر الصادق ، فغادرا المدينة إلى الشام .

كان هدف هشام أن يستعرض أبهة الملك فدخل عليه الإمام ، وكان جالساً على سرير الملك ، وحوله الجند مسلحين وبين يديه عِلية القوم يرمون هدفاً بالسهام ، فقال : يا محمد اِرم مع أشياخ قومك هذا الغرض .
فقال الإمام : إني قد كبرت عن الرمي فاعفني .
رفض هشام وأصرّ على الإمام وأشار إلى شيخ من بني أمية أن يناوله القوس . فأخذ الإمام القوس وتناول سهماً فوضعه فيه وسدّد نحو الهدف فأصاب مركزه ، ثم تناول الثاني فأصاب المركز مرّة أخرى . . حتى تكاملت تسعة أسهم .

دهش هشام لبراعة الإمام ومهارته الفائقة فهتف : أجدت يا أبا جعفر ، أنت أرمى العرب والعجم . . هذا وأنت تقول : كبرت عن الرمي .
ثم قاد الإمام وأجلسه عن يمينه وقال : يا محمد لا تزال العرب والعجم تسودها قريش مادام فيهم مثلك ، لله درّك ! مَن علّمك هذا الرمي ؟ وفي كم تعلّمته ؟
فقال الإمام : تعلّمته أيام حداثتي ثم تركته .
فقال هشام : ما أظن أن في الأرض أحداً يرمي مثل هذا الرمي . أيرمي جعفر مثل رميك ؟
فقال الإمام : نحن أهل بيت نتوارث الكمال والتمام اللذين أنزلهما الله على نبيه (صلى الله عليه وآله ) في قوله تعالى : {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } .
فقال هشام وقد احمرّ غضباً : من أين ورثتم هذا العلم وليس بعد محمد نبي ولا أنتم أنبياء ؟
فقال الإمام : ورثناه عن جدّنا علي ( عليه السلام ) وقد قال : علّمني رسول الله ألف باب من العلم . . ينفتح عن كل باب ألفُ باب .
ظلّ هشام ساكتاً يفكّر ، ثم أمر بإعادة الإمام وابنه إلى المدينة بأسرع وقت خوفاً من أن يتّجه الناس إليه .
النقد الإسلامي :
كانت الاشتباكات على الحدود عنيفة بين الدولة الإسلامية ودولة الروم ، فهدّد امبراطورُ الروم عبدَ الملك بن مروان بقطع النقد عن الدولة الإسلامية إذا لم يتنازل عن المناطق المتنازع عليها ، فارتاع عبد الملك ولم يدْرِ ما يصنع ، وجمع أعيانَ المسلمين يستشيرهم فلم ينتهوا إلى نتيجة ، فأشار بعضهم بالرجوع إلى الإمام الباقر .
أرسل عبد الملك يدعو الإمام إلى الشام ، ولبّى الإمام الدعوة ، وعندما عرضت عليه الأزمة ، قال الإمام لعبد الملك : لا يهولنكّ ما ترى أرسِل إلى ملك الروم واستمهله مدّة من الزمن ، وخلال هذه المدّة أرسل إلى حكام المدن والأقاليم وَ أمرهم بجمْع الذهب والفضة ، حتى إذا توفّرت الكمية المناسبة ، باشِر بضرب النقود الإسلامية .
ثم حدّد له الإمام وزنها وشكلها ، وأمره أن يكتب على أحد وجهيها : " محمد رسول الله " ، فإذا انتهى العمل منها يمنع التعامل بالنقد الرومي وعندها لا يبقى لإمبراطور الروم نفوذاً يستغلّه ضد الدولة الإسلامية .
ولما انتهى العمل وتوفر النقد الإسلامي ، بعث عبد الملك رأيه النهائي في مسالة الحدود ، ولم يجد إمبراطور الروم وسيلة للضغط الاقتصادي فاختار الحلّ العسكري ، ولكنه أخفق في ذلك أيضاً بعد أن تصدّى المسلمون لجيوشه .
وهكذا أنقذ الإمام الباقر دولة الإسلام من استغلال الأعداء وأصبح لهم نقد مستقل يحمل شعار الإسلام .
أصحاب الإمام :
توفرت للإمام الباقر فرصة حسنة لنشر العلم وإرساء معالم مدرسة أهل البيت (عليهم السلام ) بعد أن انصرف الأمويون إلى إخماد القلاقل هنا وهناك .

وقد برز في عهد الإمام بعض تلاميذه الذين كان لهم دور كبير في نشر معارف أهل البيت ( عليهم السلام ) ؛ وفي طليعتهم :
1.أبان بن تغلب : وقد عاصر ثلاثة من أئمة أهل بيت ( عليهم السلام ) ، فقد حضر مجالسِ الإمام السجّاد والإمام الباقر كما لازم الإمام الصادق ( عليهم السلام ) ولكنه أخذ عن الإمام الباقر أكثر . وكان متفوِّقاً في علوم الفقه والحديث والأدب واللغة والتفسير والنحو ، وقد قال له الإمام الباقر : اجلس في مسجد المدينة وَافْتِ الناس فإنّي أحبّ أن يُرى في شيعتي مثلك .
2.زرارة بن أعين : قال فيه الإمام الصادق ( عليه السلام ) : لولا زرارة لظننت أن أحاديث أبي ستذهب . وكان يترحّم عليه قائلاً : رحم اللهُ زرارة بن أعين لولا زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث أبي .
3.محمد بن مسلم الثقفي : كان الإمام الصادق يجلّه و يحبّه ؛ وهو أحد الأربعة الذين قال فيهم الصادق ( عليه السلام ) : أربعة أحبّ الناس إليّ أحياء وأمواتاً ، كما أمر بعض أصحابه بالرجوع إليه قائلاً : سمع أحاديث أبي وكان عنده وجيهاً ، وكان محمد بن مسلم يقول : سألت أبا جعفر الباقر عن ثلاثين ألف حديث .
وقد أثنى الإمامُ الصادق على أصحاب أبيه ، وكان يقول : لو أنّ أصحابي سمعوا وأطاعوا لأودعتهم ما أودع أبي أصحابه . . . إنّ أصحاب أبي كانوا زيناً لنا أحياءً و أمواتاً .
ومن أصحاب الإمام الباقر أيضاً : الكميت الأسدي الشاعرُ المعروف كان الإمام الباقر يقول – كلما لقاه : اللهم اغفر للكميت .
شهادة الإمام :
على الرغم من انصراف الإمام الباقر إلى العلم ونشر الدين فإنّ حكّام بني أميّة لم يكونوا يتحملون وجوده ؛ خاصّة يعد أن عرف الناس فضله وعلمه ، وبهرتْهم شخصيّتُه الأخلاقية والإنسانية ، كما أن انتسابه إلى الرسول ( صلى الله عليه وآله ) عزَّز من مكانته في قلوب المسلمين .
كان هشام يفكر في القضاء على الإمام ، وأخيراً سنحتْ له الفرصة فدسّ له السمّ ، واستشهد الإمام في 7 ذي الحجة سنة 114 هجرية . بعد أن عاش 57 سنة قضاها في التقوى والصلاح وخدمة الإسلام والمسلمين ونشْر علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) .
من كلمات المضيئة :
1.ما دخل قلب امرئ شيء من الكبر إلاّ نقص من عقله .
2.عالم ينتفع بعلمه أفضل من ألف عابد . . والله لموت العالم أحبّ إلى إبليس من موت سبعين عابداً .
3.قال لأحد أولاده : يا بني إياك والكسل والضجر فإنهما مفتاح كل شرّ ، إنّك إن كسلت لم تؤدِّ حقاً ، وإن ضجرت لم تصبر على حق .
4.كفى بالمرء عيباً أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه ، وأن يأمر الناس بما لا يستطيع التحوّل عنه وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه .
5.قال لأحد أصحابه : أوصيك بخمس : إن ظُلمت فلا تَظلم ، وإن خانوك فلا تخُن ، وإن كُذبت فلا تغضب ، وإن مُدحت فلا تفرح ، وإن ذممت فلا تجزع .
هوية الإمام :
الاسم : محمّد .
اللقب : الباقر .
الكنية : أبو جعفر .
اسم الأب : السجّاد ( عليه السلام ) .
تاريخ الولادة : 1 رجب سنة 57 هجرية .
محل الولادة : المدينة المنورة .
تاريخ الشهادة : 7 ذي الحجة سنة 114 هجرية .
محل الدفن : البقيع / المدينة المنورة .

[1] سورة البقرة / 259 .

التوقيع :




الرد مع إقتباس
قديم 26-07-2008, 03:59 PM
الصورة الرمزية لـ redsword
redsword redsword غير متصل
عضو
 

رقم العضوية : 46325

تاريخ التّسجيل: Jan 2008

المشاركات: 33

آخر تواجد: 18-08-2008 07:30 PM

الجنس: ذكر

الإقامة: بدون تفلسف

مشكور أخوي شكر حار جدا
أنا قرأت الصفحة الأولى ونسيت نفسي و انا أقرأ من كثر ما القصص حلو صراحه سويت لها قص و لزق في الورد طلع 200 صفحة
و انا الآن أبدأ بقراءت قصة آل عمران
مشكور أخوي عقرب و وفقك الله و جزاك الله خيرا

التوقيع : اللهم صلي على محمد و على آل محمد

الرد مع إقتباس
قديم 26-07-2008, 04:00 PM
الصورة الرمزية لـ redsword
redsword redsword غير متصل
عضو
 

رقم العضوية : 46325

تاريخ التّسجيل: Jan 2008

المشاركات: 33

آخر تواجد: 18-08-2008 07:30 PM

الجنس: ذكر

الإقامة: بدون تفلسف

و إن شاء الله راح أقرأ مرة أخرى

التوقيع : اللهم صلي على محمد و على آل محمد

الرد مع إقتباس
قديم 15-10-2010, 05:03 PM
الصورة الرمزية لـ من شك به فقد كفر
من شك به فقد كفر من شك به فقد كفر غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 89772

تاريخ التّسجيل: Sep 2010

المشاركات: 6,031

آخر تواجد: 23-10-2017 08:55 AM

الجنس: ذكر

الإقامة: مدينة دكتور بغداد

بارك الله بيك أخي على القصص الجميلة والرائعة
وجعلها الله في ميزان حسناتك
أستفدت كثيراً من هذه القصص العظيمة

الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع

يمكن للزوار التعليق أيضاً وتظهر مشاركاتهم بعد مراجعتها



عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:
 
بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح

الإنتقال السريع :


جميع الأوقات بتوقيت بيروت. الساعة الآن » [ 08:08 AM ] .

 

تصميم وإستضافة الأنوار الخمسة © Anwar5.Net

E-mail : yahosein@yahosein.com - إتصل بنا - سجل الزوار

Powered by vBulletin