فـرح في إيـران.. وحـزن في الريـاض وتـل أبيـب
أحمد الشرقاوي
خاص: بانوراما الشرق الأوسط
لا شك أن إعلان مدير الوكالة الدولية للطاقة النووية السبت، عن بدء مرحلة تنفيذ الإتفاق مع طهران ورفع كافة العقوبات الاقتصادية عنها، بعد أن ثبت أن إيران التزمت ببنود الإتفاق وطبقت كل ما تعهدت به من شروط.. وما تلاه من إعلان الرئيس أوباما والاتحاد الأوروبي عن رفع للعقوبات الاقتصادية عن طهران، شكل صدمة بطعم المرارة للصهاينة اليهود والصهاينة العرب سواء..
ولا نحتاج لانتظار صدور موقف رسمي من ‘آل سعود’، لمعرفة حجم الكارثة التي حلت بهم بالمناسبة، فهم بالتأكيد لن يكونوا أقل حزنا من “إسرائيل” إن لم يكن ألمهم أشد ومصابهم جلل، بسبب حنقهم وغيضهم وحقدهم المجاني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لا لشيئ سوى لأن القيادة الحكيمة في طهران عرفت كيف تقود شعبها في دروب العلم والتكنولوجيا والمعرفة حتى أوصلته إلى قمة الرقي والمجد، وأصبحت إيران اليوم قوة إقليمية عظمى شريكة في قرار الأمن والسلم، وعضو في النادي النووي الدولي، وأحد أقطاب الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة في العالم.. وهذه مستويات لا يصلها التنابل العملاء، وإنجازات لا يحققها مال الريع الحرام، وانتصار تاريخي لا يُؤمّنه سلاح الإرهاب..
وها هي “إسرائيل” وعلى لسان ‘أليكس فيشمان’، محلل الشؤون العسكرية والناطق غير الرسمي بلسان الأجهزة الأمنيّة “الإسرائيليّة” يقول لصحيفة “يديعوت أحرونوت” الأحد، إن “الشروع في تطبيق الإتفاق النووي مع إيران، هو عمليًا يوم انطلاق الإستراتيجيّة الجديدة، فإيران من اليوم فصاعدًا، ستكون لاعبًا إقليميًا، لا بل عالميًا، تُشارك في صناعة القرارات الدوليّة”..
وهذه ضربة قاضية لاستراتيجية “السعودية” القائمة على عزل إيران، لأنه في الوقت الذي ينفتح العالم الغربي على طهران، يحاول ‘آل سعود’ عبثا تحويلها إلى “عدوّ” يُعلّقون على شمّاعته فشل سياساتهم العنصرية في الداخل ومقامراتهم الإجرامية في حق الشعوب المستضعفة في المنطقة، ليظل عرشهم يسبح فوق أنهار من الدماء العربية، تُشغل الأمّة عن أعدائها الحقيقيين الذين هم “آل سعود” و”إسرائيل” والحكومات الصهيونية العميلة الدائرة في فلكهم..
هذا في ما قال وزير الشؤون الإستراتيجية “الإسرائيلية” تعليقا على إعلان بدء تطبيق الإتفاق،”يوم بداية تطبيق الإتفاق النووي الإيراني يوم صعب على كل دول المنطقة” وهذا إقرار ضمني بأن حكومات دول المنطقة هي حكومات عميلة لإسرائيل، يشكل انتصار إيران خطرا وجوديا يهدد استمرار عروشها، لأن استراتيجية إيران تقوم على مبدأ قرآني وأخلاقي وإنساني يقول بواجب دعم الشعوب المستضعفة والوقوف في وجه الأنظمة الخائنة الفاسدة المفلسة..
أما صحيفة “معاريف” فاكتفت بتعليق مقتضب، لكنه مُعبّر بشكل بليغ عن الوضع في الكيان الصهيوني المجرم، حيث كتبت تقول، “حالة من الإحباط تعم إسرائيل بعد قرار رفع العقوبات عن إيران”.. وهذا تحصيل حاصل، بعد فشل “النتن ياهو” في إجهاض الإتفاق النووي برغم حملات التحريض في الكونجرس، ومليارات الدولارات “السعودية” التي أنفقتها تل أبيب على اللوبيات الصهيونية في واشنطن والغرب (16 مليار دولار) لإفشال الإتفاق.
وبالتالي، إذا كان هذا اليوم المجيد يوم فرح وأعراس في إيران فإنه بالمقابل يوم حزين تقام فيه المآثم في الرياض وتل أبيب، وربما المنامة وأنقرة والدوحة، فجميعهم في الهـمّ سواء.
*** / ***
سيكتب التاريخ بمداد العز في سجل الفخر والانتصار قصة اقتدار إيران، وصبر شعبها العالم المجاهد، وحكمة قيادتها، وعقلانية دبلوماسيتها التي تعاملت مع القوى العظمى بندية وحزم، من دون أن تُفرّط في كرامة شعبها أو تخضع للضغوط من أجل التنازل عن ثوابت الثورة الإيرانية المجيدة التي تعمدت بالدم المجاهد الطاهر، خصوصا لجهة ضمان أمن إسرائيل أو التنازل عن حق إيران في تطوير منظومتها الصاروخية الباليستية التي ترعب تل أبيب وحلفاء تل أبيب في المنطقة والعالم.
سيكتب المؤرخون الموضوعيون، أنه في يوم الناس هذا، وفي شهرهم هذا، وفي سنتهم هذه.. رُفع الحصار الظالم عن إيران العالمة المسالمة، في اعتراف دولي ضمني بانتصار العقل الإيراني الجبار على العقل الغربي المنافق.. وسيكتب الشرفاء في الشرق، أن جمهورية الخير الإسلامية الإيرانية انتصرت على إمبراطورية الشر الأمريكية برغم ما حاكته ضدها وضد محورها المقاوم من مؤامرات، فعادت مُعزّزة مُكرّمة لممارسة دورها الطبيعي والفاعل في المنظومة السياسية والاقتصادية الدولية، وأعطت للإسلام الإسلامي التنويري زَخمَه، وأعادت له اعتباره، ليكون فاعلا في بناء حضارة إسلامية واعدة لا يمكن أن تقوم على أساس الإسلام السياسي التكفيري أو الإسلام السياسي الانتهازي..
وأبت سخرية التاريخ إلا أن تُعزّز هذه العودة المُظفّرة بصورة صادمة ومُذلّة لجنود المارينز وهم جاثمين على ركبهم كالدواب وأياديهم مرفوعة فوق رؤوسهم، يشعرون بالخزي والعار والصغار أمام رجال الله من حرس المياه الإقليمية الإيرانية، هذا في الوقت الذي كان الرئيس أوباما يوجه خطابا للأمة قال فيه، أن أمريكا هي أعظم أمة في العالم وأن جيشها هو القوة العظمى التي لا تقهر..
رمزية الصورة كانت أكثر دلالة من الهزيمة في المواجهة، ومع ذلك، بلع الشيطان الأكبر لسانه وقدّم اعتذاره وشكر إيران على حسن معاملة جنوده وإطلاق سراحهم بعد أن تبيّن أنهم دخلوا بالخطأ إلى المياه الإقليمية الإيرانية، وأن قصدهم لم يكن عدائيّا..
ولعل أحسن من التقط الرسالة وفهم فحواها وأدرك خطورتها وأبعادها هي تل أبيب التي علّقت عليها بالقول، “هيبة أمريكا انتهت، ولم يعد يخشاها إلا الزعماء العرب”، وقال الخبير الفلسطيني الدكتور ناصر اللحام مراسل الميادين في مقالة حول الموضوع “شعرت بالصدمة حين رأيت السُّفن الإيرانية تقطر الزوارق الأمريكية إلى الحجز البحري، وهو مشهد لا يراه الإنسان كثيرا في هذا العالم.. وباستثناء الصين وإيران، لم تجرؤ أية دولة في العالم على ‘إهانة’ الشرف العسكري الأمريكي بهذا الشكل”.
أما في “السعودية”، فكان كتبتها يتساءلون من خلال أعمدة صحف الزيت، كيف يمكن لأمريكا بعظمتها وهيبتها أن تقبل بمثل هذه الإهانة، وكيف يمكنها بعد تجربة طهران الأخيرة لصاروخ “عماد” الباليستي، وإطلاق صاروخ آخر سقط قرب حاملة الطائرات الأمريكية قبل أيام.. أن تتجاوز عن كل هذا التحدي وتقبل برفع الحصار عن إيران؟.. لا جواب، لأن الصورة أصدق تعبير من الخطاب.
***
والسؤال الذي يطرح بالمناسبة هو: إذا كانت أمريكا بعظمتها وقوتها وجبروتها مدعومة بحلفها الأطلسي وأدواتها الإقليمية في المنطقة لم تجرؤ على مواجهة إيران عسكريا، ولم تنجح في عزلها سياسيا، ولم تفلح في زعزعة أمنها واستقرارها من الداخل.. فما الجدوى من إصرار “السعودية” على الاستمرار في محاولاتها التخريبية العنيدة؟.. أليس هذا انتحار؟..
لأنه إذا كان الإرهاب الوهابي لم ينجح في إسقاط سورية والعراق ولبنان برغم سنوات الدم والأشلاء والخراب، وإذا كان التّجييش الطائفي لم ينجح في جر الشعوب المسلمة للاقتتال في حرب عبثية لا تهدف سوى لتشويه الإسلام وتدمير المسلمين وخراب أوطانهم، فما الذي تستطيع فعله “السعودية” ولم تفعله بعد ضد إيران؟..
الإرهاب انقلب اليوم على داعميه وعلى رأسهم مملكة الشر والظلام، وها هي “داعش” و”القاعدة” بعد أن هُزموا في سورية وتلقّوا ضربات موجعة في العراق، يُوجّهون بوصلتهم إلى المهلكة لإسقاط نظامها المجرم العميل، لأنهم يعتقدون أن محمد بن نايف يحارب الإسلام في الداخل، فيما يحاربه محمد بن سلمان في الخارج وفق ما يفهم من بيانهما هذا الأسبوع..
سلاح النفط لم يعد يجدي هو أيضا، لا ضد إيران ولا ضد روسيا، لأن البلدين لا يعتمدان إلا بما نسبته الثلث من الدخل القومي من تصدير النفط، فيما لديهم بنية صناعية وتكنولوجية قوية يستطيعون تطويرها لتنويع مصادر دخلهم، ناهيك عن مئات المليارات من الدولارات التي ستتقاطر قريبا على إيران، سواء من الأموال المجمدة في الغرب، أو الاستثمارات الجديدة، أو ما حصلت عليه من مذخرات بفضل البنية الاقتصادية الموازية التي أقامتها زمن الحصار لتجنب مسالك التحويلات البنكية الرسمية..
لكن في المقابل، لا تنتج المهلكة الوهابية غير النفط وبول البعير، وسعر النفط هبط اليوم إلى أقل من 30 دولار فانهارت أسواق المال في الخليج والعالم، هذا في ما يصر آل سعود’ على بيع زيتهم بأقل من سعر الإنتاج بموازاة تكاليف حروبهم الباهظة وشرائهم للذمم والولاءات التي تستنزف مذخرات الأجيال، وسعر برميل النفط مرشح لأن يهبط إلى 10 دولارات في القادم من الأيام، والمستقبل هو للغاز باعتباره طاقة نظيفة، وآخر المعلومات تتحدث عن أن الغرب بصدد تغيير بنيته الصناعية للاستغناء عن النفط كمصدر أساسي للطاقة، حتّى صناعة السيارات بدأت تتجه نحو الطاقة الكهربائية، فيما صناعة الكهرباء والتدفئة والطبخ في العالم تعتمد بالأساس على الغاز الذي تعتبر روسيا وإيران أول المنتجين والمصدرين العالميين لهذه الطاقة النظيفة، فأين تذهب السعودية من هنا؟..
وهذا يعني بالحسابات العقلية البسيطة، أن قوة “السعودية” التي تقوم على أساس مال الريع والإرهاب قد انحصرت وبدأت بالتقهقر نحو قعر الهاوية، ويُرجّح خبراء روس في مجال الاقتصاد، أنه وفي غضون بضع سنين، سينتهي عصر النفط كما انتهى العصر الحجري، وأن المستقبل هو للتكنولوجيا والطاقات البديلة، وفي السعودية لا يمكن لقبيلة بدائية تُفكّر بمنطق الجاهلية أن تواكب عصر ما بعد النفط حيث سيصبح غالون الماء أغلى من برميل النفط..
*** / ***
لهذه العوامل والاعتبارات كافة، قرّر أوباما رفع المظلة الأمنية من فوق رؤوس ‘آل سعود’ ومشيخات الخليج، وقال لهم بصريح العبارة في خطاب الاتحاد الأخير، أنه “آن الأوان لتعتمدوا على أنفسكم، وأن أمريكا ليست مُستعدّة للقتال من أجلكم”، لأن الخطر لديكم داخلي وليس من إيران.. وهذا يعني أنكم وبعد أن فرّطتم في حقوق شعوبكم، واستنزفتم مقدراتها على شراء السلاح، وأنتم لا تملكون جيوشا قادرة على المواجهة، وتستأجرون مرتزقة لقيادة طائراتكم، وتمولون جيوش الإرهابيين للقتال عنكم، لدرجة أن الإرهاب انتشر في كل أصقاع الأرض، وأصبح يمثل تهديدا حقيقيا للغرب بموازاة تسونامي المُهجرّين، فقد آن الأوان لتنتهي اللعبة بعد دخول إيران كقوة إقليمية فاعلة تستطيع المساهمة في ضمان أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط..
وترجمة هذا التوجه، نجدها في الحملة الغربية غير المسبوقة على إرهاب ‘آل سعود’ وتطرفهم ومقامراتهم الدموية في المنطقة، ووصل الجميع إلى قناعة أن محاربة الإرهاب يجب أن تبدأ من ضرب مصادره الإيديولوجية وجذور تمويله الكائنة بـ”السعودية”..
لذلك، رأينا الفيلسوف اليهودي الدموي ‘برنار هينري ليفي’ يُولّي مؤخرا وجهه شطر “السعودية” للمرة الأولى، ويُبدي رأيه من خلال مقالة بالفرنسية والإنجليزية نشرت قبل أيام وفق ما أفاد موقع روسيا اليوم في مقالة للزميل حبيب فوعاني نشرت الأسبوع المنصرم، تحمل عنوان: “أوقفــوا السعوديــة!”..
يقول ‘هنري ليفي’ في مقالته هذه حول المهلكة، إن “سُعارها الدّموي يشكل خطرا ليس على شعبها فقط، بل على السلام في المنطقة والعالم”، مُتّهما الرياض بتأجيج حرب طائفية شعواء بين الشيعة والسنة، وإثارة النزاعات القديمة بين العرب والفرس على حساب محاربة العدو المشترك “داعش”.. وهو لذلك يدعو شركاء السعودية الغربيين إلى الامتناع عن بيعها الأسلحة وشراء النفط منها.
وطبعا الجميع يعرف من هو فيلسوف الثورات الملونة هذا، فهو كالغراب نذير شأم، كلما صرح تصريحا أو مر مرور اللئام بأرض إلا وحل بها الدمار والخراب، ولا نحتاج للتذكير هنا أنه إحدى أدوات الحلف الأطلسي الثقافية التي تسبق العاصفة بالتمهيد الإعلامي لها..
فمبروك لـ’آل سعود’ ربيعهم العاصف الدامي الذي وصل إلى مضاربهم في مملكة الشر والظلام، ليذوقوا وبال أمرهم ويعلموا علم اليقين أن عذاب الله شديد..
ومبروك للقيادة والحكومة والشعب الإيراني العظيم رفع الحصار الظالم عن بلادهم، وتمنياتنا الصادقة لهم بعصر جديد من التقدم والرقي والرفاهية والأمن والسلام..
أحمد الشرقاوي
خاص: بانوراما الشرق الأوسط
لا شك أن إعلان مدير الوكالة الدولية للطاقة النووية السبت، عن بدء مرحلة تنفيذ الإتفاق مع طهران ورفع كافة العقوبات الاقتصادية عنها، بعد أن ثبت أن إيران التزمت ببنود الإتفاق وطبقت كل ما تعهدت به من شروط.. وما تلاه من إعلان الرئيس أوباما والاتحاد الأوروبي عن رفع للعقوبات الاقتصادية عن طهران، شكل صدمة بطعم المرارة للصهاينة اليهود والصهاينة العرب سواء..
ولا نحتاج لانتظار صدور موقف رسمي من ‘آل سعود’، لمعرفة حجم الكارثة التي حلت بهم بالمناسبة، فهم بالتأكيد لن يكونوا أقل حزنا من “إسرائيل” إن لم يكن ألمهم أشد ومصابهم جلل، بسبب حنقهم وغيضهم وحقدهم المجاني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لا لشيئ سوى لأن القيادة الحكيمة في طهران عرفت كيف تقود شعبها في دروب العلم والتكنولوجيا والمعرفة حتى أوصلته إلى قمة الرقي والمجد، وأصبحت إيران اليوم قوة إقليمية عظمى شريكة في قرار الأمن والسلم، وعضو في النادي النووي الدولي، وأحد أقطاب الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة في العالم.. وهذه مستويات لا يصلها التنابل العملاء، وإنجازات لا يحققها مال الريع الحرام، وانتصار تاريخي لا يُؤمّنه سلاح الإرهاب..
وها هي “إسرائيل” وعلى لسان ‘أليكس فيشمان’، محلل الشؤون العسكرية والناطق غير الرسمي بلسان الأجهزة الأمنيّة “الإسرائيليّة” يقول لصحيفة “يديعوت أحرونوت” الأحد، إن “الشروع في تطبيق الإتفاق النووي مع إيران، هو عمليًا يوم انطلاق الإستراتيجيّة الجديدة، فإيران من اليوم فصاعدًا، ستكون لاعبًا إقليميًا، لا بل عالميًا، تُشارك في صناعة القرارات الدوليّة”..
وهذه ضربة قاضية لاستراتيجية “السعودية” القائمة على عزل إيران، لأنه في الوقت الذي ينفتح العالم الغربي على طهران، يحاول ‘آل سعود’ عبثا تحويلها إلى “عدوّ” يُعلّقون على شمّاعته فشل سياساتهم العنصرية في الداخل ومقامراتهم الإجرامية في حق الشعوب المستضعفة في المنطقة، ليظل عرشهم يسبح فوق أنهار من الدماء العربية، تُشغل الأمّة عن أعدائها الحقيقيين الذين هم “آل سعود” و”إسرائيل” والحكومات الصهيونية العميلة الدائرة في فلكهم..
هذا في ما قال وزير الشؤون الإستراتيجية “الإسرائيلية” تعليقا على إعلان بدء تطبيق الإتفاق،”يوم بداية تطبيق الإتفاق النووي الإيراني يوم صعب على كل دول المنطقة” وهذا إقرار ضمني بأن حكومات دول المنطقة هي حكومات عميلة لإسرائيل، يشكل انتصار إيران خطرا وجوديا يهدد استمرار عروشها، لأن استراتيجية إيران تقوم على مبدأ قرآني وأخلاقي وإنساني يقول بواجب دعم الشعوب المستضعفة والوقوف في وجه الأنظمة الخائنة الفاسدة المفلسة..
أما صحيفة “معاريف” فاكتفت بتعليق مقتضب، لكنه مُعبّر بشكل بليغ عن الوضع في الكيان الصهيوني المجرم، حيث كتبت تقول، “حالة من الإحباط تعم إسرائيل بعد قرار رفع العقوبات عن إيران”.. وهذا تحصيل حاصل، بعد فشل “النتن ياهو” في إجهاض الإتفاق النووي برغم حملات التحريض في الكونجرس، ومليارات الدولارات “السعودية” التي أنفقتها تل أبيب على اللوبيات الصهيونية في واشنطن والغرب (16 مليار دولار) لإفشال الإتفاق.
وبالتالي، إذا كان هذا اليوم المجيد يوم فرح وأعراس في إيران فإنه بالمقابل يوم حزين تقام فيه المآثم في الرياض وتل أبيب، وربما المنامة وأنقرة والدوحة، فجميعهم في الهـمّ سواء.
*** / ***
سيكتب التاريخ بمداد العز في سجل الفخر والانتصار قصة اقتدار إيران، وصبر شعبها العالم المجاهد، وحكمة قيادتها، وعقلانية دبلوماسيتها التي تعاملت مع القوى العظمى بندية وحزم، من دون أن تُفرّط في كرامة شعبها أو تخضع للضغوط من أجل التنازل عن ثوابت الثورة الإيرانية المجيدة التي تعمدت بالدم المجاهد الطاهر، خصوصا لجهة ضمان أمن إسرائيل أو التنازل عن حق إيران في تطوير منظومتها الصاروخية الباليستية التي ترعب تل أبيب وحلفاء تل أبيب في المنطقة والعالم.
سيكتب المؤرخون الموضوعيون، أنه في يوم الناس هذا، وفي شهرهم هذا، وفي سنتهم هذه.. رُفع الحصار الظالم عن إيران العالمة المسالمة، في اعتراف دولي ضمني بانتصار العقل الإيراني الجبار على العقل الغربي المنافق.. وسيكتب الشرفاء في الشرق، أن جمهورية الخير الإسلامية الإيرانية انتصرت على إمبراطورية الشر الأمريكية برغم ما حاكته ضدها وضد محورها المقاوم من مؤامرات، فعادت مُعزّزة مُكرّمة لممارسة دورها الطبيعي والفاعل في المنظومة السياسية والاقتصادية الدولية، وأعطت للإسلام الإسلامي التنويري زَخمَه، وأعادت له اعتباره، ليكون فاعلا في بناء حضارة إسلامية واعدة لا يمكن أن تقوم على أساس الإسلام السياسي التكفيري أو الإسلام السياسي الانتهازي..
وأبت سخرية التاريخ إلا أن تُعزّز هذه العودة المُظفّرة بصورة صادمة ومُذلّة لجنود المارينز وهم جاثمين على ركبهم كالدواب وأياديهم مرفوعة فوق رؤوسهم، يشعرون بالخزي والعار والصغار أمام رجال الله من حرس المياه الإقليمية الإيرانية، هذا في الوقت الذي كان الرئيس أوباما يوجه خطابا للأمة قال فيه، أن أمريكا هي أعظم أمة في العالم وأن جيشها هو القوة العظمى التي لا تقهر..
رمزية الصورة كانت أكثر دلالة من الهزيمة في المواجهة، ومع ذلك، بلع الشيطان الأكبر لسانه وقدّم اعتذاره وشكر إيران على حسن معاملة جنوده وإطلاق سراحهم بعد أن تبيّن أنهم دخلوا بالخطأ إلى المياه الإقليمية الإيرانية، وأن قصدهم لم يكن عدائيّا..
ولعل أحسن من التقط الرسالة وفهم فحواها وأدرك خطورتها وأبعادها هي تل أبيب التي علّقت عليها بالقول، “هيبة أمريكا انتهت، ولم يعد يخشاها إلا الزعماء العرب”، وقال الخبير الفلسطيني الدكتور ناصر اللحام مراسل الميادين في مقالة حول الموضوع “شعرت بالصدمة حين رأيت السُّفن الإيرانية تقطر الزوارق الأمريكية إلى الحجز البحري، وهو مشهد لا يراه الإنسان كثيرا في هذا العالم.. وباستثناء الصين وإيران، لم تجرؤ أية دولة في العالم على ‘إهانة’ الشرف العسكري الأمريكي بهذا الشكل”.
أما في “السعودية”، فكان كتبتها يتساءلون من خلال أعمدة صحف الزيت، كيف يمكن لأمريكا بعظمتها وهيبتها أن تقبل بمثل هذه الإهانة، وكيف يمكنها بعد تجربة طهران الأخيرة لصاروخ “عماد” الباليستي، وإطلاق صاروخ آخر سقط قرب حاملة الطائرات الأمريكية قبل أيام.. أن تتجاوز عن كل هذا التحدي وتقبل برفع الحصار عن إيران؟.. لا جواب، لأن الصورة أصدق تعبير من الخطاب.
***
والسؤال الذي يطرح بالمناسبة هو: إذا كانت أمريكا بعظمتها وقوتها وجبروتها مدعومة بحلفها الأطلسي وأدواتها الإقليمية في المنطقة لم تجرؤ على مواجهة إيران عسكريا، ولم تنجح في عزلها سياسيا، ولم تفلح في زعزعة أمنها واستقرارها من الداخل.. فما الجدوى من إصرار “السعودية” على الاستمرار في محاولاتها التخريبية العنيدة؟.. أليس هذا انتحار؟..
لأنه إذا كان الإرهاب الوهابي لم ينجح في إسقاط سورية والعراق ولبنان برغم سنوات الدم والأشلاء والخراب، وإذا كان التّجييش الطائفي لم ينجح في جر الشعوب المسلمة للاقتتال في حرب عبثية لا تهدف سوى لتشويه الإسلام وتدمير المسلمين وخراب أوطانهم، فما الذي تستطيع فعله “السعودية” ولم تفعله بعد ضد إيران؟..
الإرهاب انقلب اليوم على داعميه وعلى رأسهم مملكة الشر والظلام، وها هي “داعش” و”القاعدة” بعد أن هُزموا في سورية وتلقّوا ضربات موجعة في العراق، يُوجّهون بوصلتهم إلى المهلكة لإسقاط نظامها المجرم العميل، لأنهم يعتقدون أن محمد بن نايف يحارب الإسلام في الداخل، فيما يحاربه محمد بن سلمان في الخارج وفق ما يفهم من بيانهما هذا الأسبوع..
سلاح النفط لم يعد يجدي هو أيضا، لا ضد إيران ولا ضد روسيا، لأن البلدين لا يعتمدان إلا بما نسبته الثلث من الدخل القومي من تصدير النفط، فيما لديهم بنية صناعية وتكنولوجية قوية يستطيعون تطويرها لتنويع مصادر دخلهم، ناهيك عن مئات المليارات من الدولارات التي ستتقاطر قريبا على إيران، سواء من الأموال المجمدة في الغرب، أو الاستثمارات الجديدة، أو ما حصلت عليه من مذخرات بفضل البنية الاقتصادية الموازية التي أقامتها زمن الحصار لتجنب مسالك التحويلات البنكية الرسمية..
لكن في المقابل، لا تنتج المهلكة الوهابية غير النفط وبول البعير، وسعر النفط هبط اليوم إلى أقل من 30 دولار فانهارت أسواق المال في الخليج والعالم، هذا في ما يصر آل سعود’ على بيع زيتهم بأقل من سعر الإنتاج بموازاة تكاليف حروبهم الباهظة وشرائهم للذمم والولاءات التي تستنزف مذخرات الأجيال، وسعر برميل النفط مرشح لأن يهبط إلى 10 دولارات في القادم من الأيام، والمستقبل هو للغاز باعتباره طاقة نظيفة، وآخر المعلومات تتحدث عن أن الغرب بصدد تغيير بنيته الصناعية للاستغناء عن النفط كمصدر أساسي للطاقة، حتّى صناعة السيارات بدأت تتجه نحو الطاقة الكهربائية، فيما صناعة الكهرباء والتدفئة والطبخ في العالم تعتمد بالأساس على الغاز الذي تعتبر روسيا وإيران أول المنتجين والمصدرين العالميين لهذه الطاقة النظيفة، فأين تذهب السعودية من هنا؟..
وهذا يعني بالحسابات العقلية البسيطة، أن قوة “السعودية” التي تقوم على أساس مال الريع والإرهاب قد انحصرت وبدأت بالتقهقر نحو قعر الهاوية، ويُرجّح خبراء روس في مجال الاقتصاد، أنه وفي غضون بضع سنين، سينتهي عصر النفط كما انتهى العصر الحجري، وأن المستقبل هو للتكنولوجيا والطاقات البديلة، وفي السعودية لا يمكن لقبيلة بدائية تُفكّر بمنطق الجاهلية أن تواكب عصر ما بعد النفط حيث سيصبح غالون الماء أغلى من برميل النفط..
*** / ***
لهذه العوامل والاعتبارات كافة، قرّر أوباما رفع المظلة الأمنية من فوق رؤوس ‘آل سعود’ ومشيخات الخليج، وقال لهم بصريح العبارة في خطاب الاتحاد الأخير، أنه “آن الأوان لتعتمدوا على أنفسكم، وأن أمريكا ليست مُستعدّة للقتال من أجلكم”، لأن الخطر لديكم داخلي وليس من إيران.. وهذا يعني أنكم وبعد أن فرّطتم في حقوق شعوبكم، واستنزفتم مقدراتها على شراء السلاح، وأنتم لا تملكون جيوشا قادرة على المواجهة، وتستأجرون مرتزقة لقيادة طائراتكم، وتمولون جيوش الإرهابيين للقتال عنكم، لدرجة أن الإرهاب انتشر في كل أصقاع الأرض، وأصبح يمثل تهديدا حقيقيا للغرب بموازاة تسونامي المُهجرّين، فقد آن الأوان لتنتهي اللعبة بعد دخول إيران كقوة إقليمية فاعلة تستطيع المساهمة في ضمان أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط..
وترجمة هذا التوجه، نجدها في الحملة الغربية غير المسبوقة على إرهاب ‘آل سعود’ وتطرفهم ومقامراتهم الدموية في المنطقة، ووصل الجميع إلى قناعة أن محاربة الإرهاب يجب أن تبدأ من ضرب مصادره الإيديولوجية وجذور تمويله الكائنة بـ”السعودية”..
لذلك، رأينا الفيلسوف اليهودي الدموي ‘برنار هينري ليفي’ يُولّي مؤخرا وجهه شطر “السعودية” للمرة الأولى، ويُبدي رأيه من خلال مقالة بالفرنسية والإنجليزية نشرت قبل أيام وفق ما أفاد موقع روسيا اليوم في مقالة للزميل حبيب فوعاني نشرت الأسبوع المنصرم، تحمل عنوان: “أوقفــوا السعوديــة!”..
يقول ‘هنري ليفي’ في مقالته هذه حول المهلكة، إن “سُعارها الدّموي يشكل خطرا ليس على شعبها فقط، بل على السلام في المنطقة والعالم”، مُتّهما الرياض بتأجيج حرب طائفية شعواء بين الشيعة والسنة، وإثارة النزاعات القديمة بين العرب والفرس على حساب محاربة العدو المشترك “داعش”.. وهو لذلك يدعو شركاء السعودية الغربيين إلى الامتناع عن بيعها الأسلحة وشراء النفط منها.
وطبعا الجميع يعرف من هو فيلسوف الثورات الملونة هذا، فهو كالغراب نذير شأم، كلما صرح تصريحا أو مر مرور اللئام بأرض إلا وحل بها الدمار والخراب، ولا نحتاج للتذكير هنا أنه إحدى أدوات الحلف الأطلسي الثقافية التي تسبق العاصفة بالتمهيد الإعلامي لها..
فمبروك لـ’آل سعود’ ربيعهم العاصف الدامي الذي وصل إلى مضاربهم في مملكة الشر والظلام، ليذوقوا وبال أمرهم ويعلموا علم اليقين أن عذاب الله شديد..
ومبروك للقيادة والحكومة والشعب الإيراني العظيم رفع الحصار الظالم عن بلادهم، وتمنياتنا الصادقة لهم بعصر جديد من التقدم والرقي والرفاهية والأمن والسلام..
تعليق