PDA

عرض الاصدار الكامل : الإمام علي مجمع الفضائل


ibrahim aly awaly
22-12-2004, 02:29 PM
الإمام علي مجمع الفضائل




العلامة السيد محمد علي الموسوي البحراني

لا مشاحة في أن الفضل والفضيلة في الإسلام منحصر في أربع:

1- التقدم في الإسلام.

2- العلم والتفقه في الحلال والحرام.

3- الجهاد في سبيل الله.

4- الزهادة في الدنيا.

وهذه الأربع هي أمهات الفضائل وأصولها وما عداها فرع بالنسبة إليها.

ولاشك أن هذه الفضائل الأربع كلها مجتمعة في علي أمير المؤمنين على اكمل وجه ومتفرقة في شذاذ من الصحابة, فعليه لا غرو من أن نقول. أن مجموع الفضائل مسجل في سجل علي خاصة دون غيره إلا النبي العظيم (صلى الله عليه وآله), إذ هو الأصل في وجود هذه المكارم.

1- أما التقدم في الإسلام

فقد تسالم المحققون من المسلمين وغيرهم على أن عليا (عليه السلام) هو أول من اسلم وجها لله وتمسك بالدين الإسلامي الحنيف من الرجال. لم يسبقه في ذلك أبو بكر ولا غيره, كيف لا؟!

وكتب الأثر والتاريخ ملاء من ذكر ذلك عن الرسول والوصي والصحابة والتابعين على وجه لا يدع مجالا للشك والريب فإليك بعضها:

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أولكم واردا- وورودا- على الحوض أولكم إسلاما علي بن أبي طالب)(1), وقال (صلى الله عليه وآله): لابنته فاطمة: (أما ترضين إني زوجتك أول المسلمين إسلاما وأعلمهم علما)(2), وقال لها أيضا: (انه لأول أصحابي إسلاما أو: اقدم أمتي سلما وأكثرهم علما وأعظمهم حلما)(3)وقال مشيرا إلى علي: (أن هذا أول من آمن بي وهو أول من يصافحني يوم القيامة وهو الصديق الأكبر وهذا فاروق هذه الأمة يفرق بين الحق والباطل وهذا يعسوب الدين)(4).

وقال الإمام علي (عليه السلام): (أنا أول من اسلم مع النبي)(5).

وقال: (أنا أول من صلى مع رسول الله)(6). وقال: (أسلمت قبل أن يسلم الناس بسبع سنين)(7).

وقال: (بعث رسول الله يوم الاثنين وأسلمت يوم الثلاثاء)(8).

وقال: (أنا الصديق الأكبر آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر وأسلمت قبل أن يسلم أبو بكر)(9). وقال: (أنا عبد الله وأخو رسوله, وأنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كذاب مفتر. لقد صليت قبل الناس سبع سنين)(10). وقال في كتاب له إلى معاوية: (إن أولى الناس بأمر هذه الأمة قديما وحديثا أقربها إلى رسول الله, واعلمها بالكتاب وافقهها في الدين وأولها إسلاما وأفضلها جهادا)(11).

وقال عمر بن الخطاب: (أما علي فسمعت رسول الله يقول فيه ثلاث خصال لوددت أن تكون لي واحدة منهن وكانت احب إلي مما طلعت عليه الشمس, كنت أنا وأبو عبيدة وأبو بكر وجماعة من أصحابه, إذ ضرب النبي على منكب علي (عليه السلام) فقال له: (يا علي أنت أول المؤمنين إيمانا وأول المسلمين إسلاما وأنت مني بمنزلة هارون من موسى)(12).

وقال عبد الله بن عباس: (أول من صلى علي)(13).

وقال سلمان الفارسي: (أول هذه الأمة ورودا على نبيها الحوض أولها إسلاما علي بن أبي طالب)(14).

وقال زيد بن الأرقم: (أول من آمن بالله بعد رسول الله علي بن أبي طالب (عليه السلام))(15).

وقال جابر بن عبد الله الأنصاري: (بعث النبي (صلى الله عليه وآله) يوم الاثنين وصلى علي يوم الثلاثاء)(16)وقال بريدة الأسلمي: (أوحي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الاثنين صلى علي يوم الثلاثاء)(17).

وقال أبو ذر الغفاري والمقداد الكندي وأبو سعيد الخدري: (أن علي بن أبي طالب أول من اسلم)(18).

وقال أبو رافع: (صلى النبي (صلى الله عليه وآله) أول يوم الاثنين, وصلت خديجة آخره, وصلى علي يوم الثلاثاء من الغد)(19).

قال عفيف الكندي: جئت في الجاهلية إلى مكة وأنا أريد أن ابتاع لأهلي من ثيابها وعطرها فأتيت العباس بن عبد المطلب وكان رجلا تاجرا فأنا عنده جالس حيث انظر إلى الكعبة وقد حلقت الشمس في السماء فارتفعت وذهب إذ جاء شاب فرمى ببصره إلى السماء ثم قام مستقبل الكعبة ثم لم البث إلا يسيرا حتى جاء غلام فقام على يمينه, ثم لم البث إلا يسيرا حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما فركع الشاب فركع الغلام والمرأة, فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة فسجد الشاب فسجد الغلام والمرأة, فقلت: يا عباس أمر عظيم. قال العباس: أمر عظيم أتدري من هذا الشاب؟ قلت: لا. قال: هذا محمد بن عبد الله ابن أخي, أتدري من هذا الغلام؟ هذا علي ابن أخي, أتدري من هذه المرأة؟ هذه خديجة بنت خويلد زوجته. أن ابن أخي هذا اخبرني أن ربه رب السماء والأرض أمره بهذا الدين الذي هو عليه. ولا والله ما على الأرض كلها أحد على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة(20).

قال بن عبد البر في الاستيعاب: اتفقوا على أن خديجة أول من آمن بالله ورسوله وصدقه بما جاء به ثم علي بعدها(21).

وقال الحاكم صاحب المستدرك في كتاب المعرفة(22): (ولا اعلم خلافا بين أصحاب التواريخ أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أولهم إسلاما).

هذا غيض من فيض مما جاء في الموضوع(23).

قدمناه إلى القارئ الكريم ليبدو له جليا ويعلم بوضوح أن عليا (عليه السلام) هو أول من استجاب لله تعالى والمتفرد بالفوز بهذه الفضيلة السامية. قال سبحانه: (والسابقون السابقون* أولئك المقربون)(24).

2- وأما العلم والتفقه في الحلال والحرام:

فلا ريب أن عليا (عليه السلام) له الكأس الأوفى والحظ الأوفر من ذلك وانه اعلم الناس في الدين وافقهم في أحكام الشريعة ولا غرو, إذ كانت الصحابة يرجعون إليه في المشاكل والمعضلات ولا يرجع إلى أحد منهم بشيء واحتياج الكل إليه واستغناؤه عن الكل دليل واضح على أعلميته وأفقهيته.

ويكفيك دليلا ساطعا وبرهانا قاطعا شهادة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وكبار الصحابة على ذلك فدونك بعضها!

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أنا مدينة العلم وعلي بابها)(25), وقال: (أنا دار الحكمة وعلي بابها)(26), وقال: (اعلم أمتي من بعدي علي ابن أبي طالب)(27), وقال: (علي وعاء علمي ووصيي وبابي الذي أوتي منه)(28), وقال: (علي باب علمي ومبين لأمتي ما أرسلت به من بعدي)(29), وقال: (علي خازن علمي)(30), وقال: (علي عيبة علمي)(31). (أقضى أمتي علي)(32)وقال: (أقضاكم علي)(33). وقال: (قسمت الحكمة عشرة أجزاء فأعطي علي تسعة أجزاء والناس جزءا واحدا)(34)إلى غير ذلك.

وقال ابن عباس: (والله لقد أعطي علي بن أبي طالب تسعة أعشار العلم وأيم الله لقد شارككم في العشر العاشر)(35)وقال: (علم النبي من علم الله وعلم علي من علم النبي وعلمي من علي, وما علمي وعلم الصحابة في علم علي إلا كقطرة في سبعة أبحر)(36).

وقال: (العلم ستة أسداس لعلي خمسة أسداس وللناس سدس ولقد شاركنا في السدس حتى لهو اعلم به منا)(37).

وقال أبن مسعود: (قسمت الحكمة عشرة أجزاء فأعطي علي تسعة أجزاء والناس جزءا واحدا وعلي أعلمهم بالواحد منها)(38), وقال: (اعلم بالفرائض علي بن أبي طالب)(39), وقال: (كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي)(40), وقال: (افرض أهل المدينة وأقضاها علي)(41), وقال أن القرآن انزل على سبعة أحرف ما منها حرف إلا وله ظهر وبطن وان علي بن أبي طالب عنده منه الظاهر والباطن)(42).

وقال عدي بن حاتم- في خطبة له-: (والله لئن كان إلى العلم بالكتاب والسنة. انه (يعني عليا) لأعلم الناس بهما ولئن كان إلى الإسلام انه لأخو نبي الله والرأس في الإسلام ولئن كان إلى العقول والنحائز(43)انه لأشد الناس عقلا وأكرمهم نحيزة)(44).

وقال أبو سعيد الخدري: (أقضاكم علي)(45).

وقالت عائشة: (علي اعلم الناس بالسنة)(46).

وسئل عطاء أ كان في أصحاب محمد أحد اعلم من علي؟!

قال: (لا والله ما اعلمه)(47).

وقال عمر بن الخطاب: (علي أقضانا)(48), وقال: (أقضانا علي)(49), ولعمر كلمات مشهورة تعرب عن غاية احتياجه في العلم إلى علي أمير المؤمنين اخرج نبذة منها العلامة الأميني في كتابه (الغدير ج3و6).

منها قوله غير مرة: (لولا علي لهلك عمر)(50). وقوله: (كاد يهلك ابن الخطاب لولا علي بن أبي طالب)(51). وقوله: (لولا علي لضل عمر)(52), وقوله: (اللهم لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب)(53), وقوله: (أعوذ بالله من معضلة ولا أبو حسن لها)(54). وقوله: (أعوذ بالله من معضلة لا علي بها)(55). وقوله: (لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن)(56). وقوله: (اللهم لا تنزل بي شديدة إلا وأبو الحسن إلى جنبي)(57)إلى غير ذلك....

وقال سعيد بن المسيب: (كان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن)(58).

وقال معاوية: (كان عمر إذا أشكل عليه شيء أخذه من علي)(59).

وقد تواتر عن علي (عليه السلام) قوله: (أن رسول الله اسر إلي ألف حديث في كل حديث ألف باب وفي كل باب ألف مفتاح وإني اعلم بهذا العلم)(60). وقوله (عليه السلام): (سلوني والله ما تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلا أخبرتكم وسلوني عن كتاب الله فو الله ما من آية إلا وأنا اعلم أ بليل نزلت أم بنهار في سهل أم في جبل)(61).

وقوله (عليه السلام): (سلوني قبل أن تفقدوني سلوني عن كتاب الله وما من آية إلا وأنا اعلم حيث أنزلت بحضيض جبل أو سهل ارض وسلوني عن الفتن فما من فتنة إلا وقد علمت من كسبها ومن يقتل فيها)(62).

قال أبو سعيد البحتري: (رأيت عليا (عليه السلام) على منبر الكوفة وعليه مدرعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو متقلد بسيفه ومتعمم بعمامته (صلى الله عليه وآله) فجلس على المنبر فكشف عن بطنه وقال: (سلوني قبل أن تفقدوني فإنما بين الجوانح مني علم جم هذا سفط العلم هذا لعاب رسول الله هذا ما زقني رسول الله (صلى الله عليه وآله) زقا. فو الله (لو ثنيت لي وسادة فجلست عليها لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم وأهل الإنجيل بإنجيلهم حتى ينطق الله التوراة والإنجيل فيقولان: صدق علي قد أفتاكم بما انزل في وانتم تتلون الكتاب أ فلا تعقلون)(63).

وقال سعيد بن المسيب: لم يكن أحد من الصحابة يقول: (سلوني إلا علي بن أبي طالب)(64).

وكان (عليه السلام) إذا سئل عن مسالة يكون فيها كالسكة المحماة ويقول:


إذا المشكــــــلات تصديـن لي***كشفــــــت حقائقهــــا بالنظـــــــــر

فان برقت في مخيل الصـواب***عميـــاء لا يجتليهـــا البصــــــــــر

مقنعـــــة بغيــــوب الأمــــــور***وضعــت عليهــا صحيـح الفكـــــر

لسانـــا كشقشقــــة الأرحبــــي***أو كالحســــام اليمانـــي الذكــــــر

وقلبــــا إذا استنطقتـــه الفنـون***ابــــــر عليهــــــا بــــــــــواه درر

ولســـــت بإمعة(65) في الرجال***يسائـــل هـــذا وذا مــا الخبــــر؟

ولكننـــي مذرب الأصغرين(66)***أبيــن مـع ما مضى ما غبر(67)


هذا غيض من فيض مما جاء في أعلميته (عليه السلام) من جميع الصحابة وبه الكفاية.

ويجد القارئ الكريم في غضون كتب الحديث والتاريخ من آثاره وأخباره(عليه السلام) ما يدعم شهادة هؤلاء بوضوح.

ولو لم يكن هناك شاهد سوى نهج البلاغة, الذي هو رشحة من رشحات علمه الفياض ونفحة من نفحات بيانه وما انطوى عليه سجيته الكريمة لكفانا مؤونة البرهان وتكلف الاستدلال.

إذا انك ترى الكتاب كما انه نهج البلاغة والفصاحة (بحيث أن الكلام فيه فوق كلام المخلوق وتحت كلام الخالق) كذلك تجده نهج العلم والمعارف. نهج السياسة والتدبير. نهج الوعظ والتبليغ نهج البرهان التوحيدي والدلالة على ذات الله وصفاته.

فقل لي يا ترى: أليس في نهج البلاغة من ينبوع الحكمة الآلهية والمعارف الكونية, ما عجز عن إدراكها أعاظم الحكماء والفلاسفة, فترى العلم الحديث قد كشف الكثير من غوامضها ودقائقها المدهشة؟

فقل لي يا ترى:

أليس في النهج من الآداب العالية ما يرشدنا إلى أن مبدعها الفذ لم يتكلف هذا الفن وان طبعه الفياض لا يباريه مثل ولا يجاريه ند في الوجود؟!

أليس نهج البلاغة هو الذي فتح لأرباب الكلام البرهان العقلي الفني على وجود الباري ووحدانيته بما لم يسبق له مثيل ولا عرفه الناس من قبل وإنما حذوا حذوه من بعده؟!

أليس النهج نهج الوعظ والإرشاد والأمر والزجر ونهج كل شيء وفيه من مناهج السياسة وعلوم الاجتماع ما يصلح لان يكون مصباحا يستضاء به لتدبير البلاد وقيادة العباد. فتراه ينبئ بان ربانه السياسي المحنك والعالم الاجتماعي الخبير, لم يأخذ العلم من أفواه الرجال وقراطيس الكتب. وإنما أخذه عن المدبر الحكيم بواسطة صاحب الرسالة. فانك لو أمعنت النظر في عهده (عليه السلام) لمالك الأشتر وحده. لعرفت مبلغ علم الإمام في ذلك العصر الأعزل عن أمثال هذه المعارف.

هذا هو كتاب نهج البلاغة. فهل يا ترى انه لا يعرب عن تقدم منشيه بالعلم وبكل فضيلة. وتفوقه في كل مكرمة وفضل فعز عن المثيل والند والنظير؟!

3- وأما الجهاد في سبيل الله:

فلا مشاحة في أن الجهاد هو الركن المقوم لانتعاش الدعوة المحمدية وحياة الدولة الإسلامية وانه من اجل الفضائل والمكارم بعد الإسلام وواضح لدى الجميع, انه لم يمثل الجهاد كما يريده الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) أحد مثل الإمام علي (عليه السلام) حيث قام (روحي فداه) بنصرة الدين الحنيف (على الرغم من صغر سنه) منذ أبان الدعوة إلى أن فارق النبي الحياة. بل وبعد النبي إلى أن فاز بالشهادة.

فكم له (عليه السلام) في غضون هذه المدة من موقف رهيب تجاه المشركين والمنافقين.

لبس برد النبي الحضرمي الأخضر وبات على فراشه (صلى الله عليه وآله) ليلة آلهجرة, ليلة هرب النبي من المشركين إلى الغار وفداه بنفسه.

وقد جاء في الحديث انه سبحانه أوحى إلى جبرائيل وميكائيل: إني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فاختار كلاهما الحياة.

فأوحى الله إليهما أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب: آخيت بينه وبين محمد فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثر بالحياة, اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه, فنزلا فكان جبرائيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه وجبرائيل ينادي, بخ بخ من مثلك يا علي يباهي الله تبارك وتعالى بك الملائكة. فانزل الله على رسوله وهو متوجه إلى المدينة. في شان الإمام علي: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله)(68).

اجل: لقد كان (عليه السلام) لهذه الفضيلة (فضيلة الجهاد) بأسمى مكان وارفع مقام. حيث قام بشؤونه بين يدي الرسول (صلى الله عليه وآله) على وجه لم يقم باليسير منه غيره من شيوخ القوم وكهولهم. وعلى نحو عجز عن مثله أهل الحنكة والتدريب من صناديدهم وفرسانهم العارفين بفنون الغزو.

فهذه بدر. واحد. وتلك الأحزاب. وتلك خيبر وحنين وو...

فسل عنها: من كان فارسها الأول, وبطلها الفذ؟ أترى فيها غير أبي الحسن؟ يضرب خراطيم المشركين بين يدي رسول الله ويخطف أرواحهم ويجرعهم كاس المنون. حتى انصاعوا إلى كلمة الشهادتين ودخلوا أفواجا في الدين الحنيف وظهر الدين الإسلامي على الدين كله.

ولذلك ترى أسيد بن أبي إياس الكناني مكبرا لعلي من هذه الناحية مخاطبا قريشا ومحرضا إياهم عليه بقوله:


في كل مجمع غايــــــة أخزاكــــــم***جذع ابر على المذاكي القــرح(69)

لله دركــــــم المـــــــــا تنكـــــــــروا***قـــــد ينكـر الضيم الكريم ويستحــى

هــــــذا ابــــن فاطمــة الذي أفناكم***ذبحــــــا ويمشـــــــى آمنا لم يجــرح

أيـــــــن الكهــول؟ وأين كل دعامة؟***للمعضلات وأين زين الأبطح؟(70)

أفنـــــــاهــــم ضـــــربا بكـــــل مهند***صلــــــت وحـــــد غــراره لم يصفـح


لو لم يكن له (عليه السلام) من تلك المواقف الجمة التي نصر بها الإسلام سوى موقفه في حادثة الخندق تجاه الأحزاب وقائدها عمرو فارس يليل لكفاه فخرا وشرفا وعزة ومجدا, وذلك حينما ابتلى المؤمنون (كم أنبأ سبحانه) (وزلزلوا زلزالا شديدا* وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا* واذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستئذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا)(71).

هذا والنبي الكريم يحرض المسلمين للبراز ومقاتلة عمرو. والمسلمون كأن على رؤوسهم الطير ينظرون إليه نظر المغشي عليه من الموت. فمن يا ترى كشف الكرب عن وجه الرسول في ذلك الموقف الرهيب الذي كاد إن يقضى على الإسلام وأهله غير المرتضى أبي الحسن؟

ومن قتل عمرا ذلك الشجاع المهيب بضربة نجلاء تخآلها صاعقة نزلت من السماء فبدد بقتله جحافل الشرك ومزق الأحزاب سوى أبي السبطين؟

اجل: عمل الإمام علي (عليه السلام) في ذلك اليوم عملا قال له الرسول (صلى الله عليه وآله): (ابشر يا علي فلو وزن عملك اليوم بعمل أمة محمد لرجح عملك بعملهم)(72) وقال: (لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود يوم الخندق افضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة)(73).

ولم يزل (عليه السلام) على هذه الوتيرة مجاهدا بالنفس والنفيس وقيدوما لجيش المسلمين في كل موطن تجاه أعداء الدين من الكافرين والمنافقين, في عهده (صلى الله عليه وآله) وبعده فكم أزاح في جراء ذلك ما وقع من الحسك والقتاد دون دعوة الرسول (صلى الله عليه وآله) وكم أجال الكرب عن وجهه الكريم؟!

فحاز بذلك من هذه الفضيلة (فضيلة الجهاد) ما لم يحزه غيره من كبار المسلمين, قال سبحانه: (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما)(74).

4- وأما الزهادة في الدنيا:

فلا أخال أحدا (له اقل إلمام في التاريخ الإسلامي وفي أحوال الصحابة وسيرتهم في الحياة) يجهل أن عليا (عليه السلام) له الدرجة القصوى والمرتبة العليا من هذه الفضيلة. وحسبك دليلا كتابه إلى عامله بالبصرة عثمان بن حنيف حيث قال فيه: (إلا وان لكل مأموم إمام يقتدي به, ويستضئ بنور علمه, ألا وان إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه)(75)ومن طعمه بقرصيه, ألا وأنكم لا تقدرون على ذلك, ولكن أعينوني بورع واجتهاد (وعفة وسداد) فو الله ما كنزت من دنياكم تبرا, ولا ادخرت من غنائمها وفرا(76), ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا(77), (ولا حزت من أرضها شبرا, ولا أخذت منه إلا كقوت أتان دبرة(78), ولهي في عيني أوهى من عفصة مقرة) بلى كانت في أيدينا فدك(79)من كل ما أظلته السماء فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس(قوم) آخرين, ونعم الحكم الله.

وما اصنع بفدك وغير فدك والنفس مظانها في غد جدث(80)تنقطع في ظلمته آثارها, وتغيب أخبارها, وحفرة لو زيد في فسحتها, وأوسعت يدا حافرها لأضغطها الحجر والمدر. وسد فرجها التراب المتراكم, وإنما هي نفسي أروضها(81)بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر, وتثبت على جوانب المزلق. ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل, ولباب هذا القمح, ونسائج هذا القز(82)ولكن هيهات أن يغلبني هواي, ويقودني جشعي(83)إلى تخير الأطعمة ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص, ولا عهد له بالشبع! أو أبيت مبطنا وحولي بطون غرثى, وأكباد حرى, أو أكون كما قال القائل:

وحسبك داء أن تبيت ببطنة*** وحولك أكباد تحن إلى القد!

أأقنع من نفسي بان يقال هذا: امير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر أو أكون أسوة لهم في جشوبة(84)العيش, فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها, أو المرسلة شغلها تقممها(85)تكترش من أعلافها, وتلهو عما يراد بها(86)....).

وقال (عليه السلام): (والله لدنياكم هذه أهون في عيني من عراق خنزير في يد مجذوم(87).

دخل ضرار بن ضمره (وكان من خواص علي (عليه السلام)) على معاوية وافدا. فقال. صف لي عليا. قال: اعفني. قال معاوية: (لابد من ذلك. فقال: أما إذا كان لابد من ذلك, فانه كان والله بعيد المدى شديد القوى يقول فصلا ويحكم عدلا, يتفجر العلم من جوانبه, وتنطق الحكمة من نواحيه, يعجبه من الطعام ما خشن ومن اللباس ما قصر (وكان والله) يجيبنا إذا دعوناه ويعطينا إذا سألناه, وكنا والله على تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه هيبة له, ولا نبتدؤه لعظمه في نفوسنا, يبسم عن ثغر كاللؤلؤ المنظوم.

يعظم أهل الدين ويرحم المساكين, ويطعم في المسغبة(88)

يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة, يكسو العريان, وينصر اللهفان ويستوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس بالليل وظلمته, وكأني به وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه وهو في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين, ويقول: يا دنيا غري غيري أبي تعرضت أم إلي تشوقت؟ هيهات هيهات لا حان حينك(89)قد أبنتك ثلاثا لا رجعة لي فيك. عمرك قصير وعيشك حقير. وخطرك يسير. آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق)(90).

قال عمر بن عبد العزيز: (ازهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب)(91).

وقال زيد بن وهب: (خرج علينا علي وعليه رداء وإزار قد وثقه بخرقه فقيل له. فقال: إنما البس هذين الثوبين ليكون ابعد لي من الزهو وخيرا لي في صلاتي وسنة للمؤمن)(92).

وروى عبد الله بن شريك عن جده: أن علي بن أبي طالب أتى بفالوذج فوضع قدامه فقال: انه طيب الريح حسن اللون طيب الطعم ولكن اكره أن أعود نفسي ما لم تعتد)(93).

وكان علي (عليه السلام) يقسم بيت المال في كل جمعة حتى لا يبقى منه شيئا ثم يرش له ويقيل(94)فيه ويتمثل بهذا البيت:


هذا جنائي وخياره فيه*** إذ كل جان يده إلى فيه(95)


وقال عنترة دخلت على علي بالخورنق وهو فصل شتاء وعليه قطيفة وهو يرعد فيه فقلت يا أمير المؤمنين: أن الله قد جعل لك ولأهلك في هذا المال نصيبا وأنت تفعل هذا بنفسك فقال: والله ما أرزأكم(96)شيئا وما هي إلا قطيفتي التي أخرجتها من المدينة(97).

وعن علي بن أرقم عن أبيه قال: رأيت علي بن أبي طالب يعرض سيفا له في رحبة الكوفة ويقول: من يشتري مني سيفي هذا والله لقد جلوت به غير مرة عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولو أن لي ثمن إزار ما بعته)(98). وفي رواية أخرى انه قال لو كان عندي أربعة دراهم ثمن إزار لم أبعه)(99).

وقال سفيان: أن عليا لم يبن آجرة على آجرة ولا لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة وان كان ليؤتى بحبوبه من المدينة في جراب)(100)وكان (عليه السلام) يختم على الجراب الذي يأكل منه ويقول: لا احب أن يدخل بطني إلا ما اعلم)(101).

وقال عمر بن قيس رئي على علي إزار مرقوع فقيل له فقال: (يقتدى به المؤمن ويخشع به القلب)(102).

وقال الحسن بن علي (عليه السلام) (في صبيحة الليلة التي قتل فيها أمير المؤمنين بعد ذكر أبيه وفضله وسابقته: والله ما ترك صفراء ولا بيضاء إلا ثمانمائة درهم ارصد لجارية)(103)وفي رواية: سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يشتري بها خادما)(104) وفي أخرى: ما ترك إلا ثلاثمائة درهم(105).

هذه نبذة من فضائل المرتضى أبي الحسن التي تفرد بها وطل من وابل مكارمه (عليه السلام) التي قد سمى بها الدرجة القصوى التي أعدمته الند والمثيل في جميع صحابة الرسول (صلى الله عليه وآله) ولعمرك أنها منزلة شامخة ومرتبة عالية تفوق المنازل والمراتب إلا النبوة, وهي كما قال الشاعر:


مناقــــب لجــــت فـــي علو كأنها***تحـــاول ثارا عند بعض الكواكب

محاسن من مجد متى يقرنوا بها***محاســـن أقـــــوام تعد كالمعائب




يتبع....

ibrahim aly awaly
22-12-2004, 02:31 PM
وناهيك من منزلة صيرته مقياسا ومحكا لتمييز الخبيث من الطيب ونبراسا يمتاز به المؤمن عن المنافق.

فقد اخرج أئمة الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال لعلي: لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق)(106).

وقال الإمام علي (عليه السلام): (والذي فلق الحبة وبرا النسمة انه لعهد النبي الأمي إلي: انه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق)(107).

وقال أبو بكر: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) خيم خيمة وهو متكئ على قوس عربية وفي الخيمة علي وفاطمة والحسن والحسين فقال: معشر المسلمين أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة حرب لمن حاربهم ولي لمن والاهم لا يحبهم إلا سعيد طيب المولد ولا يبغضهم إلا شقي الجد رديء المولد)(108).

وقالت أم المؤمنين أم سلمة: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: (لا يحب عليا منافق ولا يبغضه مؤمن)(109).

وقال ابن عباس: نظر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى علي فقال: (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق)(110).

وقال أبو ذر: (ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا بثلاث: بتكذيبهم الله ورسوله, والتخلف عن الصلاة, وبغضهم علي بن أبي طالب)(111).

وقال أبو سعيد الخدري: (كنا نعرف المنافقين نحن معشر الأنصار ببغضهم علي بن أبي طالب)(112).

وقال جابر بن عبد الله الأنصاري: (ما كنا نعرف المنافقين الا ببغضهم علي بن أبي طالب)(113)إلى غير ذلك(114).

اجل لقد سطعت أنوار هذه الفضائل وأضعاف أضعافها من مولانا علي أمير المؤمنين (عليه السلام) فتاهت في سبيلها العقول وما زالت عظمة هذا الإمام الأكبر تملا الدنيا بلمعانها كما تملا النفوس بشعاعها اللألاء.

ولا غرو, إذ أن شعاع هذه العظمة كهربائي بجاذبته, ومغناطيس للقلوب من قريب وبعيد ودان وقاص مسلم وغير مسلم(115).

واليكم أبياتا ثلاثة لنصراني متكهرب بعظمته (عليه السلام) يقول فيها:


علي أمير المؤمنين صريمة(116)***وما لسواه في الخلافــــة مطمـــع

له النسب العالي وإسلامـــه الذي***تقـــــدم فيـــــه والفضائــــل اجمــــع

ولــــو كنـت أهوى ملة غير ملتي***لما كنــــت إلا مسلما أتشيع(117)


إذا عرفت ذلك, فلنشرع في ذكر نبذة من تلكم النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة التي أثبتها فطاحل علم الحديث من أهل السنة في كتبهم القيمة الدالة بوضوح على اختصاص الخلافة بعلي أمير المؤمنين وأولاده آلهداة الميامين (عليهم السلام).




الهوامش:

1- أخرجه الحاكم في المستدرك ج3 ص136. والخطيب في تاريخه, ج2, ص81.

2- مستدرك الحاكم ج3. كنز العمال ج6, ص13.

3- مسند احمد, ج5, ص26. الاستيعاب, ج3, ص36. الرياض النضرة, ج2, ص194. الزوائد, ج9, ص101و114. السيرة الحلبية ج1, ص285. كنز العمال, ج6, ص153.

4- مجمع الزوائد, ج9, ص102.

5- تاريخ بغداد للخطيب, ج4, ص233.

6- المعارف لابن قتيبة, ص74. الاستيعاب, ج2, ص458.

7- الرياض النضرة, ج2, ص158.

8- مجمع الزوائد, ج9, ص102. تاريخ القرماني, ج1 ص215, الصواعق, ص72. تاريخ الخلفاء للسيوطي ص112, إسعاف الراغبين ص148.

9- المعارف لابن قتيبة, ص74.

10- خصائص النسائي, ص3. مستدرك الحاكم, ج3, ص112. سنن ابن ماجه ج1, ص57. تاريخ الطبري, ج2, ص56, ط م1357. تاريخ الكامل لابن الأثير ج2, ص37. شرح النهج لابن أبي الحديد, ج3, ص257.

11- كتاب صفين لابن مزاحم, ص168, ط م.

12- رسالة الإسكافي, مناقب الخوارزمي, شرح النهج لابن ابن الحديد, ج3, ص258.

13- جامع الترمذي, ج2, ص215, تاريخ الطبري, ج2 ص55 ط م1357, الكامل لابن الأثير ج2, ص37 شرح ابن أبي الحديد ج3, ص256.

14- الاستيعاب ج2, ص457. مجمع الزوائد ج9, ص102.

15- الاستيعاب ج2, ص459.

16- تاريخ الطبري ج2, ص55, ط م1357 الكامل لابن الأثير ج2, ص37 شرح ابن أبي الحديد ج9, ص258.

17- مستدرك الحاكم ج3, ص112.

18- الاستيعاب ج2, ص456, المواهب اللدنية ج1, ص45.

19- عيون الأثر ج1 ص92, الرياض النضرة, ج2, ص158, شرح ابن أبي الحديد ج3, ص258.

20- خصائص النسائي, ص3. تاريخ الطبري, ج2, ص56, ط م1357. الرياض النضرة ج2, ص158. الاستيعاب ج2, ص459. عيون الأثر ج1, ص93. كامل ابن الأثير ج2, ص37. السيرة الحلبية ج1, ص288. البداية والنهاية لابن كثير ج3, مجلد2, ص25. مسند احمد ج1, ص209, مع اختلاف يسير.

21- الاستيعاب ج2, ص457.

22- ص22.

23- قد جمع العلامة الأميني في(الغدير) ج3, ص219- 243, ط2 مائة حديث في أن عليا أول من اسلم وحقق الموضوع بما لا مزيد عليه, فراجع, وقد اقتبسنا بعض ما ذكرناه منه.

24- سورة الواقعة, الآية 10و11.

25- اخرج العلامة الأميني في(الغدير) ج6 ص61- 77 ط2, الحديث المذكور عن مائة وثلاثة وأربعين مصدرا منها مستدرك الحاكم ج3, ص126- 128. تاريخ ابن كثير, ج7, ص358. تاريخ بغداد ج2, ص377, وج4, ص348, وج7 ص173, وج11 ص204. الاستيعاب ج2, ص461. ينابيع المودة ص65. تذكرة سبط ابن الجوزي ص29. الرياض النضرة ج1, ص192. مجمع الزوائد للهيثمي ج9 ص114. حياة الحيوان للدميري ج1 ص55. الجامع الصغير للسيوطي ج1ص374. المواهب اللدنية للزرقاني ج3 ص143. تهذيب التهذيب للعسقلاني ج7 ص337.

26- ينابيع المودة ص71.

27- مناقب الخوارزمي ص49. مقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص43. كنز العمال ج6 ص153.

28- شمس الأخبار ص49.

29- كنز العمال ج6 ص156. كشف الخفاء ج1 ص204.

30- شرح النهج لابن أبي الحديد ج2 ص448.

31- الجامع الصغير للسيوطي ج4 ص356. قال المناوي في فيض القدير عند شرح الحديث: قال ابن دريد: وهذا من كلامه(صلى الله عليه وآله) الموجز الذي لم يسبق ضرب المثل به في إرادة إختاصه بأموره الباطنة التي لا يطلع عليها أحد غيره.... الخ.

32- مصابيح البغوي, ج2 ص277. الرياض النضرة, ج2 ص198.

33- مواقف القاضي الايجي ج3 ص276. شرح النهج ج2 ص235.

34- حلية الأولياء ج1 ص65. (الغدير ج3 ص96).

35- الاستيعاب ج3 ص40. الرياض النضرة ج2 ص194.

36- ينابيع المودة ص70.

37- مناقب الخوارزمي ص55. فرائد السمطين في الباب68.

38- كنز العمال ج5 ص156و401, نقلا عن غير واحد من الحفاظ.

39- الاستيعاب ج3 ص41. الرياض النظرة ج2 ص194.

40- مستدرك الحاكم ج3 ص41. أسنى المطالب للجزري ص14. الصواعق ص76.

41- الرياض النضرة ج2 ص198. تاريخ الخلفاء للسيوطي ص115.

42- مفتاح السعادة ج1 ص400. (الغدير ج3 ص99 ط2).

43- النحائز: جمع نحيزة ومعناها الطبيعة.

44- جمهرة خطب العرب ج1 ص202.

45- فتح الباري ج8 ص136.

46- الاستيعاب ج3 ص40 هامش الإصابة. الرياض النضرة ج2 ص193, مناقب الخوارزمي ص54. الصواعق ص76. تاريخ الخلفاء ص115.

47- الاستيعاب ج3 ص40. الفتوحات الإسلامية ج2 ص337.

48- حلية الأولياء ج1 ص65. الرياض النضرة ج2 ص189و244. تاريخ ابن كثير ج7 ص359, وقال: (ثبت عن عمر). أسنى المطالب للجزري ص14. تاريخ الخلفاء للسيوطي ص115.

49- الاستيعاب ج3 ص41. تاريخ ابن عساكر ج2 ص325. مطالب السؤول ص30.

50- الاستيعاب ج3 ص39. الرياض النضرة ج2 ص194. تفسير النيسابوري ج3 في سورة الأحقاف. مناقب الخوارزمي ص48. تذكرة السبط ص87. فيض القدير ج4 ص357. السنن الكبرى ج7 ص442. ذخائر العقبى ص82. تفسير الرازي ج7 ص484. كفاية الكنجي ص105. الدر المنثور ج1 ص288, وج6 ص40.

51- كفاية الكنجي ص96, الفصول المهمة لابن صباغ ص18.

52- تمهيد الباقلاني ص199.

53- تذكرة السبط ص87. مناقب الخوارزمي ص58. مقتل الخوارزمي ج1 ص45 وللخوارزمي قصيدة يمدح فيها عليا قال فيها:

إذا عمـر تخبـــط فـــي جواب***ونبهه علـــــــي بالصـــــواب

يقــــول بعدلــــه لـــولا علــي***هلكت هلكت في ذاك الجواب

انظر الغدير ج4 ص397 ط2.

54- تاريخ ابن كثير ج7 ص359. الفتوحات الإسلامية ج2 ص306.

55- نور الأبصار للشبلنجي ص79.

56- ترجمة علي بن أبي طالب ص79.

57- الرياض النضرة ج2 ص194.

58- الاستيعاب هامش الإصابة ج3 ص39. صفة الصفوة ج1 ص121. تذكرة السبط ص85. طبقات الشافعية للشيرازي ص10. الإصابة ج2 ص509, الصواعق ص76. فيض القدير ج4 ص357.

59- الرياض النضرة ج2 ص194. مطالب السؤول ص30.

60- ينابيع المودة ص72.

61- جامع بيان العلم ج1 ص114. تاريخ الخلفاء للسيوطي ص124. الإتقان ج2 ص319. تهذيب التهذيب ج7 ص338. فتح الباري ج8 ص485. عمدة القارئ ج9 ص167. مفتاح السعادة ج1 ص400.

62- ينابيع المودة ص74.

63- ينابيع المودة ص74.

64- جامع بيان العلم ج1 ص114. الرياض النضرة ج2 ص198. الصواعق ص76.

65- الإمعة, بكسر آلهاء وتشديد الميم: الذي لا رأى له فهو يتابع كل أحد على رأيه وآلهاء فيه للمبالغة.

66- المذرب الحاد. والأصغرين: القلب واللسان.

67- جامع بيان العلم ج2, ص113. زهر الآداب للقيرواني ج1 ص38. جمع الجوامع للسيوطي كما في ترتيبه ج5 ص242. تاج العروس ج5 ص268. وقد اعتمدنا في غير واحد من مصادر هذا الفصل على ما في الغدير ج3و6.

68- سورة البقرة, الاية207. وحديث المبيت هذا من المتواتر المقطوع على صحته وقد أخرجه جمع غفير من أئمة الحديث منهم: الثعلبي في تفسيره. والغزالي في (إحياء العلوم) ج3 ص238.

والكنجي الشافعي في (كفاية الطالب) ص114. والصفوري في (نزهة المجالس) ج2 ص209. وابن الصباغ المالكي في (الفصول المهمة) ص33. وسبط ابن الجوزي في التذكرة ص21, والشبلنجي في نور الأبصار ص86. وفي المصادر الثلاثة الأخيرة: قال ابن عباس: أنشدني أمير المؤمنين شعرا قآله في تلك الليلة:


وقبت بنفسي خير من وطأ الحصـــا***واكــرم خلق طاف بالبيت والحجـــــر

وبــــت أراعـــي منهم ما يسوءنـــي***وقد صبرت نفسي على القتل والأسر

وبات رســـــول الله فـــــي الغار آمنا***ومـــا زال فــي حفظ الآله وفي الستر


ويوجد حديث المبيت أيضا في مسند احمد ج1 ص348. تاريخ الطبري ج2 ص99و101 ط1357. وطبقات ابن سعد ج1 ص122. وتاريخ اليعقوبي ج2 ص29. وسيرة ابن هشام ج2 ص291. والعقد الفريد ج3 ص284 ط1. وتاريخ بغداد للخطيب ج13 ص191. وتاريخ ابن الأثير ج2 ص72 ط1349. وتاريخ أبي الفداء جج1 ص126. ومناقب الخوارزمي ص75. والإمتاع للمقريزي ص39. وتاريخ ابن كثير ج7 ص338. السيرة الحلبية ج2 ص29. وغيرها انظر الغدير ج2 ص48- 49.

69- الجذع بحركتين: له معان. والمراد هنا: الشاب الحدث: والمذاكي: الخيل التي تم سنها وكملت قوتها. والقارح من ذي الحافر: الذي شق نابه وطلع.

70- انظر الإصابة لابن حجر العسقلاني ج4 ص369 ط مصر1325.

71- سورة الأحزاب, الايه11- 13.

72- مجمع البيان ج4 تفسير سورة الأحزاب عن حذيفة.

73- مقتل الخوارزمي ج1 ص45.

74- سورة النساء, الاية95.

75- الطمر بالكسر: الثوب الخلق.

76- التبر: فتات الذهب والفضة قبل أن يصاغ. والوفر: المال.

77- أي ما كان (عليه السلام) يهيئ لنفسه طمرا آخر بدلا عن الثوب الذي يبلى بل كان ينتظر حتى يبلى ثم يعمل الطمر. والثوب هنا عبارة عن الطمرين فان مجموع الرداء والإزار يعد ثوبا واحدا فبهما يكسو البدن لا بأحدهما.

78- أتان دبرة: هي التي عقر ظهرها فقل أكلها.

79- فدك بالتحريك: قرية كانت لرسول الله (صلى الله عليه وآله) صالحه أهلها على النصف من نخيلها بعد وقعة خيبر. وإجماع الشيعة على انه (صلى الله عليه وآله) كان أعطاها فاطمة (عليها السلام) قبل وفاته, إلا أن أبا بكر اغتصبها منها وجعلها لبيت المال.

واخرج البخاري في صحيحه ج2 ص122 ط م1351 باب فرض الخمس من كتاب الجهاد. عن عروة بن الزبير: إن عائشة أم المؤمنين أخبرته: إن فاطمة (عليها السلام) ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) سالت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يقسم لها ميراثها ما ترك رسول الله (صلى الله عليه وآله) مما أفاء الله عليه فقال لها أبو بكر: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (لا نورث ما تركنا صدقة) فغضبت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهجرت أبا بكر. فلم تزل مهاجرته حتى توفيت وعاشت بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ستة اشهر. قالت: وكانت فاطمة بالمدينة فأبى أبو بكر عليها ذلك... إلى أن قالت فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس فأما خيبر وفدك فامسكهما).

أقول: وما في الحديث المذكور من قول أبي بكر: انه (صلى الله عليه وآله) قال: (لا نورث ما تركنا صدقة) فقول تفرد بنقله أبو بكر فحسب لتبرير عمله. وهو مع انه خبر واحد لا يوجب علما ولا عملا ومخالف لنصوص القران وعموماته. قال سبحانه: (وورث سليمان دواد) سورة النمل, الاية16, وقال فيما اقتص من اثر يحيى بن زكريا: (فهب لي من لدنك وليا* يرثني ويرث من آل يعقوب) سورة مريم, الاية 5 و 6, وقال: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) سورة الأنفال, الاية75. وقال: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) سورة النساء, الاية11, إلى غير ذلك فبهذه الآيات وغيرها ردت الصديقة فاطمة (عليها السلام) على أبي بكر قوله ودحضت فريته في ضمن خطبتها المشهورة (انظر كتاب بلاغات النساء ص12- 20 لأبي الفضل احمد بن ابي طاهر المتوفي280للهجره) وحيث لم تجد منه تجاوبا للحق الصراح هجرته وغضبت عليه حتى ماتت, هذا وقد اخرج البخاري في صحيحه باب مناقب فاطمة ج2 ص199 ط م1351 عن المسور بن مخرمه: (إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني).

80- المضان: جمع مظنة وهو المكان الذي يظن فيه وجود الشيء. وموضع النفس الذي يظن وجودها فيه. في غد جدث بالتحريك أي قبر.

81- أروضها: أذللها.

82- إذ انه (عليه السلام) كان إماما عالي السلطان واسع الإمكان فلو أراد التلذذ بأي اللذائذ شاء لم يمنعه مانع.

83- الجشع: شدة الحرص.

84- الجشوبة: الخشونة.

85- التقاطها للقمامة: أي الكناسة, وتكترش أي تملا كرشها.

86- نهج البلاغة ج3 ص78 أو ص70 شرح محمد عبده, وج4 ص76 شرح بن أبي الحديد ط دار الفكر بيروت, الكتاب رقم45.

87- نهج البلاغة ج3, ص205. عراق ككتاب: ذكره في القاموس لمعان وهو هنا من الحشا ما فوق السرة معترضا البطن. والمجذوم: المصاب بمرض الجذام, وما اقذر كرش الخنزير وأمعائه إذا كانت في يد مشوهة بالجذام, الله اكبر ما أحقر الدنيا وأقذرها في عينك يا علي وما أقدرك على تصويرها بما تنفر منه الطباع وتشمئز النفوس حتى وان كانت النفوس سبعيه والطبائع بهيميه.

88- المسغبة: المجاعة.

89- أي لا جاء وقت وصولك.

90- مروج الذهب للمسعودي ج2 ص33 طبع 1367.

91- الكامل لابن الأثير ج3 ص202 ط م 1356.

92- منتخب كنز العمال هامش مسند احمد ج5 ص58.

93- منتخب كنز العمال هامش مسند احمد ج5 ص58.

94- أي ينام نومه قيلولة.

95- العقد الفريد ج3 ص95.

96- أرزأكم: أنقصكم.

97- الكامل لابن الأثير ج3 ص200.

98- منتخب كنز العمال هامش المسند ج5 ص56.

99- الكامل لابن الأثير ج3 ص201.

100- نفس المصدر.

101- نفس المصدر.

102- منتخب الكنز ج3 ص57.

103- الكامل ج3 ص201.

104- الإمامة والسياسة ج1 ص170 ط1.

105- العقد الفريد ج3 ص124 ط1.

106- أخرجه احمد بن حنبل في مسنده ج1 ص95و128. والخطيب في تاريخ بغداد ج14 ص426, والنسائي في سننه ج8 ص117 وفي خصائصه ص27. وأبو نعيم في (الحلية) ج4 ص185 وابن حجر العسقلاني في الإصابة ج4 ص271 ط م1325 وغيرهم.

107- أخرجه احمد في مسنده ج1 ص84, وابن ماجه في سننه ج1 ص55, والخطيب في تاريخ بغداد ج2 ص255, وابن كثير في تاريخه ج7 ص354, والنسائي في سننه ج8 ص117 وكثير غيرهم.

108- أخرجه الحافظ محب الدين الطبري في الرياض النضرة ج2 ص189.

109- أخرجه الترمذي في جامعه ج2 ص213, وفي طبعة دار إحياء التراث العربي لبنان ج5 ص635 الباب21 حديث رقم3717 تحقيق إبراهيم عطوه عوض. وابن الجوزي في تذكرته ص15, والبيهقي في المحاسن والمساوي ج1 ص29 وغيرهم.

110- أخرجه الحافظ بن حجر آلهيثمي في مجمع الزوائد ج9 ص133.

111- أخرجه محب الدين الطبري في الرياض ج2 ص215 والجزري في أسنى المطالب ص8.

112- أخرجه الترمذي في جامعة ج2 ص299.

113- أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب هامش الإصابة ج3 ص46.

114- انظر (الغدير) للعلامة الأميني ج3 ص182و183, وج4 ص322- 325 ط2.

115- قال الأستاذ البحاثة المسيحي (بولس سلامة) في كتابه: (ملحمة الغدير) ص27- 28: قد يقول قائل: ولم آثرت عليا دون سواه من أصحاب محمد بهذه الملحمة ولا اجيب على هذا السؤال إلا بكلمات فالملحمة كلها جواب عليه. وسترى في سياقها بعض عظمة الرجل الذي يذكره المسلمون فيقولون: (رضى الله عنه, وكرم الله وجهه, والسلام عليه) ويذكره النصارى في مجالسهم فيتمثلون بحكمه ويخشعون لتقواه, ويتمثل به الزهاد في الصوامع فيزدادون زهدا وقنوتا. وينظر إليه المفكر فيستضئ بهذا القطب الوضاء ويتطلع إليه الكاتب الألمعي فيأتم ببيانه ويعتمده الفقيه المدره- المدره بكسر الميم وسكون الدال: زعيم القوم والمتكلم عنهم- فيسترشد بأحكامه.

أما الخطيب فحسبه أن يقف في السفح ويرفع الرأس إلى هذا الطود الشامخ لتنهل عليه الآيات من عل. وينطلق لسانه بالكلام العربي المبين الذي رسخ قواعده أبو الحسن إذ دفعها إلى أبي الأسود الدؤلي فقال: انح هذا النحو. وكان علم النحو. ويقرا الجبان سيرة علي فتهدر في صدره النخوة وتستهويه البطولة. إذ لم تشهد الغبراء ولم تظل السماء أشع من ابن أبي طالب فعلي ذلك الساعد الأجدل اعتمد الإسلام يوم كان وليدا. فعلي هو بطل بدر, وخيبر, والخندق, ووادي الرمل, والطائف, واليمن.... وهو المنتصر في صفين ويوم الجمل والنهروان والدافع عن الرسول يوم أحد وقيدوم السرايا ولواء المغازي.

واعجب من بطولته الجسدية بطولته النفسية فلم ير اصبر منه على المكاره إذا كانت حياته موصولة بالآلام منذ فتح عينيه على النور في الكعبة حتى أغمضها على الحق في مسجد الكوفة... وبعد فلم تجادلني في أبي الحسن؟ أو لم تقم في خلال العصور فئات من الناس تؤله الرجل؟ ولا ريب أنها الضلالة الكبرى. ولكنها ضلالة تدلك على الحق إذ تدلك على مبلغ افتتان الناس بهذه الشخصية العظمى ولم يستطع خصوم الرجل أن يأخذوا عليه مأخذا فاتهموه بالتشدد في إحقاق الحق. أي انهم شكوا كثرة فضله فأرادوه دنيويا يمارى ويداري. وأراد نفسه روحانيا رفيعا يستميت في سبيل العدل. لا تأخذه في سبيل الله هوادة. وإنما الغضبة للحق ثورة النفوس القدسية التي يؤلمها أن ترى عوجا. أو لم يغضب السيد المسيح وهو الذروة في الوداعة والحكم يوم دخل آلهيكل فوجد فيه باعة الحمام والصيارفة المرابين فاخذ بيده السوط وقلب موائدهم وطردهم قائلا: بيتي بيت الصلاة يدعى وانتم جعلتموه مغارة للصوص.

بقى لك بعد هذا أن تحسبني شيعيا, فإذا كان التشيع تنقصا لأشخاص أو بغضا لفئات أو تهورا في المزالق الخطرة فلست كذلك أما إذا كان التشيع حبا لعلي وأهل البيت الطيبين الأكرمين وثورة على الظلم وتوجعا لما حل بالحسين وما نزل بأولاده من النكبات في مطاوي التاريخ فإنني شيعي....)

116- الصريمة: العزيمة والوجوب.

117- كتاب (أنا مدينة العلم وعلي بابها) لبدر الدين العاملي.

ibrahim aly awaly
23-12-2004, 05:59 PM
الإمام علي (عليه السلام) في مواجهة التّاريخ


محمد مهدي شمس الدين

كان أميرُ المؤمنين عليّ (عليه السّلام)، كما يخبرنا هو، وكما سنرى خلال هذه الدراسة يوجّه عناية فائقة إلى التاريخ، عناية جعلت من التاريخ عنصراً بارزاً فيما وصل إِلينا من كلامه في مختلف الموضوعات الّتي كانت تثير اهتمامه.

وعناية الإمام بالتاريخ ليست عناية القاصّ والباحث عن القصص. كما أنّها ليست عناية السياسي الباحث عن الحيل السياسيّة وأساليب التمويه الّتي يعالج بها تذمّر الشعب، وإنّما هي عناية رجل الرسالة والعقيدة، والقائد الحضاري والمفكر المستقبلي.

إِنّ القاصّ يبحث ليجد في تاريخ الماضين وآثارهم مادّة للتّسلية والإثارة. والسياسي يبحث ليجد في التاريخ أساليب يستعين بها في عمله السياسي اليومي في مواجهة المآزق، أو يستعين بها في وضع الخطط الآنية المحدودة.

والمؤرّخ يقدم لهذا وذاك المادّة التاريخيّة الّتي يجدان فيها حاجتهما.

أمّا الرائد الحضاري، رجل الرسالة والعقيدة ورجل الدولة فهو يبحث ليجد في التاريخ جذور المشكل الإنساني، ويتقصّى جهود الإنسانيّة الدائبة في سبيل حلّ هذا المشكل بنحو يعزّز قدرة الإنسان على التكامل الروحي - المادّي، كما يعزّز قدرته على تأمين قدر ما من السعادة مع الحفاظ على الطهارة الإنسانية.

وقد كان الإمامُ عليّ (عليه السلام) يتعامل مع التاريخ بهذه الروح ومن خلال هذه النظرة، ومن ثم فلم يتوقّف عند جزئيّات الوقائع إلا بمقدار ما تكون شواهداً ورموزاً، وإِنّما تناول المسألة التاريخيّة بنظرة كلّيّة شاملة، ومن هنا فقلّما نرى الإمام في خطبه وكتبه يتحدّث عن وقائع وحوادث جزئيّة، وإِنّما يغلب على تناوله للمسألة التاريخيّة طابع الشمول والعموميّة.

والإمام ليس مؤرخاً، ولذا فليس من المتوقع أن نجد عنده نظرة المؤرخ وأسلوب في سرد الوقائع وتحليلها والحكم عليها، وإنّما هو رجل دولة حاكم، ورجل عقيدة ورسالة فيها كل حياته، فهو يتعامل مع التاريخ باعتباره حركة تكوِّن شخصية الإنسان الحاضرة والمستقبلة، ولذا فهي تشغل حيّزاً هاماً وعلى درجة كبيرة من الخطورة في عملية التربية والتحرك السياسي، وهذا ما يجعل رجل رسالة وحاكماً كالإمام علي (عليه السلام) حريصاً على أن يدخل في وعي أمّته الّتي يحمل مسؤولية قيادتها ومصيرها...إلى التاريخ سليمة تجعله قوة بانية لا مخرّبة ولا محرّفة.

ونحن نعرف عناية الإمام عليّ (عليه السلام) الفائقة بالتاريخ واهتمامه البالغ بشأنه من نص ورد في وصيته الّتي وجهها إلى ابنه الإمام الحسن (عليه السّلام) كتبها إليه بحاضرين(1) عند انصرافه من صفّين، قال فيه: (أيْ بُنَيَّ إنِّي وَإنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفَكَّرْتُ فِي أخْبَارِهِمْ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ، حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ، بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إلَيَّ مَنْ أُمُوِرِهِمْ، قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أوَّلَهَمْ إلى آخِرِهِمْ، فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَنَفْعَهُ مَنْ ضَرَرِه).

وكان قبل ذلك قد وجّه الإمام الحسن (عليه السلام) في هذه الوصية إلى تعرّف التاريخ الماضي للعبرة والموعظة، قال: (أحْيِ قَلْبَكَ بالْمَوعظَةِ... وَاعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْماضِينَ، وَذَكِّرْهُ بِمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الأَوَّلِينَ، وَسِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَآثَارِهِمْ فَانْظُرْ فِيمَا فَعَلُوا، وَعَمَّا انْتَقَلُوا، وَأَيْنَ حَلوُّا وَنَزَلُوا. فَإنَّكَ تَجِدُهُمْ قَدِ انْتَقَلُوا عَنِ الأَحِبَّةِ، وَحَلوُّا دِيَارَ الْغُرْبَةِ، وَكَأَنَّكَ عَنْ قَليلٍ قَدْ صِرْتَ كَأَحَدِهِمْ).

وهذا النص يحملنا على الإعتقاد بأنّ الإمام (عليه السّلام) تحدّث كثيراً عن المسألة التاريخية في توجيهاته السياسيّة وتربيته الفكرية لمجتمعه، ولرجال إدارته، ولخواصّ أصحابه.

ولكنّ النّصوص السياسيّة والفكريّة التي اشتمل عليها نهج البلاغة مِمّا يدخل فيه العنصر التاريخي قليلة جدّاً، وإنْ كانت النصوص الوعظيّة الّتي بنيت على الملاحظة التاريخية كثيرة نسيباً.

ولا نستطيع أن نفسّر نقص النصوص السياسيّة والفكريّة - التاريخيّة إلا بضياع هذه النصوص لنسيان الرّواة أو لإهمال الشّريف الرضي لما وصل إليه منها، لأنّه جعل منهجه في تأليف كتاب نهج البلاغة: (اختيار محاسن الخطب، ثم محاسن الكتب، ثم محاسن الحِكم والأدب)(2). وقد أدّى هذا المنهج بطبيعة الحال إلى إهمال الكثير من النّصوص السياسيّة والفكريّة لأنّه لم يكن في الذّروة من الفصاحة والبلاغة.

ومن المؤكّد أنّ الكثير من كلام أميرِ المؤمنين في هذا الباب وغيرِه لم يصل إلى الشّريف الرضي كما اعترف هو بذلك في قوله: (... ولا أدّعي - مع ذلك - أنّي أحيط بأقطار جميع كلام عليه السّلام حتّى لا يشذّ عنّي منه شاذّ، ولا يندّ نادّ، بل لا أبعد أن يكون القاصر عنّي فوق الواقع إليّ، والحاصل في ربقتي دون الخارج من يدي)(3).

وعلى أيّة حال فإنّ سُؤالاً هاماً يواجهنا هنا، وهو:

مِنْ أين استقى الإمام معرفته التاريخيّة ؟

إنّه يقول عن نفسه: «... نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ.

فما الوسيلة الّتي توصّل بِها إلى معرفة أعمالهم لينظر فيها هو كيف تسنّى له أن اطّلع على أخبارهم ليفكّر فيها ؟

نقدّر أنّ الإمام عليه السّلام قد اعتمد في معرفته التاريخية على عدّة مصادر:


1- القرآن الكريم:

يأتي القرآن الكريم في مقدّمة هذه المصادر الّتي استقى منها الإمام معرفته التاريخيّة. وقد اشتمل القرآن على نصوص تاريخيّة كثيرة منبثة في تضاعيف السّور تضمنت أخبار الأمم القديمة وارتفاع شأنها، وانحطاطها، واندثار كثير منها، وذلك من خلال عرض القرآن الكريم لحركة النّبوات في تاريخ البشرية، وحكايته لكيفية استجابات الناس في كلّ أمة وجيل لرسالات اللّه تعالى الّتي بشّر بها الأنبياء سلام اللّه عليه أجمعين..

وقد كان أميرُ المؤمنين عليّ (عليه السّلام) أفضل الناس - بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) - معرفة بالقرآن من حيث الظاهر والباطن، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والأهداف والمقاصد، والأبعاد الحاضرة والمستقبلة، وغير ذلك من شؤون القرآن. كانت معرفته بالقرآن شاملة مستوعبة لكلّ ما يتعلق بالقرآن من قريب أو بعيد. والتأثير القرآني شديد الوضوح في تفكير الإمام التاريخي من حيث المنهج ومن حيث المضمون، كما هو شديد الوضوح في كلّ جوانب تفكيره الأخرى.

وقد حدّث الإمام عن نفسه في هذا الشأن كاشفاً عن أنّه كان يلحّ في مسائله لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله) في شأن القرآن من جميع وجوهه. قال: «وَاللّه مَا نَزَلَتْ آيَة إلا وَقَدْ عَلِمْتُ فِيمَ أُنْزِلَتْ، وَأَيْنَ أُنْزِلَتْ. أنّ رَبِّي وَهَبَ لِي قَلْبَاً عَقُولاً وَلِسَاناً سَؤُولاً»(4).

وشهاداتُ معاصريه له في هذا الشأن كثيرة جداً. منها ما رُوِي عن عبد اللّه بن مسعود، قال: «إنّ القرآنَ أُنْزِل على سبعِة أحرُفٍ، مَا منها حرفُ إلا له ظهر وبطن، وإنّ عليَّ بنَ أبي طالبِ (عليه السّلام) عنده علم الظاهر والباطن».(5).


2- التعليم الخاص:

التعليم الخاص الّذي آثر به رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) عليّاً مصدر آخر من مصادر معرفته التاريخيّة وغيرها.

وفقد استفاضت الروايات الّتي نقلها المحدثون، وكتّاب السيرة، والمؤرخون من المسلمين على اختلاف مذاهبهم وأهوائهم - استفاضت هذه الروايات - بل تواترت إِجمالاً - بأنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) قد خص أميرَ المؤمنين عليّاً بجانبٍ من العلم لم يرَ غيره من أهل بيته وأصحابه أهلاً له.

فمن ذلك ما قاله عبد اللّه بن عباس: «وَاللّهِ لَقدْ أُعطِيَ عَلَيُّ بن أبِي طَالِب (عليه السلام) تِسْعَةَ أعْشَارِ العلمِ، وَايمُ اللّهِ لَقدْ شَارَكَكُمْ فِي العُشرِ العَاشِرِ»(6).

وما رُوِي عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): «عَلِيّ عَيبَةُ عِلْمِي»(7).

وما رواه أنس بن مالك، قَالَ: «قِيلَ يَا رَسُولَ اللّه عَمَّنْ نَكْتُبُ الْعِلْمَ ؟ قالَ: عَنْ عَلِيّ وَسَلمَانَ»(8).

وقال الإمام (عليه السّلام): «عَلَّمَني رَسُولُ اللّهِ (صلى الله عليه وآله) ألْفَ بَابِ مِنَ العِلِم كُلُّ بابِ يَفتَحُ ألفَ بابٍ»(9).

وقد صرّح فيما وصل إِلينا من نصوصِ كلامه في نهج البلاغة بذلك في عدّة مناسبات، فقال:

1- بَلِ انْدَمَجْتُ(10) عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوبُحْتُ بِهِ لاضْطَرَبْتُمُ اضْطِرَابَ لأرشِيَةِ فِي الطَّوِيِّ(11) الْبِعيدَةِ»(12).

2- وَلَقَدْ نُبِّئْتُ بِهذَا الْمَقَامِ وَهذَا الْيَوْم...»(13).

3- لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ مِمَّا طُوِيَ(14) عَنْكُمْ غَيْبُهُ إِذاً لَخَرَجْتُمْ إِلى الصُّعُدَاتِ(15) تَبْكُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ»(16).

4- يَا أَخَا كَلْبٍ، لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْبٍ، وَإِنَّماَ هُوَ تَعَلُّمُ مِنْ ذِي عِلْمٍ»(17).

وإِذا كانت بعضُ هذه النصوص ظاهرة في العلم بالغيبات (علم المستقبل)، فإنَّ غيرها مطلق يشمل الماضي، وإِذا كان الإمام قد اطّلع من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) على بعض المعلومات المتعلقة بالمستقبل فمن المرجّح أنه قد اطلع منه على علم الماضي.


3- السّنة النّبويّة:

إِشتملت السّنّة النبويّة على الكثير المتنوع من المادة التاريخيّة.

منه ما ورد في تفسير وشرح القرآن الكريم، ومن ما اشتمل إِجمالاً أو تفصيلاً على حكاية أحداث تاريخيّة لم ترد في القرآن إِشارة إِليها.

وقد كان أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أعلم أهل البيت (عليهم السلام) والصحابة قاطبة بما قاله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) أو فعله وأقرّه، فقد عاش علي (عليه السلام) في بيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) منذ طفولته، وبعث الرسول (صلى الله عليه وآله) وعلي عنده، وكان أوّل من آمن به، ولم يفارقه منذ بعثته (صلى الله عليه وآله) إِلى حين وفاته إِلا في تنفيذ المهمات الّتي كان يكلّفه بها خارج المدينة وهي لم تستغرق الكثير من وقته، ومن هنا، من تفرغه الكامل لتلقي التوجيه النبوي، ووعيه الكامل لِما كان يتلقّاه كان الإمام أعلم الناس بسنّة رسول اللّه وكتاب اللّه.


4- القراءة:

فقدّر أنّ الإمام عليّاً قد قَرأ مدونات تاريخية باللّغة العربيّة أو بغيرها من اللغات الّتي كانت متداولة في المنطقة الّتي شهدت نشاطه، وخاصة بعد أن انتقل من الحجاز إِلى العراق واضطرّته مشكلات الحكم والفتن إِلى التنقل بين العراق وسوريا، وإِن كنا لا نعلم ما إِذا كانت هذه المدوّنات قد دفعت إِليه صدفة أو أنّه بحث عن كتب كهذه وقرأها أو قرئت له بلغاتها الأصلية مع ترجيحنا أنّه (عليه السّلام) كان يعرف اللّغة الأدبيّة الّتي كانت سائدة في المنطقة العراقيّة السّوريّة.


5- الآثار القديمة:

وربما كانت الآثار العمرانية للأمم القديمة من جملة مصادر المعرفة التاريخيّة عند الإمام (عليه السّلام)، ويعزّز هذا الظن بدرجة كبيرة قوله في النص الآنف الذكر: «وَسِرْتُ في آثَارِهِمْ» ممّا يحمل دلالة واضحة على أنّ مراده الآثار العمرانية.

وقد خبر الإمام في حياته أربعة من أقطار الإسلام، هي: شبه الجزيرة العربية، واليمن، والعراق، وسوريا.

ونقدّر أنه قد زار الآثار الباقية من الحضارات القديمة في هذه البلاد، وإِذا كان هذا قد حدث - ونحن نرجّح حدوثه - فمن المؤكّد أنّ الإمام لم يزر هذه الآثار زيارة سائح ينشد التسلية إِلى جانب الثقافة، أو زيارة عالم آثار يتوقف عند الجزئيات، وإنّما زارها زيارة معتبر مفكر يكمل معرفته النظرية بمصائر الشعوب والجماعات بمشاهدة بقايا وأطلال مدنها ومؤسّساتها الّتي حلّ بها الخراب بعد أنِ انحطّ بناتها وفقدوا قدرتهم على الإستمرار فاندثروا.

هذه هي، فيما نقدّر، المصادر المعلومة والمظنونة والمحتملة الّتي استقى منها الإمام علي (عليه السلام) معرفته التاريخيّة.




الهوامش:

1- قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: 16 / 52 - أمّا قوله «كتبها إليه بحاضرين» فالّذي كنّا نقرؤه قديماً، «كتبها إليه بالحاضرّينِ،» على صيغة التّثنية، يعني حاضر حلب وحاضر قنسرين، وهي الأرباض والضواحي المحيطة بهذه البلاد، ثم ـ بعد ذلك على جماعة من الشيوخ بغير لام، ولم يفسّروه، ومنهم من يذكره بصيغة الجمع لا بصيغة التّثنية، ومنهم من يقول: خناصرين يظنونه تثنية خناصرة أو جمعها. وقد طلبتُ هذه الكلمة في الكتب المصنفة سيّما في البلاد والأرضين فلم أجدها، لعلي أظفر بها فيما بعد فألحقها في هذا الموضع.

قال الشيخ محمد عبده في شرحه: حاضرين: اسم بلدة بنواحي صفّين.

2- من مقدمة الشريف الرضي نهج البلاغة.

3- من مقدَمة الشّريف الرّضي لنهج البلاغة.

4- ابن سعد: الطبقات الكبرى ج 2 قسم 2 ص 101، والمتقي الهندي: كنز العمال 6 / 396 - وقال: أخرجه ابن سعد وابن عساكر، وقالوا (لِسَاناً طَلِقاً سَؤولاً) وأبو نعيم: حُلية الأولياء 1 / 67.

5- أبو نعيم: حلية الأولياء: 1 / 65.

6- أسد الغابة 4 / 22 والإستيعاب: 2 / 462.

7- كنز العمال 6 / 153 وفتح القدير: 4 / 456.

8- تاريخ بغداد: 4 / 158.

9- كنز العمال: 6 / 392.

10- اندمجتُ: انطويتُ، كناية عن معرفته بأمور خاصة جداً.

11- الأرْشِية: جمع رشاء، الحبل. والطّويّ جمع طوية وهي البئر.

12- نهج البلاغة - الخطبة رقم: 5.

13- نهج البلاغة - الخطبة رقم: 16.

14- طُوي: حُجب عِلمُه عَنكُمْ.

15- الصِّعُدات: جمع صَعيد. يُريدُ: لَذهبتْ عنكم الدّعةُ والإستقرارُ في منازِلكم وخرجتُم مِنها قلقينَ على مَصيرِكم.

16- نهج البلاغة - رقم الخطبة: 116.

17- نهج البلاغة - رقم الخطبة: 128.

ibrahim aly awaly
24-12-2004, 09:20 AM
مضاعفات وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله)



الشهيد آية الله السيد محمد باقر الصدر

وفاة الرسول الأعظم أعظم فاجعة مرت على تاريخ البشرية على الطلاق، والتي يمثل الجزء الأول منها انقطاع الوحي في تاريخ البشرية.

هذه الظاهرة التي لم يعرف الإنسان في تاريخه الطويل الطويل ظاهرة يمكن أن تماثلها وأن تناظرها في القدسية والجلال والأثر في حياة الإنسان وتفكيره، ويمثل الجزء الآخر من الفاجعة الإنحراف داخل المجتمع الإسلامي، على يد المؤامرة التي قام بها جناح من المسلمين بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإنحرف بذلك الخط عما كان مقرراً له من قبل النبي (صلى الله عليه وآله) ومن قبل الله تعالى.

كان هذا اليوم المشؤوم بداية إنحراف طويل ونهاية عهد سعيد بالوحي، تمثل في مائة وأربعة وعشرين ألف نبي، كما في بعض الروايات وكان بداية ظلام ومحن ومآس وفواجع وكوارث من ناحية اُخرى تمثل في ما عقب وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أحداث في تاريخ العالم الإسلامي هذه الأحداث المرتبطة أرتباطاً شديداً وقوياً بما تم في هذا اليوم من الفاجعة على ما في زيارة الجامعة التي نقرؤها، بيعتهم التي عمت شؤمها الإسلام، وزرعت في قلوب الأمة الآثار وعنفت سلمانها، وضربت مقدادها، ونفت جندبها، وفتحت بطن عمارها، وأباحت الخمس للطلقاء أولاد الطلقاء وسلطت اللعناء على المصطفين الأخيار، وأبرزت بنات المهجرين والأنصار إلى الذلة والمهانة وهدمت الكعبة وأباحت المدينة وخلطت الحلال بالحرام إلى غير ذلك من الاوصاف.

وأود الآن أن أقتصر على الجزء الأول من هذه الفاجعة يعني أن أنظر إلى الحدث الذي وقع في هذا اليوم بوصفه حدثا قد وضع حداً لتلك الظاهرة العظيمة التي اقترنت مع هبوط الإنسان على وجه الأرض، ظاهرة الوحي ظاهرة أرتفاع الإنسان وتفانيه للإتصال المباشر مع الله سبحانه وتعالى.

ففي مثل هذا اليوم وضع حد نهائي لهذه الظاهرة المباركة الميمونة وفي بعض الروايات إن جبرائيل (عليه السلام) حينما أرتفع ملائكة السماء بروح محمد (صلى الله عليه وآله) إلى ربها راضية مرضية، التفت إلى الأرض مودعاً ثم طار إلى سماواته.

هذا اليوم كان يوم انقطاع الإنسانية عن الاتصال المباشر باللّه سبحانه بانتهاء حياة خاتم الأنبياء والمرسلين.

بهذه المناسبة أريد أن أعطي فكرة موجزة على مستوى بحث اليوم عن الوحي، الوحي الذي يتمثل في أتصال خاص بين الإنسان وبين الله.

فالوحي هو ضرورة من ضرورات تخليد الإنسان على وجه الأرض وبهذا خلق الله الإنسان وأودعه الاستعداد الكامل والارضية الصالحة بافاضة هذه الموهبة منه سبحانه لأن ضرورة الوحي يمكن أن توضع في قبال جانبين في الإنسان الآن اقتصر على أحد الجانبين:


الإنسان خلق حسياً أكثر منه عقلياً خلق يتفاعل مع حسه أكثر مما يتفاعل مع عقله، يعني إن النظريات والمفاهيم العقلية العامة في إطارها النظري هذه المفاهيم حتى لو آمن بها الإنسان إيماناً عقلياً حتى لو دخلت إلى ذهنه دخولاً نظرياً مع هذا لا تهزه ولا تحركه ولا تبنيه ولا تزعزع ما كان فيه ولا تنشئه من جديد إلا في حدود ضيقة جداً. على عكس الحس فان الإنسان الذي يواجه حساً، ينفعل بهذا الحس وينجذب إليه، وينعكس هذا الحس على روحه ومشاعره وانفعالاته وعواطفه بدرجة لا يمكن أن يقاس بها انعكاس النظرية والمفهوم المجرد عن أي تطبيق حسي.

وليس من الصدفة إن كان الإنسان على طول الخط في تاريخ المعرفة البشرية أكثر ارتباطاً بمحسوساته من معقولاته وأكثر تمسكاً بمسموعاته ومنظوراته من نظرياته.

فإن هذا هو طبيعة التسليم الفكري والمعرفي عند الانسان وليس من الصدفة أن قرن إثبات أي دين بالمعجرة وكانت أكثر معاجز الانبياء معاجز على مستوى الحس لأن الإنسان يتأثر بهذا المستوى أكثر مما يتأثر بأي مستوى آخر إذن: (فالإنسان بحسب طبيعة جهازه المعرفي وتكوينه النظري خلق حسياً أكثر منه عقلياً) خلق متفاعلاً مع هذا المستوى من الانخفاض من المعرفة أكثر مما هو متفاعل مع المستوى النظري المجرد عن المعرفة وهذا يعني إن الحس أقدر على تربية الإنسان من النظر العقلي المجرد ويحتل من جوانب وجوده وشخصيته وأبعاد مشاعره وعواطفه وانفعالاته أكثر مما يحتل العقل: المفهوم النظري المجرد.

بناء على هذا كان لا بد للإنسانية من حس مربي، زائد على العقل والمدركات العقلية الغائمة الغامضة التي تدخل إلى ذهن الإنسان بقوالب غير محدودة وغير واضحة.

إضافة إلى هذه القوالب كان لا بد لكي يربى الإنسان على أهداف السماء على مجموعة من القيم والمثل والاعتبارات كان لا بد من أن يربى على أساس الحس وهذا هو السبب في أن كل الحضارات التي يعرفها تاريخ النوع البشري إلى يومنا هذا إلى حضارة الإنسان الاوروبي التي تحكم العالم ظلماً وعدواناً كل هذه الحضارات التي انقطعت عن السماء رباهاً الحس ولم يربها العقل، لأن الحس هو المربي الأول دائماً فكان لا بد لكي يمكن تربية الإنسان على اساس حس يبعث في هذا الإنسان إنسانيته الكاملة الممثلة لكل جوانب وجوده الحقيقية كان لا بد من خلق حس في الإنسان يدرك تلك القيم والمثل والمفاهيم ويدرك التضحية في سبيل تلك القيم والمثل إدراكاً حسياً لا إدراكاً عقلانياً بقانون الحسن والقبح العقليين فقد وهذا يعني ما قلناه من إن ضرورة الإنسان في خط التربية تفرض أن يودع في طبيعة تكوينه وخلقه أرضية تكون صالحة، لأن تكون فيه حسيا بحسن العدل بقبح الظلم بآلام المظلومين، أن تكون فيه حسا بكل ما يمكن للعقل إدراكه وما لا يمكن إدراكه من قيم ومثل واعتبارات.

وهذه الأرضية أو هذا الاستعداد الكامل الذي كان الارتباط المباشر مع الله سبحانه وتعالى لكي تنكشف كل الصحف كل الستائر عن كل القيم وكل المثل وكل هذه الاعتبارات والاهداف العظيمة لكي ترى رؤية العين وتسمع سماع الأذن لكي يلمسها بيده يراها بعينه.

كان لا بد من أن توجد بذرة مثل هذا الحس في النوع البشري إلا أن وجدان هذه البذرة في النوع البشري لا يعني أن كل إنسان سوف يصبح له مثل هذا الحس وينفتق إدراكه عنه وانما يعني إن الامكانية الذاتية موجودة فيه إلا أن هذه الامكانية لن تخرج إلى مرحلة الفعلية إلا ضمن شروطها وظروفها وملابساتها الخاصة كأي إمكانية اخرى في الإنسان.

هناك شهوات وغرائز موجودة في الإنسان منذ يخلق وهو طفل ولكنه لا يعيش تلك الشهوات ولا يعيش تلك الغرائز إلى مراحل متعاقبة من حياته فإذا مر بمراحل متعاقبة من حياته تفتحت تلك البذور حينئذ أصبح يعيش فعلية تلك الشهوات والغرائز كذلك على مستوى هذا الحس الذي هو أشرف واعظم واروع ما أودع في طبيعة الإنسان.

هذا قد لا يعيشه مئات الملايين من البشر في عشرات الآلاف من السنين، قد لا يتفتح يبقى مجرد استعداد خام وأرضية ذاتية تمثل الامكان الذاتي لهذه الصيغة فقط دون أن تتفتح عن وجود مثل هذا الحس لأن تفتحه يخضع لما قلناه من الملابسات والشروط التي لها بحث آخر أوسع من كلامنا اليوم.

أرضية أن يحس الإنسان بتلك القيم والمثل تصبح امراً واقعياً في أشخاص مميزنين يختصهم الله تعالى بعنايته ولطفه واختياره وهؤلاء هم الأنبياء والمرسلون الذين يرتفعون إلى مستوى أن تصبح كل المعقولات الكاملة محسوسات لديهم يصبح كل ما نفهمه وما لا نفهمه من القيم والمثل أمراً حسياً لديهم يحسونه ويسمعونه ويبصرونه.

ذلك إن الافكار التي ترد إلى ذهن الإنسان تارة ترد إلى ذهنه وهو لا يدرك إدراكاً حسياً مصدر هذه الافكار، الافكار التي ترد إلى الإنسان كلنا نؤمن بأنها أفكار بقدرة الله وعنايته وردت إلى ذهن الإنسان و إلى فكره لكن إيماننا بذلك إيمان عقلي نظري لا حسيّ لأن اللّه سبحانه وتعالى هو مصدر العلم والمعرفة والأفكار الخيرة في ذهن الإنسان ولهذا أي فكرة من هذا القبيل تطرأ في ذهن الإنسان نؤمن عقلياً بأنها من اللّه سبحانه وتعالى.

لكن هناك فارق كبير بين حالتين: بين حالة أن ترد فكرة إلى ذهن الإنسان فيحس بأن هذه الفكرة القيت إليه من أعلى بحيث يدرك إلقاءها من أعلى كما تدرك أنت الآن أن الحجر وقع من أعلى يدرك هذا بكل حسه وبصره يدرك أن هذه القطرة هذا الفيض هذا الاشعاع قد وقع من اعلى ألقي عليه من اللّه سبحانه وتعالى.

واخرى لا يدرك هذا على مستوى الحس يدركه عقلياً يدرك إن هناك فكرة تعيش في ذهنه نيرة خيرة لكنه لم ير بعينه أن هناك يداً قذفت بهذه الفكرة إلى ذهنه.

وهذه الافكار التي تقذف في ذهن الإنسان فيتوفر لدى ذاك الإنسان حس بها بأنها قذفت إليه من الله سبحانه وتعالى وافيضت عليه من واجب الوجود واهب الوجود وواهب المعرفة فهي أيضاً على أقسام.

لأن هذا الإنسان تارة قد بلغ حسه إلى القمة فاستطاع أن يحس بالعطاء الإلهي من كل وجوهه وجوانبه يسمعه ويبصره يراه في جميع جهاته يتعامل معه ويتفاعل معه بكل ما يمكن للحس أن يتفاعل مع الحقيقة هذا هو الذي يعبر عنه بمصطلح الروايات على ما يظهر من بعضها بمقام عال من الإنبياء مقام الرسول الذي يسمع الصوت ويرى الشخص أيضاً.

ويمكن أن نفترض أن هناك ألواناً أخرى من الحس تدعم هذا الحس السمعي والبصري عند هذا الإنسان العظيم فهو يحس بالحقيقة المعطاة من الله تعالى من جميع جوانبها يحس بها بكل ما اوتي من أدوات الحس بالنسبة إليه هذه هي الدرجة العالية من الحس وقابلية الاتصال مع العمل الإلهي.

وأخرى يفترض أنه يحس بها من بعض جوانبها وهو الذي عبر عنه بأنه يسمع الصوت ولا يرى الشخص هذا احساس إلا أنه احساس ناقص وقد يفترض أنه أقل من ذلك وهو الذي عبر عنه في بعض الروايات بأنه يرى الرؤيا في المنام هنا يرى هذه الرؤيا المنامية وهي طبعاً تختلف عن الرؤيات في اليقظة من حيث درجة الوضوح.

فهنا فارق كيفي بين الحس والرؤيا المنامية والرؤيا في عالم اليقظة والانتباه الكامل.

هناك درجات من الحس وعلى وفق هذه الدرجات وضعت مصطلحات الرسول والنبي والمحدّث والإمام، ونحو ذلك من المصطلحات، أنه الذي يمثل أعلى هذه الدرجات هو الوحي المتمثل في ملك يتفاعل معه النبي تفاعلاً حسياً من جميع جوانبه كما كان يعيش سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله) مع جبرائيل (عليه السلام) هنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعيش الحقيقة الإلهية عيشاً حسياً من جميع جوانبها. يعيشها كما نعيش نحن على مستوى حسناً ووجود رفيقنا وصديقنا، لكن مع فارق بين هذين الحسين بدرجة الفارق بين المحسوسين.

هذا الحس هو الذي استطاع أن يربي شخص النبي (صلى الله عليه وآله) وأعد لكي يكون المثل الأول والرائد الأول لخط هذه القيم والمثل والأهداف الكبيرة.

يعني هذا الحس قام بدور التربية للنبي (صلى الله عليه وآله) لانه استنزل القيم والمثل والأهداف والاعتبارات العظيمة من مستواها الغائم المبهم من مستواها الغامض العقلي من مستوى النظريات العمومية فأعطاها معالم الحس التي لا ينفعل الإنسان كما قلنا بقدر ما ينفعل بها بهذا تصبح الصورة المحسوسة التي هبطت على النبي (صلى الله عليه وآله) على أي نبي من الأنبياء ملء وجوده ملء روحه ملء كيانه.

تصبح همه الشاغل في ليله ونهاره لأنها أمامه يراها يحسها... يلمسها ويشمها بأروع مما نلمس ونشم ونسمع ونبصر.

ثم هذا الشخص الذي استطاع أن يربيه الحس القائم على الوحي يصبح هو حساً مربياً للآخرين. فالآخرون من أبناء البشرية الذين لم تتح لهم الظروف، ظروفهم وملابساتهم وعناية الله أن يرتفعوا هم إلى مستوى هذا الحس الذين لم يتح لهم هذا الشرف العظيم سوف يتاح لهم الحس لكن بالشكل غير المباشر حس بالحس لا حس بالحقيقة الإلهية مباشرة، حس بالمرآة الحقيقية الإلهية انعكست على هذه الحقيقة الإلهية يعني المعطى الإلهي - الثقافة الإلهية - انعكست على هذه المرآة والآخرون يحسون بهذه المرآة بينما النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه كان يحس مباشرة بتلك الثقافة الإلهية بما هي امر حسي لا بما هي امر نظري أما نحن نحس محمداً (صلى الله عليه وآله) بما هو رجل عظيم بما هو رجل استطاع أن يثبت للبشرية أن هناك اعتباراً وهدفاً فوق كل المصالح والاعتبارات فوق كل الأنانيات فوق كل الامجاد المزيفة والكرامات المحدودة إن هناك إنساناً لاينقطع نفسه إذا كان دائماً بيسير على خط رسالة الله سبحانه وتعالى هذا المضمون الذي للإنسان أن يدركه عقلياً هذا المضمون الذي حشد ارسطو وافلاطون مئات الكتب بالبرهنة العقلية عليه على امكانية الاستمرار اللامتناهي من اللامتناهي هذا المعنى أصبح لدى البشرية امراً محسوساً خرج من نطاق اوراق ارسطو وافلاطون التي لم تستطع أن تصنع شيئاً والتي لم تستطع أن تفتح قلب إنسان على الصلة بهذا اللامتناهي وأصبحت أمراً حسياً يعيش مع تاريخ الناس لكي يكون هذا الأمر المحسوس هو التعبير القوي دائماً عن تلك القيم والمثل وهو المربي للبشرية على أساس تلك القيم والمثل.

فالوحي بحسب الحقيقة إذن هو المربي الأول للبشرية الذي لم يكن بالامكان للبشرية أن تربى بدونه لأن البشرية بدون الوحي ليس لديها إلا حس بالمادة وما على المادة من ماديات، وإلا إدراك عقلي غائم قد يصل إلى مستوى الإيمان بالقيم والمثل وباللّه إلا انه إيمان عقلي على أي حال لا يهز قلب هذا الإنسان ولا يدخل إلى ضميره ولا يسمع كل وجوده ولا يتفاعل مع كل مشاعره وعواطفه.

فكان لا بد أن يستنزل ذلك العقل على مستوى الحس لا بد أن تستنزل تلك المعقولات على مستوى الحس وحيث أن هذا ليس بالامكان أن يعمل مع كل الناس لأن كل إنسان مهيأ لهذا ولهذا استصفي لهذه العملية أناس معينون أوجد الله تبارك وتعالى فيهم الحس القائد الرائد هذا الحس رباهم هم أولا وبالذات ثم خلق وجوداً حسياً ثانوياً هذا الوجود الحسي الثانوي كان هو المربي للبشرية.

والخلاصة لئن بقيت القيم والمثل والأهداف والاعتبارات عقلية محضة فهي سوف تكون قليلة الفهم ضعيفة الجذب بالنسبة إلى الإنسان وكلما أمكن تمثيلها حسياً أصبحت أقوى وأصبحت أكثر قدرة على الجذب والدفع.

إذا كان هذا حقاً فيجب أن نخطط لأنفسنا ونخطط في علاقاتنا مع الآخرين على هذا الأساس.

يجب أن نخطط في أنفسنا على هذا المستوى ومعنى أن نخطط في أنفسنا على هذا يعني أن لا نكتفي بأفكار عقلية نؤمن بها نضعها في زاوية عقلنا كإيمان الفلاسفة بآرائهم الفلسفية لا يكفي أن نؤمن بهذه القيم والمثل إيماناً عقلياً صرفاً بل يجب أن نحاول... أن نستنزلها إلى أقصى درجة ممكنة من الوضوح الحسي طبعاً نحن لا نطمع أن نكون أنبياء ولانطمع أن نحظى بهذا الشرف العظيم الذي انغلق على البشرية بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) ولكن مع هذا الوضوح مقول بالتشكيك على حسب اصطلاح المناطق ليس كل درجة من الوضوح معناها النبوة هناك ملايين من درجات الوضوح قبل أن تصبح نبياً. يمكن أن تكسب ملايين من درجات الوضوح، وهذه المراتب المتصاعدة قبل أن تبلغ إلى الدرجة التي اصبح فيها موسى (عليه السلام) في لحظة استحق فيها أن يخاطبه اللّه سبحانه وتعالى أو قبل أن يصل الإنسان إلى الدرجة التي بلغ إليها محمد (صلى الله عليه وآله) حينما هبط عليه اشرف كتب السماء هناك ملايين من الدرجات هذه الملايين بأبها مفتوح أمامنا ولا بد أن لا نقتصر أن لا نزهد في هذا التطوير العقلي للقيم والمثل الموجود عندنا لا بد لنا أن لا نقتصر وأن نطمع في أكثر من هذا الوضوح وفي أكثر من هذا من التحدد ومن الحسية لا بد لنا أن نفكر في أن يعبأ كل وجودنا بهذا القيم والمثل لكي تكون على مستوى المحسوسات بالنسبة إلينا.

من أساليب استنزال هذه القيم والمثل إلى مستوى المحسوسات هو التأثير الذهني عليها باستمرار حينما توحي إلى نفسك باستمرار بهذه الأفكار الرفيعة حينما توحي إلى نفسك باستمرار بانك عبد مملوك للّه سبحانه وتعالى وأن الله تبارك وتعالى هو المالك المطلق لامرك وسلوكك ووجودك وهو المخطط لوضعك ومستقبلك وحاضرك وأنه هو الذي يرعاك بعين لا تنام في دنياك وآخرتك حينما توحي إلى نفسك باستمرار بمستلزمات هذه العبودية من أنك مسؤول أمام هذا المولى العظيم مسؤول أن تطيعه أن تطبق خطه، أن تلتزم رسالته، أن تدافع عن رايته أن تلزم شعاراته حينما تسر إلى نفسك وتؤكد على نفسك باستمرار أن هذا المعنى للعبودية لأنك دائماً وأبداً يجب أن تعيش مع الله.

حينما توحي إلى نفسك بانك يجب أن تعيش للّه سوف تتعمق دقة العيش للّه في ذهنك سوف تتسع سوف تصبح بالتدريج شبحاً يكاد أن يكون حسياً بعد أن كان نظرياً عقلياً صرفاً.

أليس هناك أشخاص من الأولياء والعلماء والصديقين قد استطاعوا أن يبصروا محتوى هذه القيم والمثل بام أعينهم ولم يستطيعوا أن يبصروها بأم أعينهم إلا بعد أن عاشوها عيشا تفصيلياً مع الالتفات التفصيلي الكائن وهذه عملية شاقة جداً لأن الإنسان كما قلنا ينفعل بالحس وما أكثر المحسوسات من أمامه ومن خلفه الدنيا كلها بين يديه تمتع بحسه في مختلف الأشياء وهو يجب عليه دائماً وهو يعيش في هذه الدنيا التي تنقل إلى عينه مئات المبصرات، وتنقل مئات المسموعات، يجب عليه أن يلقن نفسه دائماً بهذه الافكار ويؤكد هذه الأفكار خاصة في لحظات ارتفاعه وفي لحظات تساميه لأن أكثر الناس إلا من عصم الله تحصل له لحظات التسامي، وتحصل له لحظات الإنخفاض.

ليس كل إنسان يعيش محمداً (صلى الله عليه وآله) مئة بالمئة وإلا لكان كل الناس من طلابه الحقيقيين كل إنسان لا يعيش محمداً إلا لحظات معينة تتسع وتضيق بقدر تفاعل هذا الانسان برسالة محمد (صلى الله عليه وآله).

إذن ففي تلك اللحظات التي تمر على أي واحد منا ويحس بأن قلبه منفتح لمحمد (صلى الله عليه وآله) وأن عواطفه ومشاعره كلها متأججة بنور رسالة هذا النبي العظيم (صلى الله عليه وآله). في تلك اللحظات يغتنم تلك الفرصة ليخترن وأنا اؤمن بعملية الاختران يعني أؤمن بأن الإنسان في هذه اللحظة إذا استوعب أفكاره وأكد على مضمون معين وخزنه في نفسه سوف يفتح له هذا الاختران في لحظات الضعف بعد هذا حينما يفارق هذه الجلوة العظيمة حينما يعود إلى حياته الاعتيادية سوف يتعمق بالتدريج هذا الرصيد هذه البذرة التي وضعها في لحظة الجلوة في لحظة الانفتاح المطلق على أشرف رسالات السماء تلك البذرة سوف تشعره وسوف تقول له في تلك اللحظة إياك من المعصية إياك من أن تنحرف قيد انملة عن خط محمد (صلى الله عليه وآله).

كلما ربط الإنسان نفسه في لحظات الجلوة والانفتاح بقيود محمد (صلى الله عليه وآله) واستطاع أن يعاهد نبيه العظيم (صلى الله عليه وآله) على أن لا ينحرف عن رسالته على أن لا يتململ عن خطه على أن يعيشه ويعيش أهدافه ورسالته وأحكامه حينئذ بعد هذا حينما تفارقه هذه الجلوة وكثيراً ما تفارقه إذا أراد أن ينحرف يتذكر عهده يتذكر صلته بمحمد (صلى الله عليه وآله) تصبح العلاقة حينئذ ليست مجرد نظرية عقلية بل هناك اتفاق هناك معاهدة هناك بيعة أعطاها لهذا النبي (صلى الله عليه وآله) في لحظة حس في لحظة قريبة من الحس.

كان كأنه يرى النبي أمامه فبايعه.

لو أن أي واحد منا استطاع أن يرى النبي (صلى الله عليه وآله) بأم عينه. أو رأى أمامه إمام زمانه عجل اللّه تعالى فرجه رأى قائده بأم عينه وعاهده وجهاً لوجه على أن لا يعصي على أن لا ينحرف على أن لا يخون الرسالة هل بالامكان لهذا الإنسان بعد هذا لو فارقته تلك الجلوة ولو ذهب إلى ما ذهب ولو عاش أي مكان وأي زمان هل بإمكانه أن يعصي؟ هل يمكنه أن ينحرف أو يتذكر دائماً صورة ولي الأمر عجل اللّه تعالى فرجه وهو يأخذ منه هذه البيعة وهذا العهد على نفسه.

نفس هذه العملية يمكن أن يعملها أي واحد منا لكن في لحظة الجلوة في لحظة الأنفتاح.

كل إنسان من عندنا يعيش لحظة لقاء الإمام عجل اللّه تعالى فرجه من دون أن يلقى الإمام عجل اللّه تعالى فرجه ولو مرة واحدة في حياته هذه المرة الواحدة أو المرتين والثلاثة يجب أن نعمل لكي تتكرر لأن بالامكان أن نعيش هذه اللحظة دائماً هذا ليس أمراً مستحيلاً بل هو أمر ممكن والقصة قصة إعداد وتهيئة لأن نعيش هذه اللحظة حتى في حالة وجود لحظات أكثر بكثير تعيش فيها الدنيا تعيش فيها أهواء الدنيا ورغبات الدنيا وشهوات الدنيا مع هذا يجب أن تخلف فينا هذه اللحظة رصيداً يجب أن تخلق فينا بذرة منعة عصمة قوة قادرة على أن تقول: لا، حينما يقول الإسلام: لا، ونعم حينما يقول الإسلام ذلك.

هذه اللحظة يجب أن نغتنمها ويجب أن نختزن لكي تتحول بالتدريج هذه المفاهيم إلى حقائق وهذه الحقائق إلى محسوسات وهذه المحسوسات إلى جهاد نعيشه بكل عواطفنا ومشاعرنا وانفعالاتنا أناء الليل وأطراف النهار ونحن ما أحوجنا إلى ذلك لأن المفروض أننا نحن الذين يجب أن نبلغ للناس نحن الذين يجب أننشع بنور الرسالة على الناس. نحن الذين يجب أن نحدد معالم الطريق للأمة والمسلمين إذن فما احوجنا إلى أن يتبين لنا الطريق تبيناً حسياً تبيناً اقرب ما يكون إلى تبين الأنبياء وطرقهم.

ليس عبثاً وليس صدفة أن رائد الطريق دائماً كان إنساناً يعيش الوحي لأنه كان لا بد له أن يعيش طريقه بأعلى درجة ممكنة للحس حتى لا ينحرف حتى لا يتململ حتى لا يضيع حتى لايكون سبباً في ضلال الآخرين. ونحن يجب أن ندعو أن نتضرع إلى اللّه دائماً لان يفتح أمام أعيننا معالم الطريق أن يرينا الطريق رؤية عين لا رؤية عقل فقط أن يجعل هذه القيم وهذه المثل والطريق إلى تجسيد هذه القيم وهذه المثل شيئاً محسوساً بكل منعطفات هذا الطريق وبكل صعوبات هذا الطريق وما يمكن أن يصادفه في أثناء هذا الطريق.

لا بد لنا أن نفكر في أن نحصل أكبر درجة ممكنة من الوضوح في هذا الطريق هذا بيننا وبين أنفسنا..

وأما العبرة التي نأخذها بالنسبة إلينا مع الآخرين نحن أيضاً يجب أن نفكر في أننا سوف لن نطمع في هداية الآخرين عن طريق إعطاء المفاهيم فقط عن طريق إعطاء النظريات المجردة فقط وتصنيف الكتب العميقة كل هذا لا يكفي القاء المحاضرات النظرية لا يكفي.

لا بد لنا أن نبني تأثيرنا في الآخرين أيضاً على مستوى الحس يجب أن نجعل الآخرين يحسون منا بما ينفعلون به إنفعالاً طيباً طاهراً مثالياً فان الآخرين مثلنا، الآخرون هم بشر والبشر ينفعلون بالحس أكثر مما ينفعلون بالعقل فلا بد إذن أن نعتمد على هذا الرصيد أكثر مما نعتمد على ذلك الرصيد.

كتاب مئة كتاب نظري لا يساوي أن تعيش الحياة التي تمثل خط الأنبياء حينما تعيش الحياة التي تمثل خط الأنبياء بوجودك بوضعك باخلاقك بإيمانك بالنار والجنة إيمانك بالنار والجنة حينما ينزل إلى المستوى الحس إلى مستوى الرقابة الشديدة إلى مستوى العصمة حينما ينزل إلى هذا المستوى يصبح أمراً محسوساً يصبح هذا الإيمان أمراً حسياً حينئذ سوف يكهرب الآخرين ولا نطمع بالتأثير عليهم على مستوى النظريات فحسب فان هذا وحده لا يكفي وإن كان ضرورياً أيضاً ولكن يجب أن نضيف إلى التأثير على مستوى النظريات تطهير أنفسنا وتكميل أرواحنا وتقريب سلوكنا من سلوك الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وأوصياء هؤلاء الأنبياء لنستطيع أن نجسد تلك القيم والمثل بوجودنا أمام حس الآخرين قبل أن نعطيها بعقول الآخرين أو توأماً مع إعطائها لعقول الآخرين...

اللهم وفقنا للسير في خط أشرف انبيائك والالتزام بتعالميه غفر اللّه لنا ولكم جميعاً.

HENDYASSENTAHA
24-12-2004, 11:12 AM
بسم الله الرحمن الرحيم( علي ابن ابي طالب نسخة مفردة لم ير الشرق ولا الغرب صورة طبق الاصل لا قديما ولا حديثا) ان علي ابن ابي طالب علمنا كيف نتعلم من التارخ ونهج البلاغة دليل على ما نذهب اليه نعم امير المؤمنين لم يكن رجل تاريخ ولا رجل اقتصاد ولا عالم نحوي ولا عالم فبزياء او عالم في العلوم الاخرى لان العالم يحتاج الى القراءة والمطالعة وامير المؤمنين نبع العلم من قلبه فهو صاحب العلم الحضوري الذي يكون اساسه8 التوجيه الرباني والعناية المحمدية ولذا فقد تمثل هذه الحقيقة احد علمائنا بقوله يصف كلام امير المؤمنين (ان الكلمة مرآة الروح لذا فان كل كلمة تتعلق بنفس العالم الذي ترتبط به روح صاحبها فالكلمات التي تتعلق بعوالم عديدةتكون علامةعلى تلك الروح التي لم تنحصر في عالم واحد .حيث ان روح الامام علي (ع) لاتتحدد بعالم خاص .بل هو الانسان الكامل الجامع لجميع مراتب الانسانية والروحية والمعنوية ,فلا تختص كلماته ايضا بعالم واحد....وهكذا فان من مميزات كلام الامام علي (ع)انه ذو ابعاد متعددة وليس ذا بعد واحد ) مرتضى مطهري

ibrahim aly awaly
26-12-2004, 12:44 PM
دور الإمام علي في الحفاظ على الشريعة الإسلامية




الشهيد آية الله السيد محمد باقر الصدر


حينما توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) خلّف أمة ومجتمعا ودولة. وأقصد بالأمة المجموعة من المسلمين الذين كانوا يؤمنون برسالته ويعتقدون بنبوته واقصد بالمجتمع تلك المجموعة من الناس التي كانت تمارس حياتها على أساس تلك الرسالة وتنشئ علاقاتها على أساس التنظيم المقرر لهذه الرسالة وأقصد بالدولة القيادة التي كانت تتولى، تزعم التجربة في ذلك المجتمع، والاشتغال على تطبيق الإسلام وحمايته مما يهدده من أخطار وإنحراف.

الإنحراف الذي حصل يوم السقيفة، كان أول ما كان في كيان الدولة، لأن القيادة كانت قد اتخذت طريقاً غير طريقها الطبيعي، وقلنا بأن هذا الإنحراف الذي حصل يوم السقيفة، في زعامة التجربة أي الدولة، كان من الطبيعي في منطق الاحداث أن ينمو ويتسع، حتى يحيط بالتجربة نفسها، فتنهار الزعامة التي تشرف على تطبيق الإسلام.

هذه الزعامة باعتبار إنحرافها، وعدم كونها قادرة على تحمل المسؤولية، تنهار في حياتها العسكرية والسياسية، وحينما تنهار الدولة، حينما تنهار زعامة التجربة ينهار تبعاً لذلك المجتمع الإسلامي، لأنه يتقوم بالعلاقات التي تنشأ على أساس الإسلام، فاذا لم تبق زعامة التجربة لترعى هذه العلاقات وتحمي وتقنن قوانين لهذه العلاقات، فلا محالة ستتفتت هذه العلاقات، وتتبدل بعلاقات اُخرى قائمة على أساس آخر غير الإسلام، وهذا معناه زوال المجتمع الإسلامي.

تبقى الإمة بعد هذا وهي أبطأ العناصر الثلاثة تصدعاً وزوالاً، بعد أن زالت الدولة الشرعية الصحيحة، وزال المجتمع الإسلامي الصحيح، تبقى الأمة، إلا أن هذه أيضاً من المحتوم عليها أن تتفتت، وأن تنهار، وأن تنصهر ببوتقة الغزو الكافر، الذي أطاح بدولتها ومجتمعها. لأن الأمة التي عاشت الإسلام زمناً قصيراً، لم تستطع أن تستوعب من الإسلام ما يحصنها، ما يحدد أبعادها ما يقويها، ما يعطيها أصالتها وشخصيتها وروحها العامة وقدرتها على الاجتماع على مقاومة التميع والتسيب والانصهار في البوتقات الأخرى.

هذه الأمة بحكم أن الإنحراف قصّر عمر التجربة، وبحكم أن الإنحراف زوّر معالم الإسلام، بحكم هذين السببين الكمي والكيفي، الأمة غير مستوعبة، الأمة تتحصّن بالطاقات التي تمنعها وتحفظها عن الإنهيار أمام الكافرين وأمام ثقافات الكافرين، فتتنازل بالتدريج، عن عقيدتها عن آدابها، عن أهدافها وعن أحكامها، ويخرج الناس من دين اللّه أفواجاً، وهذا ما أشارت إليه رواية عن أحد الأئمة (عليهم السلام) يقول فيها بأن أول ما يتعطل من الإسلام هو الحكم بما أنزل اللّه سبحانه وتعالى، وآخر ما يتعطل من الإسلام هو الصلاة، هذا هو تعبير بسيط عما قلناه من إن أول ما يتعطل هو الحكم بما أنزل اللّه أي إن الزعامة والقيادة للدولة تنحرف، وبإنحرافها سوف يتعطل الحكم بما أنزل اللّه. وهذا الخط ينتهي حتماً إلى أن تتعطل الصلاة، يعني إلى تمييع الأمة، تعطل الصلاة هو مرحلة أن الأمة تتعطل، إن الأمة تتنازل عن عقيدتها، إن الأمة تضيع عليها رسالتها وآدابها وتعاليمها.

الحكم بغير ما أنزل اللّه، معناه إن التجربة تنحرف، إن المجتمع يتميّع... في مقابل هذا المنطق وقف الأئمة (عليهم السلام) على خطين:


الخط الأول: هو خط محاولة تسلم زمام التجربة، زمام الدولة، محو آثار الإنحراف، إرجاع القيادة إلى موضعها الطبيعي لأجل أن تكتمل العناصر الثلاثة: الأمة والمجتمع والدولة.

الخط الثاني: الذي عمل عليه الأئمة (عليهم السلام)، هو خط تحصين الأمة ضد الإنهيار، بعد سقوط التجربة واعطائها من المقومات، القدر الكافي، لكي تبقى وتقف على قدميها، وتعيش المحنة بعد سقوط التجربة، بقدم راسخة وروح مجاهدة، وبإيمان ثابت.

والآن، نريد أن نتبين هذين الخطين في حياة أمير المؤمنين (عليه السلام)، مع استلال العبر في المشي على هذين الخطين.


على الخط الأول خط محاولة تصحيح الإنحراف وإرجاع الوضع الاجتماعي والدولي في الأمة الإسلامية إلى خطه الطبيعي، في هذا الخط، عمل (عليه السلام) حتى قيل عن الإمام علي (عليه السلام) أنه أشد الناس رغبة في الحكم والولاية، أتهمه معاوية بن أبي سفيان، بأنه طالب جاه، وأنه طالب سلطان. أتهمه بالحقد على أبي بكر وعمر، أتهمه بكل ما يمكن أن يتهم الشخص المطالب بالجاه وبالسلطان وبالزعامة.

أمير المؤمنين (عليه السلام) عمل على هذا الخط خط تسلم زمام الحكم، وتفتيت هذا الإنحراف، وكسب الزعامة زعامة التجربة الإسلامية إلى شخصه الكريم، بدأ هذا العمل عقيب وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) مباشرة، حيث حاول إيجاد تعبئة وتوعية فكرية عامة في صفوف المؤمنين وإشعارهم بأن الوضع وضع منحرف.

إلا أن هذه التعبئة لم تنجح لأسباب ترتبط بشخص الإمام علي (عليه السلام)، ولأسباب أخرى ترتبط بإنخفاض وعي المسلمين أنفسهم. لأن المسلمين وقتئذ لم يدركوا أن يوم السقيفة كان هو اليوم الذي سوف ينفتح منه كل ما انفتح من بلاء على الخط الطويل لرسالة الإسلام، لم يدركوا هذا، ورأوا إن وجوهاً ظاهرة الصلاح قد تصدّت لزعامة المسلمين ولقياداتهم في هذا المجال، ومن الممكن خلال هذه القيادة، أن ينمو الإسلام وأن تنمو الأمة.

لم يكن يفهم من الإمام علي (عليه السلام) إلا أن له حقاً شخصياً يطالب به، وهو مقصر في مطالبته، إلا أن المسألة لم تقف عند هذا الحد، فضاقت القصة على أمير المؤمنين (عليه السلام) من هذه الناحية، ومن أننا نجد في مراحل متأخرة من حياة أمير المؤمنين (عليه السلام) المظاهر الأخرى لعمله على هذا الخط، لمحاولة تسلمه أو سعيه في سبيل تسلم زعامة التجربة الإسلامية وتفادي الإنحراف الذي وقع، إلا أن الشيء الذي هو في غاية الوضح، من حياة أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه (عليه السلام) في عمله في سبيل تزعم التجربة، وفي سبيل محاربة الإنحراف القائم ومواجهته بالقول الحق وبالعمل الحق، وبشرعية حقه في هذا المجال، كان يواجه مشكلة كبيرة جداً، وقد استطاع أن ينتصر على هذه المشكلة إنتصاراً كبيراً جداً أيضاً.

هذه المشكلة التي كان يواجهها هي مشكلة الوجه الظاهري لهذا العمل والوجه الواقعي لهذه العمل.

قد يتبادر إلى ذهن الإنسان الاعتيادي لأول مرة إن العمل في سبيل معارضة زعامة العصر، والعمل في سبيل كسب هذه الزعامة، إنه عمل في إطار فكري، إنه عمل يعبَّر عن شعور هذا العامل بوجوده، وفي مصالحه، وفي مكاسبه، وبأبعاد شخصيته، هذا هو التفسير التلقائي الذي يتبادر إلى الأذهان، من عمل يتمثل فيه الإصرار على معارضته في زعامة العصر على كسب هذه الزعامة، وقد حاول معاوية كما أشرنا أن يستغل هذه البداهة التقليدية في مثل هذا الموقف من أمير المؤمنين (عليه السلام).

إلا أن الوجه الواقعي لهذا العمل من قبل الإمام (عليه السلام) لم يكن هذا، الوجه الواقعي هو أن علياً كان يمثل الرسالة وكان هو الأمين الأول من قبل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)على التجربة على استقامتها وصلابتها، وعدم تميعها على الخط الطويل، الذي سوف يعيشه الإسلام والمسلمون بعد النبي (صلى الله عليه وآله). فالعمل كان بروح الرسالة ولم يكن بروحه هو، كان عملاً بروح تلك الأهداف الكبيرة، ولم يكن عملاً بروح المصلحة الشخصية، لم يكن يريد أن يبني زعامة لنفسه، وإنما كان يريد أن يبني زعامة الإسلام وقيادة الإسلام في المجتمع الإسلامي، وبالتالي في مجموع البشرية على وجه الأرض.

هذان وجهان مختلفان، قد يتعارضا في العامل نفسه، وقد يتعارضان في نفس الأشخاص الآخرين، الذين يريدون أن يفسروا عمل هذا العامل.

هذا العامل قد يتراءى له في لحظة انه يريد أن يبني زعامة الإسلام لا زعامة نفسه، إلا أنه خلال العمل، إذا لم يكن مزوداً بوعي كامل. إذا لم يكن مزوداً بإرادة قوية، إذا لم يكن قد استحضر في كل لحظاته وآنات حياته، إنه يعيش هذه الرسالة ولا يعيش نفسه، إذا لم يكن هكذا، فسوف يحصل في نفسه ولولا شعوريا انفصام بين الوجه الظاهري للعمل وبين الوجه الحقيقي للعمل، وبمثل هذا الإنفصام سوف تضيع أمامه كل الاهداف أو جزء كبير من تلك الاهداف سوف ينسى إنه لا يعمل لنفسه بل هو يعمل لتلك الرسالة سوف ينسى إنه ملك غيره وإنه ليس ملكاً لنفسه: كل شخص يحمل هذه الاهداف الكبيرة، يواجه خطر الضياع في نفسه، وخطر أن تنتصر أنانيته على هذه الاهداف الكبيرة، فيسقط في أثناء الخط، يسقط في وسط الطريق، وهذا ما كان الإمام علي (عليه السلام) معه على طرفي نقيض. الإمام علي (عليه السلام) كان يصّر دائماً على أن يكون زعيماً، يصّر دائماً على أن يكون هو الأحق بالزعامة، الإمام علي الذي يتألم، الذي يتحسّر إنه لم يصبح زعيماً بعد محمد (صلى الله عليه وآله) الذي يقول: لقد تقصمها ابن ابي قحافة وهو يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، في غمرة هذا الألم، في غمرة هذه الحساسية، يجب أن لا ننسى أن هذا الألم ليس لنفسه، إن هذه الحساسية ليست لنفسه، إن كل هذا العمل وكل هذا الجهد، ليس لأجل نفسه بل من أجل الإسلام. وكذلك كان يربي أصحابه على أنهم أصحاب تلك الاهداف الكبيرة، لا أصحاب زعامته وشخصه، وقد انتصر الإمام علي (عليه السلام) انتصاراً عظيماً في كلتا الناحيتين.

انتصر الإمام على نفسه، وانتصر في إعطاء عمله إطاره الرسالي وطابعه العقائدي انتصاراً كبيراً.

الإمام علي ربي أصحابه على أنهم أصحاب الأهداف لا أصحاب نفسه. كان يدعو إلى أن الإنسان يجب أن يكون صاحب الحق، قبل أن يكون صاحب شخص بعينه. الإمام علي هو الذي قال: (اعرف الحق تعرف أهله) كان يربي أصحابه، يربى عماراً وأبا ذرّ والمقداد على أنكم اعرفوا الحق... ثم احكموا على علي (عليه السلام) في إطار الحق. وهذا غاية ما يمكن أن يقدمه الزعيم من إخلاص في سبيل أهدافه. أن يؤكد دائماً لأصحابه وأعوانه - وهذا مما يجب على كل المخلصين - إن المقياس هو الحق وليس هو الشخص. إن المقياس هو الأهداف وليس هو الفرد.

هل يوجد هناك شخص أعظم من الإمام علي بن ابي طالب. لا يوجد هناك شخص اعظم من الإمام علي إلا أستاذه، لكن مع هذا جعل المقياس هو الحق لا نفسه.

لما جاءه ذلك الشخص وسأله عن الحق في حرب الجمل هل هو مع هذا الجيش أو مع ذلك الجيش، كان يعيش في حالة تردد بين عائشة وعلي، يريد أن يوازن بين عائشة وعلي، أيهما أفضل حتى يحكم بأنه هو مع الحق أو عائشة. جهودها للإسلام أفضل أو جهود علي أفضل، قال له: اعرف الحق تعرف اهله.

الإمام علي كان دائماً مصرّاً على أن يعطي العمل الشخصي طابعه الرسالي، لا طابع المكاسب الشخصية بالنسبة إليه، وهذا هو الذي يفّسر لنا كيف إن علياً (عليه السلام)، بعد أن فشل في تعبئته الفكرية عقيب وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، لم يعارض ابا بكر وعمر معارضة واضحة سافرة طيلة حياة ابي بكر وعمر، وذلك إن أول موقف اعتزل فيه الإمام علي المعارضة بعد تلك التعبئة الفكرية واعطائها شكلاً واضحاً صريحاً كان عقيب وفاة عمر، يوم الشورى حينما خالف ابا بكر وعمر، هذا عندما حاول عبد الرحمن بن عوف حينما اقترح عليه المبايعة أن يبايعه على كتاب اللّه وسنة رسول وسنة الشيخين، قال (عليه السلام): بل على كتاب اللّه وسنة نبيه واجتهادي. هنا فقط اعلن عن معارضة عمر، في حياة أبي بكر وعمر بعد تلك التعبئة، لم يبد موقفاً إيجابياً واضحاً في معارضتهما، والوجه في هذا، هو أن علياً (عليه السلام) كان يريد ان تكون المعارضة في إطارها الرسالي، وأن ينعكس هذا الإطار على المسلمين، أن يفهموا أن المعارضة ليست لنفسه، وإنما هي للرسالة، وحيث أن أبا بكر وعمر كانا قد بدآ الإنحراف، ولكن الإنحراف لم يكن قد تعمق بعد والمسلمون قصيرو النظر، الذين قدموا أبا بكر على الإمام علي (عليه السلام) ثم قدموا عمر على أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، هؤلاء المسلمون القصيرو النظر لم يكونوا يستطيعون أن يعمقوا النظر إلى هذه الجذور، التي نشأت في أيام أبي بكر وعمر فكان معنى مواصلة المعارضة بشكل جديد أن يفسر من أكثر المسلمين، بأنه عمل شخصي، وإنها منافسة شخصية مع أبي بكر وعمر وأن بدأت بهم بذور الإنحراف في عهدهما إلا أنه حتى هذه البذور كانت الاغلب مصبوغة بالصبغة الإيمانية، كانا يربطانها بالحرارة الإيمانية الموجودة عند الأمة، وحيث إنها حرارة إيمانية بلا وعي، ولهذا لم تكن الأمة تميز هذا الإنحراف.

عمر ميز بين الطبقات، إلا أنه حينما ميز بين الطبقات، حينما أثرى قبيلة بعينها دون غيرها من القبائل؟! أتعرفون أي قبيلة هي التي اثراها، هي قبيلة النبي (صلى الله عليه وآله)، عمر أغنى قبيلة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) اغنى عم محمد (صلى الله عليه وآله) اعطى زوجات النبي عشرة آلاف، كان يعطي للعباس اثني عشر ألفا، كان يقسم الأموال الضخمة على هذه الأسرة، هذا الإنحراف لا يختلف في جوهره عن إنحراف عثمان بعد ذلك، عثمان حينما ميز، إلا أن عمر فقط ربط هذا الإنحراف بالحرارة الإيمانية عند الإمة، لأن الحرارة الإيمانية عند الأمة كانت تقبل مثل هذا الإنحراف. هؤلاء أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)، هذا عم النبي (صلى الله عليه وآله)، هذه زوجة النبي (صلى الله عليه وآله)، إذن هؤلاء يمكن ان يعطوا يمكن أن يثروا على حساب النبي (صلى الله عليه وآله)، لكن عثمان حينما جاء لم يرد على هذا الإنحراف شيئاً، إلا أنه لم يرتبط بالحرارة الإيمانية، بدّل عشيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعشيرته هو، وهذا أيضاً إنحراف مستمر لذلك الإنحراف، إلا أنه إنحراف مكشوف. ذاك إنحراف مقنّع، ذاك إنحراف مرتبط بالحرارة الإيمانية عند الأمة، وهذا إنحراف يتحدى مصالح الأمة، والمصالح الشخصية للأمة، ولهذا استطاعت الأمة أن تلتفت إلى إنحراف عثمان بينما لم تلتفت بوضوح إلى إنحراف أبي بكر وعمر، وبهذا بدأ الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) معارضته لأبي بكر وعمر في الحكم بشكل واضح، بعد أن مات أبو بكر وعمر، لم يكن من المعقول تفسير هذه المعارضة على إنها معارضة شخصية بسبب طمع في سلطان، بدأ هذه المعارضة وأعطى رأيه بأبي بكر وعمر.


علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعد أن تم الأمر لعثمان، بعد أن بويع عثمان يوم الشورى، قال: أن سوف اسكت ما سلمت مصالح المسلمين وأمور المسلمين، وما دام الغبن علي وحدي، وما دمت أنا المظلوم وحدي، وما دام حقي هو الضائع وحدي. أنا سوف اسكت سوف أبايع سوف أطيع عثمان، هذا هو الشعار الذي أعطاه بصراحة مع أبي بكر وعمر وعثمان، وبهذا الشعار أصبح في عمله رسالياً، وأنعكست هذه الرسالة على عهد أمير المؤمنين، وبقي (عليه السلام) ملتزماً بما تعهّد به من السكوت إلى أن بدأ الإنحراف في حياة عثمان بشكل مفضوح، حيث لم يرتبط بلون من ألوان الحرارة الإيمانية التي أرتبط بها الإنحراف في أيام الخليفة الأول وفي أيام الخليفة الثاني، بل أسفر الإنحراف، ولهذا أسفر الإمام علي (عليه السلام) عن المعارضة وواجه عثمان بما سوف نتحدث عنه بعد ذلك.

فالإمام علي (عليه السلام) في محاولته لتسلم زمام التجربة وزعامة القضية الإسلامية كان يريد أن يوفق بين هذا الوجه الظاهري للعمل، وبين الوجه الواقعي للعمل، وأستطاع أن يوفق بينهما توفيقاً كاملاً، استطاع هذا في توقيت العمل، واستطاع هذا في تربيته لأصحابه، على أنهم أصحاب الأهداف لا أصحاب الأشخاص، واستطاع في كل هذه الشعارات التي طرحها، أن يثبت أنه بالرغم من كونه في قمة الرغبة لأن يصبح حاكماً، لم يكن مستعداً أبداً لان يصبح حاكماً مع اختيار أي شرط من الشروط المطلوبة التي تنال من تلك الرسالة.

ألم تعرض عليه الحاكمية والرسالة بعد موت عمر بشرط أن يسير سيرته؟ فرفض الحاكمية برفض هذا الشرط.

علي بن ابي طالب (عليه السلام) بالرغم من أنه كان في أشد ما يكون سعياً وراء الحكم، جاءه المسلمون بعد أن قتل عثمان، عرضوا عليه أن يكون حاكماً، قال لهم بايعوا غيري وأنا أكون كأحدكم، بل أكون أطوعكم لهذا الحاكم، الذي تبايعونه، ما سلمت أمور المسلمين في عدله وعمله، يقول ذلك، لأن الحقد الذي تواجهه الأمة الإسلامية كبير جداً، تتمادى بذرة الإنحراف، الذي عاشه المسلمون بعد النبي (صلى الله عليه وآله) إلى أن قتل عثمان، هذا الإنحراف الذي تعمق، الذي أرتفع، هذا الإنحراف الذي طغى والذي استكبر، الذي خلق تناقضات في الأمة الإسلامية، هذا عبء كبير جداً.

ماذا يريد أن يقول، يريد أن يقول: لأني أنا لا أقبل شيئاً إلا على أن تصفّوا الإنحراف، أنا لا أقبل الحكم الذي لا يصفي هذا الإنحراف لا الحكم الذي يصفّيه، هذه الاحجامات عن قبول الحكم في مثل هذه اللحظات كانت تؤكد الطابع الرسالي، بحرقته بلوعته، لألمه لرغبته أن يكون حاكماً، استطاع أن ينتصر على نفسه، ويعيش دائماً لأهدافه، واستطاع أن يربي أصحابه أيضاً على هذا المنوال. هذا هو الخط الأول وهو خط محاولة تسلمه لزمام التجربة الاسلامية.


أما على الخط الثاني:

وهو خط تحصين الأمة لقد كانت الأمة تواجه خطراً، وحاصل هذا الخطر هو أن العامل الكمي والعامل الكيفي، سوف يجعلان هذه الأمة لا تعيش الإسلام، إلا زمنا قصيراً.

بحكم العامل الكمي الذي سوف يسرع، في إفناء التجربة وسوف لن تعيش إلا مشوهة بحكم العامل الكيفي، الذي يتحكم في هذه التجربة، ولذا بدأ الإمام بتحصين الأمة، وبالتغلب على العاملين: العامل الكمي والعامل الكيفي.

أما التغلب على العامل الكمي فكان في محاولة تحطيم التجربة المنحرفة وتحجيمها وإفساح المجال للتجربة الإسلامية لتثبت جدارتها وذلك بأسلوبين:

الإسلوب الأول: هو التدخل الإيجابي الموجه في حياة هذه التجربة بلحاظ قيادتها.

القادة والزعماء الذين كانوا يتولون هذه التجربة، كانوا يواجهون قضايا كثيرة لا يحسنون مواجهتها، كان يواجههم مشاكل كثيرة لا يحسنون حلّها، ولو حاولوا لوقعوا في أشد الأضرار والأخطار، لأوقعوا المسلمين في أشد التناقضات، ولأصبحت النتيجة محتومة أكثر، ولأصبحت التجربة أقرب إلى الموت، وأقرب إلى الفناء وأسرع إلى الهلاك، هنا كان يتدخل الإمام (عليه السلام) وهذا خط عام سار الأئمة (عليهم السلام) كلهم عليه كما قلنا، كما سوف نقول، فكان الإمام (عليه السلام) يتدخل تدخلاً إيجابياً، موجهاً في سبيل أن ينقذ التجربة من المزيد من الضياع ومن المزيد من الإنحراف، ومن المزيد من السير في الضلال.

كلنا نعلم، بأن المشاكل العقائدية التي كانت تواجهه (عليه السلام) والزعامة السياسية بعد النبي (صلى الله عليه وآله). هذه المشاكل العقائدية التي كان يثيرها، وتثيرها القضايا الأخرى التي بدأت تندرج في الأمة الإسلامية والأديان الأخرى التي بدأت تعاشر المسلمين، هذه المشاكل العقائدية لم تكن الزعامات السياسية وقتئذ على مستوى حلها كان الإمام (عليه السلام) يعين تلك الزعامات في التغلب على تلك المشاكل العقائدية.

كلنا نعلم بأن الدولة الإسلامية واجهت في عهد عمر خطراً من أعظم الأخطار، خطر إقامة إقطاع لا نظير له في المجتمع الإسلامي، كان من المفروض أن يسرع في دمار الأمة الإسلامية، وذلك حينما وقع البحث بين المسلمين بعد فتح العراق، في أنه هل توزع أراضي العراق على المجاهدين المقاتلين، أو أنها تبقى ملكاً عاماً للمسلمين، وكان هناك إتجاه كبير بينهم إلى أن توزع الأراضي على المجاهدين الذين ذهبوا إلى العراق وفتحوا العراق، وكان معنى هذا أن يعطى جميع العالم الإسلامي، أي يعطي العراق، وسوريا وإيران ومصر وجميع العالم الإسلامي الذي أسلم بالفتح، سوف يوزع بين أربعة أو خمسة آلاف أو ستة الآف من هؤلاء المسلمين المجاهدين، سوف تستقطع أراضي العالم الإسلامي لهؤلاء، وبالتالي يتشكل إقطاع لانظير له في التاريخ.

هذا الخطر الذي كان يهدد الدولة الإسلامية، وبقي عمر لاجل ذلك أياماً متحيراً لأنه لا يعرف ماذا يصنع، لا يعرف ما هو الأصلح، وكيف يمكن أن يعالج هذه المشكلة.

علي بن ابي طالب (عليه السلام) هو الذي تدخل كما تعلمون وحسم الخلاف، وبيّن وجهة النظر الإسلامية في الموضوع، وأخذ عمر بنظر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وانقذ بذلك الإسلام من الدمار الكبير.

وكذلك له تدخلات كبيرة وكثيرة، النفير العام الذي اقترح على عمر والذي كان يهدد العاصمة في غزو سافر، كان من الممكن أن يقضي على الدولة الإسلامية، هذا الاقتراح طرح على عمر، كاد عمر أن يأخذ به، جاء الإمام علي (عليه السلام) إلى المسجد مسرعاً على ما أتذكر في بعض الروايات تقول: جاء مسرعاً إلى عمر، قال له: لا تنفر نفيراً عاماً، كان عمر يريد أن يخرج مع تمام المسلمين الموجودين آنذاك في المدينة، وعندما تفرغ عاصمة الإسلام ممن يحميها من غزو المشركين والكافرين، منعه من النفير العام.

وهكذا كان الإمام علي (عليه السلام) يتدخل تدخلاً إيجابياً موجهاً في سبيل أن يقاوم المزيد من الإنحراف، والمزيد من الضياع، كي يطيل عمر التجربة الإسلامية ويقاوم عامل الكم الذي ذكرناه. هذا أحد أسلوبي مقاومة العامل الكمي.

الاسلوب الثاني: لمقاومة العامل الكمي كان هو المعارضة. يعني كان تهديد الحكام ومنعهم من المزيد من الإنحراف، لا عن سبيل التوجيه، وإنما عن سبيل المعارضة والتهديد.

في الأول كنا نفرض أن الحاكم فارغ دينياً، وكان يحتاج إلى توجيه، والإمام (عليه السلام) كان يأتي ويوجه، أما الأسلوب الثاني، فيكون الحاكم فيه منحرفاً ولا يقبل التوجيه، أذن فيحتاج إلى معارضة، يحتاج إلى حملة ضد الحاكم هذا، لاجل إيقافه عند حده، ولاجل منعه من المزيد من الإنحراف. وكانت هذه هي السياسة العامة للأئمة (عليهم السلام).

ألسنا نعلم بأن عمر صعد على المنبر وقال: ماذا كنتم تعملون لو أنا صرفناكم عما تعلمون إلى ما تنكرون.

كان يريد أن يقدر الموقف.

وماذا سيكون لو أنا صرفناكم مما تعلمون إلى ما تنكرون.

لو أنحرفنا شيئاً قليلاً عن خط الرسالة ماذا سيكون الموقف.

لم يقم له إلا الإمام علي (عليه السلام) قال له: لو فعلت ذلك لعدّلناك بسيوفنا.

كان هذا هو الشعار العام للإمام (عليه السلام) بالرغم من إنه لم يتنزل في عملية تعديل عمر بالسيف خلال حكم عمر، لظروف ذكرناها، إلا أنه قاد المعارضة لعثمان، واستقطب آمال المسلمين ومشاعر المسلمين، واتجاهات المسلمين، نحو حكم صحيح، ولهذا كان هو المرشح الأساسي بعد أن فشل عثمان، واجتمع عليه المسلمون.


الإمام علي (عليه السلام) يتصدى للمعارضة لاجل أن يوقف الإنحراف:

هذان اسلوبان كانا هما الاسلوبان المتبعان لمواجهة العامل الجديد. ثم هذه المعارضة نفسها كانت تعبر من ناحية أخرى عن الخط الثاني، وهو المحافظة على الأمة الإسلامية من الإنهيار بعد سقوط التجربة حيث أن المسلمين لم يعيشوا التجربة الصحيحة للإسلام، أو بعدوا عنها، والتوجيه وحده لا يكفي، لأن هذا العمل لا يكفي لأن يكسب مناعة. المناعة الحقيقية والحرارة الحقيقية للبقاء والصمود كأمة، إذن كان لا بد من أن يحدد الموقف. من أن يحدد الوجه الحقيقي للإسلام، في سبيل الحفاظ على الإسلام، وهذا الوجه الحقيقي للإسلام قدمه الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام) من خلال معارضته للزعامات المنحرفة أولاً، ومن خلال حكم الإمام بعد أن مارس الحكم بنفسه.

من خلال هذين العملين، ومن خلال العمل السياسي المتمثل في المعارضة، والعمل السياسي المتمثل في رئاسة الدولة بصورة مباشرة، قدم الوجه الحقيقي للإسلام، الاطروحة الصحيحة للحياة الإسلامية الاطروحة الخالية من كل تلك الألوان من الإِنحراف.

طبعاً هذا لا يحتاج إلى حديث، ولا يحتاج إلى تمثيل لأنه واضح لديكم.

أمير المؤمنين حينما تولى الحكم، لم يكن يستهدف من تولي الحكم تحصين التجربة أو الدولة، بقدر ما كان يستهدف تقديم المثل الأعلى للإسلام، لأنه كان يعرف إن التناقضات، في الأمة الإسلامية، بلغت إلى درجة لا يمكن معها أن ينجح عمل إصلاحي أزاء هذا الإنحراف مع علمه إن المستقبل لمعاوية، وأن معاوية هو الذي يمثل القوى الكبيرة الضخمة في الأمة الإسلامية.

كان يعرف إن الصور الضخمة الكبيرة التي خلقها عمر وخلقها عثمان والتي خلقها الإنحراف هذه القوى، كلها إلى جانب معاوية، وهو ليس إلى جانبه ما يعادل هذه القوى، لكن مع هذا قبل الحكم، ومع هذا بدأ تصفية وتعرية الحكم والإنحراف الذي كان قبله، ومع هذا مارس الحكم وضحى في سبيل هذا الحكم بعشرات الآلاف من المسلمين، في سبيل أن يقدم الاطروحة الصحيحة الصريحة للإسلام وللحياة الإسلامية.

وقد قلت بالأمس، وأؤكد اليوم مرة أخرى بأن علي بن ابي طالب (عليه السلام) في معارضته، وعلي بن ابي طالب في حكمه لم يكن يؤثر على إنحراف الشيعة فقط، بل كان يؤثر على مجموع الأمة الإسلامية، علي بن ابي طالب ربى المسلمين جميعاً شيعة وسنة، حصن المسلمين جميعاً شيعة وسنة، علي بن ابي طالب أصبح اطروحة ومثلاً أعلى للإسلام الحقيقي، من الذي كان يحارب مع علي بن ابي طالب؟ هؤلاء المسلمون الذين كانوا يحاربون في سبيل هذه الاطروحة العالية في سبيل هذا المثل الأعلى، أكانوا كلهم شيعة بالمعنى الخاص؟ لا، لم يكونوا كلهم شيعة. هذه الجماهير التي انتفضت بعد علي بن ابي طالب علي مر التاريخ، بزعامات أهل البيت بزعامات العلويين الثائرين من أهل البيت، الذين كانوا يرفعون راية علي بن ابي طالب للحكم، هؤلاء كلهم شيعة؟

كان أكثرهم لا يؤمن بعلي بن ابي طالب إيماننا نحن الشيعة، ولكنهم كانوا ينظرون إلى الإمام علي أنه المثل الأعلى، إنه الرجل الصحيح الحقيقي للإسلام، حينما أعلن والي عبد اللّه بن الزبير سياسة عبد اللّه بن الزبير، وقال بأننا سوف نحكم بما كان يحكم به عمر وعثمان، وقامت جماهير المسلمين تقول لا بل بما كان يحكم به علي بن ابي طالب، فعلي بن ابي طالب كان يمثل اتجاهاً في مجموع الأمة الإسلامية.

والخلافة العباسية كيف قامت؟ كيف نشأت؟ قامت على أساس دعوة كانت تتبنى زعامة الصادق من آل محمد (صلى الله عليه وآله). الحركة السلمية التي على اساسها نشأت الخلافة العباسية كانت تأخذ البيعة للصالح، للإمام الصادق من آل محمد (صلى الله عليه وآله)، يعني هذه الحركة استغلت عظمة الإسلام، عظمة هذا الإتجاه، وتجمع المسلمون حول هذا الإتجاه، ولم يكن هؤلاء مسلمين شيعة، أكثر هؤلاء لم يكونوا شيعة، لكن كانوا يعرفون أن الإتجاه الصالح، الإتجاه الحقيقي، الإتجاه الصلب العنيف كان يمثله علي بن ابي طالب (عليه السلام)، والواعون من أصحاب الإمام علي (عليه السلام ) والواعون من أبناء الإمام علي (عليه السلام). ولهذا كثير من أبناء العامة، ومن أئمة العامة، من أكابر أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)، كانوا أناساً عامين يعني كانوا أناساً سنة، ولم يكونوا شيعة.

دائماً كان الأئمة (عليهم السلام) يفكرون، في أن يقدموا الإسلام لمجموع الأمة الإسلامية، أن يكونوا مناراً، أن يكونوا أطروحة، أن يكونوا مثلاً أعلى.

كانوا يعملون على خطين، خط بناء المسلمين الصالحين، وخط ضرب مثل أعلى لهؤلاء المسلمين، بقطع النظر عن كونهم شيعة أو سنة.

هناك علماء من أكابر علماء السنة، افتوا بوجوب الجهاد، وبوجوب القتال بين يدي ثوار آل محمد (صلى الله عليه وآله)، وأبو حنيفة قبل أن ينحرف، قبل أن يرشيه السلطان ويصبح من فقهاء عمال السلطان، أبو حنيفة نفسه الذي كان من نواب السنة، ومن زعماء السنة، هو نفسه خرج مقاتلاً ومجاهداً مع راية من رايات آل محمد وآل علي (عليه السلام)، وافتى بوجوب الجهاد مع راية من رايات الإمام علي (عليه السلام)، مع راية تحمل شعار علي بن ابي طالب، قبل أن يتعامل ابو حنيفة مع السلاطين.

إذن فاتجاه علي بن ابي طالب، لم يكن اتجاهاً منفرداً، اتجاهاً محدوداً، كان اتجاهاً واسعاً على مستوى الأمة الإسلامية كلها، لاجل أن يعرّف الأمة الإسلامية وأن يحصن الأمة الإسلامية بالإسلام، وبأهداف الإسلام، وكيف يمكن للإنسان أن يعيش الحياة الإسلامية في إطار المجتمع الإسلامي.

المهم من هذا الحديث، أن نأخذ العبرة وأن نقتدي، حينما نرى أن علي بن ابي طالب (عليه السلام) على عظمته يربي أصحابه على أنهم أصحاب الهدف، لا أصحاب نفسه. يجب أن لا أفكر انا، ويجب أن لا تفكر أنت، بأن تربي أصحابك على أنهم أصحابك، وإنما هم أصحاب الرسالة، أي واحد منكم ليس صاحباً للآخر، ولهذا يجب أن نجعل الهدف دائماً مقياساً، نجعل الرسالة دائماً مقياساً. أحكموا علي باللحظة التي أنحرف فيها عن الهدف، لأن الهدف هو الأعز والأغلى، هو رب الكون، الذي يجب أن تشعروا بأنه يملككم، بأنه بيده مصيركم، بيده مستقبلكم، أنه هو الذي يمكن أن يعطيكم نتائج جهادكم.

هل أنا أعطيكم نتائج جهادكم، أو أي إنسان على وجه الأرض يمكن أن يعطي الإنسان نتائج جهاده، نتائج عمله، نتائج إقدامه على صرف شبابه، حياته، عمره، زهده على تحمله آلام الحياة، تحمله للجوع تحمله للظلم، تحمله للضيم، من الذي يعطي أجر كل هذا؟ هل الذي يعطي أجر هذا أنا وأنت، لا أنا ولا أنت يعطي أجر هذا، وإنما الذي يعطي أجر هذا هو الهدف فقط. هذا هو الذي يعطي النتيجة والتقييم. هو الذي سوف يفتح أمامنا أبواب الجنة، هو الذي سوف يغير أعمالنا، هو الذي سوف يصحح درجاتنا.

إذن لا تفكروا في أن أي واحد منكم، في أن أي واحد منا، مرتبط مع أي واحد منا، بل فكروا هكذا: إن أي واحد منا مرتبط كله مع أكبر من أي واحد منا، هذا الشيء الذي هو أكبر، هو اللّه سبحانه هو رضوان اللّه، هو حماية الإسلام، هو العمل في خط الأئمة الأطهار (عليهم السلام).

ibrahim aly awaly
30-12-2004, 10:24 AM
أولويات القيادة الرسالية لدى الإمام علي




مقداد عبد الرحمن

القيادة الإسلامية أو القيادة الرسالية على وجه الخصوص تختلف عن القيادات والزعامات الأخرى على أكثر من صعيد ومستوى باعتبار أنها تستوحي تعاليمها من الله سبحانه وتعالى، وتسعى لتطبيق شريعته وأحكامه في الأرض اعتقاداً منها بهذه الشريعة والأحكام، وسعياً لنيل الرضا الإلهي وبلوغه، هذا فضلاً عن أن منصب القيادة لا يعني من منظور الإسلام ولا من وجهة نظر القائد الإسلامي عملية تسام واستعلاء على الأمة واستحواذ عليها وتلاعب بمقدراتها. كما أن هذا المنصب لا يوفر للقائد الإسلامي نوعاً من الامتيازات التي تميزه عن الأمة وينفرد بها دونهم، وإنما هو في الحقيقة مسؤولية خطيرة ومهمة شاقة الهدف منها هداية الأمة عبر الطريق السليم باتجاه تحقيق الأهداف الإسلامية وتطبيق أحكام الدين التي توفر حياة أفضل للأمة وإبعادها عن كل ما يمكن أن يوقعها في مشاكل وويلات هي في غنى عنها.

وانطلاقاً من ذلك كلما كانت القيادة الإسلامية أكثر فهماً للإسلام وأكثر استيعاباً له، كلما كانت أجدر من غيرها على تطبيق الإسلام في حياة الأمة وقيادتها باتجاه الهدف الإلهي. وكلما كانت أكثر إيماناً بالله تعالى واعتقاداً بالمبادئ الإسلامية وأنها المبادئ الوحيدة القادرة على انتشال الإنسانية من مهاوي السقوط وتوفير حياة كريمة لها، كانت احرص من غيرها على رؤية الأمة وهي تتحرك وفق تلك المبادئ وتنطلق على ضوئها.

وعلى ضوء المهمة الخطيرة التي تقع على عاتق الزعيم الرسالي وما يسعى إليه من ترسيخ دعائم الإسلام وتبيان مفاهيمه وأحكامه بشكلها الناصع الصحيح، وتعزيز الجانب العقائدي لدى الأمة، فلابد له أن يحدد بعض الاولويات في سياسته ويؤكد على عدد من المنطلقات التي يستطيع أن يضمن بواسطتها نجاح مهمته القيادية وتحقيق الهدف المرجو من زعامة الأمة.

وقد استعراض الشهيد آية الله السيد محمد باقر الصدر (رض) لمواقف الإمام علي (عليه السلام) وسياسته الرسالية كقائد إسلامي وزعيم مبدئي مثّل الإسلام ومارس عملية الحكم لبضع سنوات نحن نحاول في هذا المقال استقراء تلك الاولويات والأهداف، وأهم تلك الاولويات التي حددها الإمام علي (عليه السلام) وأكّد عليها خلال استلامه لزمام الأمور، وأصرّ عليها من اجل تطبيق الإسلام وتحقيق الهدف الإسلامي الكبير هي:


1 - بناء طليعة عقائدية وقاعدة جماهيرية رسالية:

فالقيادة الإسلامية إذا لم تكن تمتلك القاعدة الجماهيرية المؤمنة بأهداف القيادة، ولم تعمل على بناء تلك الطليعة العقائدية التي تحمل أفكار وتطلعات القيادة، فستكون حينئذ عاجزة تماماً عن أداء دورها القيادي، وتحقيق الأهداف التي تصبو إليها. إذ لا يمكن للقائد أي قائد أن ينجز مهمته لوحده، وينهض بمسؤولياته بمفرده. فلابد له من كوادر وشخصيات يعتمد عليها في إنجاز تلك المهمة الشاقة، ولابد له من قاعدة جماهيرية مؤيدة تتفاعل مع طروحه وبرامجه، وتمدّ له يد العون والدعم في إنجاح تلك الطروحات والبرامج.

ويتحدث الشهيد الصدر عن هذا الهدف الذي كان الإمام علي (عليه السلام) يسعى لتحقيقه قائلاً: (انه أي الإمام كان يريد أن يرسخ قاعدة سلطانه في قطر جديد من أقطار العالم الإسلامي، وهذا القطر هو العراق. وكان شعب العراق وأبناء العراق مرتبطين روحياً وعاطفياً مع الإمام، ولم يكن شعب العراق ولا أبناء العراق يعون رسالة علي (عليه السلام) وعياً حقيقياً كاملاً، ولهذا كان الإمام بحاجة إلى أن يبني تلك الطليعة العقائدية وذلك الجيش العقائدي الذي يكون أميناً على الرسالة وأميناً على الأهداف، وساعداً ومنطلقاً لترسيخ هذه الأهداف في كافة أرجاء العالم الإسلامي. والإمام (عليه السلام) لم يكن يملك هذه القاعدة، بل كان بحاجة إلى أن يبنيها).

والوعي عنصر مهم وأساس وجزء من العناصر التي يجب أن تتحلى بها الفئة الحاملة للرسالة إضافة إلى عنصر الإيمان. فالإيمان القائم على الوعي، إيمان راسخ يمتلك مقومات الثبات والديمومة وعوامل التحدي: تحدي كل ما يمكن أن يعترض المسيرة من عقبات وتحديات محتملة وغير محتملة. بينما الإيمان العاطفي أو بعبارة أخرى الإيمان اللاواعي، هو في الحقيقة إيمان هش لا يستند إلى دعامة ولا يعتمد على قاعدة، ومن الممكن أن يتهشم مع هبوب أول عاصفة. ولهذا لا نعجب حينما نشاهد تساقط الكثيرين من أصحاب هذا النوع من الإيمان حين مواجهة الضغوط الأولى، وربما تحولهم إلى المعسكر المناوئ، لعدم امتلاكهم للوضوح الذي يحفظ لهم التصاقهم بالمبدأ، وعدم توفّر البصيرة التي تمكنهم من رؤية ما لديهم من قوة واصالة ونقاء، وما لمناوئيهم من خواء وزيف وضباب.

وفي ظل هذه الحقائق، هل يمكن للقائد الرسالي أن يقف موقف اللامبالاة ويترك الأمة للأحداث والظروف لتفعل بها ما تريد، أم أنّ عليه أن يتخذ الخطوات المناسبة من اجل انتزاع الأمة من قبضة تلك الأحداث والظروف، وينشئها تنشئة ربانية موضحاً لها الحقائق وواضعها أمام مسؤولياتها والتزاماتها؟

وتحقيق مثل هذا الهدف لا يتسنى للقائد الرسالي الاّ حينما يكون صريحاً مع الأمة ومتحرقاً على العقيدة، وواضحاً وحازماً في مواقفه. بتعبير آخر إن القائد يجب أن يكون حريصاً كل الحرص على تطبيق مبادئ الإسلام، وبعيداً كل البعد عن كل ما يسيء إلى مبدئيته وعقائديته، ومصراً كل الإصرار على سلوك الطريق بحزم وعزم مهما كانت الضغوط والعقبات.

وفي مثل هذه الأجواء فقط، يمكن للقائد الرسالي أن يصنع القاعدة الواعية والطليعة الرسالية القادرة على مواصلة الطريق، وتحمل المسؤولية، وحفظ أصالة المبدأ وحيوية المفاهيم والأحكام.

ويردّ الشهيد الصدر على أولئك الذين أشاروا على الإمام علي (عليه السلام) بمساومة مناوئيه واللجوء إلى أنصاف الحلول ريثما تتوطد له الأمور، فيقول (إنّ شخصاً لا يمكن أن يعيش في جو من المساومات وأنصاف الحلول فيكتسب روحية أبي ذر أو عمار بن ياسر وروحية الجيش العقائدي الواعي البصير بأنّ المعركة ليست للذات وإنما للأهداف الكبيرة التي هي اكبر من الذات).

فالإمام علي (عليه السلام) كقائد رسالي كان بحاجة أذن إلى شخصيات مثل أبي ذر وعمار ومالك والمقداد، كي يمكنه أن يؤدي رسالته الإلهية اعتماداً على مثل هذه الشخصيات، ولن يتسنى له خلق مثل هذه الشخصيات إذا لم يتعامل بوضوح، ولم يصرّ على الحلول بشكلها الكامل الصحيح، فكان كما يقول الشهيد الصدر (لابد لآلاف من مالك الاشتر أن يشهدوا إنساناً لا تزعزعه المغريات ولا يتنازل إلى أي نوع من المساومات، حتى يستطيعوا من خلال حياة هذا الرجل العظيم أن يتبينوا المدلول الرسالي الكامل لأطروحته والأبعاد الواسعة للصيغة الإسلامية للحياة).


2 - إصلاح كافة الأجهزة والمؤسسات

القائد الرسالي حينما يسعى لتحقيق أهدافه الكبرى وإحداث التغيير المرجوّ في المجتمع، لابد له من أجهزة ومؤسسات سليمة نقية تُدار من قبل شخصيات تحمل هموم القائد وأهدافه وتطلعاته، وتحذو حذوه في رؤية الإسلام وقد أمتد إلى حياة الأمة وشؤونها وسلوكها. ولا يمكن لأي أجهزة لا تمتلك مثل هذه المؤهلات أن تنهض بأعباء المهمة التي يسعى القائد الرسالي لتحقيقها.

وانطلاقاً من ذلك، لابد من تغيير المؤسسات والأجهزة اللاإسلامية أو التي تتميز بظاهر إسلامي فقط، وإيجاد بدلاً منها مؤسسات إسلامية أصيلة منبثقة من قلب النظام الإسلامي وذات ظاهر وجوهر إسلامي، من اجل أحداث عملية التغيير في المجتمع على شتى الأصعدة. ولا يمكن بحال من الأحوال الإبقاء على المؤسسات السابقة بشكلها وكادرها ونظامها، حتى لو حاولت التظاهر بالتعاطف مع السياسة التي تنتهجها القيادة الرسالية.

ولا يمكن ضمن هذا الإطار القبول بالفكرة القائلة بضرورة الإبقاء على هذه المؤسسات وإقرارها مؤقتاً، ثم العمل على استبدالها بعد ذلك. ويرد الشهيد الصدر على أصحاب هذا الرأي قائلاً: (لو افترضنا أنّ الزعيم المسؤول عن إصلاح تلك البيئة، اقرّ الأجهزة الفاسدة التي يتوقف الإصلاح على إزالتها وتبديدها مؤقتاً، ثم بعد أن اكتسب القوة والمزيد من القدرة وامتد أفقياً وعمودياً في إبعاد هذه التجربة التي تزعمها، استبدل هذه الركائز بركائز أخرى، هذا المنطق لا يتفق مع طبيعة العمل الاجتماعي ومع طبيعة الأشياء، وذلك لأنّ هذا الزعيم من أين سوف يستمد القوة؟ هل تهبط عليه هذه القوة بمعجزة من السماء؟ لا... وإنما سوف يستمد هذه القوة من تلك الركائز نفسها).


3 - استثمار لحظة الارتفاع الثوري لدى الأمة

عندما تمر الأمة بمرحلة ثورية، وتطغى على الجماهير حالة الحماس أو الارتفاع الثوري، لا سيما تلك الحالة التي ترافق كل ثورة، فلابد للقائد الرسالي الذي يرقب بدقة ووعي كل ما يعتري الأمة من تحولات وما يطرأ عليها من تغيرات أن ينتهز تلك الحالة لصالح الأهداف الإسلامية العليا، وان لا يدعها تمر دون أن يحرك ساكناً أو يوجهها بالاتجاه الذي يصب في رافد حركته الرسالية، ويدعم التيار الإسلامي الواعي.

فالحركات الثورية والثورات الجماهيرية ظاهرة لا تتكرر كثيراً، ولابد من انفتاح القائد على هذا الحدث واستيعابه كي يتمكن من التعامل معه بما تمليه عليه المسؤولية الشرعية والإنسانية، وما تفرضه عليه ظروف المرحلة التي يمر بها. وهي في الواقع فرصة ذهبية أمام القيادة الربانية تسهّل عليها عملية تنفيذ ما لديها من برامج ومخططات، ودفع الأمة باتجاه الأهداف الإسلامية العليا. وانّ أي عملية تلكؤ أو تعثر على هذا الصعيد، تُعدّ في الواقع خطأً تاريخياً يرتكبه القائد في حق المبدأ والأمة.

وإذا عجز القائد عن استثمار الحالة الثورية لدى الأمة أو حماسها الجماهيري من اجل تقويم مسيرة الأمة والقضاء على الانحرافات وإضعاف الجبهة المناوئة للإسلام الأصيل النقي، فهو اعجز ولا شك عن فعل ذلك في ظل ظروف غير مواتية لا تجد فيها الجماهير حماساً يدفعها للتفاعل مع أهداف القائد ولا ارتفاعاً ثورياً يقفز بها من فوق العقبات والعراقيل.

ويتحدث الشهيد الصدر عن الإمام علي (عليه السلام) وهو يستثمر لحظة الارتفاع الثوري لدى الأمة التي أعقبت مقتل الخليفة الثالث، فيقول: (وماذا ينتظر القائد الرسالي غير لحظة ارتفاع في حياة امة، لكي يستطيع أن يستثمر هذه اللحظة في سبيل إعادة هذه الأمة إلى سيرها الطبيعي. كان لابد للإمام علي (عليه السلام) أن يستثمر لحظة الارتفاع الثوري هذه، لانّ المزاج النفسي والروحي وقتئذ لشعوب العالم الإسلامي لم يكن المزاج الاعتيادي الهادئ الساكن لكي يمشي حسب مخطط تدريجي... وكان لابد للحاكم الذي يستلم زمام المسؤولية في مثل هذه اللحظة أن يعمق هذه اللحظة ويرسخ المضمون العاطفي والنفسي عن طريق الإجراءات الثورية... ولو أنّ الإمام علياً (عليه السلام) أبقى الباطل مؤقتاً...ولو انه سكت عن معاوية وعن أحزاب أخرى مشابهة لمعاوية، أذن لهدأت العاصفة ولا نكمش هذا التيار العاطفي. وبعد انكماش هذا التيار العاطفي وهدوء تلك العاصفة، سوف لن يكون بمقدور الإمام (عليه السلام) أن يقوم بمثل هذه الإجراءات).


4 - التأكيد على رسالية الصراع وعقائديته

لابد للقائد الرسالي أن يخوض صراعاً مع العناصر المناوئة التي تصر على مواقفها وتحركاتها المناهضة للنهج الرسالي الذي ينهجه القائد، وتعمل بكل ما لديها من قوة وامكانات لإحباط تيار الجبهة العقائدية. ولابد للقائد وهو يخوض ذلك الصراع أن يؤكد ضمن ذلك على عقائدية ذلك الصراع وكونه صراعاً رسالياً إلهياً وليس صراعاً شخصياً أو مصلحياً، كي تفهم الأمة من جهة أنّ قيادتها لا تتحرك لا سيما في مثل هذه الخطوات الخطيرة التي ربما ستكلف الأمة الكثير من الخسائر والضحايا انطلاقاً من مصلحة شخصية أو عقدة نفسية، وكي يدرك الخصوم والمناوئون من جهة أخرى أنهم إنما يواجهون الرسالة بما تمتلك من قوى معنوية وقاعدة جماهيرية وكوادر رسالية، ولا يواجهون القيادة فحسب.

وحيثما يتم الأمر ضمن هذا الإطار، فستتبلور حينئذ قضية أنّ الصراع الناشب إنما هو صراع بين الحق والباطل، وصراع بين الإسلام بجوهره النقي الساطع وبين الحركات المضادة التي قد تتظاهر بظاهر إسلامي في بعض الأحيان. ومن الطبيعي أنّ تأثير ذلك الفهم سوف لن ينعكس على المرحلة التي شهدت ذلك الصراع فحسب، وإنما حتى على المراحل القادمة أو المستقبل الإسلامي ككل، وهو ما يعني توفير رصيد إسلامي للحركة الإسلامية على طول الخط، ومساعدة هذه الحركة على الانطلاق في مسارها اعتماداً على ما تملكه من وضوح ووعي واصالة وفّرتها رسالية الصراع بين القيادة الربانية والقيادة الدنيوية.

وحينما يستعرض الشهيد الصدر الصراع الذي كان قائماً بين الإمام علي (عليه السلام) كقائد إسلامي وبين خصوصه الدنيويين يؤكد: (إن الإمام كان حريصاً على أن تدرك الأمة كأمة أنّ المعركة بينه (عليه السلام) وبين خصومه... إنما هي معركة بين الإسلام والجاهلية. كان حريصاً على أن يفهم الناس أنّ واقع المعركة هو واقع المعركة بين رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والجاهلية التي حاربته في بدر وأحد وغيرهما من الغزوات).

ولو كان الإمام (عليه السلام) قد فعل غير هذا، ولم يبد تحمساً لتجسيد المعركة بهذا اللون (لترسخ في أذهان الناس، وفي أذهان المسلمين بشكل عام شك في أن القضية ليست قضية رسالية، وإنما هي قضية أهداف حكم).

ثم يرى الشهيد الصدر أنّ )أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يريد وقد أدرك الأمة في اللحظات الأخيرة من وجوده المستقل، أن يمدد هذا الوجود المستقل ويُشعر الأمة بأنها ليست سلعة تباع وتشترى وليست شيئاً يساوم عليه).


5 - تقديم أطروحة واضحة وصريحة للإسلام

القيادة الإسلامية وهي تقود المجتمع الإسلامي على كافة الأصعدة وفي شتى الاتجاهات، وتتطلع إلى تحقيق الأهداف الإسلامية الكبرى، لابد لها من أن تقدم الإسلام بقوانينه وأحكامه ومفاهيمه بشكله الصحيح وصورته الواضحة، بعيداً عن كل ما يمكن أن يضع الأمة في حالة شك أو تردد، وكل ما يمكن أن يفسّر تلك القوانين بأكثر من تفسير. وهذا يتطلب بطبيعة الحال قائداً مستوعباً للإسلام وهاضماً لكافة تعاليمه وآرائه، فضلاً عن ضرورة تميزه بالتقوى والوعي.

وتبدو هذه الحاجة أكثر مساساً في الفترات التي تمر فيها الأمة بأوضاع تحفل بالاضطراب الفكري والعقائدي واختلاط الآراء والقيم، واستشراء حالة التشكيك وتوجيه أصابع الاتهام. لهذا لابد من وقوف القيادة الإسلامية موقفاً صريحاً وحازماً لدعم كل فكرة إسلامية ورأي عقائدي منبثق من صميم الإسلام. ولابد لها من طرح الأفكار والآراء بشكل واضح ومتبلور، وتبديد الضباب عن المفاهيم الحقيقية التي يحاول الانتهازيون إظهارها بشكل آخر.

وقد سلك الإمام علي (عليه السلام) حينما اختارته الأمة لقيادة المسلمين هذا السلوك بالذات لأنه كما قال الشهيد الصدر (لم يكن يتعامل مع الفترة الزمنية القصيرة التي عاشها فقط، وإنما كان يحمل هدفاً اكبر من ذلك... وكان يفكر على مستوى آخر أوسع وأعمق... هذا المستوى يعني أن الإسلام كان بحاجة إلى أن تُقدّم له بين يدي الأمة أطروحة واضحة صريحة نقية لا شائبة فيها ولا غموض، لا التواء فيها ولا تعقيد، لا مساومة فيها ولا نفاق ولا تدجيل).

ibrahim aly awaly
02-01-2005, 09:51 AM
- لايبغض علياً إلا كافر ولايحبه إلا مؤمن
- علي ابن ابي طالب (ع) قسيم النار والجنه

روى جمع غفير من أعلامكم وعلمائكم عن النبي (ص) أنه قال(لا يحب عليا الا مؤمن ولا يبغضه الا منافق)

خرجه كثير من محدثيكم وعلمائكم الكبار منهم :

جلال الدين السيوطي في الدر المنثور .
الثعلبي في تفسيره .
العلامة الهمداني في مودة القربى .
احمد بن حنبل في المسند .
ابن حجر في الصواعق .
الخوارزمي في المناقب.
العلامة ابن المغازلي في المناقب .
الحافظ القندوزي في الينابيع.
ابن أبي الحديد في شرح النهج .
الطبراني في الأوسط .
المحب الطبري في ذخائر العقبى .
النسائي في الخصائص.
العلامة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب .
محمد بن طلحة في مطالب السؤول.
وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص .

ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة وغير هؤلاء جمع غفير خرجواهذا الحديث باسنادهم وبطرق شتى حتى كاد ان يصل التواتر ومن الواضح أن مصير الكافر والمنافق الى النار والسعير وانقل لكم بالمناسبة ما رواه العلامة الكنجي الشافعي في آخر الباب الثالث من الكتابه كفاية الطالب : بسده المتصل بموسى بن طريف عن عباية عن علي بن أبي طالب قال (أنا قسيم النار يوم القيامة أقول خذي ذا وذري ذا هكذا رواه الحافظ أبوالقاسم الدمشقي في تاريخه ورواه مرفوعا الى النبي (ص).

ثم قال العلامة الكنجي :
فان قيل سند هذا ضعيف قلت قال محمد بن منصور الطوسي كنا عند أحمد بن حنبل فقال له رجل :
يا أبا عبدالله ما تقول في الحديث الذي يروي أن عليا قال (أنا قسيم النار) فقال أحمد (ما تنكرون من هذا الحيث !
أليس روينا أن النبي (ص) قال لعلي :
لا يحبك ألا مؤمن ولا يبغضك الا منافق؟ قلنا بلى قال : فأين المؤمن قلنا في الجنة
قال: فأين المنافق؟ قلنا في النار .

قال: فعلي قسيم النار هكذا ذكره في طبقات أحمد رحمه الله.

وقال الله سبحانه(ان المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا)

ibrahim aly awaly
02-01-2005, 09:54 AM
مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ



ومن كتاب الإمام علي عليه السلام من المهد إلى اللحد / السيد محمد كاظم القزويني

علي (عليه السلام) ليلة المبيت

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وسلام على سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين.

قال الله تعالى "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ".

حديثنا ـ الليلة ـ حول ما قام به علي (عليه لسلام) من التضحية والتفادي في سبيل رسول الله والدفاع عنه، ولقد ذكرنا في الليلة الماضية شيئاً يسيراً مما قام به أبوه سيدنا أبو طالب (عليه السلام) في الدفاع عن النبي (صلّى الله عليه وآله) والحماية له.
ومن هذه الليلة نبدأ بشرح ما قام به علي (عليه السلام) من توطين النفس لكل بلاء ومكروه في سبيل الإسلام
ولقد صدق من قال:


ولولا أبو طالب وابنـــه ***** لما مثل الدين شخصاً وقاما
فذاك بمكة آوى وحامى ***** وهـــذا بيثرب جس الحماما
فـللـــه ذا فاتحاً للهـــدى ***** ولله ذا للمعــالــــي ختـــاما

فقد خلق الله تعالى علياً (عليه السلام) ليكون أحسن وزير وأشرف نصير للرسول وأوفى مدافع وأقوى مجاهد في سبيل الإسلام، ولقد تحقق الهدف الذي خلق علي (عليه السلام) من أجله، وقد ذكرنا نهضته المباركة يوم الإنذار وإجابته طلب الرسول وتلبيته لندائه، وكانت تلك النهضة فاتحة قيامه وجهاده، إذ تجلت فيها شخصية علي (عليه السلام) وعبقريته، وظهر مدى اعتماده على الله تعالى وعلى نفسه المتشبعة بالإيمان وقلبه المطمئن بذكر الله.

واستمر الأمر من ذلك اليوم فكأنه فترة التدريب أو الامتحان التمهيدي الذي لا بد منه لكل مصلح منقذ أن يجس نبض المجتمع ليكون على بصيرة أكثر فينضج فكره بالتجارب لاتخاذ التدابير اللازمة لمشروعه الذي ينوي القيام به والسير على المخطط الذي جعله برنامجاً لحياته.

ولولا خشية الافتراء على علي (عليه السلام) لقلت: إن قلب علي (عليه السلام) هو أقوى قلب خلقه الله في صدور البشر، وإن أعصاب علي كانت تستمد القوى من طاقة غير متناهية.
وإلا فكيف يمكن للبشر أن لا يدخل الخوف قلبه، ولا تتوتر من الأهوال أعصابه، ولا يخشى من المستقبل المبهم الغامض ولا تستولي عليه الغرائز: غريزة حب الذات، حب الحياة، الأنانية وغيرها من الطبائع التي كثيراً ما تحول بين الإنسان وبين ما يريد؟

ومن هذا الحديث ندرك الشجاعة التي خامرت نفس علي (عليه السلام) من صباه: عن أبي عبد الله (الصادق) (عليه السلام) أنه سئل عن معنى قول طلحة بن أبي طلحة ـ لما بارزه علي (عليه السلام) ـ : يا قضم؟
قال: إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان بمكة لم يجسر عليه أحد لموضع أبي طالب، وأغروا به الصبيان وكانوا إذا خرج رسول الله يرمونه بالحجارة والتراب، وشكى ذلك إلى علي (عليه السلام)، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله إذا خرجت فأخرجني معك.

فخرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومعه أمير المؤمنين (عليه السلام) فتعرض الصبيان لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) كعادتهم، فحمل عليهم أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكان يقضمهم في وجوههم وآنافهم وآذانهم، الصبيان يرجعون باكين إلى آبائهم ويقولون: قضمنا علي (عليه السلام) قضمنا علي.
فسمي لذلك: القضم.

ولقد حاول المشركون وكفار مكة خنق الإسلام والقضاء على حياة الرسول (صلّى الله عليه وآله) بشتى الطرق والأساليب، فكانت حركاتهم فاشلة، وجاءوا إلى أبي طالب وسألوه أن يمنع الرسول عن سب الآلهة!! وإفساد الشبان!! وتسفيه الأحلام! فلم يجدوا التجاوب من أبي طالب (عليه السلام).
فجعلوا يحاربون النبي حرب الأعصاب، وجاءوا عن طريق التهديد والوعيد وإسناد السحر والجنون إليه، وقذفه بالحجارة وتلويث ثيابه بالدم والأقذار.
وكتبوا الصحيفة القاطعة وقاطعوا بني هاشم أقسى مقاطعة، كل ذلك لا يزيد النبي إلا ثباتاً واستقامة، وخاصة لما نزلت عليه الآية "فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ" واستمر الحال على هذا المنوال حتى توفيت السيدة خديجة الكبرى وبعد مدة يسيرة توفي سيدنا أبو طالب، وكانا بمنزلة جناحين لرسول الله، وخيمت الأحزان على قلب الرسول حتى سمي تلك السنة (عام الحزن).

وعند ذلك خلا الجو للمشركين، واستضعفوا النبي لفقدان الناصر، وعزموا على اغتيال النبي وقتله، وإليكم التفصيل:
اجتمع المشركون في دار الندوة وتذاكروا حول قتل النبي (صلّى الله عليه وآله) وتقرر أخيراً أن يجتمع من كل قبيلة رجل واحد ويهجموا على النبي (صلّى الله عليه وآله)، ويقتلوه في بيته، واجتمع أربعون رجلاً من أربعين قبيلة واجتمعوا على باب دار النبي (صلّى الله عليه وآله) ونزل جبرائيل على النبي وأخبره بمكيدة القوم وأمره بالهجرة من مكة إلى المدينة.

فأرسل النبي إلى علي وقال له: يا علي إن الروح هبط علي يخبرني أن قريشاً اجتمعت على المكر بي وقتلي وأنه أوحى إلي عن ربي أن أهجر دار قومي وأن أنطلق إلى غار ثور، تحت ليلتي، وأنه أمرني أن آمرك بالمبيت على مضجعي لتخفي بمبيتك عليه أثري فما أنت قائل وصانع؟
فقال علي (عليه السلام): أوَ تسلمنّ بمبيتي هناك يا نبي الله؟
قال: نعم
فتبسم علي (عليه السلام) ضاحكاً، وأهوى إلى الأرض ساجداً، شكراً لما أنبأه به رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من سلامته، فكان علي (عليه السلام) أول من سجد لله شكراً، وأول من وضع وجهه على الأرض بعد سجدته من هذه الأمة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)
فلما رفع رأسه قال له: امضي لما أمرت، فداك سمعي وبصري وسويداء قلبي، ومرني بما شئت أكون فيه كمسرتك وأقع منه بحيث مرادك، وإن توفيقي إلا بالله،
وقال النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ : أو أن ألقي عليك شبهة مني، أو قال: شبهي
قال: أن يمنعوني نعم
قال: فارقد على فراشي واشتمل ببردي الحضرمي، ثم إني أخبرك يا علي أن الله تعالى يمتحن أولياءه على قدر إيمانهم ومنازلهم من دينه، فأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، وقد امتحنك يا ابن أم وامتحنني فيك بمثل ما امتحن به خليله إبراهيم (عليه السلام) والذبيح إسماعيل (عليه السلام)، فصبراً صبراً، فإن رحمة الله قريب من المحسنين، ثم ضمه النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى صدره وبكى إليه وجداً به، وبكى علي (عليه السلام) جزعاً على فراق رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

وفي رواية: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ لعلي (عليه السلام) ـ : أرضيت أن أُطلب فلا أُوجد وتوجد؟ فلعله أن يبادر إليك الجهال فيقتلوك؟
قال: بلى يا رسول الله رضيت أن يكون روحي لروحك وقاءً ونفسي لنفسك فداء، بل رضيت أن يكون روحي ونفسي فداء أخ لك أو قريب...
وهل أحب الحياة إلا لخدمتك، والتصرف بين أمرك ونهيك، ولمحبة أوليائك ونصرة أصفيائك ومجاهدة أعدائك.
لولا ذلك لما أحببت أن أعيش في هذه الدنيا ساعة واحدة.
وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): لعلي (عليه السلام) فإذا قضيت ما أمرتك من أمر فكن على أهبة الهجرة إلى الله ورسوله، وسر إلي لقدوم كتابي عليك، ولا تلبث بعده.

فانطلق النبي إلى الغار، ونام علي في مكانه ولبس برده، فجاء قريش يريدون أن يقتلوا النبي (صلّى الله عليه وآله)، فجعلوا يرمون علياً وهم يرون أنه النبي وكان علي (عليه السلام) يتضور (يتلوى) من الألم ولا يتكلم لئلا يعرفوه، وكان القوم يريدون الهجوم على البيت ليلاً، فيمنعهم أبو لهب ويقول لهم: يا قوم إن في هذه الدار نساء بني هاشم وبناتهم، ولا نأمن أن تقع يد خاطئة إذا وقعت الصيحة عليهن، فيبقى ذلك علينا مسبة وعاراً إلى آخر الدهر في العرب.
فجلسوا على الباب حتى طلع الفجر، فتواثبوا إلى الدار شاهرين سيوفهم، وقصدوا نحو مضجع النبي ومعهم خالد بن الوليد، فقال لهم أبو جهل: لا تقعوا به وهو نائم لا يشعر، ولكن ارموه بالأحجار لينتبه بها ثم اقتلوه، أيقظوه ليجد ألم القتل، ويرى السيوف تأخذه!! فرموه بأحجار ثقال صائبة.
فكشف عن رأسه، وقال: ما شأنكم؟ فعرفوه، فإذا هو علي (عليه السلام)
فقال أبو جهل: أما ترون محمداً كيف أبات هذا ونجا بنفسه لتشتغلوا به؟ وينجو محمد، لا تشتغلوا بعلي المخدوع لينجو بهلاكه محمد، وإلا فما منعه أن يبيت في موضعه إن كان ربه يمنع عنه كما يزعم.
ثم قالوا: أين محمد؟
قال: أجعلتموني عليه رقيباً؟ ألستم قلتم: نخرجه من بلادنا؟ فقد خرج عنكم.
فأرادوا أن يضربوه فمنعهم أبو لهب، وقالوا لعلي: أنت كنت تخدعنا منذ الليلة (أي بنومك على فراش النبي خدعتنا وظننا أنك محمد) وبقي النبي (صلّى الله عليه وآله) في الغار ثلاثة أيام وكان علي يأتيه بالطعام والشراب وفي رواية: استأجر ثلاث رواحل للنبي ولأبي بكر ولدليلهم.
وخرج النبي بعد ذلك من الغار وتوجه نحو المدينة.

روى الثعلبي في تفسيره قال: لما أراد النبي (صلّى الله عليه وآله) الهجرة خلف علياً (عليه السلام) لقضاء ديونه، ورد الودائع التي كانت عنده وأمر ليلة خرج إلى الغار، وقد أحاط المشركون بالدار.
وقال له يا علي: اتشح ببردي الحضرمي، ثم نم على فراشي فإنه لا يخلص إليك منهم مكروه إن شاء الله، ففعل ما أمره، فأوحى الله عز وجل إلى جبرائيل وميكائيل: إني قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة؟
فاختار كل منهما الحياة، فأوحى الله عز وجل إليهما "ألا كنتما مثل علي بن أبي طالب؟ آخيت بينه وبين محمد (صلّى الله عليه وآله) فبات على فراشه يفديه بنفسه، ويؤثره بالحياة، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه، فنزلا"، فكان جبرائيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبرائيل يقول: بخ بخ! من مثلك يا بن أبي طالب، يباهي الله بك ملائكته؟؟ فأنزل الله عز وجل على رسوله (صلّى الله عليه وآله) وهو متوجه إلى المدينة في شأن علي بن أبي طالب (عليه السلام) "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ".

قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): نزل علي جبرائيل صبيحة يوم الغار
فقلت: حبيبي جبرائيل أراك فرحاً
فقال: يا محمد وكيف لا أكون كذلك وقد قرت عيني بما أكرم الله به أخاك ووصيك وإمام أمتك علي بن أبي طالب (عليه السلام)
فقلت: بماذا أكرمه الله؟
قال: باهى بعبادته البارحة ملائكته، وقال "ملائكتي! انظروا إلى حجتي في أرضي بعد نبيي وقد بذل نفسه، وعفر خده في التراب تواضعاً لعظمتي، أشهدكم أنه إمام خلقي ومولى بريتي".

وكان علي (عليه السلام) يعتز ويفتخر بهذه الموفقية التي نالها من عند الله تعالى فقال شعراً:


وقيت بنفسي خير من وطأ الحصى ***** ومــن طاف بالبيت العتيق وبالحجر
محمـــد لما خاف أن يمكـــروا بــه ***** فوقـاه ربــــــي ذو الجلال من المكر
وبتُّ أراعـيهــم متـــــى ينشرونني ***** وقد وطنت نفسي على القتل والأسر
وبات رســـول الله فـــي الغار آمـناً ***** هـنـاك وفــي حفظ الإله وفــــي ستر
أقام ثلاثاً ثـــم زمـــــت قلائــــــص ***** قلائـــص يفرين الحصى أينما تفـري

إن هذا العمل العظيم الذي قام به الإمام العظيم علي (عليه السلام) وقع من أهل السماوات موقع الإعجاب والإكبار والتقدير، وهذه المواساة هي الفريدة من نوعها في تاريخ الإسلام بل وفي تاريخ الأنبياء، فلا غرو ولا عجب إذا طأطأ العظماء رؤوسهم إجلالاً لعلي (عليه السلام) ونثروا الثناء الجميل نظماً ونثراً، ولم ينحصر التنويه والإشادة بهذه المكرمة بالمسلمين، بل شاركهم من غير المسلمين كل من تطبع بروح الفضيلة وحمل بين جوانح صدره قلباً وعى جزءً من الفتوة والشهامة والنجدة وكل يعمل على شاكلته، وكل إناء بالذي فيه ينضح.
أما من المسلمين فالسيد ابن طاووس له كلام لطيف وتحقيق ظريف سنذكره.
وأما من غير المسلمين فأحدهم جورج جرداق الكاتب المعاصر وبولس سلامة في ملحمة الغدير، ونكتفي ـ هنا ـ بكلام ابن طاووس وجورج جرداق وبولس سلامة.

قال السيد ابن طاووس في كتاب الإقبال...
ومن أسرار هذه المهاجرة: أن مولانا علياً (عليه السلام) بات على فراش المخاطرة وجاد بمهجته لمالك الدنيا والآخرة ولرسوله (صلّى الله عليه وآله) فاتح أبواب النعم الباطنة والظاهرة، ولولا ذلك المبيت واعتقاد الأعداء أن النائم على الفراش هو سيد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله) لما كانوا صبروا عن طلبه إلى النهار حتى وصل إلى الغار، فكانت سلامة صاحب الرسالة من قبل أهل الضلالة صادرة عن تدبير الله جل جلاله بمبيت مولانا علي (عليه السلام) في مكانه وآية باهرة لمولانا علي (عليه السلام) شاهدة بتعظيم شأنه، وأنزل الله جل جلاله في مقدس قرآنه "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ" فأخبر أن لمولانا علي (عليه السلام) كانت بيعاً لنفسه الشريفة، وطلباً لرضاء الله جل جلاله دون كل مراد، وقد ذكرنا في الطرائف من روى هذا الحديث من المخالف، ومباهاة الله جل جلاله تلك الليلة بجبرائيل وميكائيل في بيع مولانا علي (عليه السلام) بمهجته، وأنه سمح بما لم يسمح به خواص ملائكته.
ومنها: أن الله جل جلاله زاد مولانا علياً (عليه السلام) من القوة الإلهية والقدرة الربانية إلى أنه ما قنع له أن يفدي النبي (صلّى الله عليه وآله) بنفسه الشريفة، حتى أمره أن يكون مقيماً بعده في مكة مهاجراً للأعداء قد هربه منهم وستره بالمبيت على الفراش وغطاه عنهم، وهذا ما لا يحتمله قوة البشر إلا بآيات باهرة من واهب النفع ودافع الضرر.
ومنها: أن الله عز وجل لم يقنع لمولانا علي (عليه السلام) بهذه الغاية الجليلة حتى زاده من المناقب الجميلة، وجعله أهلاً أن يقيم ثلاثة أيام بمكة لحفظ عيال سيدنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأن يسير بهم ظاهراً على رغم الأعداء وهو وحيد من رجاله، ومن يساعده على ما بلغ من المخاطرة إليه.
ومنها: أن فدية مولانا علي (عليه السلام) لسيدنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كانت من أسباب التمكين من مهاجرته ومن كل ما جرى من السعادات والعنايات بنبوته، فيكون مولانا علي (عليه السلام) قد صار من أسباب التمكين من ما جرت حال الرسالة عليه ومشاركاً في كل خير فعله النبي (صلوات الله عليه)، وبلغ حاله إليه، وقد اقتصرت في ذكر أسرار المهاجرة الشريفة النبوية على هذه المقامات الدينية، ولو أردت بالله جل جلاله أوردت مجلداً منفرداً في هذه الحال، ولكن هذا كاف شاف للمنصفين وأهل الإقبال.

وقال الكاتب المسيحي جورج جرداق في كتابه: (صوت العدالة الإنسانية): أما علي بن أبي طالب، فما كان أعجب أمره يوم غامر في سبيل عقيدته التي هي عقيدة محمد بن عبد الله، وفي سبيل الحق ورعاية الشرف والإخاء هذه المغامرة التي لم يعرف التاريخ أجل منها، وأقوى وأدل على وحدة الذات بين عظيم وعظيم.
وإنها لإرادة على التضحية قل أن تجد لها مثيلاً إلا في الظروف النادرة التي تقف بها النفس الإنسانية الواعية بين حالين من وجود وفناء في حيز من إدراك معنى الوجود على مثال خاص.
فإما أن تؤثر لهذا الجسد عيشاً يقربه دون ما يحييه من قيم الحياة الصاعدة، فتنكر هذه القيم وتفضل عليها وجوداً هو أشبه بالفناء من حيث أن الوجود حياة تحيا! وإما أن تؤثر لهذا الكيان الإنساني انصهاراً بكليات القيم دونما نظر إلى وجود عضوي لا يتصل بروح الوجود الفذ، فتأتي هذه القيم سالكاً إليها طريق التهلكة.
وما فناؤك آنذاك إلا دليل على أن الوجود إنما هو لديك حياة تحيا لا عيش يعاش!
أجل، إنها لتضحية قل أن تجد لها مثيلاً إلا في اختيار سقراط للموت وفي مسلك غيره من السقارطة، تضحية علي بن أبي طالب يفدي النبي بنفسه راضياً مختاراً على صورة أهون منها على لقاء الموت في ساحة القتال، أو على شفاه قمقم السم! فما أصعب على المرء أن يأخذ مكان رجل حكم عليه المجرمون بالقتل.
وأن يرقد في فراشه فلا يخطئه هؤلاء إذا دخلت إرادتهم طور التنفيذ وهم منه على خطوات ينظرون إليه ويسمع إليهم.
ثم إنه يترقب بين حين وحين رؤية أنظارهم تتوامض بالغدر تحت عينيه، وسيوفهم تتلامع بالموت فوق رأسه، طوال ليلة كاملة!
لقد كان علي بمغامرته هذه استمراراً لمحمد.
وكانت تضحيته من روح المقاومة التي عرف بها ابن عمه العظيم، وكان مبيته في فراش النبي تزكية للدعوة وحافزاً على الجهاد الطويل! ثم إن في هذه المغامرة ما يوجز الحقيقة عن الإمام وطباعه ومزاجه، فإذا هي صادرة عنه كما تصدر الأشياء عن معادنها دون تكلف ودون إجهاد.
ففيها نموه الذهني المبكر الذي جعله يدرك من الدعوة التي يدق فهمها فهماً صحيحاً على من كان في مثل سنه.
وفيها زهده بالحياة إذا لم تكن عمراً لمكارم الأخلاق.
وفيها صدقه المر وإخلاصه العجيب.
وفيها عدله بين نفسه وبين سواه من أهل الجهاد وما يتوخاه بذلك من نصرة للمظلومين والمستضعفين إذا قتل هو ونجحت الرسالة على يدي صاحب الهجرة.
وفيها مواجهته للأمور بسماحة وبساطة لا يعرف معهما إلى الكلفة سبيلاً.
وفيها المروءة والوفاء والطيبة والشجاعة وسائر صفات الفروسية التي يمثلها علي بن أبي طالب.
بل قل هي شيء من استشهاده المقبل

وقال الأستاذ بولس سلامة في ملحمة الغدير:


هــــزه الشوق للنبــــــي فشـــــد ***** العزم يهفــــو إلى جماع المآثر
في رمال الصحراء يسري وحيداً ***** مقـفـر الكـف أعـوزته الأباعـر
صابر في العذاب والجوع حتـــى ***** عجب القـفر مـن تقـشف صابر

إلى أن يقول:


لا فـراش ســوى الثرى، لا غــطاء ***** لا ضياء سـوى النجوم الزواهر
فيناجي السهى يصعــد فــــي الأجــــ ***** ــــواء طرفاً يشـق ستــــر الدياجر
إن هذا الصمت الرهـيب لقـــــــدس ***** يغسل المــرء بالعـــذاب الصاهر
فالخطــــــوب الجســـــام والألم الممــ ***** ـــدود وحــــــي مطهــــر للضمائر
فإذا كان طاهـــــــــــراً كعلــــــــــي ***** شــــــــد لله قـلبـــــه بأواصــــر
يذكـــــــــــر الله بكـــــرة وعـشيـــا ***** ويـصــلي فــي كل ومضة خاطر
فالمناجــاة والصــــــلاة عـطــــــور ***** تتعـالـــى إلـــى السماء مباخـــر
يا رمال الصحـــراء هــــذا عـلـــــي ***** فاملــئي الدرب والضفاف أزاهر
هـــو بعـــد النبـــــي أشرف ظـــــل ***** لاح في الـسبسب الخلــي مهاجر
حملـــــي أجنــــــح الأثيـــــر نسيماً ***** من جفــون الأسحار ريان عاطر
وابسطــي حولـــه الزنابــــق فـرشاً ***** وانشري فـوقـــه الغمام مقاصر
أَبْشِرْ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ


" لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ، قَوْلَهُ "الم * أحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْركُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ"عَلِمْتُ أَنَّ الْفِتْنَةَ لاَ تَنْزِلُ بِنَا وَرَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) بَيْنَ أَظْهُرِنَا.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا هذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتي أَخْبَرَكَ اللهُ بِهَا؟
فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ مِنْ بَعْدِي.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَلَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي يَوْمَ أُحُد حَيْثُ اسْتُشْهِدَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَحِيزَتْ عَنِّي الشَّهَادَةُ، فَشَقَّ ذلِكَ عَلَيَّ، فَقُلْتَ لِي: أَبْشِرْ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ.
فَقَالَ لي: إِنَّ ذلِكَ لَكَذلِكَ، فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذَنْ.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَيسَ هذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ، وَلكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ البشرى وَالشُّكُرِ"
(من جواب لأمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه لسائل سأله عن الفتنة)

" فَإِنْ أقُلْ يَقُولُوا: حَرَصَ عَلَى الـمُلْكِ، وَإنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا: جَزعَ مِنَ المَوْتِ!
هَيْهَاتَ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَالَّتِي!
وَاللهِ لاَبْنُ أَبي طَالِب آنَسُ بالمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْي أُمِّهِ
بَلِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْم لَوْ بُحْتُ بِهِ لاَضْطَرَبْتُمُ اضْطِرَابَ الاَْرْشِيَةِ في الطَّوِيِّ البَعِيدَةِ!"
( من خطبة له صلوات الله وسلامه عليه)


وَإِنِّي إِلَى لِقَاءِ اللهِ لَمُشْتَاقٌ


"إِنِّي وَاللهِ لَوْ لَقِيتُهُمْ وَاحِداً وَهُمْ طِلاَعُ الاَْرْضِ كُلِّهَا مَا بَالَيْتُ وَلاَ اسْتَوْحَشْتُ
وَإِنِّي مِنْ ضَلاَلِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ وَالْهُدَى الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ لَعَلى بَصِيرَة مِنْ نَفْسِي وَيَقِين مِنْ رَبِّي.

وَإِنِّي إِلَى لِقَاءِ اللهِ لَمُشْتَاقٌ
وَلِحُسْنِ ثَوَابِهِ لَمُنْتَظِرٌ رَاج

وَلكِنَّنِي آسَى أَنْ يَلِيَ [أَمْرَ ]هذِهِ الاُْمَّةِ سُفَهَاؤُهَا وَفُجَّارُهَا
فَيَتَّخِذُوا مَالَ اللهِ دُوَلاً، وَعِبَادَهُ خَوَلاً، وَالصَّالِحِينَ حَرْباً، وَالْفَاسِقِينَ حِزْباً"
( من خطبة له صلوات الله وسلامه عليه)





بِاَبي اَنْتَ وَاُمِّي يا نُورَ اللهِ التّامَّ



روى السّيد عبد الكريم ابن طاووس عن صفوان الجمّال قال : لما وافيت مع جعفر الصّادق (عليه السلام)الكوفة يريد أبا جعفر المنصور قال لي : يا صفوان انخ الرّاحلة فهذا قبر جدّي امير المؤمنين (عليه السلام)، فانختها ثمّ نزل فاغتسل وغيّر ثوبه وتخفّى وقال لي : افعل مثل ما أفعله، ثمّ أخذ نحو الذّكوة « النّجف » وقال قصّر خطاك وألق ذقنك الارض، فانّه يكتب لك بكلّ خطوة مائة ألف حسنة، ويمحى عنك مائة ألف سيّئة، وترفع لك مائة ألف درجة، وتقضى لك مائة ألف حاجة، ويكتب لك ثواب كلّ صدّيق وشهيد مات أو قتل، ثمّ مشى ومشيت معه على السّكينة والوقار نسبّح ونقدّس ونهلّل الى أن بلغنا الذّكوات والتّلول، فوقف (عليه السلام) ونظر يمنة ويسرة وخط بعكازته فقال لي :

اطلب فطلبت، فاذا أثر القبر، ثمّ أرسلَ دُموعَه على خدّه وقال : اِنّا للهِ وَاِنّا اِلَيْهِ راجِعُونَ

وقال : اَلسَّلامُ عَلَيْكَ اَيُّهَا الْوَصِيُّ الْبَرُّ التَّقِيُّ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ اَيُّهَا النَّبَأُ الْعَظيمُ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ اَيُّهَا الصِّدّيقُ الرَّشيدُ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ اَيُّهَا الْبَرُّ الزَّكيُّ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وَصِيَّ رَسُولِ رَبِّ الْعالَمينَ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا خِيَرَةَ اللهِ عَلَى الْخَلْقِ اَجْمَعينَ، اَشْهَدُ اَنَّكَ حَبيبُ اللهِ وَخاصَّةُ اللهِ وَخالِصَتُهُ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وَلِيَّ اللهِ وَمَوْضِعَ سِرِّهِ، وَعَيْبَةَ عِلْمِهِ وَخازِنَ وَحْيِهِ

ثمّ انكب على القبر وقال :

بِاَبي اَنْتَ وَاُمِّي يا اَميرَ الْمُؤْمِنينَ
بِاَبي اَنْتَ وَاُمِّي يا حُجَّةَ الْخِصامِ
بِاَبي اَنْتَ وَاُمِّي يا بابَ الْمَقامِ
بِاَبي اَنْتَ وَاُمِّي يا نُورَ اللهِ التّامَّ

اَشْهَدُ اَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ عَنِ اللهِ وَعَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ما حُمِّلْتَ، وَرَعَيْتَ مَا اسْتُحْفِظْتَ، وَحَفِظْتَ مَا اسْتُوْدِعْتَ، وَحَلَّلْتَ حَلالَ اللهِ، وَحَرَّمْتَ حَرامَ اللهِ، وَاَقَمْتَ اَحْكامَ اللهِ، وَلَمْ تَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ، وَعَبَدْتَ اللهَ مُخْلِصاً حَتّى أَتاكَ الْيَقينُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ وَعَلَى الاَْئِمَّةِ مِنْ بَعْدِكَ .

ثمّ قام (عليه السلام) فَصَلّى عند الرّأس ركعات وقال : يا صفوان من زار امير المؤمنين (عليه السلام) بهذه الزّيارة وصَلّى بهذه الصّلاة رَجع الى أهله مغفُوراً ذنبه، مشكُوراً سعْيه، وَيكتب له ثواب كلّ مَن زاره منَ المَلائكة .
قلت : ثواب كلّ من يزوره من الملائكة ؟
قال : بلى يزوره في كلّ ليلة سَبْعون قبيلة
قلت : كم القبيلة ؟
قال : مائة ألف

ثمّ خرج من عنده القهقرى وهو يقول : يا جَدّاهُ يا سَيِّداهُ يا طَيِّباهُ يا طاهِراهُ، لا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْكَ، وَرَزَقَنِي الْعَوْدَ اِلَيْكَ وَالْمَقامَ في حَرَمِكَ وَالْكَوْنَ مَعَكَ وَمَعَ الاَْبْرارِ مِنْ وُلْدِكَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ وَعلَى الْمَلائِكَةِ الُْمحْدِقينَ بِكَ

قال صفوان : قلت يا سيّدي أتأذن لي أن أخبر أصحابنا مِن أهل الكوفة وادلّهم على هذا القبر؟
فقال : نعم واعطاني دراهم وأصلحت القبر .

هناء صالح
02-01-2005, 11:27 AM
أحسنتم و بوركتم

أعجبني ما جاء في ملحمة الغدير كثيرا و لم أقرأه من قبل

شكرا لكم إخوتي

هناء صالح
02-01-2005, 11:47 AM
(10) ومن أشعار بولص سلامة المعاصر اللبناني في «ملحمة الغدير» (ص11 ـ المقدمة وص 340) قال :


يا أمير المؤمنين حَسبي فَخْراً *** اِنني منك ماليءٌ اصغريا


جلجل الحق في المسيحي حتى *** عُدَّ من فرطِ حُبِّهِ علويّا


أنا مَن يَعشق البطولة والالهام *** والعَدل والخلاق الرَضيا


فاِذا لم يكن علي نبيّاً *** فلقد كان خُلقُه نبَويّا


لا تَقُل شيعة هُواة علي *** اِن في كل مُنصف شيعيّاً


انما الشمس للنواظر عيدٌ *** كل طرف يرى الشعاع سَنيّاً

http://www.u-of-islam.net/uofislam/maktaba/Hadith/al-arbaein/04/a57.htm

ibrahim aly awaly
02-01-2005, 01:00 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
شكرا لك يا ابنتي على الملاحظه القيمه
و شكرا لما اردت نقله من الوصله و الذي هو

======

لاربعين في حب امير المؤمنين(ع)ج4




الفصل الحادى والستون بعد المئة ما من عبد يموت وفي


قلبه مثقال حبة خردل من حب علي إلا أدخله اللّه الجنّة





روى شيخ الطائفة الطوسي قدّس سرّه باسناده من طريق العامة عن أبي سلام مولى قيس قال :
خرجَتُ مع مَولاي قيس الى المدائنُ ، قال : سمعت سعد بن حذيفة يقول : سمعت أبي حذيفة يقول : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول :
«ما مَنْ عَبد يمُوتُ وفي قلبه مثقال حبّة من خردل من حبّ علي بن ابي طالب الا أدخَلَهُ الله الجنة»(1) .















--------------------------------------------------------------------------------

(1) أمالي الطوسي : ص210 .
ـ ورواه في «القطرة» (ج1 ب2 ص119 ح104) عن محمد بن الحسن الصفار عن حذيفة (رض) عن النبي (صلى الله عليه وآله)وكذا الشيخ قدس سره عن أبي سلام مولى قيس بعين ما تقدم . ورواه محمد بن ابي القاسم الطبري في «بشارة المصطفى» (ص236) باسناده من طريق العامة عن سعد بن حذيفة عن أبيه . ورواه في البحار : ج39 ص246 ح2 .


==============


تحياتي الولائيه
ابراهيم علي عوالي العاملي

ibrahim aly awaly
03-01-2005, 08:47 AM
مناظرة السيد محمد جواد المُهري مع الأستاذ عمر الشريف في النص على الأئمة الاثنى عشر عليه السلام


المُناظرة الثانية والاربعون
مناظرة السيد محمد جواد المُهري مع الأستاذ عمر الشريف في النص على الأئمة الاثنى عشر عليه السلام



يقول السيد محمد جواد المُهري في مذكراته المدرسية : بعد بضع ساعات وعندما حان وقت لقائنا، دخلت غرفة المعلمين بهلع وحذر، فلما وجدت الاَستاذ في مكانه كالمعتاد شعرت بالاِرتياح، وبعد ما حييته رد الجواب وحدثته بما دار بيني وبين المدير، فبدأ عليه الاِستياء والضجر، وقال بدهشة وحيرة:
كنت راغباً بالحوار والحديث أكثر من هذا، وأود معرفة رأيكم بشأن عدة قضايا فقهية مختلف فيها، وأريد معرفة آراء علماء وفقهاء الشيعة في ما يخص التقية، ومصحف فاطمة، والسجود على التربة، والجمع بين الصلاتين ، والكثير من المواضيع الاخرى، ولكن من الاَفضل في ظل هذا الوضع الذي استجد أن نطوي ملف المواضيع السابقة، إلى حين توفر الفرصة المناسبة في المستقبل لنواصل الحوار الممتع بإذن الله، وإلا فأنني آمل الاِطلاع على آراء الشيعة بشأن القضايا المختلفة من خلال التحقيق في كتبهم.
عبّرت له عن أسفي عمّا حصل ووعدته عقد لقاء أو لقائين آخرين لمواصلة حوارنا من أجل إنهاء موضوع الخلافة وأوصياء الرسول صلى الله عليه وآله فوافق على هذا الرأي. واصلت بحثنا السابق على الرغم من استيائنا لما حصل.
فقلت: كان موضوعنا يدور حول أهل البيت عليهم السلام الذين أوصى بهم الرسول صلى الله عليه وآله في مواقف شتى ، وأمر أمتة بالرجوع إليهم واتباعهم وطاعتهم ، وأن لا يتخلفوا عنهم فيهلكوا، وتبيّن أن أهل البيت هم علي وفاطمة والحسنان عليهم السلام، وليس المراد زوجات الرسول صلى الله عليه وآله ولا غيرهن.
وهنا سأل الاستاذ: أليس سائر أئمتكم من أهل البيت عليهم السلام ؟
قلت: إنهم ليسوا سوى أهل البيت عليهم السلام ، هم آل الرسول صلى الله عليه وآله وأوصياؤه وخلفاؤه بالحق، لهم الحكومة والاِمامة على اُمّة محمد إلى يوم القيامة، وهم وإن كانوا في الظاهر تحت كبت الحكومات الغاصبة الجائرة في عهودهم، إلاّ أنهم كانوا أئمة عصرهم وخلفاءه، وكان يجب على الناس ـ استناداً إلى أمر الرسول صلى الله عليه وآله ـ طاعتهم واتباعهم والاِنصياع لاَوامرهم كالاِنصياع لاَمر رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقد كان لهم بطبيعة الحال أتباع أوفياء في كل عصر، لم يتخلفوا عنهم لحظة تحت أسوء الظروف السياسية ، ويتمسكون بأوامرهم الشرعية والاَخلاقية وإلاجتماعية والسياسية.
وقد حدد رسول الله صلى الله عليه وآله أهل بيته بعلي وفاطمة والحسنين عليهم السلام لاَن هؤلاء فقط هم الذين كانوا في زمنه، وإلا فإن أهل البيت أو آل محمد يشمل جميع الاَئمة الذين يفتخر الشيعة بالاِنتماء اليهم، ولم يتخلفوا لحظة عن اتباعهم امتثالاً لاَمر الرسول صلى الله عليه وآله فيهم.
ومثلما أوصى الرسول لعلي عليه السلام ، فقد أوصى لاَبناء علي أيضاً، وهذا ما لم يشر اليه أبناء العامة في هذه الروايات بالكامل إلا بعض المنصفين منهم، مثل مؤلف كتاب « ينابيع المودّة » رحمه الله، لقد حدد الرسول الاَئمّة والاَوصياء بعده بإثني عشر خليفة وإماماً، وهذا ما بلغ حدّ التواتر في كتب الفريقين، فإن فكرة الاَئمة أو الخلفاء الاثني عشر لا تنطبق إلاّ على عقيدة الشيعة ، الذين يعتقدون بإثني عشر إماماً.
الاَستاذ: هل يمكنك ذكر الروايات التي تصفها بالمتواترة؟
قلت: لقد دونت بعض هذه الروايات احتياطاً مع اختلافها في الاَلفاظ وجلبتها معي ؛ لاَني كنت أعلم أن بحثنا سيتناول أوصياء الرسول صلى الله عليه وآله ، وهي كالتالي:
1 ـ « الاَئمة من بعدي إثنا عشر، من أهل بيتي » (1) .
تلاحظ في هذا الحديث أن الرسول جاء بكلمة « الاَئمة » وبعبارة « أهل بيتي »، حيث يتبيّن أن الاَئمة من بعده هم أهل بيته، وأهل بيته كما ثبت لدينا هم علي وفاطمة وابناهما عليهم السلام .
2 ـ « يملك هذه الاَمّة إثنا عشر كعّدة نقباء بني إسرائيل » (2) .
وردت أكثر روايات السنة في هذا الموضوع تحت عنوان: « نقباء بني إسرائيل »، ووردت في بعضها عبارة: « عدة أصحاب موسى »، وهي إشارة إلى الآية الشريفة: ( ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً ) (3) .
ويفهم من هذه الآية ـ كما تلاحظون ـ أن الله هو الذي بعث النقباء الإثني عشر إلى بني إسرائيل، ومن الطبيعي أن اُولئك النقباء كانوا أنبياءً، ولكن بما أن نبيّنا صلى الله عليه وآله هو خاتم الاَنبياء، لهذا فإن النقباء ـ الاَئمة عليهم السلام ـ من بعده ليسوا أنبياء، وإن كانوا في مصاف الاَنبياء ، بل ويفوقونهم من حيث الفضيلة والعصمة ووجوب الاتباع.
الاَستاذ: في الحقيقة كنت أرغب خوض البحث في قضية الغلو والمبالغة عندكم أنتم الشيعة (4) بشأن علي وأبنائه، فكيف تعتبرون أئمتكم أفضل من الاَنبياء؟ (5)
قلت: لو أنك قرأت الروايات الواردة عن الرسول صلى الله عليه وآله بحقّهم ، واعتقدت بهم لوصلت إلى النتيجة نفسها، فثمة موارد يعتبر فيها الرسول صلى الله عليه وآله علماء أُمّته أفضل من أنبياء بني إسرائيل، ولا شكّ أن الاَئمة المعصومين عليهم السلام الذين اصطفاهم الله لخلافة الرسول صلى الله عليه وآله ، أفضل من العلماء (6) .
3 ـ « لا تزال اُمتي على الحقّ ظاهرين ، حتّى يكون عليهم اثنا عشر أميراً كلّهم من قريش » (7) .
4 ـ « لا يزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة ، ويكون عليهم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش » (8)
وقد وردت نظير هذه العبارات التي سقناها في أكثر من أربعين سنداً معتبراً في كتب السنة، وهي تدلل في جميع الاَحوال على امتداد خط النبوة على يد اثني عشر إماماً من قريش إلى يوم القيامة، وهذا الامتداد في خط النبوة والاِمامة باق إلى يوم القيامة، ولا ينطبق مطلقاً إلا على عقيدة الشيعة.
وورد في كتاب « ينابيع المودة » صراحة ، أن هؤلاء الخلفاء الإثني عشر هم من بني هاشم، « بعدي اثنا عشر خليفة كلهم من بني هاشم » (9) ، وجاءت في بعض المصادر كما نقل، عبارة « من أهل بيتي »، روى الحافظ ابراهيم الحمويني عن ابن عباس أن الرسول الكريم صلى الله عليه وآله قال: « إن خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي لاِثنا عشر ، أولهم أخي وآخرهم ولدي.
قيل: يا رسول الله، ومن أخوك؟
قال: علي بن أبي طالب.


قيل: فمن ولدك؟
قال: المهدي ، الذي يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً » (10) .
ومن جهة أخرى نقل الخطيب الخوارزمي عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال: « من أحب أن يحيى حياتي ويموت مماتي ويدخل الجنة التي وعدني ربّي، فليتولّ علي بن أبي طالب ، وذريّته الطاهرين ، أئمة الهدى ومصابيح الدجى من بعده، فإنّهم لن يخرجوكم من باب الهدى إلى باب الضلالة » (11) .
وجاء في روايات كثيرة في كتب السنة أن الرسول صلى الله عليه وآله وصف وبيّن الاَئمة بعد علي بن أبي طالب عليه السلام بصفة « خلفائي » أو « أوصيائي » أو « سادات أمّتي » أو « حجج الله على خلقه بعدي » أو « الاَئمة الراشدين من ذريتي » وتدل بأجمعها على إمامة وخلافة هؤلاء الإثني عشر ، الذين أولهم علي وآخرهم المهدي صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
الاَستاذ: ذكرت مصادر الروايات التي تبيّن عدد خلفاء الرسول صلى الله عليه وآله ولم يأت ذكر لصحيح البخاري وصحيح مسلم، فهل يحتوي هذان الكتابان على مثل هذه الروايات أو لا؟
قلت: أولاً: ليس من الضروري أن تكون جميع الروايات في هذين الكتابين، ألا تكفي كل كتب الحديث والتفسير التي ذكرت؟ ثم إنه قد يكون للشك في مثل هذه الرواية ـ إذا كانت في كتاب أو كتابين ولها سند واحد أو سندان لا أكثر ـ مجال، لكنها وردت في كتب كثيرة وبأكثر من أربعين سنداً، ونُقلت بعبارات مختلفة، فهي إذن في حدّ التواتر وفي الحدّ القطعي، ولا يبقى مجال للشكّ فيها.
ثانياً: إن هذه الروايات وردت أيضاً في صحيحي البخاري ومسلم، وقد دونتها وسأشير اليها الآن، ويبدو أن سؤالك قد جاء في محلّه.
نقل البخاري في صحيحه عن جابر بن سمرة أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: « يكون اثنا عشر أميراً »، فقال : كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنه قال: « كلهم من قريش » (12) .
وجاءت في صحيح مسلم، كتاب الاِمارة، روايتان بهذا المضمون:
1 ـ « لا يزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة ، أو يكون عليكم اثني عشر خليفة كلهم من قريش ».
2 ـ « لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً » (13) .
الاَستاذ: لم يأت شيء في هذين الكتابين يشير إلى أنهم من أهل البيت ، أو من أبناء علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فمن أين تستدلّ على أنّهم هم أئمّة الشيعة الإثنا عشر لا غيرهم؟
قلت: إذن مَنْ يكونون؟
الاَستاذ: لا أدري ماذا قال علماء السنّة الكبار في هذه الآية؟ فهل تعاملوا معها كتعاملهم مع سائر الاَحاديث الاَخرى التي نقلوها بأنفسهم ومرّوا عليها مرور الكرام، أم أنهم عرضوا رأيهم فيها؟ وعلى كل حال فبعد الخلفاء الراشدين، والحسن والحسين، عُرف بعض خلفاء بني اُمية كعمر بن عبدالعزيز ، وبعض خلفاء بني العباس بالعدالة، فلعلّهم هم المقصودون.
قلت: أولاً: إن كان الاَمر كما ذكرت لانقطع تسلسل الخلفاء؛ فهل يمكن احتساب شخصين من البداية، وشخصين من الوسط، وشخصين من النهاية، وإهمال الآخرين؟ ثم إنه بإستثناء عمر بن عبدالعزيز الذي كان أفضل نسبياً من سائر خلفاء بني أمية ، ماذا يمكن أن يشاهد في هؤلاء الخلفاء سوى الظلم والجور على عباد الله، والتبذير في بيت المال، وارتكاب المحرمات، وشرب الخمر، والمجاهرة بالفساد؟
والتأريخ حافل بشتى صور الظلم والاضطهاد والقتل والتعذيب والفساد الذي ارتكبه خلفاء بني اُميّة وبني العباس، ويؤسفني أن الوقت لا يسمح لي بالحديث عن هذا الموضوع أكثر، وإلاّ فإنَّ أمثلة ظلمهم وجورهم بحدٍ من الكثرة، بحيث سوّدت صفحات كتب السنّة كما سوّدت صفحات التاريخ.
ثانياً: من الجدير بالذكر أن الكثير من علماء السنّة الذين أوردوا هذه الروايات سعوا إلى جعلها تتطابق بشكل أو بآخر على حكام بني أمية وبني العباس، بل وذهبوا إلى أبعد من ذلك حتّى جعلوها تنطبق على السلاطين العثمانيين، فأصبحت عارية عن الحقيقة، بل وتثير السخرية والاِستهزاء.
ويكفي أن نشير على سبيل المثال إلى ما قاله المفكر السني الكبير جلال الدين السيوطي في هذا الصدد: « وجد من الاَثني عشر خليفة الخلفاء الاَربعة، والحسن، ومعاوية، وابن الزبير، وعمر بن عبدالعزيز، هؤلاء ثمانية، ويحتمل أن يضم اليهم المهتدي من العباسيين لاَنه فيهم كعمر بن عبدالعزيز في بني اُميّة، وكذلك الظاهر لما أوتيه من العدل، وبقي الاَثنان المنتظران أحدهما المهدي لاَنه من آل بيت محمد صلى الله عليه وآله » (14) .
هل يمكن العثور على تحليل يثير السخرية أكثر من هذا؟ وكيف ذكر الحسن عليه السلام ولم يذكر الحسين عليه السلام ؟ ثم كيف أن الرسول صلى الله عليه وآله يجعل علياً عليه السلام خليفة له، ويجعل العدو اللدود ـ أعني معاوية ـ في قبال علي عليه السلام ، ومعاوية هو الذي أراق كل تلك الدماء ظلماً ، وارتكب كل تلك الجرائم، خليفة له؟
لا ينقضي تعجبي من السيوطي مع سعة علمه كيف يعتبر معاوية من خلفاء الرسول، ويتجاهل سبط رسول الله صلى الله عليه وآله مع علو مقامه ومرتبته؟
وكيف يعد معاوية من الخلفاء وهو الذي فرض سبّ علي عليه السلام علناً ، وقتل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله الاَوفياء ، ونصب ابنه شارب الخمر خليفة على المسلمين، ولا يعد الحسين بن علي عليه السلام خليفة ، وهو الذي قال الرسول صلى الله عليه وآله عنه وعن أخيه: « الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة » (15) ، « الحسن والحسين إمامان إن قاما وإن قعدا » (16) ؟
ويكون معاوية الذي لعنه الرسول صلى الله عليه وآله عدّة مرات علانية (17) وأمر بقتله، خليفة، ولا يحسب لاَبناء علي عليه السلام الذين أذعن العالم بأسره لعظمتهم ، وإيمانهم وتقواهم ومكانتهم ، وأرغموا الصديق والعدو على تقديرهم وإجلالهم، أي حساب!

الاَستاذ: ومتى أمر الرسول بقتل معاوية؟
قلت: في قوله صلى الله عليه وآله : « اذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه » (18) .
يا أستاذ، إن مساوىء ومثالب ومفاسد معاوية بحدٍ من الكثرة بحيث لا تستلزم البيان، ويكفي أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما رآه مقبلاً هو وعمرو بن العاص رفع يديه إلى السماء وقال: « اللهم أركسهما ركساً ودعهما إلى النار دعاً » (19) .
هذا مضافاً إلى ما أشار الرسول صلى الله عليه وآله إليه في بعض المواقف إلى الفتن التي ستقوم بعده ، وأمر الناس صراحة في مثل هذه الموارد بالتمسّك بعلي وأبنائه عليهم السلام .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله : « ستكون من بعدي فتنة، فإذا كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب (20) فإنّه أول من يراني ، وأول من يصافحني يوم القيامة ، وهو الصديق الاَكبر ، وفاروق هذه الاُمّة، يفرق بين الحقّ والباطل » (21) .
واستجابة لاَمر الرسول صلى الله عليه وآله فقد تمسّكنا في جميع الفتن بعلي وآل علي، ونحن على ثقة أن النجاة والفلاح لاَتباع وشيعة علي عليه السلام ، لكن الذين تخلفوا عنه، ولم يرجعوا إليه ـ وهو فاروق الاُمّة بالنصّ الصريح الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وآله ـ ماذا سيكون جوابهم غداً أمام الله؟
إن من يعتبر معاوية خليفة لابدّ وأن يطيعه، ومن يطيعه يسبّ علياً بالنتيجة، وهو من قال عنه الرسول صلى الله عليه وآله : « من سبَّ علياً فقد سبني ، ومن سبني فقد سب الله » (22) .
فكيف يوالي إخواننا السنّة معاوية، ويدعون في الوقت نفسه موالاة علي عليه السلام ؟ أليس من المحال الجمع بين النقيضين؟
وإذا ما تجاوزنا هذا، فما هو قولكم في سائر الخلفاء الاِثني عشر؟ كيف يمكن تحديد الخلفاء الحقيقيين الاِثني عشر للرسول صلى الله عليه وآله من بين كل هؤلاء الذين هم في الظاهر خلفاء للرسول عليه السلام ؟ وهنا يجب الرجوع إلى صديق الاَمة الاَكبر وفاروق الحق من الباطل ألا وهو علي عليه السلام .
وعلى كل حال فإذا كانت الكتب الروائيه السنية قد ذكرت عدد الاَئمة فقط، أو نقلت في بعض الموارد أسماءهم بالتفصيل أو بالايجاز، فإن كتبنا نحن الشيعة قد ذكرت الاسماء المباركة للاَئمة الاِثني عشر نقلاً عن لسان الرسول صلى الله عليه وآله وعن لسان أمير المؤمنين عليه السلام ، وهو ممّا لا شك فيه.
أنا آسف لاَن الوقت قد انتهى وإلاّ لقرأت لك آية من القرآن تبيّن الاَئمة الاِثني عشر، ولكن نتركها إلى اللقاء القادم الذي سيكون آخر لقاء بيننا.
الاَستاذ: تقول آية من القرآن؟!
قلت: نعم، وهل هذا أمر عجيب؟
الاَستاذ: لابد انك تقصد قرآن الشيعة، لا القرآن المتداول؟
قلت: يا أستاذ، نحن لا نقبل بغير القرآن الموجود الذي: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) (23) ، ومثل هذه القضايا لم تأت في القرآن بوضوح وصراحة، وتستلزم مزيداً من الدراسة الجادة والدقيقة، وكن على ثقة حتى لو أن أسماء الاَئمة الاِثني عشر وردت في القرآن صراحة لتجاهلوها ، ولاَنكروها كما فعلوا مع سنّة الرسول عليه السلام .
الاَستاذ: إذن فأنتم تأولونه؟
قلت: بل هو تصريح أوضح من التأويل، إنتظر هنيهةً ليتّضح لك ذلك في اللقاء القادم باذن الله.
الاَستاذ: إلى اللقاء.
قلت: في أمان الله حتّى اللقاء القادم (24) .
____________



المصادر

___________
(1) ينابيع المودة للقندوزي: ص258 (ب 56).
(2) كنز العمال : ج 12 ص33 ح 33857 ، تفسير القرآن العظيم لابن كثير : ج 2 ص 34.
(3) سورة المائدة: الآية 12.
(4) وخير من تصدى لرد هذه الفرية الحجة الاَميني عليه الرحمة في كتاب الغدير كما ذكر نماذج من الغلو عند بعض الفرق من مصادرهم ، راجع : ج 3 ص 291 وج 7 ص 34 وص69 ـ 200 وج 11 ص 76 الخ .
(5) من تمعن بعين البصيرة والاِنصاف في الآيات الشريفة والاَحاديث والاَخبار الخاصة بأهل البيت عليهم السلام لا يعدو هذا الرأي ، وإليك على سـبيل المثال بعض الاَدلّـة والتـي يسـتفاد منها تفضيل أمير المؤمنين عليه السلام على الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله فمنها :
1 ـ قوله تعالى ( وأنفسنا وأنفسكم ) من آية المباهلة ، إذ المقصود باتفاق المفسرين هو أمير المؤمنين عليه السلام إذ حكمت الآية بأنه نفس النبي صلى الله عليه وآله ، إذ لم يرد نفس ذاته ، كما لا يصحّ دعاء الاِنسان نفسه إلى نفسه ولا إلى غيره ، فلم يبق إلاّ أنّه أراد علياً عليه السلام فإذا كان علي عليه السلام بمثابة نفس الرسول صلى الله عليه وآله والرسول أفضل الخلق فكذا هو عليه السلام أفضل الخلق بعده .
2 ـ قوله صلى الله عليه وآله : اللهمّ إئتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر ، فجاء أمير المؤمنين وأكل معه ، ولا يكون أحب الخلق إليه إلاّ لكونه أعظمهم ثواباً عنده تعالى ، وأكرمهم عليه ، وذلك لا يكون إلاّ بكونه أفضلهم عملاً ، وأرضاهم فعلاً ، وأجلهم في مراتب العابدين ، راجع : مجمع الزوائد : ج 9 ص 125 ـ 126 ، تاريخ بغداد : ج 3 ص 171 وج 8 ص 382 وج 9 ص 369 ، العلل المتناهية لابن الجوزي : ج 1 ص 228 ـ 235 .
3 ـ قوله صلى الله عليه وآله : هم شر الخلق والخليقة ـ يعني الخوارج ـ يقتلهم خير الخلق والخليقة . راجع: المناقب لابن المغازلي : ص 56 ح 79 ، تذكرة الخواص : ص 105 ، مجمع الزوائد : ج 6 ص 239 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 2 ص 267 .
4 ـ قوله صلى الله عليه وآله : علي خير البشر ومن أبى فقد كفر . راجع : ينابيع المودة : ص 180 ب56،الرياض النضرة : ج 3 ص 198 ، تاريخ بغداد : ج 7 ص 421 ، فضائل الصحابة : ج2ص 564 ح 949 ، مجمع الزوائد : ج صلى الله عليه وآله ص 131 .
5 ـ ما روي عنه صلى الله عليه وآله : لولا رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي بن أبي طالب عليه السلام لم يخلق الله سماءً ولاأرضاً ولا جنةً ولا ناراً . (فرائد السمطين : ج 1 ص 36 ، ينابيع المودة للقندوزي : ص485).
6 ـ ما روي عنه صلى الله عليه وآله : أنه لا يجوز أحدٌ الصراط يوم القيامة إلا مَن معه براءة من علي بن أبي طالب عليه السلام من النار ، (المناقب لابن المغازلي : ص 131 ح 172 ، وص 242 ح 289 ، الرياض النضرة : ج 3 ص 137 ، ذخائر العقبى : ص 71 ، فرائد السمطين : ج 1 ص292 ح230) .
7 ـ ما روي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لما أسري بي في ليلة المعراج فاجتمع علي الاَنبياء في السماء فأوحى الله تعالى إليَّ سلهم يا محمد بماذا بُعثتم ؟ فقالوا : بعثنا على شهادة أن لا إله إلا الله وحده وعلى الاِقرار بنبوّتك والولاية لعلي بن أبي طالب عليه السلام ، رواه الحافظ أبو نعيم . (ينابيع المودة : ص238 ح 49 في المناقب السبعين) .
8 ـ ما روي عن عمر بن الخطاب انه قال : هذا علي بن أبي طالب عليه السلام أشهد انّي سمعت رسول الله يقول : لو أن إيمان أهل السماوات والاَرض وضع في كفة ووضع إيمان علي في كفّة لرجح إيمان علي بن أبي طالب عليه السلام (ينابيع المودة : ص 254) .
9 ـ قول جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وآله لو اجتمعت امتك على حب علي بن أبي طالب عليه السلام ما خلق الله النار (ينابيع المودة : ص251).
10 ـ ما روي عن محمد بن أبي عمير الكوفي عن عبدالله بن الوليد بن السمان قال : قال أبو عبدالله عليه السلام : ما يقول الناس في اُلي العزم وصاحبكم أمير المؤمنين عليه السلام؟ قال : قلت : ما يقدمون على اُلي العزم أحداً.
قال : فقال أبو عبدالله : إن الله تبارك وتعالى قال لموسى عليه السلام ( وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة ) ولم يقل كل شيء موعظة ، وقال لعيسى عليه السلام : ( ولابين لكم بعض الذي تختلفون فيه ) ولم يقل كل شيء ، وقال لصاحبكم أمير المؤمنين عليه السلام : ( قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ) وقال الله عزوجل ( ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) وقال : ( وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ) ، وعلم هذا الكتاب عنده . ( بصائر الدرجات للصفار : ص229 ج5 ب5 ح6 ، الاحتجاج للطبرسي : ج2 ص375).
11 ـ ما روي عن الصادق عليه السلام أما والله لو لم يخلق الله علي بن ابي طالب صلوات الله عليه لما كان لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله كفوٌ عن الخلق آدم فمن دونه (الكافي :ج1 ص461 ح10 ، المناقب لابن شهر أشوب : ج2 ص 181 ، مقتل الحسين للخوارزمي ج1 : ص66 ، الفردوس : ج3 ص 418 ح5170 .
الى غير ذلك من الأدلة التي سيقت في المقام ولا يحصرها عدٌ ، ومن أراد التوسع في ذلك فليراجع : رسالة تفضيل أمير المؤمنين عليه السلام للمفيد ، ج7 من مصنفات الشيخ المفيد عليه الرحمة .
(6) لا يخفى أن الكثير من العلماء يعتقدون بأن مراد الرسول من العلماء في مثل هذه الروايات ـوهي روايات كثيرة ـ هم الاَئمة لا أحد سواهم.
(7) المعجم الكبير للطبراني : ج 2 ص 253 ح 1061 .
(8) المعجم الكبير للطبراني ج2: ص199 ح 1808 و 1809، المستدرك للحاكم : ج4 ص501، مسند أحمد بن حنبل : ج5: ص86 و89 و 90 و 93، الصواعق المحرقة لابن حجر:ص20، مسند أبي يعلي : ج8 ص444 ح 5031، كنز العمال : ج6 ص89 ح 14971،فتح الباري : ج13 ص181، البداية والنهاية لابن كثير، (باب ذكر الاَئمة الاثني عشر) : ج6 ص248، مجمع الزوائد للهيثمي : ج5 ص190، (ب الخلفاء الاثني عشر) ، تفسيرالقرآن العظيم لابن كثير : ج2 ص34.
(9) ينابيع المودّة للقندوزي: ص258 ب (56).
(10) فرائد السمطين للجويني : ج2 ص312 ح 562، ينابيع المودّة للقندوزي: ص487 (ب94).
(11) المناقب للخوارزمي: ص75 ح 55، تاريخ الاَمم والملوك للطبري : ج 11 ص 589 ، المعجم الكبير للطبراني : ج 5 ص 194 ح 5067 ، ينابيع المودّة للقندوزي : ص 127 (ب43).
(12) صحيح البخاري : ج9 ص101، (ك الاَحكام ب الاِستخلاف).
(13) صحيح مسلم : ج3 ص1452 ح 6 (ك الاِمارة ب 1).
(14) تاريخ الخلفاء للسيوطي: ص10.
(15) تقدمت تخريجاته .
(16) بحار الاَنوار : ج 43 ص 291 ح 5 وج 44 ص 1 ح 2 .
(17) راجع: تاريخ الاَمم والملوك للطبري : ج10: ص58 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج4 ص79 و ج 6 ص 289، وقعة صفين: ص216 ـ 221 ، الطبقات الكبرى لابن سعد: ج7 ص78(في ترجمة عاصم بن عاصم الليثي) .
(18) جاء في روايات أخرى: « اذا رأيتموه يخطب على منبري فاقتلوه »، وورد في أخرى: « اذا رأيتموه جالساً على منبري يخطب فاضربوا عنقه »، راجع: تاريخ الاَمم والملوك للطبري : ج10 ص58 ، تاريخ بغداد للخطيب : ج12 ص181، اللآلىء المصنوعة : ج1 ص424، تهذيب التهذيب : ج2 ص428، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج4 ص32.
(19) مسند احمد بن حنبل : ج4 ص421، وقعة صفين: ص219.
(20) وفي ذلك يقول خزيمة بن ثابت ـ كما جاء في المستدرك للحاكم : ج 3 ص 114 ـ 115:


إذا نحــن بايعنا علياً فحسبنا * أبو حسن مما نخـاف من الفتــن
وجدناه أولى الناس بالناس أنه * أطب قريــش‌بالكتــاب وبالسنن
وإن قــريشاً ما تشق غباره * إذا ما جرى يوماً على الضمر البدن
وفيه الذي فيهم من الخير كله * وما فيهم كل الذي فيــه من حسن


(21) ترجمة الاِمام علي بن أبي طالب عليه السلام من تاريخ دمشق، لابن عساكر : ج3 ص157، كنز العمال : ج11 ص612 ح 32964، الاستيعاب، لابن عبدالبر : ج3 ص1091، المناقب للخوارزمي: ص105 ح108، الاصابة، لابن حجر العسقلاني: ج4 ص170 ترجمة رقم: 994.
(22) راجع : مسند أحمد بن حنبل : ج 6 ص 323 ، مجمع الزوائد : ج 9 ص 130 ، المستدرك للحاكم : ج 3 ص 121 ، كنز العمال : ج 11 ص 602 ح 32903 ، مشكاة المصابيح : ج 3 ص 1722 ح 6092 ، بحار الاَنوار : ج 27 ص 227 ح 26 وج 39 ص 311 ح 1 .
(23) سورة فصلت: الآية 42.
(24) مذكرات المدرسة للسيد محمد جواد المُهري : 147 ـ 157 .

ibrahim aly awaly
05-01-2005, 11:34 AM
نقلا عن احد المواقع المواليه

عدم إذن الله لأبي بكر وعمر بالزواج من الزهراء ع، على ماذا يدل..؟؟

--------------------------------------------------------------------------------


بسم الله الرحمن الرحيم،،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،

إستمع للشيخ عبدالحميد كشك وهو يقول:
http://66.36.173.182/sound/zwaj.mp3

هذا إعترافٌ بأن أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام أفضل من الجميع، كيف لا وهو نفس رسول الله صلى الله عليه وآله..!!

وقد كتبت موضوعا في السابق وقد وضعته في أحد المواضيع لأحد الأخوة وكان بعنوان:


لو لم يكن نصٌ في أمير المؤمنين عليه السلام
لكفانا هذا المحور الطاهر في إثبات إمامته



بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمدٍ وعليٍ وفاطمة والحسن والحسين والتسعة المعصومين من ذريته.

صلى الله عليك أيتها البتول الطاهرة، أيتها الحوراء الإنسية، والبضعة المحمدية،،،
على مر الزمن، يا سيدتي ومولاتي، كنت شامخة لا يسبقك الأولون ولا يلحقك بك الآخرون،،،
أيتها الحجة الباهرة،،،
جعلت العقول حائرة «إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ»...غافر/18.
فكُنْتِ قرآناً يمشي على الأرض ،،،«لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ الله»...الحشر/21.
وكنت بعد إستشهادك قرآناً يتلى فنستمع وننصت لأنك صراط مستقيم «يَهْدِي بِهِ الله مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ»..المائدة/16.
فالسَّلاَمُ عَلَيْكِ يَوْمَ وُلِدْتِ وَيَوْمَ أَسْتُشْهِدْتِِ وَيَوْمَ تُبْعَثِينَ، يوم ينادي المنادي «أن غضوا أبصاركم».

لو لم يكن نصٌ في أمير المؤمنين ع، لكفانا هذا المحور الطاهر في إثبات إمامته أعني بهذا المحور الزاهر الطاهر فاطمة الزهراء صلى الله عليها، وذلك من نواحٍ عدة، ولكن تختصر المقام بذكر محورين أساسين:
المحور الأول من هــــــــــــو زوج فاطمة عليها السلام.
كل رجل شريفٍ مؤمنٍ يريد أن يزوج إبنته، لا يختار لها إلا أفضل وأشرف رجل وطأ الحصى، فهذا رسول الله صلى الله عليه الزهراء وسلم أعرض عن تزويجها لأبي بكر وعمر، أخرج النسائي (المجتبى) في سننه ج: 6 ص: 62/ح3221 أخبرنا الحسين بن حريث قال حدثنا الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال ثم خطب أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فاطمة فقال رسول الله صلى الله عليه (الزهراء) وسلم إنها صغيرة فخطبها علي (عليه السلام) فزوجها منه.
صحيح على شرط مسلم، والحديث صححه الألباني في "صحيح سنن النسائي" (3020).

فلنذكر ما نقله بن حبان في هذا الشأن، صحيح ابن حبان ج: 15 ص: 393/6944 أخبرنا أبو شيبة داود بن إبراهيم بن داود بن يزيد البغدادي بالفسطاط حدثنا الحسن بن حماد حدثنا يحيى بن يعلى الأسلمي عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك قال ثم جاء أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه (الزهراء) وسلم فقعد بين يديه فقال يا رسول الله قد علمت مناصحتي وقدمي في الإسلام وإني وإني قال وما ذاك قال تزوجني فاطمة قال فسكت عنه فرجع أبو بكر إلى عمر فقال له قد هلكت وأهلكت قال وما ذاك قال خطبت فاطمة إلى النبي صلى الله عليه (الزهراء) وسلم فأعرض عني قال مكانك حتى آتي النبي صلى الله عليه (الزهراء) وسلم فأطلب مثل الذي طلبت فأتى عمر النبي صلى الله عليه (الزهراء) وسلم فقعد بين يديه فقال يا رسول الله قد علمت مناصحتي وقدمي في الإسلام وإني وإني قال وما ذاك قال تزوجني فاطمة فسكت عنه فرجع إلى أبي بكر فقال له إنه ينتطر أمر الله فيها قم بنا إلى علي حتى نأمره يطلب مثل الذي طلبنا قال علي فأتياني وأنا أعالج فسيلا لي فقالا إنا جئناك من ثم بن عمك بخطبة قال علي فنبهاني لأمر فقمت أجر ردائي حتى أتيت النبي صلى الله عليه (الزهراء) وسلم فقعدت بين يديه فقلت يا رسول الله قد علمت قدمي في الإسلام ومناصحتي وإني وإني قال وما ذاك قلت تزوجني فاطمة قال وعندك شيء قلت فرسي وبدني قال أما فرسك فلا بد لك منه وأما بدنك فبعها قال فبعتها بأربع مائة وثمانين فجئت بها حتى وضعتها في حجره فقبض منها قبضة فقال أي بلال ابتغنا بها طيبا وأمرهم أن يجهزوها...... وقال -أي الرسول صلى الله عليه الزهراء- اللهم إني أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم ثم قال لعلي (عليه السلام) ادخل بأهلك بسم الله والبركة

ومن ناحية أخرى نعرف من خلال هذا الحديث، أن الرسول صلى الله عليه الزهراء، أعرض بوجهه عنهم، وإلا لو كانوا أهلاً ومقاماً ومنزلة عند الله كالزهراء عليه السلام، لزوجها أولهم فضلاً عن تاليه،ففي المستدرك على الصحيحين ج: 2 ص: 179/2695 أخبرني عبد الله بن الحسين القاضي حدثنا الحارث بن أبي أسامة حدثنا يزيد بن هارون أنبأ عبد الحميد بن سليمان حدثنا محمد بن عجلان عن وثيمة البصري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فأنكحوه الا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. إنتهى. أي لا تردوا من كان خلق ودين، وهذا يعني:
أولاً: إما أنهما ناقصا دين،
ثانياً: وإما ناقصا خلق،
ثالثاً: وإما كلا الأمرين معاً.

فعندما خطبها عليٌ عليه السلام، زوجها له، وهذا دليلٌ ناصعٌ واضحٌ على أن أمير المؤمنين عليه السلام كفؤٌ للزهراء عليها السلام، وغيره لا يكون، وكيف لا يكونون كذلك وهم عصمة الله وحبل الله المتين «إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا»..الأحزاب/33.

وأكتفي بهذا القدر من الموضوع الأصلي.... ننتظر تعليقكم..!!

والسلام

الريحانة
05-01-2005, 07:48 PM
موضوع جميل أخي إبراهيم

ibrahim aly awaly
08-01-2005, 07:46 AM
مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) في الصحيحين






الشيخ صادق نجمي


1 ـ خصم علي خصم الله:

عن أبي ذر رضي الله عنه قال: نزلت (هذا خصمان اختصموا في ربهم) في ستة من قريش: علي، وحمزة، وعبيدة بن الحارث، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد ابن عتبة) وأيضا..(قيس بن عباد عن علي رض الله عنه: فينا نزلت هذه الآية (هذا خصمان اختصموا في ربهم).

(صحيح البخاري ج 5 باب قتل أبي جهل و ج 6 تفسير سورة الحج).


2 ـ حب علي إيمان وبغضه نفاق:

عن عدي بن ثابت، عن ذر قال: قال علي: والذي فلق الحبة وبرء النسمة إنه لعهد النبي الأمي إلي: أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق.

(صحيح مسلم ج 1 كتاب الإيمان باب إن حب الأنصار وعلي من الإيمان).


3 ـ صلاة علي صلاة رسول الله:

(عن مطرف عن عمران بن حصين قال: صلى مع علي بالبصرة، فقال: ذكرنا هذا الرجل صلاة نصليها مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فذكر أنه كان يكبر كلما رفع وكلما وضع).

(صحيح البخاري ج 1 كتاب الصلاة باب إتمام التكبير في الركوع، وباب إتمام التكبير في السجود. وصحيح مسلم ج 2 كتاب الصلاة باب إثبات التكبير في كل خفض ورفع).

وقد اختلفت رواية مسلم عن رواية البخاري اختلافا طفيفا.


4 ـ أبو تراب .. لقب خلعه النبي عليه:

عن أبي حازم أن رجلا جاء إلى سهل بن سعد فقال: هذا فلان (أمير المدينة) يدعو عليا عند المنبر قال: فيقول له أبو تراب، فضحك، قال: والله ما سماه إلا النبي وما كان له أسم أحب إليه منه).

(صحيح البخاري ج 1 كتاب الصلاة باب نوم الرجل في المسجد، وج 4 باب مناقب علي بن أبي طالب، وكتاب الأدب باب التّكني بأبي تراب، وج 8 كتاب الاستئذان باب القائلة في المسجد. وصحيح مسلم ج 7 كتاب فضائل الصحابة باب فضائل علي بن أبي طالب).


5 ـ علي أقضى الناس:

روى البخاري عن ابن عباس: أن عمر بن الخطاب قال: (وأقضانا علي) (صحيح البخاري ج 6 كتاب التفسير تفسير ما ننسخ من آية).

وقد اقتبس الخليفة ذكره لهذه الفضيلة لعلي، من رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي طالما كان يردد هذه الفضيلة له (عليه السلام) معلنا عن أن عليا بن أبي طالب (عليه السلام) أقضى الناس، بقوله تارة (أقضاهم علي)(1) وتارة أخرى (أقضاها علي)(2).

وأن ما ينبغي أن يفهم بجلاء هو: أن ينال إنسان رتبة (أقضى الناس) فإن ذلك يستدعي، فضلا عن التقوى والورع، أنه كون قد بلغ أعلى المراحل العلمية وأمسى درجاتها إذ القضاء، وعلى هذا المستوى، دون الاستناد إلى خلفية علمية ضخمة وقوية، لا يتسنى لأي فرد من الأفراد مهما بلغ من الذكاء والنبوغ.

وإذا كان الأمر كذلك، فإن ذلك يعني: أن عليا (عليه السلام) ـ وخروجا بهذا الاستنتاج النطقي المستمد من شهادة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحقه ـ لم يكن أقضاهم فحسب، بل كان أعلمهم على الإطلاق، وأكثرهم ورعا وتقوى أيضا.


6 ـ حديث الراية:

(عن سهل بن سعد قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله) يوم خيبر: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فبات الناس ليلتهم أيهم يعطى فغدوا كلهم يرجوه فقال: أين علي؟ فقيل: يشتكي عينيه فبصق في عينيه ودعى له فبرء، كأن لم يكن به وجع، فأعطاه. فقال: أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم فوالله لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من أن يكون لك حمر النعم).

(صحيح البخاري ج 4 كتاب الجهاد باب ما قيل في لواء النبي، وباب فضل من أسلم على يديه رجل، وكتاب بدء الخلق باب لمناقب علي، وباب غزوة خيبر، وصحيح مسلم ج 7 كتاب فضائل الصحابة باب فضائل علي، وكتاب الجهاد والسير باب غزوة ذي قرد).

وقد أخرج مسلم الحديث بهذا النص أيضا:

(عن أبي هريرة: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال يوم خيبر: لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه، قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ قال: فتساورت لها رجاء أن أدعى لها قال: فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب فأعطاه إياها وقال: امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك، قال: فسار علي شيئا ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ: يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمد رسول الله ، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله).

(صحيح مسلم ج 7 كتاب الفضائل باب فضائل علي بن أبي طالب).


7 ـ حديث المنزلة:

(عن مصعب بن سعد عن أبيه: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرج إلى تبوك واستخلف عليا. فقال: أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال (صلى الله عليه وآله) : (ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي).

(صحيح البخاري ج 4 كتاب بدء الخلق باب غزوة تبوك، وباب مناقب علي بن أبي طالب ن وصحيح مسلم ج 7 كتاب فضائل الصحابة باب فضائل علي بن أبي طالب).

وهذا الحديث متفق عليه بين الطائفتين الإسلاميتين الكبيرتين: السنة والشيعة ولم ينكره أحد من المسلمين، حتى أن معاوية وهو ألد خصوم علي (عليه السلام) لم يجد ـ في حديث سعد بن أبي وقاص ـ إلى إنكاره سبيلا، وأقره عليه.

وقد شبه النبي (صلى الله عليه وآله) خلافة علي (عليه السلام) له، بخلافة هارون لموسى فهي: هي لا تختلف عنها في شيئ سوى النبوة التي ختمها النبي (صلى الله عليه وآله).

وهذا التشبيه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمكانة علي منه، بمكانة هارون من موسى، يثبت لعلي:

1 ـ الوزارة: فكما أن هارون وزير لموسى (عليه السلام) بنص القرآن حيث قال ـ مما اقتص من خبر موسى ـ (واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي)(3) فإن عليا (عليه السلام) كان وزيرا لرسول الله (صلى الله عليه وآله).

2 ـ الخلافة: حيث قال موسى وهو ذاهب لميقات، ربه (وقال موسى لأخيه هارون أخلفني في قومي)(4) فصار هارون خليفة لأخيه، وزعيم قومه من بعد موسى، الذي أوجب طاعته على قومه وألزمهم بالإذعان إليه.

ووفقا لحديث المنزلة. وبملاحظة ما ذكر، فإن عليا (عليه السلام) هو الخليفة من بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وولي الأمر من بعده.

3 ـ الوصاية: مرت الإشارة، إلى أن هارون خلف أخاه موسى في قومه وهو على قيد الحياة، ولو قدر لهارون أن تستمر حياته إلى ما بعد موسى لكان ـ يقينا ـ يتولى الوصاية عنه والخلافة بعده، لكن المنية وافته قبل موسى.

ومن هنا نستنتج: أن عليا (عليه السلام) كان يستحق منصب الوصاية لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أيضا.

4 ـ المؤازرة: وأحد المناصب التي كان يتمتع بها هارون هو: مؤازرته لموسى واشتراكه في أمره من قبل الله، وقد ذكر القرآن الكريم، أن موسى قد التمس هذا المنصب لأخيه، من الله وقال: (أشدد به أزري وأشركه في أمري)(5) فكان الجواب الإلهي: (قال قد أوتيت سؤلك يا موسى)(6).

ووفقا لنص حديث المنزلة الصريح، فإن عليا (عليه السلام) هو الآخر كان شريكا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في أمره ومؤازرته له فيه، لا بنبوّته، بل بخلافته بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ومن هنا نفهم: أن الحديث المذكور يرمي إلى القول، بأن عليا في حياته وموته أفضل الأمة وأقربها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكما كان على بني إسرائيل أن يسمعوا ويطيعوا لهارون خليفة موسى، كان على المسلمين أن يعظموا شأن علي في حياة رسول الله، وينصبوه خليفة له بعد وفاته (صلى الله عليه وآله).

تنويه: يتصور بعض الكتاب من الأخوة السنة وعلمائهم، أن قولة النبي لعلي : (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) لا عموم فيها، خاصة بموردها ولم يردد أكثر من مرة واحدة، وذلك حين استخلفه في غزوة تبوك على المدينة.

بينما الواقع غير هذا.... فإن الأدلة والقرائن المتوفرة تشير إلى أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد كرر هذه العبارة أكثر من ست مرات في خضم حياته الكريمة، وليس مرة واحدة، ولم يختص الحديث بغزوة تبوك(7).


الهوامش:

1- سنن ابن ماجة ج 1.

2- كتاب الاستيعاب ج 1 ص 8.

3- سورة طه: الآية 30.

4- سورة الأعراف: الآية 142.

5- سورة طه: الآيتان 31 و 32.

6- سورة طه: الآية 36.

7- للمزيد راجع (المراجعات) للإمام شرف الدين ـ المراجعة 29.

ibrahim aly awaly
09-01-2005, 08:37 AM
سُئل الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام



ما أعظم جنود الله ؟؟
قال : إني نظرت إلى الحديد فوجدته أعظم جنود الله ،
ثم نظرت إلى النار فوجدتها تذيب الحديد فقلت النار أعظم جنود الله ،
ثم نظرت إلى الماء فوجدته يطفئ النار فقلت الماء أعظم جنود الله ،
ثم نظرت إلى السحاب فوجدته يحمل الماء فقلت السحاب أعظم جنود الله ،
ثم نظرت إلى الهواء وجدته يسوق السحاب فقلت الهواء أعظم جنود الله ،
ثم نظرت إلى الجبال فوجدتها تعترض الهواء فقلت الجبال أعظم جنود الله ،
ثم نظرت إلى الإنسان فوجدته يقف على الجبال وينحتها فقلت الإنسان أعظم جنود الله ،
ثم نظرت إلى ما يُقعد الأنسان فوجدته النوم فقلت النوم أعظم جنود الله ،
ثم وجدت أن ما يُذهب النوم فوجدته الهم والغم فقلت الهم والغم أعظم جنود الله ،
ثم نظرت فوجدت أن الهم والغم محلهما القلب فقلت القلب أعظم جنود الله ،
ووجدت هذا القلب لا يطمئن إلا بذكر الله فقلت أعظم جنود الله ذكر الله

( الذين ءامنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب )
فلا تنس ذكر الله

نقلا عن احد المواقع المواليه

ibrahim aly awaly
13-01-2005, 12:01 PM
دلائل يوم الغدير






أبو طالب التجليل التبريزي

طرق أخرى لحديث الغدير فقد روى حديث الغدير في كتب أهل السنة من طريق أخرى، وعن جماعة من الصحابة في كتبهم وهي:

- رواه الحافظ ابن عقدة في كتابه كما في الطرائف ص 140 - وأبو بكر الجعابي كما في المناقب ج 3 ص 25 - عن أبي بكر بن أبي قحافة.

- رواه الحافظ بن عقدة في كتابه كما في الطرائف - ص 142.

- رواه الحافظ أبو بكر الجعابي كما في المناقب - ج 3 ص 26 عن أبي بن كعب.

- رواه الحافظ ابن عقدة في كتابه كما في الطرائف - ص 142 عن أسماء بنت عميس الخثعمية.

- رواه الحافظ ابن عقدة في كتابه كما في الطرائف - ص 142 عن أم سلمة أم المؤمنين.

- رواه الحافظ ابن عقدة في كتابه كما في الطرائف ـ ص 142 عن جبلة بن عمرو الأنصاري.

- رواه الحافظ بن عقدة في كتابه كما في الطرائف - ص 141 وأبو بكر الجعابي كما في المناقب - ج 3 ص 26 عن الحسين بن علي السبط الشهيد صلوات الله عليه.

- رواه أبو بكر الجعابي، كما في المناقب - ج 3 ص 26 عن خالد بن الوليد.

- رواه الحافظ ابن عقدة في كتاب الولاية، كما في الطرائف - ص 142 عن سعيد بن سعد بن عبادة.

- رواه ابن حجر في الإصابة - ج 2 ص 255 عن عامر بن عمير النميري.

- رواه الحافظ بن عقدة في كتاب الولاية، كما في الطرائف - ص 142 عن عائشة بنت أبي بكر.

- رواه ابن المغازلي في مناقبه - ص 27 في ضمن العشرة المبشرة، عن عبد الرحمان بن عوف.

- رواه ابن عقدة والخوارزمي في مقتله - ص 48 عن عبد الرحمان بن يعمر الديلمي.

- رواه الحافظ ابن عقدة في كتابه، كما في الطرائف - ص 141 عن عبد الله بن أبي عبد الأسد المخزومي.

- رواه الحافظ ابن عقدة في كتابه، كما في الطرائف - ص 142 عن عبد الله بن بشير المازني.

- رواه الحافظ بن عقدة في كتابه، كما في الطرائف - ص 141 عن عبد الله بن جعفر.

- رواه الحافظ ابن عقدة في كتابه، كما في الطرائف - ص 141 عن عثمان بن عفان.

- رواه الحافظ ابن عقدة في كتابه، كما في الطرائف - ص 142 عن أبي وسمة وحشي بن حرب.

- رواه الحافظ ابن عقدة في كتابه، كما في الطرائف - ص 142 عن أبي جحيفة وهب بن عبد الله.

- رواه أبو حاتم وابن عساكر ومحب الدين الطبري، كما في أرجح المطالب - ص 339 عن ابن شريح.

- رواه أبو بكر الجعابي، كما في المناقب - ج 3 ص 24 وابن عقده كما في الطرائف - ص 141 عن رفاعة بن عبد المنذر.

- رواه الحافظ ابن عقدة كما في الطرائف - ص 141 وابن المغازلي في مناقبه - ص 27 في ضمن العشرة المبشرة عن زبير بن العوام.

- رواه الحافظ ابن عقدة في كتابه، كما في الطرائف - ص 142 عن زيد بن عبد الله.

- رواه الحافظ ابن عقدة في كتابه، كما في الطرائف - ص 142 عن سعد بن جنادة.

- رواه أبو بكر الجعابي كما في المناقب - ج 3 ص 26 عن سعد بن عبادة.

- رواه الحافظ ابن عقدة في كتابه، كما في الطرائف - ص 141 عن سلمان الفارسي.

- رواه الحافظ ابن عقدة ، في كتابه كما في الطرائف - ص 141 عن سلمة بن عمرو بن الأكوع.

- رواه الحافظ ابن عقدة ، في كتابه كما في الطرائف - ص 142 عن أبي أمامة الصدي بن عجلان الباهلي.

- رواه الحافظ ابن عقدة، في كتابه كما في الطرائف - ص 142 عن ضميرة الأسدي.

- رواه الفضل بن محمد عن سعيد بن زيد، لأنه أحد العشرة المبشرة الذين رواه عنهم ابن المغازلي في مناقبه - ص 27.

- رواه ابن حجر عن موسى بن أكتل عن عامر بن عمير - الإصابة - ج 2 ص 255.

- رواه ابن حجر عن عامر بن ليلى الغفاري - الإصابة - ج 3 ص 257.

- رواه الطبراني بإسناده عن عبد الله بن حنطب - إحياء الميت -.

- رواه الخوارزمي عن عبد الله بن ربيعة - مقتل الخوارزمي - ص 48.

- رواه الخوارزمي عن عمرو بن شراحيل مقتل الخوارزمي - ص 48.

- رواه الطبراني وأحمد بن حنبل عن عمرو بن مرة - كنز العمال - ج 6 ص 154.

- رواه ابن عقدة، كما في الطرائف - ص 141 وأبو بكر الجعابي، كما في المناقب - ج 3 ص 26 عن أبي الهيثم بن التيهان.

- رواه ابن عقدة، كما في الطرائف - ص 141 وأبو بكر الجعابي كما في المناقب - ج 3 ص 26 عن أبي رافع.

- رواه ابن عقدة، كما في الطرائف - ص 142 والخوارزمي في مقتله - ص 48 عن أبي ذويب.

- رواه ابن عقدة، كما في الطرائف - ص 142 عن أم هاني.

- رواه الحافظ ابن عقدة، في كتابه عن زيد بن حارثة، كما في الطرائف - ص 142.

- رواه الحافظ ابن عقدة في كتابه، عن عبد الله بن ابن أبي أوفى الأسلمي، كما في الطرائف - ص 142.

- رواه الحافظ ابن عقدة في كتابه، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، كما في الطرائف - ص 141.

- رواه الحافظ ابن عقدة في كتابه، عن عبد الرحمان بن مدلج، كما في الطرائف - ج 3 ص 142.

- رواه الحافظ أبو نعيم في الحلية، عن أبي الطفيل عن سبعة عشر عنهم عدي بن حاتم، كما في الينابيع - ص 38.

- رواه أبو نعيم في الحلية، عن أبي الطفيل عن سبعة عشر منهم عقبة بن عامر، كما في الينابيع - ص 38.

- رواه ابن عقدة في كتابه، عن عمر بن أبي سلمة، كما في الطرائف - ص 141.

- رواه ابن عقدة والخوارزمي، عن عمران بن حصين، كما في مقتله - ص 48.

- رواه ابن عقدة والخوارزمي، عن عمرو بن الحمق، كما في مقتله - ص 48.

- رواه ابن عقدة في كتابه، عن فاطمة بنت حمزة، كما في الطرائف - ص 142.

- رواه ابن عقدة في كتابه، عن المقداد بن عمرو، كما في الطرائف - ص 141.

- رواه ابن عقدة في كتابه، عن أبي برزة فضلة بن عتبة، كما في الطرائف - ص 141.

- رواه ابن عقدة في كتابه، عن عطية بن بسر، كما في الطرائف - ص 142.

- رواه الحافظ أبو بكر الجعابي، عن عبادة بن الصامت، كما في المناقب - ج 3 ص 26.

- رواه الحافظ أبو بكر الجعابي، عن عبد الله بن أنيس، كما في المناقب - ج 3 ص 26.

- رواه الحافظ أبو بكر الجعابي، عن عروة بن أبي الجعد كما في المناقب - ج 3 ص 26.

- رواه الحافظ أبو بكر الجعابي، عن عمرو بن حريث، كما في المناقب - ج 3 ص 26.

- رواه الحافظ أبو بكر الجعابي، عن عبد الأعلى بن عدي، كما في المناقب - ج 3 ص 26.

- رواه الحافظ أبو بكر الجعابي، عن عثمان بن حنيف، كما في المناقب - ج 3 ص 26.

- رواه الحافظ أبو بكر الجعابي، عن بشير بن عبد المنذر، كما في المناقب - ج 3 ص 26.

- رواه الحافظ أبو بكر الجعابي، عن قيس بن عاصم، كما في المناقب - ج 3 ص 26 ذكر الجعابي عن أبي كاهل كما في المناقب - ج 3 ص 26.

- رواه الحافظ أبوب.

- رواه الحافظ أبو بكر الجعابي، عن أبي رفاعة، كما في المناقب - ج 3 ص 26.

- رواه الحافظ أبو بكر الجعابي، عن حباب بن عتبة، كما في المناقب - ج 3 ص 26.

- رواه الحافظ أبو بكر الجعابي، عن جندب بن سفيان، كما في المناقب - ج 3 ص 26.

- رواه الحافظ أبو بكر الجعابي، عن خباب بن سمرة، كما في المناقب - 3 ص 26.


آيات بيعة الغدير


الآية الأولى: قوله تعالى (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين) سورة المائدة - آية 67.

نزلت هذه الآية في تبليغ ولاية علي (عليه السلام)، وقد روى ذلك إخواننا السنة في مصادرهم، وأورد صاحب (الغدير) ج 1 ص 214 - 223 روايتها من (ثلاثين) كتابا من كتبهم.


الآية الثانية: قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) المائدة - 3.

أورد روايتها في (الغدير) ج 1 ص 230 - عن (ستة عشر) كتابا من كتب السنة.


الآية الثالثة: قوله تعالى (سأل سائل بعذاب واقع، للكافرين ليس له دافع، من الله ذي المعارج) سورة المعارج، آية - 1 نزلت هذه الآية في رجل بلغه قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) (من كنت مولاه فعلي مولاه) فقال: اللهم إن كان ما يقول محمد حقا فأمطر علينا حجارة من السماء) فما لبث حتى رماه الله بحجر فوقع على رأسه فقتله، وأنزل الله تعالى الآية. أورده في (الغدير) ج 1 ص 239 - 246 عن (ثلاثين) كتابا من كتب السنة.

بيعة الصحابة عليا وتهنئته قال المؤرخ الطبري (فعند ذلك بادر الناس بقولهم نعم سمعنا أطعنا على أمر الله ورسوله بقلوبنا، وكان أول من صافق النبي (صلى الله عليه وآله) وعليا، أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير

وباقي المهاجرين والأنصار وباقي الناس، إلى أن صلى الظهرين في وقت واحد، وامتد ذلك إلى أن صلى العشائين في وقت واحد وأوصلوا البيعة والمصافقة ثلاثا).

وقد أورد في الغدير ج 1 ص 272 تهنئة عمر بن الخطاب عن (ستين) كتابا من كتب السنة. معنى كلمة المولى في اللغة المولى والولي صفتان من الولاية، وحقيقتها في جميع مشتقاتها (تقلد أمر والقيام به).

قال في الصحاح (ولي الوالي البلد، وولى الرجل البيع، ولاية، وأوليته معروفا، ويقال في التعجب ما أولاه للمعروف، وتقول: فلان وليه، وولي عليه. وولاه الأمير عمل كذا، وولاه بيع الشئ، وتولى العمل: تقلده).

وقال في النهاية (والولاية تشعر بالتدبير والقدرة والفعل، إلى أن قال: وكل من ولي أمرا فهو مولاه ووليه، إلى أن قال: وقول عمر لعلي: أصبحت مولى كل مؤمن، أي ولي كل مؤمن). وقال في القاموس (ولي الشئ وعليه ولاية، أو هي المصدر، وبالكسر الخطة والإمارة والسلطان، وأوليته الأمر وليته إياه، إلى أن قال: تولى الأمر تقلده، وأولى على اليتيم أوصى، واستولى على الأمر أي بلغ الغاية).

وقال في لسان العرب (قال سيبويه: الولاية بالكسر الاسم مثل الإمارة والنقابة لأنه اسم لما توليته وقمت به، وإذا أرادوا المصدر فتحوا. إلى أن قال: والولي ولي اليتيم الذي يلي أمره ويقوم بكفايته، وولي المرأة الذي يلي عقد النكاح عليها ولاية عنها لا يستبد بعقد النكاح دونه، وفي الحديث (أيما المرأة نكحت بغير إذن موليها فنكاحها باطل، وفي رواية وليها أي متولي أمرها.

فحقيقة كلمة المولى، من يلي أمرا ويقوم به ويتقلده، وما عدوه من المعاني له فإنما هي مصاديق أطلقت عليها من باب إطلاق اللفظ الموضوع لحقيقة على مصاديقها، كإطلاق كلمة الرجل على زيد وعمرو وبكر، فيطلق لفظ المولى على الرب، لأنه القائم بأمر المربوبين، وعلى السيد لأنه القائم بأمر العبد، وعلى العبد لأنه يقوم بحاجة السيد، وعلى الجار وابن العم والحليف والصهر، لأنهم يقومون بنصرة صاحبهم فيما يحتاج إلى نصرتهم. فاللفظ مشترك معنوي) فمعنى قوله (صلى الله عليه وآله) (من كنت مولاه فعلي مولاه) من كنت متقلدا أمره وقائما به فعلي متقلد أمره وقائم به، وهذا صريح في قيادة الأمة وإمامتها وولايتها، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قيادة الأمة ووليها وسلطانها والقائم بأمرها، فثبت لعلي (عليه السلام) ما ثبت له من الولاية العامة والقيادة التامة.

هذا ما يقضي به التأمل في كلام أئمة اللغة، وإن أبيت إلا عن تعدد معاني المولى وأنه مشترك لفظي وقد وضع لكل واحد من معانيه بوضع مستقل، فلا شك أن معناه الذي يناسب الحديث هو الأول. وقد تعرض لذكره جماعة من الأقدمين.

قال أبو عبيدة في كتاب غريب القرآن (المولى بمعنى الأولى، واستشهد بقول الأخطل في عبد الملك بن مروان: فأصبحت مولاها من الناس كلهم وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا وقال الأنباري في كتابه تفسير المشكل في القرآن ما لفظه (الولي والمولى الأولى بالشئ).

وقال الزجاج والفراء كما في تفسير الفخر الرازي - ج 29 ص 227 طبع مصر (المولى يجئ بمعنى الأولى). وقد حكى عن أبي العباس المبرد: أنه قال الولي الذي هو الأولى والأحق).

وقال الزمخشري في تفسيره - ج 4 ص 66 طبع مصر (وحقيقة مولاكم محراكم ومقمنكم، أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم).

وقال الحلبي في التقريب (المولى حقيقة في الأولى، لاستقلالها بنفسها ورجوع سائر الأقسام في الاشتقاق إليها، لان المالك إنما كان مولى لكونه أولى بتدبير رقيقه وتحمل جريرته، والمملوك مولى لكونه أولى بطاعة مالكه، والمعتق كذلك، والناصر لكونه أولى بنصرة من نصره، والحليف لكونه أولى بنصرة حليفه، والجار لكونه أولى بنصرة جاره والذب عنه، والصهر لكونه أولى بمصاهره، والإمام لكونه أولى بمن يليه، وابن العم لكونه أولى بنصرة محبه) وإذا كانت لفظة مولى حقيقة في الأولى وجب حملها عليها دون سائر معانيها، لافتقارها إلى القرينة الصارفة عن المعنى الموضوع له كما لا يخفى.




شواهد إضافية على دلالة حديث الغدير


الشاهد الأول: مخاطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لجماهير الناس قبل إيراد هذا المقال بقوله (ألست أولى بكم من أنفسكم) ثم فرع عليه بقوله (من كنت مولاه فعلي مولاه) فإن أخذ الإقرار منهم بكونه أولى بهم من أنفسهم قبل قوله من كنت مولاه فعلي مولاه، لا يكون إلا لأجل أحد أمرين، إما لأجل تحقيق شرط القضية وإقرارهم بتحققه ليترتب عليه تاليها فيتعين إرادة معنى الأولى من لفظ المولى دون غيره من معانيه، فالمعنى ألست أولى بكم من أنفسكم فمن كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه، وإما لأجل إلزامهم بأن لا يأبوا ما يريد أن يعقبه بجعله الزعيم عليهم والمتصرف في شؤونهم. فليس مفاده حينئذ إلا توليه علي عليه السلام عليهم، فتتعين إرادة ما هو متضمن لمعنى التسلط من معاني كلمة المولى كالسيد والمتصرف دون غيره من معانيه.

وعلى كلا التقديرين فالحديث يدل على كون علي (عليه السلام) نافذ التصرف فيهم، يجب عليهم الانقياد له، ولا يجوز منعه عن التصرف في شؤونهم.

أقول: وقد روى قوله (صلى الله عليه وآله) (من كنت مولاه فعلي مولاه) بعد قوله (صلى الله عليه وآله) (ألست أولى بكم من أنفسكم) بألفاظ متقاربة، الكثيرون من علماء الفريقين، منهم:

1- أحمد بن حنبل.

2- ابن ماجة.

3- النسائي.

4- الشيباني.

5- أبو يعلى.

6- الطبري.

7- الترمذي.

8- الطحاوي.

9- ابن عقدة.

10- العنبري.

11- أبو حاتم.

12- الطبراني.

13- القطيعي.

14- ابن بطة.

15- الدار قطني.

16- الذهبي.

17- الحاكم.

18- الثعلبي.

19- أبو نعيم.

20- ابن السمان.

21- البيهقي.

22- الخطيب.

23- السجستاني.

24- ابن المغازلي.

25- الحسكاني.

26- العاصمي.

27- الخلعي.

28- السمعاني.

29- الخوارزمي.

30- البيضاوي.

31- الملا.

32- ابن عساكر.

3 - أبو موسى.

34- أبو الفرج.

35- ابن الأثير.

36- ضياء الدين.

37- قز أوغلي.

38- الكنجي.

39- التفتازاني.

40- محب الدين.

41- الوصابي.

42- الحمويني.

43- الإيجي.

44- ولي الدين.

45- الزرندي.

46- ابن كثير.

47- الشريف.

48- شهاب الدين.

49- الجزري.

50- المقريزي.

51- ابن الصباغ.

52- الهيثمي.

53- الميبدي.

54- ابن حجر.

55- أصيل الدين.

56- السمهودي.

57- كمال الدين.

58- البدخشي.

59- الشيخاني.

60- السيوطي.

61- الحلبي.

62- ابن كثير.

63- السهارنيوري.

64- ابن حجر المكي.


الشاهد الثاني: دعاؤه (صلى الله عليه وآله) بعد إلقاء هذا المقال في حق علي (عليه السلام) بقوله (اللهم وآل من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله) المروي بطرق كثيرة في آخر الحديث فإنه يدل على أن الأمر الذي بلغه في حق علي يحتاج إلى النصرة والموالاة له، وأنه سيكون له أعداء وخاذلون، ويدل أيضا على عصمته، وأنه لا يقدم على أمر إلا في رضا الله تعالى.


الشاهد الثالث: الإخبار الواردة بطرق كثيرة، الدالة على نزول قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) في تلك المناسبة، فإن ما يكون سببا لكمال الدين وتمام النعمة على المسلمين ليس إلا ما كان من أصول الدين، التي بها يتم نظام الدنيا والدين وتقبل الأعمال، ويؤيد هذه الأخبار ما في بعض طرق الحديث من أنه (صلى الله عليه وآله) قال عقيب لفظ الحديث (الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة، ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي بن أبي طالب) وفي بعض الطرق (وتمام دين الله بولاية علي بعدي).


الشاهد الرابع: الأخبار الدالة على نزول قوله تعالى (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك فإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) الآية في قضية غدير خم فهي تدل دالة على أهمية ما أمر بتبليغه فيها بحيث كان تركه مساوقا لترك الرسالة، وأنه من أصول الإسلام، ولكنه ليس التوحيد والنبوة والمعاد، فإن النبي (صلى الله عليه وآله) قد بلغها من بدء رسالته، فلا يبقى إلا إمامة علي (عليه السلام) التي كان النبي (صلى الله عليه وآله) يحذر في تبليغها عن مخالفة الناس، ولذلك قال له الله تعالى (والله يعصمك من الناس).


الشاهد الخامس: الأخبار الواردة في نزول قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) في واقعة الغدير بعد تبليغ ولاية علي (عليه السلام)، فهي تدل على أن إكمال الدين وإتمام نعمة الإسلام كان بتبليغ ولاية علي (عليه السلام) وإمامته.


الشاهد السادس: قوله (صلى الله عليه وآله) في بعض طرق الحديث (إن الله أرسلني برسالة ضاق بها صدري وظننت أن الناس مكذبي فأوعدني لأبلغها أو ليعذبني).


الشاهد السابع: إلقاء هذا المقال الشريف عقيب أخذ الشهادة منهم بالوحدانية والشهادة بالنبوة، كما هو المذكور في كثير من طرق الحديث، مما يدل على أن ما أفاده بهذا المقال أمر مهم يبتني عليه الإسلام.


الشاهد الثامن: أنه (صلى الله عليه وآله) قال قبله (أنه يوشك أن أدعى فأجيب) وهذا يدل على مخافته من ترك أمر مهم يجب عليه تبليغه قبل ارتحاله، وهل هو إلا ولاية علي.


الشاهد التاسع: أنه (صلى الله عليه وآله) قال بعد تبليغ الولاية لجماهير المسلمين (فليبلغ الحاضر الغائب) فيدل هذا اهتمامه الشديد في إيصال هذا الموضوع إلى جميع المسلمين، لم يكن معلوما لهم جميعا.


الشاهد العاشر: أنه قال (صلى الله عليه وآله) بعد تبليغ الولاية (اللهم أنت شهيد عليهم أني قد بلغت ونصحت) فدل على أنه قد بلغ أمرا جليلا عظيما خطيرا وأداه إلى الناس، وأتم الحجة عليهم، وأفرغ ذمته بأدائه.


الشاهد الحادي عشر: القرائن الحالية، وهي كثيرة واضحة الدلالة على المقصود، كنزوله (صلى الله عليه وآله) في حر الهجير، وقد ذكر حفاظ الحديث وأئمة التاريخ أن شدة الحر كانت إلى حد أن بعض الناس وضع ثوبه على رأسه، وبعضهم كان يلفه برجله، وبعضهم استظل بنافته ودابته، وبعضهم استظل بالصخور. ثم ترتيب النبي (صلى الله عليه وآله) منبرا مرتفعا من الأقتاب أو الأحجار، حتى يشرف على المسلمين، الذين قدرهم بعض من المؤرخين بسبعين ألفا (70000) وبعضهم بثمانين ألفا (80000) وبعضهم بمأة ألف (100000). ثم أمره (صلى الله عليه وآله) برجوع من تقدم، وتوقف من تأخر. ثم ما رواه الجمهور من أنه (صلى الله عليه وآله) أخذ عليا معه على المنبر وأمسك بيده ورفعها حتى بان بياض إبطيه بمجمع من الناظرين.


الشاهد الثاني عشر: بيعة الناس لعلي ومصافقتهم بيده، وتهنئتهم النبي (صلى الله عليه وآله) وعليا ورووا أن أول من قام بالتهنئة والبخبخة عمر بن الخطاب، وقد ورد حديث تهنئته لعلي (عليه السلام) بطرق كثيرة تربو على الستين، فقد روى الحافظ أبو سعيد النيسابوري المتوفى سنة 407 في كتابه شرف المصطفى على ما في الغدير، بإسناده عن البراء بن عازب بلفظ أحمد بن حنبل، وبإسناد آخر عن أبي سعيد الخدري ولفظه (ثم قال النبي هنئوني هنئوني أن خصني الله بالنبوة، وخص أهل بيتي بالإمامة) فلقي عمر بن الخطاب أمير المؤمنين فقال: طوبى لك يا أبا الحسن أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.

وروى المؤرخ الطبري في كتاب الولاية بإسناده عن زيد ابن أرقم أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال (قولوا أعطيناك على ذلك عهدا من أنفسنا وميثاقا بألسنتا وصفقة بأيدينا، نؤديه إلى أولادنا وأهالينا، لا نبغي بذلك بدلا) إلخ.

وروى صاحب كتاب روضة الصفا - ج 1 ص 173، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) جلس في خيمة وأجلس أمير المؤمنين عليا (عليه السلام) في خيمة أخرى، وأمر الناس بأن يهنئوا عليا في خيمته، ولما ختم تهنئة الرجال أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمهات المؤمنين بأن يسرن إليه ويهنئنه.

وقال الغزالي في كتاب سر العالمين في المقالة الرابعة ما لفظه (ولكن أسفرت الحجة وجهها وأجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته (عليه السلام) في يوم غدير خم باتفاق الجميع وهو يقول (من كنت مولاه فعلي مولاه) فقال عمر: بخ بخ لك يا أبا الحسن، لقد أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، فهذا تسليم ورضى وتحكيم، ثم بعد هذا غلب الهوى بحب الرياسة، وحمل عمود الخلافة، وعقود البنود، وخفقان الهواء في قعقعة الرايات، واشتباك ازدحام الخيول، وفتح الأمصار، سقاهم كأس الهوى فعادوا إلى الخلاف الأول، فنبذوا الحق وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون) انتهى.


الشاهد الثالث عشر: واقعة الحارث بن النعمان الفهري، وقد رواها جم كثير منهم الثعلبي في تفسيره، أنه لما كان رسول الله بغدير خم نادى الناس فاجتمعوا، فأخذ بيد علي. وقال (من كنت مولاه فعلي مولاه) فشاع ذلك في كل بلد، فبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري، فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ناقة له حتى أتى الأبطح، فنزل عن ناقته وأناخها وعقلها، ثم أتى النبي وهو في ثلة من الصحابة فقال (يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقبلناه، وأمرتنا أن نصلي خمسا فقبلناه، وأمرتنا بالحج فقبلناه. ثم لم ترض بذلك حتى رفعت بضبعي ابن عمك ففضلته علينا فقلت (من كنت مولاه فعلي مولاه) فهذا شيئ منك أم من الله؟ فقال (صلى الله عليه وآله) (والله الذي لا إله إلا هو، أن هذا إلا من الله) فولى الحارث يريد راحلته وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقا فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره فقتله. انتهى. وقد روي بعدة طرق كثيرة أن قوله تعالى (سأل سائل بعذاب واقع) نزل في هذه الحادثة.


الشاهد الرابع عشر: استئذان حسان بن الثابت من النبي (صلى الله عليه وآله) في أن ينظم الواقعة، وشعره متواتر نقلته كتب الفريقين، قال:

يناديهم يــــوم الغديــــر نبيهــــم***نجـــم وأسمـــع بالرسـول مناديا

فقــال فمــــن مــــولاكم ونبيكم؟***فقالـــوا ولـم يبدوا هناك التعاميا

إلهلـك مولانــــا وأنــــت نبينــــا***ولم تلق منا في الولاية عاصيــا

فقال له: قم يا علــــــي فإننــــــي***رضيتك من بعدي إماما وهاديا

فمن كنت مولاه فهـــــذا وليــــــه***فكونوا له أتباع صــدق مواليــا

هنـاك دعا اللهـــــم وال وليــــــه***وكن للذي عــادى عليــا معاديا

قال ابن الجوزي وأبو عبد الله الكنجي الشافعي: فقال له النبي (صلى الله عليه (وآله) وسلم): (يا حسان لا تزال مؤيدا بروح القدس ما كافحت عنا بلسانك). وقال قيس بن عبادة الأنصاري وأنشدها بين يدي أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم صفين. قلت


لما بغــــــى العـــــدو علينـــا***حسبنا ربنـــــا ونعــم الوكيل

وعلى إمامنا وإمـــــام لـــوانا***أتــى بـــــه التنزيــــــــــــــل

يوم قال النبي من كنت مولاه***فهـــــذا مـــولاه خطب جليـل


الشاهد الرابع عشر: أن أمير المؤمنين عليا (عليه السلام) جاء إلى رحبة الكوفة بمجتمع الناس واستنشدهم على هذا الحديث ردا على مخالفيه في أمر الخلافة، فقال (أنشد الله رجلا سمع النبي يوم غدير خم يقول: (من كنت مولاه فعلي مولاه) فقام جماعة وشهدوا بالحديث، وقد كثر نقل هذه المناشدة بحيث كاد أن يبلغ حد التواتر أو بلغ.

فمنها ما رواه الحمويني في فرائد السمطين: فقام زيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وسلمان، وأبو ذر فقالوا: نشهد لقد حفظنا قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو قائم على المنبر وهو يقول (أيها الناس إن الله عز وجل أمرني أن أنصب لكم إمامكم والقائم فيكم بعدي ووصيي وخليفتي، والذي فرض الله عز وجل على المؤمنين في كتابه طاعته، فقرن بطاعته طاعتي، وأمركم بولايته) إلخ.


الشاهد الخامس عشر: وقوع التعبير عن هذه الواقعة في بعض الأحاديث بالنصب وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم نصب عليا (عليه السلام) لمقام الولاية. ومن الواضح أنه لا يعبر عن مجرد إثبات المحبة بالنصب.

ibrahim aly awaly
16-01-2005, 09:25 AM
ليلة جرح الإمام (عليه السلام)

(المقالة الأولى)


الشهيد السيد محمد باقر الصدر

بسم الله الرحمن الرحيم



هذه الليلة...

ذكرى أشأم ليلة بعد يوم توفي فيه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) فاليوم الذي توفي فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان اليوم الذي خلف فيه النبي (صلى الله عليه وآله) تجربته الإسلامية في مهب القدر، في رحبة المؤامرات التي أتت عليها بعد برهة من الزمن واليوم الذي اغتيل فيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كان اليوم الذي قضى على آخر أمله في إعادة خط تلك التجربة الصحيحة، هذا الأمل الذي كان لا يزال يعيش في نفوس المسلمين الواعين متجسدا في شخص هذا الرجل العظيم، الذي عاش منذ اللحظة الأولى هموم الدعوة وآلامها و اكتوى بنارها و شارك في بنائها لبنة لبنة..... وأقام صرحها مع أستاذه (صلى الله عليه وآله) مدماكاً فوق مدماك .

هذا الرجل الذي كان يعبر عن كل هذه المراحل بكل همومها .... ومشاكلها وآلامها ....

هذا الرجل هو الذي كان يمثل هذا الأمل الوحيد الذي بقي للمسلمين الواعين في أن تسترجع التجربة خطها الواضح الصريح وأسلوبها النبوي المستقيم.... حيث أن الانحراف في أعماق هذه التجربة كان قد طغى وتجبر واتسع بحيث لم يكن هناك أي أمل في أن يقهر هذا الانحراف.... اللهم إلا على يد رجل واحد كعلي بن أبي طالب (عليه السلام) ولهذا كانت حادثة اغتيال هذا الإمام العظيم.... حينما خر صريعا في مثل هذه الليلة تقويضاً حقيقياً لآخر أمل حقيقي في قيام مجتمع إسلامي صحيح على وجه الأرض إلى يوم غير معلوم، وأجل غير محدود.

كان هذا الاغتيال المشؤوم عقيب حكم مارسه الإمام (عليه السلام) طيلة أربع أو خمس سنوات تقريباً حيث بدأ منذ اللحظة الأولى لتسلم زمام الحكم عقلية التغيير الحقيقية في كيان هذه التجربة المنحرفة وواصل سعيه في سبيل إنجاح عملية التغيير، وخر صريعاً بالمسجد وهو في قمة هذه المحاولة أو في آخر محاولة إنجاح عملية التغيير وتصفية الانحراف الذي كان قد ترسخ في جسم المجتمع الإسلامي متمثلاً في معسكر منفصل عن الدولة الإسلامية الأم.

والظاهرة الواضحة في هذه الأربع أو الخمس سنوات التي مارس فيها الأمام (عليه السلام) عملية الحكم هي وإلى أن خر صريعاً في سبيل إقامة عدل الله على الأرض، كان غير مستعد بأي شكل من الأشكال وفي أي صيغة من الصيغ لتقبل أنصاف الحلول بالنسبة إلى تصفية هذا الانحراف أو لتقبل أي معنى من معاني المساومة أو المعاملة على حساب هذه الأمة التي كان يرى بكل حرقة وألم إنها تهدر كرامتها وتباع بأرخص ثمن.

هذه الظاهرة تسترعي الانتباه سياسياً من ناحية وتسترعي الانتباه فقهياً من ناحية أخرى:


أما من الناحية السياسية :

فقد استرعت انتباه أشخاص معاصرين للإمام (عليه السلام) واسترعت انتباه أشخاص حاولوا أن يحللوا ويدرسوا حياة الإمام (عليه السلام) .

فقد لوحظ على الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام: أن عدم تقبله بأي شكل من الأشكال لهذه المساومات وأنصاف الحلول كأن يُعَقّدُ عليه الموقف ويثير أمامه الصعاب ويرسخ المشاكل ويجعله عاجزاً عن مواجهته لمهمته السياسية والمضي بخط تجربته إلى حيث يريد.

فمثلاً: ذاك الشخص الذي جاء إليه بعقلية هذه المساومات واقترح عليه إن يبقي معاوية بن أبي سفيان والياً على الشام برهة من الزمن قائلاً: إن بإمكانك إبقاء معاوية والياً على الشام برهة من الزمن وهو في هذه الحالة سوف يخضع ويبايع وبعد هذا يكون بإمكانك استبداله أو تغييره بأي شخص آخر بعد أن تكون قد استقطبت كل أطراف الدولة وقد تمت لك البيعة والطاعة في كل أرجاء العالم الإسلامي، فاشتر بإبقاء هذا الوالي أو ذلك الوالي، هذا الحاكم أو ذلك الحاكم، بإبقاء هذه الثروات المحرمة في جيب هذا السارق أو في جيب ذلك السارق برهة من الزمن ثم بعد هذا يمكنك أن تصفي كل هؤلاء الولاة الفجرة وترجع كل هذه الثروات المحرمة إلى بيت المال.

فالإمام (عليه السلام) في جواب هذا الشخص، رفض هذا المنطق واستمر في خطه السياسي يرفض كل مساومة ومعاملة من هذا القبيل، ومن هنا قال معاصروه، وقال غير معاصريه انه كان بامكانه أن يسجل نجاحاً كبيراً، وان يحقق توفيقاً من الناحية السياسية أكثر، لو انه قبل أنصاف الحلول، ولو انه مارس هذا النوع من المساومات ولو بشكل مؤقت.


أما من الناحية الفقهية :

فهي ناحية التزاحم، الفقه يقول: بأنه إذا توقف واجب أهم على مقدمة محرمة فلا بد من الحفاظ على ذلك الواجب الأهم وفي سبيل حرمة المقدمة لا يجوز تبرير ترك الواجب الأهم حينما يقال ذلك إذا توقف إنقاذ نفس محترمة من الغرق على اجتياز ارض مغصوبة لا يرضى صاحبها باجتيازها فلا بد من اجتيازها حيث تسقط هنا حرية هذا المالك وعدم رضاه، لأن النتيجة أهم من هذه المقدمة، كما فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بعض غزواته مثالاً مشابهاً لهذا المثال، حيث كان الجيش الإسلامي مضطراً إلى الخروج من المدينة عن طريق معين، وهذا الطريق كان فيه مزرعة لأحد الصحابة، وكان لا بد للجيش حينما يمر على هذه المزرعة وبحكم طبيعة مروره كجيش من أن يتلف كثيراً من محاصيل هذه المزرعة ويصيبها بأضرار فصاحب المزرعة ما هان عليه أن يقدم هذه الأضرار في سبيل الله وفي سبيل الرسالة.... احتج على ذلك وصرخ ثم جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: مزرعتي ومالي، فلم يجبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأصدر أوامره إلى الجيش، فمشى في هذه المزرعة حتى لم يبق في هذه المزرعة شيء مما كان يخاف تلفه صاحب المزرعة إلا وتلف.

كل ذلك لان النتيجة كانت أهم من المقدمة، كان هذا الجيش يسير لأجل أن يغير وجه الدنيا ولأجل تغيير وجه الدنيا إذا تلفت مزرعة، إذا ضاعت هناك ثروة صغيرة لشخص، في سبيل أن يحفظ مقياس توزيع الثروات في العالم على الخط الطويل الطويل، فهذا أمر صحيح ومعقول من الناحية الفقهية فمن الناحية الفقهية دائماً يقرر أن الواجب إذا توقف على مقدمة محرمة وكان ملاك الواجب أقوى من ملاك الحرمة: فلا بد أن يقدم الواجب على الحرام.

وعلى هذا الضوء حينئذ تثار هذه القضية في هذه الظاهرة التي استوضحناها في حياة أمير المؤمنين (عليه السلام) كحاكم .

وهي انه لماذا لم يطبق هذه القاعدة في سبيل استباحة كثير من المقدمات المحرمة، أليس إجماع الرأي عليه، أليس تملكه زمام قيادة مجتمع إسلامي، أليس هذا أمراً واجباً محققاً لمكسب إسلامي كبير، لأنه هو الذي سوف يفتح أبواب الخيرات والبركات ويقيم حكومة الله على الأرض.... ؟

إذن فلماذا في سبيل تحقيق هذا الهدف إذا توقف هذا الهدف على مقدمة محرمة من قبيل إمضاء ولاية معاوية بن أبي سفيان برهة من الزمن، أو إمضاء الأموال المحرمة التي نهبها آل أمية، أو غيرهم من الأسر التي وزع عليها عثمان بن عفان أموال المسلمين.... ؟؟

لماذا لا يكون السكوت مؤقتاً عن غير هذا النهب والسلب مقدمة للواجب الأهم.

ولماذا لا يكون جائزاً حينئذ على أساس توقف الواجب الأهم على ذلك... ؟؟

الواقع هو أن الإمام (عليه السلام) كان لا بد له أن ينهج هذا الطريق ولم يكن بامكانه كقائد رسالي يمثل الإسلام وأهدافه لم يكن بامكانه أن يقبل هذه المساومات وأنصاف الحلول ولو كمقدمة وليس قانون باب التزاحم الفقهي، هنا صالحاً للانطباق على موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) وذلك بعد اخذ النقاط التالية بعين الاعتبار:

النقطة الأولى: انه لا بد وان يلحظ في المقام أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يريد أن يرسخ قاعدة سلطانه في قطر جديد من أقطار العالم الإسلامي وهذا القطر هو العراق.

وكان شعب العراق وأبناء العراق مرتبطين روحياً وعاطفياً مع الإمام (عليه السلام) ولكن لم يكن شعب العراق ولا أبناء العراق يعون رسالة علي (عليه السلام) وعياً حقيقياً كاملاً، ولهذا كان الإمام بحاجة إلى أن يبني تلك الطليعة العقائدية، ذلك الجيش العقائدي الذي يكون أميناً على الرسالة وأميناً على الأهداف وساعداً له ومنطلقاً بالنسبة إلى ترسيخ هذه الأهداف في كل أرجاء العالم الإسلامي .

والإمام (عليه السلام) لم يكن يملك هذه القاعدة بل كان بحاجة إلى أن يبنيها إذن كيف يبني هذه القاعدة؟

هل يمكن أن يبني هذه القاعدة في جو من المساومات وأنصاف الحلول؟ حتى لو كانت هذه المساومات وأنصاف الحلول جائزة شرعاً إلا أن جوازها الشرعي لا يؤثر في هذه الحقيقة النفسية الواقعية شيئاً وهي أن شخصاً لا يمكن أن يعيش في جو من المساومات وأنصاف الحلول فيكتسب روحية أبي ذر أو يكتسب روحية عمار بن ياسر، روحية الجيش العقائدي الواعي البصير بأن المعركة ليست للذات وإنما هي للأهداف الكبيرة التي هي أكبر من الذات.

هذه الروحية لا يمكن أن تنمو ولا يمكن لعلي (عليه السلام) أن يخلقها في من حوله في حاشيته وفي أوساطه وقواعده الشعبية، في جو من المشاحنات والمساومات وأنصاف الحلول حتى لو كانت جائزة... أن جوازها لا يغير من ملدلوها التربوي شيئاً ولا من دورها في تكوين نفسية هذا الشخص بأي شكل من الأشكال...

إذن فالإمام (عليه السلام) كان أمامه حاجة ملحة حقيقية في بناء دولته إلى قاعدة شعبية واعية يعتمد عليها في ترسيخ الأهداف في النطاق الأوسع وهذه القاعدة الشعبية لم تكن جاهزة له حينما تسلم زمام الحكم حتى يستطيع أن يتفق معها.

على أن هذه المساومات وأنصاف الحلول إنها ضرورات استثنائية لا توجب الانحراف عن ذلك الخط... إنما كان على علي (عليه السلام) أن يبني ذلك الجيش العقائدي كان على علي (عليه السلام) أن ينتزع الخيّر الخيّر الطيّب الطيّب من جماعته وحاشيته العراقيين لكي يشكل منهم كتلة واعية من قبيل مالك الاشتر وغيره وهؤلاء لم يكن بالامكان ممارسة بناء نفسي وروحي وفكري وعاطفي حقيقي لهم في جو مليء بالمساومات وأنصاف الحلول... كانت المساومات وأنصاف الحلول نكسة بالنسبة إلى عملية التربية لهذا الجيش العقائدي وكان فقدان هذا الجيش العقائدي يعني فقدان القوة الحقيقية التي يعتمد عليها الإمام (عليه السلام) في بناء دولته لأن أي دولة عقائدية بحاجة إلى طليعة عقائدية تستشعر بشكل معمق وموسع أهداف الدولة وواقع أهميتها وضرورتها التاريخية ولهذا كان لا بد من الحفاظ على صفاء وطهر عملية التربية لبناء هذا الجيش العقائدي كان لا بد لآلاف من مالك الاشتر أن يشهدوا إنساناً لا تزعزعه المغريات ولا يتنازل إلى أي نوع من أنواع المساومات حتى يستطيعوا من خلال حياة هذا الرجل العظيم أن يتبينوا المدلول الرسالي الكامل لأطروحته الأبعاد الواسعة للصيغة الإسلامية للحياة إذن فكان على علي (عليه السلام) لأجل ممارسة عملية التربية لبناء هذا الجيش العقائدي كان لا بد له أن يترفع عن هذه المساومات والحلول الوسط، لكي يستطيع أن يخلق ذلك الجو الرفيع نفسياً وفكرياً وروحياً والذي سوف ينشأ في داخله وفي أعماقه... جيل يستطيع أن يحتضن أهداف أمير المؤمنين (عليه السلام) ويضحي من أجلها في حياته وبعد وفاته...

النقطة الثانية: لا بد من الالتفات أيضاً إلى أن أمير المؤمنين (عليه السلام) جاء في أعقاب ثورة، ولم يجئ في حالة اعتيادية، ومعنى ذلك إن البقية الباقية من العواطف الإسلامية، كل هذه العواطف تجمعت، ثم ضغطت، ثم انفجرت في لحظة ارتفاع... وماذا ينتظر القائد الرسالي غير لحظة ارتفاع في حياة امة، لكي يستطيع أن يستثمر هذه اللحظة في سبيل إعادة هذه الأمة إلى سيرها الطبيعي...

كان لا بد للإمام (عليه السلام) أن يستثمر لحظة الارتفاع الثورية هذه، لأن المزاج النفسي والروحي وقتئذ لشعوب العالم الإسلامي، لم يكن ذاك المزاج الاعتيادي الهادئ الساكن لكي يمشي حسب مخطط تدريجي ، وإنما كان هو المزاج الثوري الذي استطاع أن يرتفع إلى مستوى قتل الحاكم والإطاحة به، لأنه انحرف عن كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) إذن هذا الارتفاع الذي وجد في لحظة في حياة الأمة الإسلامية لم يكن من الهين إعادته وبعد ذلك كان لا بد للحاكم الذي يستلم زمام المسؤولية في مثل هذه اللحظة أن يعمق هذه اللحظة أن يمدد هذه اللحظة، أن يرسخ المضمون العاطفي والنفسي في هذه اللحظة عن طريق هذه الإجراءات الثورية التي قام بها أمير المؤمنين..

لو أن الإمام علي (عليه السلام) أبقى الباطل مؤقتاً وأمضى التصرفات الكيفية التي قام بها الحكام من قبل، لو أنه سكت عن معاوية وسكت عن أحزاب أخرى مشابهة لمعاوية بن أبي سفيان إذن لهدأت العاصفة ولأنكمش هذا التيار العاطفي النفسي، وبعد انكماش هذا التيار العاطفي وهدوء تلك العاصفة سوف لن يكون بمقدور الإمام (عليه السلام) أن يقوم بمثل هذه الإجراءات.

النقطة الثالثة: ولا بد أيضاً من الالتفات إلى نقطة هي: أن الإمام (عليه السلام)، كان حريصاً على أن تدرك الأمة كأمة، أن واقع المعركة بينه (عليه السلام) وبين خصومه، بينه وبين معاوية ليست معركة بين شخصين، بين قائدين، بين قبيلتين، وإنما هي معركة بين الإسلام والجاهلية.

كان حريصاً على أن يفهم الناس أن واقع المعركة هو واقع المعركة بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) والجاهلية التي حاربته في بدر وأُحد وغيرهما من الغزوات وكان هذا الحرص سوف يمنى بنكسة كبيرة لو أنه (عليه السلام) أقر معاوية، وأقر مخلفات عثمان السياسية والمالية، لو أنه أقر هذه المخلفات ولو إلى برهة من الزمن إذن لترسخ في أذهان الناس، وفي أذهان المسلمين بشكل عام شك في أن القضية ليست قضية رسالية وإنما هي قضية أهداف حكم، إذا انسجمت مع واقع هذه المخلفات فتلغي هذه المخلفات ذلك الشك الذي نما عند الأمة في أمير المؤمنين (عليه السلام) بالرغم من انه لم يكن يوجد له أي مبرر موضوعي وإنما المبرر كانت له مبرراته الذاتية بالرغم من انه لم يكن يوجد أي مبرر موضوعي لشك، وبالرغم من إن المبرر الوحيد للشك كان مبرراً ذاتياً وبالرغم من هذا استفحل هذا الشك وقرر، وامتحن هذا الإمام العظيم (عليه السلام) بهذا الشك ومات واستشهد والأمة شاكة... ثم استسلمت الأمة بعد هذا وتحولت إلى كتلة هامدة بين يدي الإمام الحسن (عليه السلام) هذا كله بالرغم من أن الشك لم يكن له مبرر موضوعي فكيف إذا افترضنا أن الشك وجدت له مبررات موضوعية بحسب الصورة الشكلية.

كيف لو أن المسلمين رأوا أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي هو رمز الأطروحة ورمز الأهداف الرسالية هذا الشخص يساوم ويعمل ويبيع الأمة ولو مؤقتاً مع خيار الفسخ.

كيف يمكن للأمة أن تدرك الفرق بين بيع بلا خيار الفسخ وبين بيع يكون فيه خيار الفسخ إن البيع على أي حال طبيعته هو البيع وأمير المؤمنين (عليه السلام) كانت مهمته الكبرى هي أن يحافظ على وجود الأمة على أن لا تتنازل الأمة عن وجودها.

الأمة التي قالت لعمر بن الخطاب، لأكبر خليفة تولى الحكم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إذا انحرفت عما نعرف من أحكام الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله) نقوِّمك بسيوفنا، هذه الأمة التي قالت هذه الكلمة بكل شجاعة لأكبر خليفة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت قد بدأت تتنازل عن وجودها أو بتعبير آخر كانت هناك مؤامرات عليها لكي تتنازل عن وجودها، وكان على علي بن أبي طالب (عليه السلام) أن يحافظ على هذه الأمة، ويحصنها ضد أن تتنازل عن وجودها، عملية التنازل عن الوجود كان يمثلها معاوية بن أبي سفيان، وجذور معاوية في تاريخ الإسلام، هذا الذي عبر عنه وقتئذ، بأن الإسلام أصبح هرقلية وكسروية الهرقلية والكسروية كان يكنى بها عن تنازل الأمة عن وجودها، يعني تحولت التجربة الإسلامية من أمة تحمل رسالة إلى ملك وسلطان يحمل هذه الرسالة بمستوى وعيه لهذه الرسالة وإخلاصه لهذه الرسالة سلباً وإيجاباً، هذه المؤامرة الكبيرة التي نجحت بعد هذا والتي توجت بكل المآسي والمحن والكوارث التي كانت ولاتزال إلى يومنا هذا هي نتيجة تنازل الأمة عن وجودها، نتيجة خداع الأمة، وتحجيمها أو الضغط عليها حتى تنازلت عن وجودها في عقد لا يقبل الفسخ...

أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يريد وقد أدرك الأمة في اللحظات الأخيرة من وجودها المستقل، أن يمدد هذا الوجود المستقل أن يُشعر الأمة بأنها ليست سلعة تباع وتشترى، أنها ليست شيئاً يساوم عليها، إذن كيف يشعرها بأنها ليست سلعة تباع وتشترى، إذا كان هو يبيعها ويشتريها، ولو في عقود قابلة للفسخ؟

كيف يستطيع أن يُشعر الأمة بأنها لا تباع ولا تشترى، ليست وفق رغبات السلاطين وليست وفق رغبات الحكام، وإنما تمثل خلافة الله في الأرض، لأجل أن تحقق أهداف هذه الخلافة في الأرض.

كيف يمكن أن يفهم الأمة ذلك إذا كان هو يبيع قطاعات من هذه الأمة لحكام فجرة من قبيل معاوية بن أبي سفيان، في سبيل أن يسترجع هذه القطاعات بعد ذلك.

بطبيعة الحال كان هذا معناه مواكبة المؤامرة التي كان روح العصر يتفجر أو يتمخض عن مثلها والتي كان أمير المؤمنين (عليه السلام) واقفاً لأجل أن يحبطها وينقذ الأمة منها، وحينئذ لا يمكن بحال من الأحوال أن نفترض أن الإمام (عليه السلام) يساهم في حبك هذه المؤامرة.

النقطة الرابعة والأخيرة: هي أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) لم يكن يتعامل مع الفترة الزمنية القصيرة التي عاشها فقط، وإنما كان يحمل هدفاً أكبر من ذلك، أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يحس بأنه قد أدرك المريض وهو في آخر مرضه، قد أدركه حيث لا ينفع العلاج ولكنه كان يفكر في أبعاد أطول وأوسع للمعركة.

لم يكن يفكر فقط في الفترة الزمنية التي عاشها وإنما كان يفكر على مستوى أخر أوسع وأعمق، هذا المستوى يعني أن الإسلام كان بحاجة إلى أن تقدم له في خضم الانحراف بين يدي الأمة أطروحة واضحة صريحة نقية لا شائبة فيها ولا غموض، لا التواء فيها ولا تعقيد، لا مساومة فيها ولا نفاق ولا تدجيل.

لماذا..؟ لأن الأمة كتب عليها أن تعيش الحكم الإسلامي المنحرف منذ نجحت السقيفة في أهدافها أذن فالإسلام الذي تعطيه السقيفة امتدادها التاريخي هذا الإسلام أسلام مشوه ممسوخ أسلام لا يحفظ الصلة العاطفية فضلاً عن الفكرية بين الأمة ككل وبين الرسالة، بين أشرف رسالات السماء وأشرف أمم الأرض لا يمكن أن يحفظ هذه الصلة العاطفية والروحية بين الأمة الإسلامية وبين الإسلام على أساس هذا الإسلام المعطى لهارون الرشيد، ولمعاوية بن أبي سفيان، ولعبد الملك بن مروان، هذا الإسلام لا يمكن أن يحفظ هذه الصلة فكان لا بد لحفظ هذه الصلة بين جماهير الأمة الإسلامية وبين هذه الرسالة، من إعطاء صورة واضحة محدودة للإسلام وهذه الصورة أعطيت نظرياً على مستوى ثقافة أهل البيت (عليه السلام) وأعطيت عملياً على مستوى تجربة الإمام (عليه السلام) فكان الإمام (عليه السلام) في تأكيده على العناوين الأولية في التشريع الإسلامي، وفي تأكيده على الخطوط الرئيسية في الصيغة الإسلامية للحياة كان في هذا يريد أن يقوم المنهاج الإسلامي واضحاً غير ملوّث بلوثة الانحراف التي كتبت على تاريخ الإسلام مدة طويلة من الزمن وكان لا بد لكي يتحقق هذا الهدف من أن يعطي هذه التجربة بهذا النوع من الصفاء والنقاء والوضوح دون أن يعمل ما أسميناه بقوانين باب التزاحم...

وهكذا كان وظل الإمام (عليه السلام) صامداً مواجهاً لكل المؤامرات التي كانت الأمة تساهم في صنعها وفي حياكتها على أساس جهلها وعدم وعيها وعدم شعورها بالدور الحقيقي الذي يمارسه عليه السلام في سبيل حماية وجودها من الضياع وحماية كرامتها من أن تتحول إلى سلعة تباع وتشترى حتى خر صريعاً على يد شخص من هذه الأمة التي ضحى في سبيلها... خر صريعاً في المسجد فقال:

فزت ورب الكعبة...

لنحاسب علياً وهو في آخر لحظة من لحظات حياته (عليه السلام) حينما قال: فزت ورب الكعبة.

هل كان علي أسعد إنسان أو أتعس إنسان..؟

هنا مقياسان:

فتارة نقيس علياً (عليه السلام) بمقياس الدنيا.

وأخرى نقيس علياً بمقاييس الله سبحانه وتعالى...

لو كان قد عمل كل عمله للدنيا، لنفسه، فهو أتعس إنسان... ومن أتعس من علي (عليه السلام) الذي بنى كل ما بنى وأقام كل ما أقام من صرح ثم حرم من كل هذا البناء ومن كل هذه الصروح؟

هذا الإسلام الشامخ العظيم الذي يأكل الدنيا شرقاً وغرباً هذا الإسلام بني بدم علي (عليه السلام) بني بخفقات قلب علي (عليه السلام) بني بآلام علي (عليه السلام)، بني بنار علي (عليه السلام)، كان علي هو شريك البناء بكل محن هذا البناء بكل آلام هذا البناء وفي كل مآسي هذا البناء أي لحظة محرجة وجدت بتاريخ هذا البناء لم يكن علي (عليه السلام) هو الإنسان الوحيد الذي يتجه إليه نظر البنّاء الأول (صلى الله عليه وآله) ونظر المسلمين جميعاً لأجل إنقاذ عملية البناء إذن فعلي (عليه السلام) كان هو المضحي دائماً في سبيل هذا البناء، هو الشخص الذي أعطى ولم يبخل الذي ضحى ولم يتردد الذي كان يضع دمه على كفه في كل غزوة في كل معركة، في كل تصعيد جديد لهذا العمل الإسلامي الراسخ العظيم..

إذن شيدت كل هذه المنابر بيد علي (عليه السلام) واتسعت أرجاء هذه المملكة بسيف علي (عليه السلام).

جهاد علي كان هو القاعدة لقيام هذه الدولة الواسعة الأطراف لكن ماذا حصّل علي (عليه السلام) من كل هذا البناء في مقاييس الدنيا، إذا اعتمدنا مقاييس الدنيا..؟

لو كان علي (عليه السلام) يعمل لنفسه فماذا حصّل علي (عليه السلام) من كل هذه التضحيات من كل هذه البطولات؟ ماذا حصل غير الحرمان الطويل الطويل، غير الإقصاء عن حقه الطبيعي بقطع النظر عن نص أو تعيين من الله سبحانه وتعالى؟ كان حقه الطبيعي أن يحكم بعد أن يموت النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه الشخص الثاني عطاء للدعوة وتضحية في سبيلها .

أُقصي من حقه الطبيعي قاسى ألوان الحرمان أنكرت عليه كل امتيازاته، معاوية بن أبي سفيان هو الذي يقول لمحمد بن أبي بكر، كان علي كالنجم في السماء في أيام رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولكن أباك والفاروق ابتزا حقه وأخذا أمره، وبعد هذا نحن شعرنا أن بامكاننا أن ندخل في ميدان المساومة مع هذا الرجل ويقول عن نفسه، يحدث عن مقامه في أيام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكيف أخذ المقام هذا يتنازل بالتدريج نتيجة لمؤامرات الحاكمين عليه، حتى قيل علي ومعاوية.

إذن فعلي (عليه السلام) حينما واجهه عبد الرحمن بن ملجم بتلك الضربة القاتلة على رأسه الشريف، كان ماضيه كله ماضي حرمان وألم وخسارة لم يكن قد حصل على شيء منه، لكن الأشخاص الذي حصلوا على شيء عظيم من هذا البناء هم أولئك الذي لم يساهموا في هذا البناء هم أولئك الذي كانوا على استعداد دائم للتنازل عن مستوى هذا البناء في أية لحظة من اللحظات أولئك حصلوا على مكاسب عريضة من هذا البناء أما هذا الإمام الممتحن الذي لم يفر لحظة الذي لم يتلكأ في أي آن، الذي لم يتلعثم في قول أو عمل، هذا الإمام العظيم لم يحصل على أي مكسب من هذا البناء بأي شكل من الأشكال انظروا أن هذه الحادثة يمكن أن تفجر قلب الإنسان، وما الإنسان غير العامل، حينما ينظر في حال عامل على هذا الترتيب يتفجر قلبه ألماً لحال هذا العامل المسكين، لحال هذا العامل التعيس، الذي بنى فغير الدنيا ثم لم يستفد من هذا التغيير ثم تعالوا انظروا إلى المستقبل الذي ينظره الإمام علي (عليه السلام) بعين الغيب هذا ماضيه، فماذا عن مستقبله؟

كان يرى بعين الغيب إن عدوه اللدود سوف يطأ منبره، سوف يطأ مسجده، سوف ينتهك كل الحرمات والكرامات التي ضحى وجاهد في سبيلها سوف يستقل بهذه المنابر التي شيدت بجهاده وجهوده ودمه، سوف يستغلها في لعنه وسبه عشرات السنين هو الذي كان يقول لبعض الخلّص من أصحابه انه سوف يعرض عليكم سبي ولعني والبراءة مني أما السب فسبوني وأما البراءة مني فلا تتبرؤوا مني.

إذن فهو كان ينظر بعين الغيب إلى المستقبل بهذه النظرة لم يكن يرى في المستقبل نوعاً من التكذيب يتدارك به هذا الحرمان، الأجيال التي سوف تأتي بعد أن يفارق الدنيا، كانت ضحية مؤامرة أموية جعلتها لا تدرك أبداً دور الإمام علي (عليه السلام) في بناء الإسلام.

هذا هو حرمان الماضي وهذا هو حرمان المستقبل.

وبالرغم من كل هذا قال (عليه السلام): فزت ورب الكعبة، حينما أدرك إنها اللحظة الأخيرة وانه انتهى خط جهاده وهو في قمة جهاده وانتهى خط محنته وهو في قمة صلاته وعبادته قال: فزت ورب الكعبة، لأنه لم يكن إنسان الدنيا ولو كان إنسان الدنيا لكان أتعس إنسان على الإطلاق لو كان إنسان الدنيا لكان قلبه يتفجر ألماً وكان قلبه ينفجر حسرة ولكنه لم يكن إنسان الدنيا، لو كان إنسان الدنيا فسوف يندم ندماً لا ينفعه معه شيء، لأنه بنى شيئاً انقلب عليه ليحطمه أي شيء يمكن أن ينفع هذا الشخص؟ إذا فرضنا أن شخصاً أراد أن يربي شخصاً آخر لكي يخدمه فلما ربى ذاك الشخص ونمى واكتمل رشده جاء ليقتله ماذا ينفع هذا الشخص ندمه غير أن يموت.

هذا الرجل العظيم قال: فزت ورب الكعبة، كان اسعد إنسان ولم يكن أشقى إنسان لأنه كان يعيش لهدفه، ولم يكن يعيش للدنيا، كان يعيش لهدفه ولم يكن يعيش لمكاسبه ولم يتردد لحظة وهو في قمة هذه المآسي والمحن، في صحة ماضيه، وفي صحة حاضره، وفي انه أدى دوره الذي كان يجب عليه.

هذه هي العبرة التي يجب أن نأخذها.

نحن يجب أن نستشعر دائماً أن السعادة في عمل العامل لا تنبع من المكاسب التي تعود إليه نتيجة لهذا العمل.

يجب أن لا نقِّيم سعادة العامل على أساس كهذا لأننا لو قيّمناه على هذا الأساس فقد يكون حظنا كحظ هذا الإمام الذي بنى أسلاماً ووجّه امة، ثم بعد هذا انقلبت عليه هذه الأمة لتلعنه على المنابر ألف شهر.

نحن يجب أن لا نجعل مقياس سعادة العامل في عمله هو المكاسب والفوائد التي تنجم عن هذا العمل وإنما رضى الله سبحانه وتعالى وإنما حقانية العمل، كون العمل حقاً وكفى، وحينئذ سوف نكون سعداء سواء أثر عملنا أو لم يؤثر، سواء قدر الناس عملنا أم لم يقدروا، سواء رمونا باللعن أو بالحجارة على أي حال سوف نستقبل الله سبحانه وتعالى ونحن سعداء لأننا أدينا حقنا وواجبنا وهناك من لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، لئن ضيع هؤلاء السعادة ولئن ضيعوا فهمهم، ولئن استولى عليهم الغباء فخلطوا بين علي (عليه السلام) ومعاوية، لئن انصرفوا عن علي وهم في قمة الحاجة إليه فهناك من لا يختلط عليه الحال، من يميز بين علي (عليه السلام) وبين أي شخص آخر، هناك من قد أعطى لعلي (عليه السلام) نتيجة لعمل واحد من أعماله مثل عبادة الثقلين.

ذاك هو الحق وتلك هي السعادة.

اللهم احشرنا معه واجعلنا من شيعته والمترسمين خطاه والحمد للّه.

ibrahim aly awaly
20-01-2005, 09:42 AM
ليلة جرح الإمام (عليه السلام)

(المحاضرة الثانية)


الشهيد السيد محمد باقر الصدر

بسم الله الرحمن الرحيم




الشهيد السيد محمد باقر الصدر


كنا نتحدث عن تلك الظاهرة الفريدة في المرحلة التي قضاها الإمام علي (عليه السلام) حاكماً متصرفاً ومصرفاً لشؤون المسلمين.

هذه الظاهرة الفريدة هي ما المحنا إليها من أن الإمام (عليه السلام) كان حريصاً كل الحرص على إعطاء العناوين الأولية للصيغة الإسلامية للحياة، والوقوف على التكليف الواقعي الأولي بحسب مصطلح الأصوليين، دون تجاوزه إلى ضرورات استثنائية تفرضها طبيعة الملابسات والظروف.

لماذا لم يرتض الإمام بأنصاف الحلول أو بشيء من المساومة؟

لماذا لم يسكت؟

لماذا لم يُمضِ ولو بصورة مؤقتة الجهاز الفاسد الذي تركه وخلفه عثمان بعد موته؟

لماذا لم يُمضِ الجهاز حتى إذا أطاعه هذا الجهاز واسلم له القيادة بعد ذلك يستطيع أن يمارس بشكل أقوى واعنف عملية التصفية؟

كنا نعالج هذه المسألة وقلنا إن الجواب على هذا السؤال وتفسير هذه الظاهرة الفريدة في الحياة للإمام (عليه السلام) يتضح بمراجعة عدة نقاط استعرضنا من هذه النقاط أربع:


النقطة الأولى: هي إن الإمام (عليه السلام) كان بحاجة إلى إنشاء جيش عقائدي في دولته الجديدة التي كان يخطط لإنشائها في العراق، وهذا الجيش العقائدي لم يكن موجوداً بل كان بحاجة إلى تربية وإعداد فكري ونفسي وعاطفي وهذا الإعداد كان يتطلب جواً مسبقاً صالحاً لان تنشأ فيه بذور هذا الجيش العقائدي. وهذا الجو ما لم يكن جواً كفاحياً رسالياً واضحاً، لا يمكن أن تنشأ في أحضانه بذور ذلك الجيش العقائدي، لو افترضنا أن الجو كان جو المساومات وأنصاف الحلول حتى في حالة كون أنصاف الحلول تكتسب الصفة الشرعية بقانون التزاحم على ما ذكرناه حتى في هذه الحالة تفقد الصيغة مدلولها التربوي.


النقطة الثانية: هي إن الإمام (عليه السلام) جاء لتسلم زمام الحكم في لحظة ثورة لا في لحظة اعتيادية، ولحظة الثورة تستبطن لحظة تركيز وتعبئة وتجمع كل الطاقات العاطفية والنفسية في الأمة الإسلامية لصالح القضية الإسلامية فكان لا بد من اغتنام هذه اللحظة بكل ما تستنبطه من هذا الزخم الهائل عاطفياً ونفسياً وفكرياً.


النقطة الثالثة: التي ركزنا عليها، هي أن ظاهرة الشك في مجتمع الإمام (عليه السلام) هذه الظاهرة التي بيناها في محاضرات سابقة وكيف إنها عصفت بالتجربة واستطاعت أن تقضي على الآمال والأهداف التي كانت معقودة عليها، هذا الشك بالرغم من انه لم يكن يملك في سيرة الإمام (عليه السلام) أي مبرر موضوعي، وكانت مبرراته ذاتية محضة بالنحو الذي شرحناه تفصيلاً فيما مضى فقد استفحل وطغى، فكيف لو افترضنا أن هذه المبررات الذاتية أضيفت إليها مبررات موضوعية من الناحية الشكلية، إذن لكان هذا الشك أسرع إلى الانتشار والتعمق والرسوخ وفي النهاية إلى تقويض هذه التجربة.


النقطة الرابعة: عبارة عن إن أنصاف الحلول أو المساومة هنا كانت في الواقع اشتراكاً في المؤامرة وكانت تحقيقاً للمؤامرة من ناحية الإمام (عليه السلام) ولم تكن تعبيراً عن الإعداد لإحباط هذه المؤامرة لان المؤامرة لم تكن مؤامرة على شخص الإمام علي (عليه السلام) لم تكن مؤامرة على حاكمية الإمام علي (عليه السلام) حتى يقال: انه يمهد لهذه الحاكمية بشيء من هذه الحلول الوسط، وإنما المؤامرة كانت مؤامرة على وجود الأمة الإسلامية، على شخصية هذه الأمة، على أن تقول كلمتها في الميدان بكل قوة وجرأة وشجاعة، على إن تَنسَلِخ عن شخصيتها وينصب عليها قيم من أعلى يعيش معها عيش الأكاسرة والقياصرة مع شعوب الأكاسرة والقياصرة. هذا الذي كان يسمّى بالمصطلح الإسلامي بالهرقلية والكسروية.

هذه هي المؤامرة.

وهذه المؤامرة هي التي كان يسعى خط السقيفة بالتدريج عامداً أو غير عامد إلى تعميقها إلى إنجاحها في المجتمع الإسلامي.

فلو أن الإمام (عليه السلام) كان قد مارس أنصاف الحلول، لو كان قد باع الأمة بيعاً مؤقتاً مع خيار الفسخ، إذن لكان بهذا قد اشترك في إنجاح وفي سلخ الأمة عن إرادتها وشخصيتها.

كانت الأمة وقتئذ بحاجة كبيرة جداً لكي تستطيع أن تكون على مستوى مسؤوليات ذلك الموقف العصيب، وعلى مستوى القدرة للتخلص من تبعات هذه المؤامرة.

كان لا بد من أن تشعر بكرامتها بإرادتها، بحريتها، باصالتها، بشخصيتها في المعترك وهذا كله مما لا يتفق مع ممارسة الإمام (عليه السلام) لإنصاف الحلول.

النقطة الخامسة: التي لا بد من الالتفات إليها في هذا المجال هي إن الإمام (عليه السلام) لو كان قد أمضى هذه الأجهزة الفاسدة التي خلفها عثمان الخليفة من قبله فليس من المعقول بمقتضى طبيعة الأشياء أن يستطيع بعد هذا أن يمارس عملية التغيير الحقيقي في هذه التجربة التي يتزعمها.

وفي الواقع إن هذا الفهم لموقف أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي اعرضه في هذه النقطة مرتبط بحقيقة مطلقة تشمل موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) وتشمل أي موقف رسالي عقائدي آخر مشابه لموقف أمير المؤمنين (عليه السلام) أي موقف آخر يستهدف تغييراً جذرياً أو إصلاحياً حقيقياً في مجتمع أو بيئة أو حوزة أو في أي مجتمع آخر من المجتمعات وهذه الحقيقة المطلقة هي إن كل إصلاح لا يمكن أن ينشأ على يد الأجهزة الفاسدة نفسها التي لا بد أن يطالها التغيير.

فلو افترضنا أن الزعيم المسؤول عن إصلاح تلك البيئة أقر الأجهزة الفاسدة التي يتوقف الإصلاح على إزالتها وعلى تبديدها، لو انه أقر هذه الأجهزة وتعاون معها وأمضاها ولو مؤقتاً، ثم بعد أن إكتسب القوة والمزيد من القدرة، وامتد أفقياً وعامودياً في أبعاد هذه التجربة التي تزعمها، بعد هذا استبدل هذه الركائز بركائز أخرى هذا المنطق منطق لا يتفق مع طبيعة العمل الاجتماعي ومع طبيعة الأشياء وذلك لان هذا الزعيم من أين سوف يستمد القوة من أين سوف تتسع له القدرة؟ من أين سوف يمتد أفقياً وعامودياً؟

هل تهبط عليه هذه القوة بمعجزة من السماء؟ لا... وإنما سوف يستمد هذه القوة من تلك الركائز نفسها...

أي زعيم في أية بيئة يستمد قوته وتتعمق هذه القوة عنده باستمرار. من ركائزه، من أسسه من أجهزته التي هي قوته التنفيذية التي هي واجهته الأمة على ، التي هي تعبيره، التي هي تخطيطه، فإذا افترضنا أن هذه الأجهزة كانت هي الأجهزة الفاسدة التي يريد المخطط الإصلاحي إزالتها وتبديلها بأجهزة أخرى، فليس من المعقول أن يقول الزعيم في أية لحظة من اللحظات، وفي أي موقف من المواقف: دع هذه الأجهزة معي دعني اعمل مع هذه الأجهزة حتى امتد حتى اشمخ وبعد أن امتد واشمخ أستطيع أن اقضي على هذه الأجهزة. فإن هذا الشموخ الناتج من هذه الأجهزة لا يمكن أن يقضي على هذه الأجهزة. النتيجة منطقياً مرتبطة بمقدماتها والنتيجة واقعياً مرتبطة أيضاً بركائزها وأسسها، فهذا الشموخ المستمد من ركائز فاسدة، من أجهزة فاسدة، لا يمكن أن يعود مرة أخرى فيتمرد على هذه الأجهزة.

هذا الزعيم حتى لو كان حسن النية، حتى لو كان صادقاً في نيته وفي تصوره سوف يجد في نهاية الطريق أنه عاجز عن التغيير، سوف يجد في نهاية الطريق انه لا يتمكن أن يحقق أهدافه الكبيرة لان الزعيم مهما كان زعيماً، والرئيس مهما كان حاكماً وسلطاناً، لا يغير بيئة بجرة قلم، لا يغير بيئة بإصدار قرار بإصدار أمر، وإنما تتغير البيئة عن طريق الأجهزة التي تنفذ إرادة هذا الزعيم، وتخطيط هذا الزعيم، إذن كيف سوف يستطيع هذا الزعيم أن ينفذ إرادته، أن يحقق أهدافه أن يصل إلى أمله؟

فطبيعة الأشياء وطبيعة العمل التغييري في أي بيئة تفرض على أي زعيم يبدأ هذا العمل أن يبني زعامته بصورة منفصلة عن تلك الأجهزة الفاسدة وهذا ما كان يفرض على الإمام (عليه السلام) أن لا يمضي مخلفات عثمان الإدارية والسياسية...؟

النقطة السادسة: التي لا بد من الالتفات إليها أيضاً في هذا المجال هي أن الإمام (عليه السلام) لو كان قد أمضى ولو مؤقتاً الأجهزة التي خلفها عثمان أمضى مثلاً ولاية معاوية بن أبي سفيان وحاكميته على الشام لحصل من ذلك على نقطة قوة مؤقتة.

لو باع الأمة من معاوية بيعاً مؤقتاً مع خيار الفسخ إذن لاستطاع بذلك أن يحصل على نقطة قوة ونقطة القوة هي أن معاوية سوف يبايعه وسوف يبايعه أهل الشام وهذه النقطة نقطة قوة في حساب عملية التغيير لكن في مقابل هذا أيضاً سوف يحصل معاوية بن أبي سفيان، على نقطة قوة كما حصل الإمام (عليه السلام) على نقطة قوة ونقطة القوة التي سوف يحصل عليها معاوية هي اعتراف الإمام (عليه السلام) صاحب الأطروحة الجديدة صاحب الخط الإسلامي الآخر المعارض على طول الزمن منذ تشكلت السقيفة بشرعية معاوية بن أبي سفيان بأن معاوية رجل على اقل التقادير يوصف بأنه عامل قدير على تسيير مهام الدولة وعلى حماية مصالح المسلمين وعلى رعاية شؤونهم هذا الاعتراف. هو المدلول العرفي الواضح لمثل هذا الإمضاء في الذهنية الإسلامية العامة، فنقطة قوة لمعاوية مقابل نقطة قوة لعلي (عليه السلام)..

ونحن إذا قارنا بين هاتين النقطتين فسوف لن ننتهي إلى قرار يؤكد أن نقطة القوة التي حصل عليها الإمام (عليه السلام) هي أهم في حساب عملية التغيير الاجتماعية التي يمارسها الإمام (عليه السلام) من نقطة القوة التي يحصل عليها معاوية، خاصة إذا التفتنا إلى أن تغيير الولاة في داخل الدولة الإسلامية وقتئذ لم يكن عملية سهلة ولم يكن عملية بهذا الشكل من اليسر الذي نتصوره في دولة مركزية تسيطر حكومتها المركزية على كل أجهزة الدولة وقطاعاتها.

ليس معنى أن معاوية يبايع أو يأخذ البيعة لخليفة في المدينة أن جيشاً في الحكومة المركزية سوف يدخل الشام وان هناك ارتباطاً عسكرياً حقيقياً سوف يوجد بين الشام وبين الحكومة المركزية وإنما يبقى هذا الوالي بعد اخذ البيعة همزة الوصل الحقيقية بين هذا البلد وبين الحكومة المركزية لضعف مستوى الحكومة المركزية وقتئذ من ناحية، ومن ناحية أخرى لترسخ معاوية في الشام بالخصوص لأن الشام لم تعرف حاكماً مسلماً قبل معاوية وقبل أخي معاوية ومنذ دشن الشام حياته الإسلامية فإنما دشنها على يد أولاد أبي سفيان إذن ترسخ معاوية من الناحية التاريخية والصلاحيات الاستثنائية التي أعطيت له من قبل عمر بن الخطاب في أن ينشئ له سلطنة وملكية في الشام بدعوى أن هذا يكون مظهر عز وجلال للإسلام في مقابل دولة القياصرة.

هذه الصلاحيات الاستثنائية التي أخذها معاوية من عمر بن الخطاب لأجل إنشاء مظاهر مستقلة في الشام، لا تشبه الوضع السياسي في الدولة الإسلامية في باقي الأقاليم وهذا مما رسخ نوعاً من الانفصالية في الشام عن باقي أجزاء جسم الدولة الإسلامية.

ثم الصلاحيات التي أخذها بعد هذا من عثمان بن عفان حينما تولى الخلافة، وحينما شعر بأنه قادر على أن يستهتر بشكل مطلق بالأمر والنهي، بحيث لم يبق طيلة مدة خلافة عثمان أي ارتباط حقيقي بين الشام والمدينة وإنما كان هو الآمر والناهي في الشام مما جعل الشام يعيش حالة شبه انفصالية في الواقع وان لم تكن انفصالية بحسب العرف الدستوري للدولة الإسلامية وقتئذ، وهذا مما يعقد الموقف على أمير المؤمنين (عليه السلام) ويجعل نقطة القوة التي يحصل عليها وهي مجرد البيعة في الأيام الأولى نقطة غير حاسمة بينما إذا أراد بعد هذا أن يعزل معاوية فبامكان معاوية أن يثير - إلى جانب وجوده المادي القوي المترسخ في الشام ـ الشبهات على المستوى التشريعي والإسلامي.

لماذا يعزلني؟

ماذا صدر مني حتى يعزلني بعد أن اعترف باني حاكم عادل صالح لإدارة شؤون المسلمين؟

ما الذي طرأ وما الذي تجدد؟

مثل هذا الكلام كان بامكان معاوية أن يوجهه حينئذ إلى الإمام (عليه السلام) ولم يكن للإمام (عليه السلام) أن يعطي جواباً مقنعاً للرأي العام الإسلامي وقتئذ على مثل هذه الشبهة.

بينما حين يعزله من البداية يعزله على أساس انه يؤمن بعدم صلاحيته، وبأنه لا تتوفر فيه الشروط اللازمة في الحاكم الإسلامي، وهو لا يتحمل مسؤولية وجوده كحاكم، في الفترة السابقة التي عاشها معاوية حاكماً من قبل عثمان أو من قبل عمر بن الخطاب.

النقطة السابعة: التي لا بد من الالتفات إليها في هذا المجال هي: أن هذه الشبهة تفترض أن معاوية بن أبي سفيان لو أن الإمام (عليه السلام) أمضى حاكميته وأمضى ولايته لبايعه ولأعطى نقطة القوة هذه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ولكن لا يوجد في الدلائل والقرائن التي كانت تكتنف موقف الإمام (عليه السلام) ما يوحي بصحة هذا الافتراض، فان معاوية لم يعص علياً لأجل انه عزل عن الولاية، وإنما كان ذلك في اكبر الظن جزءاً من مخطط لمؤامرة طويلة الأمد للأموية على الإسلام، الأموية كانت تريد أن تنهب مكاسب الإسلام بالتدريج هذا النهب الذي عبر عنه بأقسى صورة أبو سفيان حينما ركل قبر حمزة رضوان اللّه عليه بقدمه وهو يقول: إن هذا الدين الذي قاتلتمونا عليه، هذا الدين الذي بذلتم دماءكم في سبيله، وضحيتم في سبيله قوموا واقعدوا وانظروا كيف أصبح كرة في يد صبياننا وأطفالنا.

كان الشرف الأموي يريد أن يقتنص وان ينهب مكاسب البناء الإسلامي والوجود الإسلامي، وكانت هذه المؤامرة تنفذ على مستويات وكانت المرحلة الأولى من هذه المؤامرة ترسخ الأخوين في الشام يزيد بن أبي سفيان ثم معاوية بعد يزيد بن أبي سفيان بعد يزيد. ومحاولة استقطاب معاوية للشام، عن طريق بقائه هذه المدة الطويلة فيها.

ثم كان معاوية بن أبي سفيان بنفسه، ينتظر الفرصة الذهبية التي يتيحها مقتل عثمان بن عفان هذه الفرصة الذهبية التي تعطيه سلاحاً غير منتظر يمكن أن يمسكه ويدخل به إلى الميدان.. ولهذا تباطأ عن نصرة عثمان بن عفان كان عثمان يستنصره ويستصرخه ويؤكد له انه يعيش لحظات الخطر ولكن معاوية كان يتلكأ في إنقاذه وكان معاوية ـ على أقل تقدير ـ قادراً على أن يؤخر هذا المصير المحتوم بعثمان إلى مدة أطول لو انه وقف موقفا ايجابياً حقيقياً في نصرة عثمان بن عفان إلا انه تلكأ وتلعثم وكان يخطط لكي يبقى هذا التيار كاسحاً ولكي يخرج عثمان بن عفان على يد المسلمين ميتاً ثم بعد هذا لكي يأتي ويمسك بزمام هذا السلاح ولكي يقول أنا ابن عم الخليفة المقتول ومن المعلوم أن معاوية سوف لن يتاح له في كل يوم، أن يكون ابن عم الخليفة المقتول، فهذه الفرصة الذهبية التي كانت على مستوى الأطماع والآمال الأموية لنهب كل مكاسب الإسلام هذه الفرصة الذهبية لم يكن من المظنون أن معاوية سوف يغيرها عن طريق الاكتفاء بولاية الشام، ولاية الشام كانت مرحلة أما منذ قتل عثمان بدأ معاوية في نهب كل الوجود الإسلامي، وتزعم كل هذا الوجود وكان هذا يعني أن تعيينه أو إبقاءه والياً على الشام سوف لن يكون على مستوى أطماعه في المرحلة الأولى التي بدأت بمقتل عثمان بن عفان من مراحل المؤامرة الأموية على الإسلام.

وأخيراً لا بد من الالتفات أيضاً إلى شيء آخر: هو أن الوضع الذي كان يعيشه الإمام (عليه السلام) في ملاحظة طبيعة الأمة في ذلك الوضع، وطبيعة الإمام (عليه السلام) في ذلك الوضع، لم يكن ليوحي بالاعتقاد بالعجز عن أمكان النجاح لعملية التغيير دون مساومة.

ومن الواضح أن الفكرة الفقهية عن توقف الواجب الأهم على المقدمة المحرمة، إنما تكون فيما إذا كان هناك توقف بالفعل، بحيث يحرز أن هذا الواجب الأهم لا يمكن التوصل إليه إلا عن طريق هذه المقدمة المحرمة، والظروف وطبيعية الأشياء وقتئذ لم تكن توحي، ولم تكن تؤدي إلى اليقين بمثل هذا التوقف.

وذلك لأن المؤامرة التي كان علي (عليه السلام) قد اضطلع بمسؤولية إحباطها حينما تولى الحكم لم تكن قد نجحت بعد بل كانت الأمة في يوم قريب سابق على يوم مقتل عثمان قد عبرت تعبيراً معاكساً مضاداً لواقع هذه المؤامرة ولمضمون هذه المؤامرة.

هذه المؤامرة صحيح إنها تمتد بجذورها إلى أمد طويل قبل هذا التاريخ، المؤامرة على وجود الأمة الإسلامية فإن الأمة الإسلامية التي سهر عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) على إعطائها اصالتها وشخصيتها وكرامتها ووجودها، حتى كان قد الزم نفسه والزمه ربه بالشورى والتشاور مع المسلمين لأجل تربية المسلمين تربية نفسية وإعدادهم لا تحمل مسؤولياتهم وإشعارهم بأنهم هم الأمة التي يجب أن تتحمل مسؤوليات هذه الرسالة خلفها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهي تعيش هذه الروحية وتعيش على هذا المستوى عاطفياً ونفسياً، وبدأت جذور المؤامرة للقضاء على وجود الأمة كافة وتحويل الوجود إلى السلطان والحاكم.

أول جذر من جذور هذه المؤامرة أعطي كمفهوم في السقيفة حينما قال احد المتكلمين فيها من ينازعنا سلطان محمد.

والسقيفة وان كانت بمظهرها اعترافاً بوجود الأمة لأن الأمة تريد أن تتشاور في أمر تعيين الحاكم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولكن المفهوم الذي أعطي في السقيفة والذي كتب له أن ينجح يوم السقيفة، وان يمتد بأثره بعد ذلك بعد يوم السقيفة هذه، المفهوم كان بحد ذاته ينكر وجود الأمة.

كان ينظر إلى النبوة على إنها سلطان قريش إنها سلطان عشيرة معينة وهذه العشيرة المعينة هي التي يجب أن تحكم وان تسود، نظرية مالكية العشيرة، التي تتحدى وجود الأمة، وتنكر عليها إصالتها ووجودها وشخصيتها، هذه النظرية طرحت كمفهوم في السقيفة ثم بعد هذا امتدت واتسعت عملياً ونظرياً.

عمر بن الخطاب كان أيضاً يعمق بشكل آخر هذا المفهوم.

في مرة من المرات سمع عمر بن الخطاب أن المسلمين يتحلقون حلقاً حلقاً، ويتكلمون في أن أمير المؤمنين إذا أصيب بشيء فمن يحكم المسلمين بعد عمر؟

المسلمون أناس يحملون همّ التجربة هّم المجتمع همّ الأمة تطبيقاً لفكرة: إن كل مسلم يحمل الهموم الكبيرة يفكرون في أن عمر بن الخطاب حينما يموت، من الذي يحكم المسلمين؟

هذا تعبير عن وجود الأمة في الميدان.

انزعج عمر بن الخطاب جدّاً لهذا التعبير عن وجود الأمة. لأنه يعرف أن وجود الأمة في الميدان معناه وجود علي (عليه السلام) في الميدان، معناه وجود الخط المعارض في الميدان، كلما نمت الأمة كلما تأصل وجودها أكثر واكتسبت أرادتها ووعيها بدرجة أعمق كلما كان علي هو الأقدر وهو الأكفأ لممارسة عملية الحكم، لهذا صعد على المنبر وقال ما مضمونه: أن أقواماً يقولون ماذا ومن يحكم بعد أمير المؤمنين...؟ ألا أن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى اللّه المسلمين شرها.

يعني ماذا يريد أن يقول في هذا الكلام يريد أن يقول في هذا الكلام بان المسلمين لا يجوز أن يعودوا مرة أخرى إلى التفكير المستقل في انتخاب شخص وإنما الشخص يجب أن يعين لهم من أعلى. لكن لم يستطع ولم يجرأ أن يبين هذا المفهوم والا هو في نفسه كان هكذا يرى...

كان يرى أن الأمة يجب أن تستمع منه هو يعين من أعلى هذا الحاكم، لا أن الأمة نفسها تفكر في تعيين هذا الحاكم كما فكرت مثلاً عقيب وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان ذلك فلتة وقى الله المسلمين شرها، والأمة يجب ألا تعود إلى هذه الفلتة مرة أخرى.

إذن فما هذا البديل؟ هذا البديل لم يبرزه لكن البديل كان في نفسه هو إني أنا يجب أن أعين هذا أيضاً، كان استمرارية لجذور المؤامرة وبعد هذا عبر عن هذا البديل بكل صراحة وهو على فراش الموت، وحينما طلب منه المتملقون أن يوصي وألا يهمل أمة محمد (صلى الله عليه وآله)، حينما طلبوا منه ذلك عبر عن هذا البديل بكل صراحة فأسند الأمر إلى ستة أيضاً كان فيه نوع من التحفظ لأنه لم يعين واحداً وحيداً لا شريك له وإنما عين ستة كأنه يريد أن يقول: بأني أعطيت درجة من المشاركة للامة عن طريق إني أسندت الأمر إلى ستة هم يعينون فيما بينهم واحداً منهم.

انظروا كيف كانت المؤامرة على الأمة تنفذ بالتدريج.

كانت المؤامرة على وجودها على كيانها على إرادتها كأمة.. تحمل اشرف رسالات السماء.

طبعاً عبد الرحمن بن عوف الذي كان قطب الرحى في هؤلاء الستة أيضاً لم يستطع في تلك المرحلة أن يطفئ دور الأمة لم يحل المشكلة عن طريق التفاوض فيما بين هؤلاء الستة، في اجتماع مغلق وإنما ذهب يستشير الأمة ويسأل المسلمين من الذي ترشحونه من هؤلاء الستة؟ إلى هنا كانت الأمة لا تزال تحتفظ بدرجة كبيرة من وجودها بحيث إن عمر بن الخطاب لم يستطع أن يغفل وجود الأمة يسأل هذا ويسأل ذاك من تريدون من هؤلاء الستة؟ يقول ما سألت عربياً إلا وقال: علي بن أبي طالب (عليه السلام) وما سألت قرشياً إلا وقال عثمان بن عفان يعني جماهير المسلمين كانت تقول علي بن إبي طالب (عليه السلام) وعشيرة واحدة معينة كانت تريد أن تنهب الحكم من الأمة كانت تقول عثمان لان عثمان بن عفان كان تكريساً لعملية النهب بينما علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان تعبيراً وتأكيداً لوجود الأمة في الميدان، ولهذا أرادته الأمة، وأرادت العشيرة عثمان.

ثم بعد هذا جاء عثمان بن عفان وفي دور عثمان بن عفان تكشفت المؤامرة أكثر فأكثر وامتدت أكثر فأكثر.

أصبحت العشيرة تحكم وتقول بكل صراحة بان المال مالنا والخراج خراجنا والأرض أرضنا إن شئنا أعطينا للآخرين وان شئنا حرمناهم.

لكن هذا كلام يقال خارج نطاق الدستور، أما في نطاق الدستور كانت لا تزال الصيغة الإسلامية وهي أن المال مال الله والناس سواسية المسلمون كلهم عبيد الله لا فرق بين قرشيهم وعربيهم وبين عربيهم واعجميهم بين أي مسلم وأي مسلم آخر، هذه كانت الصيغة الدستورية حتى في عهد عثمان لكن هذا الوالي الأموي المتغطرس أو ذاك الأموي المتعجرف أو هذا الأموي المستعجل والمتهور كان ينطق بواقع آخر لا يعبر عن الدستور حيث ينظر إلى الأمة على إنها قطيع يتحكم فيه كيف يشاء، وعلى إن ارض الإسلام مزرعة ينتفع بخيراتها من يشاء هو ويحرم من خيراتها من شاء ولكن منطق الدستور الإسلامي كان هو المتحذر في نفوس أبناء الأمة هذا المنطق هو إن ارض السواد ملك الأمة وان الأمة هي صاحبة الرأي فهي القائدة وهي سيدة الموقف وهذا يعني إن المؤامرة لا تزال غير ناجحة بالرغم من الجذور بالرغم من المقدمات بالرغم من الإرهاصات النظرية والعملية بالرغم من كل ذلك المؤامرة لم تكن ناجحة الأمة كانت هي الأمة، الأمة كانت تأتي إلى عثمان وتقول: لا نريد هذا الوالي لان هذا الوالي منحرف، منحرف لا يطبق كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) ولم يكن يستطيع عثمان بن عفان أن يجيب بصراحة ويقول ليس لك إرادة، هذا الوالي يمثلني أنا، وأنا الحاكم، أنا الحاكم المطلق لم يكن يستطيع عثمان بن عفان أن يقول هذا وإنما كان يعتذر ويقيل ويرجع وهكذا كان يناور مع الأمة يشتغل بمناورات من هذا القبيل مع هذه الأمة التي بدأت تحس بالخطر على وجودها فعبرت الأمة تعبيراً ثورياً عن وجودها وعن كرامتها فقتلت هذا الخليفة وبعدها اتجهت طبيعياً إلى الإمام (عليه السلام) لكي يعبر من جديد عن وجودها لكي يحبط المؤامرة لكي يعيد إلى هذه الأمة كل كرامتها خارج نطاق الدستور وداخل نطاق الدستور لكي يقضي على كل انحراف خرج به الحكام عن الدستور عن الصيغة الإسلامية للحياة.

فمن هنا كانت القضية لا تزال في بدايتها لا تزال الأمة هي الأمة لا تزال بحسب مظهرها على اقل تقدير هي تلك الأمة التي قتلت الحاكم في سبيل الحفاظ على وجودها وعلي (عليه السلام) صاحب الطاقات الكبيرة هو الشخص الوحيد الذي يؤمل فيه أن يصفي عملية الانحراف.

فالظروف والملابسات لم تكن تؤدي إلى يأس... كانت تؤدي إلى أمل وما وقع خارجاً خلال هذه الأربع سنوات كان يؤكد هذا الأمل فان علياً (عليه السلام) لولا معاكسات جانبية لم تكن تنبع من حقيقة المشاكل الكبرى في المجتمع، لاستطاع أن يسيطر على الموقف.

لولا مسألة التحكيم مثلاً، لولا أن شعاراً معيناً طرح من قبل معاوية هذا الشعار الذي انعكس بفهم خاطئ عند جماعة معينة في جيش الإمام (عليه السلام) لولا هذا لكان بينه وبين قتل معاوية وتصفيته بضعة أمتار.

إذن كان الأمل في أن علياً (عليه السلام) يمكنه أن يحقق الهدف ويعيد للامة وجودها من دون حاجة إلى المساومات وأنصاف الحلول كان هذا الأمل أملاً معقولاً وكبيراً ولهذا لم يكن هناك مجوز لارتكاب أنصاف الحلول والمساومات.

ولكن هذا الأمل قد خاب كما قلنا. انتهى آخر أمل حقيقي في هذه التصفية حينما خر هذا الإمام (عليه السلام) العظيم صريعاً في مسجده صلوات الله عليه وانتهى آخر أمل في هذه التصفية وقدر للمؤامرة على وجود الأمة أن تنجح وان تؤتي مفعولها كاملاً.

غير إن الإمام (عليه السلام) حينما فتح عينيه في تلك اللحظة العصيبة ورأى الحسن (عليه السلام) وهو يبكي ويشعر ويحس ويدرك بان وفاة أبيه هي وفاة لكل هذه الآمال أراد أن ينبهه إلى إن الخط لا يزال باقياً والى أن التكليف لا يزال مستمراً وان نجاح المؤامرة لا يعني أن نلقي السلاح.

نعم المؤامرة يا ولدي نجحت ولهذا سوف تشردون وسوف تقتلون ولكن هذا لا يعني أن المعركة انتهت يجب أن تقاوم حتى تقتل مسموماً، ويجب أن يقاوم أخوك حتى يقتل بالسيف شهيداً ولا بد أن يستمر الخط حتى بعد أن سرق من الأمة وجودها لان محاولة استرجاع الوجود إذا بقيت في الأمة فسوف يبقى هناك نفس في الأمة سوف يبقى هناك ما يحصن الأمة ضد التميع والذوبان.

الأمة حينما تتنازل عن هذه الإرادة والشخصية لجبار من الجبابرة حينئذ تكون عرضة للذوبان والتميع في أتون أي فرعون من الفراعنة.

لكن إذا بقي لدى الأمة محاولة استرجاع هذا الوجود باستمرار هذه المحاولة التي يحاولها خط علي (عليه السلام) ومدرسة علي (عليه السلام) والشهداء والصديقون من أبناء علي (عليه السلام) وشيعته إذا بقيت هذه المحاولة فسوف يبقى مع هذه المحاولة أمل في أن تسترجع الأمة وجودها وعلى اقل تقدير سوف تحقق هذه المحاولة كسباً آنياً باستمرار وهو تحصين الأمة ضد التميع والذوبان المطلق في إرادة ذلك الحاكم وفي إطار ذلك الحاكم.

وهذا ما وقع.

أسأل اللّه سبحانه أن يجعلنا من أنصاره وشيعته والسائرين في خطه والمساهمين في هذه المحاولات.

ibrahim aly awaly
21-01-2005, 09:53 AM
قال رسول الله صلى الله عليه و آله :إن القرآن أربعة ارباع , فربع فينا أهل البيت خاصة .. و إن الله أنزل في علي كرائم القرآن .
شواهد التنزيل ج1 ص 42 43
قال بن عباس : نزل في علي أكثر من ثلاثمائة آية0 ينابيع المودة ص 126
روى الحافظ سليمان إبراهيم ا لقندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودة قال : و في الدر المنظم لأبن طلحة الحلبي الشافعي أعلم أن جميع اسرار الكتب السماوية في القرآن و جميع ما في القرآن في الفاتحة و جميع ما في الفاتحة في البسملة و جميع ما في البسملة في باء البسملة و جميع ما في باء البسملة في النقطة التي هي تحت الباء .
ثم قال قال الإمام علي كرم الله وجهه أنا النقطة التي تحت الباء . بنابيع المودة ص 69
و أخرج الحافظ القندوزي عن الحكيم الترمذي في شرح الرسالة الموسومة ب الفتح المبين قال بن عباس يشرح لنا علي نقطة الباء من بسم الله الرحمن الرحيم ليلة فانفلق عمود الصبح و هوه بعدلم يفرغ ينابيع المودة ص 70
اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ الفاتحة 6
روى الثعلبي في كشف البيان في تفسير القرآن قال مسلم بن حيان سمعت أبا بريدة يقول صراط محمد و آله و قد أخرج هذا المعنى الكثير منهم أبو بكر الشافعي في رشفة الصادي ص 25 و القندوزي ينابيع المودة ص 114
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ الفاتحة 7
أخرج الحافظ الحسكاني الحنفي في شواهد التنزيل قال النبي و من معه علي بن أبي طالب و شيعته
هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ البقرة 2عن بن عباس في قوله تعالى ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ يعني لا شك في انه من عند الله نزل هدى يعني بيانا و نورا للمتقين علي بن أبي طالب الذي لم يشرك بالله طرفة عين اتقى الشرك و عبادة الأوثان و أخلص لله العبادة يبعث إلى الجنة بغير حساب هو و شيعته شواهد التنزيل ج1 ص67
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ البقرة 3
أخرج علامة الحنفية الترمذي المعروف بالكشفي إنها نزلت في علي كرم الله و حهه المناقب للمير كشفي الحنفي
أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ البقرة 5
أخرج الحسكاني الحنفي قال رسول الله ص يا سلمان هذا – مشيرا لعلي – و حزبه هم المفلحون يوم القيامة شواهد التنزيل ج1 69
فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ البقرة 37
عن ابن عباس قال شئل النبي ص عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه قال ص شأله بحق محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين إلا ما تبت علي فتاب عليه . مناقب علي ابن ابي طالب ص 63 لابن المغازلي الشافعي و الدر المنثور للسيوطي الشافعي ج 1 ص 60
وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ البقرة 43
عن ابن عباس قالنزلت في رسول الله ص و في علي بن أبي طالب خاصة و هما أول من صلى و ركع . و نقله الترمذي الحنفي و المحدث الحنبلي و ابن مردوية و الناقب للكشفي الباب الأول .
وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ البقرة 45
عن ابن عباس قال الخاشع الذليل في صلاته القبل عليها يعتي رسول الله و علياًً شواهد التنزيل ج 1 ص 89
قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ البقرة 124عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله ص فانتهت الدعوة إلي و إلى علي لم يسجد احدنا إلى صنم قط فاتخذني نبياً و اتخذ علي وصياً.
مناقب علي بن أبي طالب ص 276 لابن المغازلي الشافعي و مناقب مرتضوي للترمذي الكشفي .
قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ البقرة 142 عن حذ يفة قال : قال رسول الله ص وإن تولوا علياً تجده هادياً مهدياً يسلك بكم الطريق المستقيم شواهد التنزيل ج1 ص 63 64 .
وللآيات بقية رحم الله من ذكر القائم من آل محمد.

نقلا عن احد المواقع المواليه

ibrahim aly awaly
22-01-2005, 09:22 AM
الإمام علي بن أبي طالب بين حقوق الإنسان وواجباته


السيد محمد تقي الحكيم

بسم الله الرحمن الرحيم



تحدث الاخلاقيون المحدثون عن الجوانب العملية من الأخلاق فقسموها إلى قسمين: دعوا الأول منها بالحقوق، والآخر بالواجبات، واعتبروا القيمة الخلقية التي يتفاوت بها الناس هي مدى إيمان الفرد والتزامه بالحدود المفروضة بحكمها له أو عليه.

وعرّفوا الحق: بما استحقه الإنسان على نفسه أو مجتمعه، وكان له أعماله أو المطالبة به، والواجب عليه تأديته لنفسه أو لخالقه أو لمجتمعه.

وقد قابلوا بين الحق والواجب فقالوا: ما من حق إلا ومعه واجب، بل واجبان، واجب على الفرد وآخر على مجتمعه.

أما واجبه فأن يقصر استعماله على ما لا يستوجب الإضرار بالغير، وأما واجب مجتمعه فأن يحترم له هذا الحق، ويصونه له ما دام لا يتنافى مع مصلحته العامة.

وقد جاء في نهج الإمام ما يشير إلى هذا التقابل بين الحقوق والواجبات حيث يقول: (... فالحق أوسع الأشياء في التواصف، واضيقها في التناصف، لا يجري لأحد إلا جرى عليه، ولا يجري عليه إلا جرى له، ولو كان لأحد أن يجري له ولا يجري عليه لكان ذلك خالصا لله سبحانه دون خلقه، لقدرته على عباده، ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه، ولكنه سبحانه جعل حقه على العباد أن يطيعوه، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلا منه، وتوسعا بما هو من المزيد من أهله...

ثم قال: (... ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافأ في وجوهها، ويوجب بعضها بعضا، ولا يستوجب بعضها إلا ببعض...).

فالإمام هنا يقابل بين الحق والواجب بمحتواهما السابقين ويقول: لو كان هناك حق من دون واجب لاستأثر به الله، ولكنه - جلت قدرته - أبى إلا أن يجعل في مقابل ما أوجبه على عباده من حقوقه حقا لهم عليه، ثم اعتبر حقوق الناس بعضهم على بعض بما يقابلها من واجبات من صميم التشريع، فنسبها إلى الله تعالى بقوله: (ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقا لبعض الناس على بعض...).

وما دمنا في مجال المقارنة بين الحقوق الموضوعة للإنسان وما يقابلها لدى الإمام، فلنأخذ هذه الحقوق في أواخر مراحلها التطورية، ولنعتمد ما جاء في وثيقة حقوق الإنسان، كما شرعتها الهيئة الدولية، وأقرتها - قبل سنوات - بعد مناقشات واسعة، فهي آخر ما وصلت إليه هذه الحقوق من تكثّر وسمو.

ولقد رجعت إلى هذه الوثيقة واستقصيت ما جاء فيها من حقوق وواجبات، فرأيتها تعود في مهماتها إلى ستة حقوق هي:


حق الحياة

حق الحرية

حق التملك

حق التعليم

حق الاشتراك في إدارة الدولة

حق العدالة

حق الحياة


وهذا الحق - وهو حق أن يحيا الإنسان ما دامت فيه قابلية للحياة - مكفول في الشريعة الإسلامية على ارفع صوره.

وإذا تم ما قالوه في تحديد الحق، وقلنا بمقتضاه: إن لصاحبه أن يتمتع به، أو يتخلى عنه، حسب اختياره، فان الإسلام لا يعتبره حقا، بل يعتبره من قبيل الواجبات، فهو لا يسيغ لصاحبه أن يعمد إلى إزالة حياته بيده بصريح قوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) (سورة البقرة: 195).

كما لا يسيغ للمجتمع أو الدولة ذلك، اللهم إلا في حالات يستثنيها الإسلام، كتعدي صاحبها على الآخرين بإزهاق حياتهم (ولكم في القصاص حياة) (سورة البقرة: 179).

أو توقف حياة المجموعة التي ينتمي إليها، أو المثل التي يدين بها على ذلك.

وبهذا شرع الجهاد والدفاع عن العقيدة والمبادئ والوطن.

أما الإجراءات التعسفية التي يقوم بها بعض الحاكمين لتركيز سلطانهم في الحكم، فالإسلام يأباها أشد الإباء، وكلام الإمام في ذلك صريح، يقول في كتابه إلى أحد عماله: (فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام، فان ذلك مما يضعفه ويوهنه، بل يزيله وينقله. ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد...).


حق الحرية :

والحرية - ومن حقها أن نعطيها أهمية في البحث، ونطيل فيها الحديث; لملامستها لعواطف الجمهور; ولأنها من المفاهيم التي أسيء استعمالها في عصورنا المحدثة - هذه الحرية كانت من اعظم ما آمن به الإمام وكفله.

تقول وثيقة حقوق الإنسان: (إن جميع البشر مولودون أحرارا، ومتساوون في الكرامة والحقوق. وقد وهبوا العقل والضمير، وعليهم أن يعملوا تجاه بعضهم بعضا بروح الاخوة).

هذا النص مستل من لائحة حقوق الإنسان في آخر تشريعاتها، تأكيد على ناحيتين مهمتين ترتبطان بالحرية حقا وواجبا.


أولهما: أنها تولد مع الإنسان، ويولد معها التساوي في الكرامة.


ثانيهما: النص على ضرورة التعامل مع الناس بروح الاخوة كواجب لصيانة هذه الحرية وحفظها عن الفوضى بالتعدي على الآخرين.


وقد يكون من مفاخر الإنسان أن تجد هذين المضمونين مؤكدين بلسان إمام المسلمين علي في اكثر من موضع من نهجه الخالد فيقول: (ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا).

والجعل هنا بمعنى الخلق فهو يقول له: الحرية خلقت فيك منذ خلقك الله، وهي هبة الله فلا تبددها بالخضوع والعبودية لغيرك.

ويقول في وصيته لولده الإمام الحسن في التأكيد على الناحية الثانية: (يا بني اجعل نفسك ميزانا في ما بينك وبين غيرك فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب أن تُظلم، واحسن كما تحب أن يحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك، وارض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك...).

وهو مع اشتماله على جوهر ما ورد في النص السابق يفوقه بإلزام الشخص بمعاملة غيره معاملة النفس، وهي مرحلة أكد من مرحلة الاخوة واهم.

وقد وضع مخططات لذلك التعامل في قسم من مأثوراته كقوله (عاتب أخاك بالإحسان إليه، واردد شره بالإنعام عليه).

وقوله: (ازجر المسيء بثواب المحسن"، وهو لون من العتاب والرد والزجر يكاد ينفرد به الإمام وقد استوعب شعور الإمام بالحرية المطلقة جملة مشاعره، فكان حرا حتى في شعوره بالعبودية لخالقه، فهو لا يعبده إلا عبادة الأحرار، وذلك قوله في تقسيم العبادة، ثم اختياره منها لما يلتئم ونفسيته الحرة: (إن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وان قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وان قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الأحرار).

وفي مناجاته: (الهي ما عبدتك شوقا إلى جنتك، ولا خوفا من نارك، بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك).

فهو يأبى على نفسه أن تتاجر في عبادتها، أو تخضع خضوع العبيد من خوف أو رهبة.، وإنما يريد لها أن لا تعبد إلا عبادة الأحرار، عبادة عرفان الجميل، وإعطاء كل ذي حق حقه، ومن حق الله أن يُعبد لأنه أهل للعبادة.

وما دمنا قد وضعنا لائحة حقوق الإنسان أمامنا فلنسايرها في تقسيمها أنواع الحرية، ونلتمس واقع الإمام في ضوء هذه التقسيمات كمثل يحقق مفهوم الحرية بأرفع صورها.

والحرية في هذه اللائحة ذات شُعب يخص بعضها حرية الدين والعقيدة، وبعضها حرية الرأي والتفكير، وثالثة حرية التعبير، ورابعة حرية التنقل واختيار البلد، وخامسة حرية العمل، ولكل من هذه الشُعب حديث في سلوك الإمام وسيرته وفي ما اثر عنه من بليغ القول.

أما حرية الدين والعقيدة فهي من أهم أسس الإسلام ومبادئه، وقد تغلغلت - كغيرها من مبادئه - في أعماق الإمام، وما جاء في دستور الإسلام الخالد صريح في ذلك. (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) (سورة البقرة: 256) وقد كان للإمام يد في نشر هذه المبادئ. وحرية التفكير وهي عملية داخلية طبيعية، ما ادري ما دفع مشرعي الوثيقة إلى ذكرها في الحقوق في مقابل حرية التعبير، مع إنها لا تحتاج إلى حماية خارجية بأمثال هذه اللائحة، وكان يمكن أن يكتفي بضمان الحرية للتعبير بمختلف ما له من الأساليب عن ذكرهما كحقين مستقلين.

وما يقال عن التفكير يقال عن الرأي، وعن الدين، في القسم النظري منه، ومهما يكن فماذا يراد من حرية التعبير عن ذلك كله؟ يراد بالطبع حرية إبراز الفكرة أو الرأي والعقيدة بمختلف أساليب الإبراز، سواء في المجتمعات العامة أم الخاصة، وافقت الحكم القائم أم صادمته.

وهذا الجانب منها ربما يكون من أهم جوانبها، أن لم تلتق جوانبها على اختلافها فيه.

وقد قدر للإمام أن يمارس هذه الحرية محكوماً وحاكماً، فكان في الحالين من ارفع الأمثلة لذلك بما ضرب من الأمثال العالية للشعور بما تدعو إليه من مسؤوليات، مارسها قبل الحكم، حين دعي إلى البيعة بعد رسول الله، وهو يؤمن بأن الخلافة حق من حقوقه، جعلها له رسول الله بمشهد من عامة المسلمين يوم (غدير خم); وذلك حين نزل عليه الوحي آمراً، ومحذراً، وعاصماً له من الناس بآية: (يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك فإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) (سورة المائدة: 67).

فاستوقف النبي له جماهير المسلمين وخطبهم خطبته المعروفة ثم قال: (ألست أولى بكم من أنفسكم - وكأنه يشير إلى الحق المجعول له بآية: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) (سورة الأحزاب: 6) - حتى إذا صدّقوا وأمنوا على كلامه، اصدر بلاغه العام في ذلك مدوياً: (من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأعن من أعانه، واخذل من خذله، وانصر من نصره، واحب من احبه، وابغض من ابغضه).

ومن هذا الحق الصريح لم يجد بداً من إعلان معارضته للوضع القائم بالامتناع عن البيعة، واستعمال حقه في حرية المعارضة على أتمه.

وحين شاهد - وهو يشعر بمدى مسؤولية ما يقوم به - بعض الانتهازيين حاولوا الاستفادة من معارضته بإحداث ثورة داخلية لقلب نظام الحكم، وإعلانها حرباً على الإسلام نفسه، وان إصراره على استعمال حقه في المعارضة سيكون عوناً لهم على ذلك، أعلن تجميد هذا الحق، وسارع إلى البيعة لإحباط المؤامرة في مهدها، وهو بعد مصر على أن الحق له، فها هو يشرح لأهل الكوفة الأسباب التي دعته إلى البيعة مع ما عُرف به من المعارضة:

(فلما مضى تنازع المسلمون الأمر من بعده. فوالله ما كان يلقى في روعي، ولا يخطر ببالي، أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده عن أهل بيته، ولا انهم منحوه عني من بعده! فما راعني إلا إنثيال الناس على فلان - يعني أبا بكر - يبايعونه، فأمسكت يدي; حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمد فخشيت أن لم انصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ اعظم من فوت ولايتكم...).

وكان موقفه من الخوارج - وهم اشد معارضيه، وأكثرهم إيماناً بمبدئهم - من أروع المواقف، وأكثرها تعبيراً عن صيانته لهذا الحق، فقد أباح لهم أن يسلكوا مختلف الأساليب للتعبير عن آرائهم، وكانوا يعايشونه في البلد، فتكلموا، وخطبوا، وتجمهروا، وجادلوا، وقد تجاوزوا حدود الأدب حين قال قائلهم انه: (لن يأتم به، ولن يشهد معه صلاة، ولن يأتمر بما يأمر، ولن يكون عليه سلطان).

ومع كل ذلك فلم يعرض الإمام لهم بسوء، بل كان يجادلهم بنفسه تارة، وبابن عمه عبد الله بن عباس أخرى، حتى إذا خرجوا من الكوفة بمحض اختيارهم، وشكّلوا من أنفسهم عصابة تتعرض إلى الآخرين بالقوة لحملهم على اعتناق مبدئهم، وكان ما كان منهم من إقلاق للرأي العام، وتهديد الأمن، والتعدي على الأبرياء، أمثال قتلهم لعبد الله ابن خباب، وبقر بطن زوجته الحامل، خرج إليهم الإمام لتأديبهم، ومع ذلك لم يقاتلهم حتى قام بمحاولاته السلمية التي أرجعت كثيراً منهم إلى الطاعة والاعتراف بالخطأ.

وكموقفه من حرية المعارضة وقف من حرية السكن والتنقل، فلم يعرض لها بحد، ولم يسمع عنه انه فرض أقامة جبرية على أحد، أو منع أحداً من التنقل من بلد إلى بلد.


حق التملك :

وثالث الحقوق حق التملك فردياً أو اجتماعياً، وهذا الحق مفروض في الإسلام، وربما اعتبر من ضرورياتها ما لم يتعد إلى الإضرار بالآخرين، بسلوك طرق غير مشروعة للحصول على الملكية، كالمراباة، والارتشاء، والغصب، والسرقة، وغيرها.

أما استعماله لهذا الحق - وهو أمير المؤمنين وخازن أموالهم - فقد حدثنا عن حدوده في كتابه لعامله عثمان بن حنيف:

(ألا وان إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمرَيْه، ومن طعمه بقرصَيْه... إلى أن يقول: فو الله ما كنزت من دنياكم تبراً، ولا ادخرت من غنائمها وفراً، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً...).

وقد مات ولم يضع لبنة على لبنة، وربما باع سيفه ليشتري به الكساء والطعام.

وزهده اشهر من أن نتحدث عنه. أما أسباب ذلك الزهد وبواعثه النفسية فقد كشف جانباً منها في كتابه السابق... وسنأتي عليه في موضعه.

وقد كفل هذا الحق لرعاياه، فلم يقف دون أحد في ملكية، أو جرد أحداً منها، اللهم إلا إذا كانت غير مشروعة، فمن ذلك موقفه مع من أثرى على حساب حقوق الشعب في أيام عثمان، حيث جردهم مما يملكون من ذلك المال الحرام، وأعاده إلى الكافة.


حق التعليم :

وحق التعليم - كما يراه الإمام - منن حقوق الرعية على أمرائهم، وصريح قوله وهو يعد حقوق الرعية عليه: (فأما حقكم عليّ فالنصيحة لكم. وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأديبكم كي ما تعلموا).

وفي كتابه إلى قثم عامله: (وعلم الجاهل).

وبالطبع يراد بالتعليم هنا: هو تعليم كل ما تحتاجه الشعوب لاستقامة حياتها، وبخاصة الدينية منها، والدين هو الدستور المطلق للدولة، فلا بد من معرفته للعمل على السير في حدوده.

ويبدو من بعض كلمات الإمام انه كان يرى التعلم من الواجبات على الأفراد وليس من الحقوق، كما يرى وجوب تعليمهم، ففي إحدى كلماته يقول: (ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى اخذ على أهل العلم أن يعلّموا)... تأملوا كلمة ما أخذ الله على أهل الجهل فهي من محتويات الوجوب.


حق الاشتراك في إدارة الدولة :

والاشتراك في إدارة الدولة حق كان يراه الإمام طبيعياً لجميع أفراد الشعب، بشرط توفر مؤهلات الحكم فيهم، وكان يرى عند تقدم جماعة منهم إخضاعهم للاختبار، وتقديم أوفرهم مؤهلات، وأقدرهم على توفير العدالة للرعايا.

وفي دستوره الخالد شرح لهذه الجوانب، ومما جاء فيه: (وان افضل قرة عين الولاة استقامة العدالة في البلاد، وظهور مودة الرعية... ثم اختر للحكم بين الناس افضل رعيتك في نفسك، ممن لا تضيق به الأمور، ولا تمحكه الخصوم - أي لا يلج في الخصومة - ولا يتمادى في الزلّة... ثم انظر في أمور عمالك، فاستعملهم اختباراً، ولا تولهم محاباة وأثرة).

ولهذا نظائر في النهج تراجع في مظانها في الكتب والعهود.


حق العدالة:

ولعل من أهم ما ورد في هذه اللائحة وأسماها وأعلقها بحاجة واقعنا إليها هي العدالة الاجتماعية بشقيها الفردي والاجتماعي.

والمراد بالعدالة هنا: هو دفع الظلم أو رفعه عن كاهل الأفراد والجماعات.

والظلم الجماعي له عدة معطيات لعل أهمها معطيان:


أولهما: يرجع إلى الامتيازات الطبقية التي تحدثها عادات اجتماعية متأصلة أو أنظمة خاصة.


ثانيهما: يرجع إلى شيوع الفقر لقلة في الإنتاج، وسوء في التوزيع، مع بقاء الوضع من قبل السلطة على حاله، وعدم تدخلها في إصلاحه.


ولفهم هذين المعطيين وموقف الإمام منهما يحسن أن نعود إلى العصر الذي سبق عهد خلافة الإمام وننحدر برواسبه إليه، لتتجلى لنا قيمة إصلاحاته الجذرية لواقع مجتمعه.

لا شك إن الإسلام جاء والمجتمع الجاهلي يعجّ بطبقية واسعة ذات امتيازات اجتماعية معروفة، كما يعج بعوامل انتشار الفقر بين اكثر الطبقات.

فكان أول ما عمله أن عمد إلى ذلك التفاوت فقلص من ظلاله بما شرّع لهم من نظم، وما وضع عليهم من ضرائب، ثم عمد إلى امتيازاته فألغاها.

وقام بعد ذلك باتخاذ إجراءات سلبية وإيجابية لها أهميتها في الحد من انتشار الفقر، ثم في التخفيف من حدة الشعور به.

وفي عهد الخليفة الثاني نشأت في الإسلام طبقية، ولكن من لون جديد، وأساس هذه الطبقية هو القرب، والسابقة، والصحبة.

وقد أعطيت امتيازات بعضها مادية وبعضها معنوية، ومن امتيازاتها المادية أنها شرّعت مبدأ التفاوت في العطاء، فمن اثني عشر ألف درهم وهي حصة أعلى طبقاتها إلى مائتي درهم وهي حصة أدنى الطبقات.

ولما جاء الإمام إلى الحكم وجد نفسه مسؤولاً عن اتخاذ إجراءات حازمة للقضاء على هذا الظلم الجماعي بجميع صوره، والعودة بهم إلى التشريعات الإسلامية الأولية.

فكانت أولى خطواته أن عمد إلى هذه الامتيازات الطبقية الجديدة على الإسلام فألغاها.

وهنا يجب أن نؤكد إن الإمام لم يلغ الطبقية بمفهومها الاجتماعي، كما لم يلغها الإسلام من قبل، وان قلّل من تفاوتها، وقد سبق أن قلنا إن الإمام اعترف بحق الملكية للفرد، وبحق الحرية في العمل، وما دامت حرية التملك والعمل قائمتين فالطبقية حتماً موجودة، ولكن الطبقية المعتدلة ليست هي أساس الظلم، وإنما الأساس في إعطائها امتيازات في الدولة أو في البيئة الاجتماعية قد يكون من أيسر معطياته هو الشعور بالدونية لدى اكثر الطبقات.

وقد كان الإمام صريحاً في إلغائها حين خطب أولى خطبه التي أعلن فيها منهاجه في الحكم ومما قال: (أيها الناس ألا لا يقولن رجال منكم غداً قد غمرتهم الدنيا، فاتخذوا العقار، وفجّروا الأنهار، وركبوا الخيل الفارهة، واتخذوا الوصائف المرققة، فصار ذلك عليهم عاراً وشناراً، اذ ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه، وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون، فينقمون ذلك ويستنكرون ويقولون: حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا.

ألا وأيما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله، يرى أن الفضل له على سواه لصحبته، فان الفضل النيّر غداً عند الله، وثوابه وأجره على الله، فانتم عباد الله، والمال مال الله، يقسم بينكم بالسوية، ولا فضل فيه لأحد على أحد).

وفي كلام آخر له وقد طلب إليه أن يرعى عواطف ذوي الامتيازات ليأمن غائلتهم ويضمن إخلاصهم له:

أتأمرونني أن اطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه؟! والله لا أطور به - لا أقاربه - ما سمر سمير - مدى الدهر - وما أمّ - قصد - نجم في السماء نجماً! لو كان المال لي لسويت بينهم، فكيف وإنما المال مال الله!! إلا وان إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة...).

وهذا الامتياز لم يكتف الإمام بإلغائه، بل تعدى إلى كل ما لها من امتيازات سابقة فشجبها، وأوقف مختلف الطبقات أمام النظم الإسلامية على صعيد واحد.

وفي سبيل تحقيق هذا الجانب من عدالته الاجتماعية ما كان يأمر به عماله من المساواة بين رعاياهم، وحرمان خواصهم، وأقربائهم، من كل حق يمس هذه المساواة، فهو يكتب لأحدهم: (انصف الله وانصف الناس من نفسك، ومن خاصة اهلك، ومن لك فيه هوى من رعيتك، فإنك إن لا تفعل تظلم!! ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده... وليس شيء ادعى إلى تغير نعمة الله، وتعجيل نقمته، من إقامة على ظلم، فإن الله سميع دعوة المضطهدين، وهو للظالمين بالمرصاد...).

وبالطبع كان لهذه الامتيازات الطبقية رواسب نفسية في أعماق العامة تبغض لهم هذه الطبقات، كما تنفرهم من الحكام; لحمايتهم لها.

فمن اجل علاج هذا الجانب النفسي، وتأكيد الروابط بين الرعية وحكامهم، آمر ولاته بالتحبب إليهم، والرأفة بهم، ومن ذلك قوله: (... واشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبّعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه...).

فهو يوصيه بالتجاوز عنهم، والاغتفار لزللهم; لأنهم يؤخذون على الخطأ أخذاً.

ويراد بالخطأ والزلل هنا: الخطأ الذي لا يستوجب حداً من حدود الله، أو حكماً شرعياً خاصاً; لما ستعرف عن الإمام من تشدده في إقامة الحدود، وعدم التسامح عنها بحال.

والإمام في هذا الموضع لا يخص بتوصية المسلمين من رعاياه، بل يتجاوز إلى بقية المواطنين من غير المسلمين (إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق).

أما شيوع الفقر وهو المعطى الثاني لانتشار الظلم فقد كان له إلى كفاحه عدة طرق ربما تمشت مع احدث النظم الاقتصادية في هذا العصر.


أولها: توفير العمل بتهيئة وسائله ومن ذلك ما جاء في دستوره الخالد: "وليكن نظرك في عمارة الأرض ابلغ من نظرك في استجلاب الخراج; لان ذلك لا يُدرك إلا بالعمارة.

فإذا شاركت الدولة في أعمار الأرض فقد توفر العمل للعاملين حتماً، وبتوفره توفّر الخراج، والناس كلهم عيال عليه كما ورد عنه في هذا العهد.


ثانيها: كفاح البطالة بالحث على العمل - بعد توفير وسائله - وما اكثر ما ورد عن الإمام في ذلك ومن بليغ أوصافه للعاملين: (قلوبهم في الجنان وأجسادهم في العمل).


ثالثها: توزيع الثروة توزيعاً عادلاً، سواء بين العمال وأصحاب العمل، أم بين العمال أنفسهم.


رابعها: الضرب على التلاعب بالأسواق من قبل المستغلين والمطفّفين، ومحتكري قوت الشعب، مما يوجب أن تثري طبقة على حساب بقية الطبقات; وبخاصة الضعيفة منها.


ومن أوامره في ذلك لعماله قوله لبعضهم: (واعلم - مع ذلك - أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً، وشحاً قبيحاً، واحتكاراً للمنافع، وتحكماً في البيعات، وذلك باب مضرة للعامة، وعيب على الولاة. فامنع من الاحتكار فإن رسول الله منع منه...).


خامسها: تجريد أصحاب الملكيات غير المشروعة من ملكياتهم، وأعادتها إلى أهلها الشرعيين، ومن ذلك ما جاء في أول خطبة له: (أيها الناس إنما أنا رجل منكم لي ما لكم وعليَّ ما عليكم، إلا أن كل قطيعة اقطعها عثمان، وكل مال أعطاه عثمان من مال الله فهو مردود في بيت الله، ولو وجدته قد تزوج به النساء، وملك به الإماء لرددته فان في العدل سعة فمن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق).

وكأنه كان ينظر إلى هؤلاء ونظائرهم حين أرسل قولته الخالدة: (فما جاع فقير إلا بما متع به غني).

وقولته: (ما رأيت نعمة موفورة إلا والى جانبها حق مضيّع).


سادسها: منع عماله وموظفيه من الإثراء غير المشروع سواء بابتزازهم لأموال الدولة، أم ارتشائهم على حساب بعض الحقوق، وما أعسر محاسبته لعماله في ذلك.


سابعها: رفع الضرائب عن كواهل الطبقة الضعيفة، ممن لا تملك ضرورة ما تحتاج إليه من زاد أو كساء، أو أداة عمل، ومن ذلك ما جاء في كتابه السابق: (ولا تبيعن للناس في الخراج كسوة شتاء ولا صيف، ولا دابة يعتملون عليها...).


وبالطبع إن هذه الإجراءات ونظائرها لا تستأصل الفقر من أساسه وإنما تعمل على تقليصه، فهناك من لا يقوى لمرض أو شيخوخة أو صغر، ولا ينهض عمله بسد حاجته لكثرة في عياله، وربما كان فيهم من يقوى على العمل ولا يتوفر لديه مجاله.

ولمثل هؤلاء شرع الإسلام مبدأ الضمان الجماعي، وكفل لهم ذلك في أيام حكمه، ففي عهده لمالك الاشتر: (... الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم، من المساكين والمحتاجين، وأهل البؤسى والزمنى - أرباب العاهات المزمنة - فان في هذه الطبقة قانعا ومعترا - سائلا ومتعرضا للعطاء بلا سؤال - واحفظ الله ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل لهم قسما من بيت مالك، وقسما من غلات صوافي الإسلام.. ثم يقول: وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه...).

وقد لاحظ الإمام أن اكثر هؤلاء لا يمكن أن يصلوا إلى الولاة بحوائجهم، لما يتركه الفقر في نفوسهم من ضعف، فأمر في تشكيل لجنة لتتبعهم، ورفع أمرهم إلى المعنيين بالأمر.

وهذا الضمان لا يتناول - بحكم الإسلام - من يتوفر لديه العلم ويقوى عليه، ثم لا يعمل حبا بالبطالة، فان أمثال هؤلاء يعتبرهم الإسلام أغنياء، ويحرمهم من هذا الضمان.

والغني في عرفه من كان يملك قوت سنته أما بالفعل أو القوة، وهؤلاء يملكونها بالقوة لقدرتهم على العلم وتوفره لديهم.

وهذا هو السر في قصر الإمام هذا الضمان على الأصناف التي عدها في كلامه، ليس فيها ما يشمل نظائر أولئك من الأغنياء.

ووجود الفئات العاجزة عن العمل، وشعورهم به، لا بد وان يحدث في أعماقهم عقدا نفسية يحتاج مثلها إلى علاج.

وكان للإمام عدة طرق في علاجها نذكر منها طريقين مهمين:


1- تهوينه من شأن الفقر واعتباره ظاهرة طبيعية لا تنقص من وزن صاحبها، وربما رفعت قدره في أخراه.


وكان يضرب لهم الأمثال بعظماء من البشر كأنبياء الفقراء فلو كان الفقر سبة لما اتصف به أنبياء الله.


2- مشاركة إمامهم الوجدانية لهم، بمواساتهم في خشونة العيش، والتشبه بهم في لباسه، ومأكله، وما إلى ذلك من لوازم الفقر، وربما كان أعظم أثرا من سابقه قال: (ولو شئت لاهتديت الطريق، إلى مصفى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز. ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة - ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع - أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى أو أكون كما قال القائل:


وحسبــك داء أن تبيت ببطنة***وحولك أكباد تحن إلــى القد


أأقنع من نفسي بأن يقال: هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش!! فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات، كالبهيمة المربوطة، همها علفها...).

وأي فقير يرى هذه المشاركة من أمامه فلا تزول عن أعماقه رواسب ما تركه الفقر فيها من آثار، وهكذا عمّ في عدالته الاجتماعية جملة رعاياه؟

ibrahim aly awaly
23-01-2005, 09:38 AM
الولادةُ في الكَعْبةِ المُعَظَّمَةِ

فَضِيلةٌ لِعَليٍّ عَليهِ السَّلام خَصَّهُ بِهَا رَبُّ البَيْتِ


شاكر شَبَعْ


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين ، وصحبه الاخيار المنتجبين .
أما بعد : فقد حالفني الحظ في مطالعة كتاب « علي وليد الكعبة » لسماحة الشيخ الحجة الميرزا محمد علي الغروي الاردوبادي تغمده الله برحمته ، وسبرت غوره بقدر ما وسعني ذلك ، فامتلات نفسي إعجابا به وإكبارا له ، ووجدتني مندفعا لتسجيل كلمة تعرب عن مبلغ ارتياحي وابتهاجي بهذا الاثر القيم ومكانته .
ولم يعرني شك في أنه نفحة من نفحات أمير المؤمنين عليه السلام منحها المؤلف فاستأثر بها ، مطلقا العنان لسعة باعه وقوة بيانه المفعم بعناصر التجويد والابداع ، موقفاً الباحث على جلية حديث الولادة الميمونة ، مظهراً في أثناء ذلك مبلغ عنائه في جمع مواده .
ولشدة ما استهواني موضوع الكتاب بدأت أجمع استدراكات له ، تتميماً وتعضيداً ، والذي حداني إلى ذلك ثقتي بأنه قدس سره لو أمد الله في عمره لصنع مثل ما صنعت ، وبارك لي فيما كتبت ، خاصة أني اقتفيت في هذا التتميم أثره ، وسلكت منهجه .
وقد تجمعت لدي نصوص كثيرة من مخطوط الكتب ومطبوعها ، قديمها وحديثها ، نادرها ونفيسها ، مما كان الوصول إليه والحصول عليه في زمان الحجة المؤلف أمرا عسيرا ، ومجموع ذلك يغني لاثبات صحة الحديث ، والكشف عن اتفاق أهل العلم والفضل عليه .
ولكن الذين ( يحسدون الناس على ما ءاتهم الله من فضله ) لم تطاوعهم نفوسهم لقبول فضائل الامام أمير المؤمنين عليه السلام ، وهذه أؤلها بما فيها من دلالات عميقة ، فحاولوا تشويهها بشتى الاساليب ، تمريرا لسياسة معاوية في التصدي لفضائل الامام علي عليه السلام ، تلك السياسة التي دبرها وعممها في مرسوم سلطاني يقول فيه :
برئت الذمة ممن روى شيئاً في فضل ابى تراب واهل بيته (1) .
ثم كتب إلى عماله في جميع الآفاق :
إذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس الى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الاولين ، ولا تتركوا خبراً يرويه احد من المسلمين في ابى تراب ، إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة ، فإن هذا أحب الى وأقر لعيني ، وأدحض لحجة ابي تراب وشيعته (2) .
قال الرواي : فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها ! فظهر حديث كثير موضوع ، وبهتان منتشر ! (3) .
وبهذه الجرأة والصلافة ملأوا كتبهم بالاكاذيب الكثيرة ، والفضائل المجعولة ، والاحاديث الموضوعة .
وحيث لم يطالوا إنكار فضيلة المولد الشريف للامام علي عليه السلام لوضوحه واشتهاره ، بل تواتره والاتفاق عليه ، عمدوا إلى وضع أسلوب آخر لاخفاء أثرها ، وهو ادعاء مثل ذلك لشخص آخر هو الصحابي حكيم بن حزام ، وروجوا لهذه المزعومة حسب الامكانات التي هيأتها لهم السلطة وأعوانها .
وهذه ليست أول خصوصية يحاولون سلبها عليا عليه السلام ، بل هناك غيرها كثير ، منها :
الحديث المتواتر المتفق على صحته : « أنا مدينة العلم وعلي بابها » .
وضعوا قباله حديثاً واهياً هو : « أنا مدينة العلم ، وأبو بكر أساسها ، وعمر حيطانها ، وعثمان سقفها ، وعلي بابها ! » (4) .
وحديثا آخر ، أشد وهنا ، وأظهر وضعاً ، هو : « أنا مدينة العلم ، وعلي بابها ، ومعاوية حلقتها ! » (5) .
ومنها الحديث المتواتر الثابت الآخر : « علي مني بمنزلة هارون من موسى » .
وضعوا قباله حديثاً يشهد متنه وسياقه بوضعه ، فضلا عن سنده ، هو : « أبو بكر وعمر مني بمنزلة هارون من موسى ! » (6) .
ومنها الحديت المتواتر الصحيح الآخر : « لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله . . . » . وضعوا قباله حديثا مثيرا للضحك والسخرية والاستغراب ، هو : « لاعطين هذا الكتاب رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ! قم يا عثمان بن أبي العاص . فقام عثمان بن أبى العاص ، فدفعه إليه » ? ! (7) .
ويكشف عن هذا التلاعب المكشوف ، ويبين أنه كان أمرا معروفا ومألوفا ، قول لزهري في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد بن حنبل في « فضائل الصحابة » قال :
حدثنا عبد الرزاق ، قال : أنا معمر ، قال : سألت الزهري : من كان كاتب الكتاب يوم الحديبية ؟
فضحك وقال : هو علي ، ولو سألت هؤلاء ـ يعني بني أمية ـ قالوا : عثمان (8) .
واستعراض باقي الامثلة يخرجنا عن موضوع البحث الرئيسي ، وإنما أردنا التدليل على منهج أُولئك في سلب الخصوصية ، وجرأتهم على وضع الاحاديث الواهية قبال الاحاديث السليمة .
هذا رغم ميل بعض العلماء إلى أن ولادة حكيم بن حزام في الكعبة ليست فضيلة ولا مكرمة ، وإنما كانت اتفاقا ولم تكن قصدا ، كما ارتأى ذلك الصفوري وغيره (9) .
وأغرق بعضهم نزعا في الضلال ، ورمى القول على عواهنه ، متحديا ما أثبته مهرة الفن وأئمة النقل ، وأخبت كبار العلماء والمؤرخين بصحته ، ولم يكترث بأسانيده المتضافرة ، وطرقه المتصلة المعتمدة عند كل مؤالف ومخالف ، فقال :
« إن حكيم بن حزام ولد في جوف الكعبة ، ولا يعرف ذلك لغيره ، وأما ما روي أن عليا ولد فيها فضعيف عند العلماء » (10) ! !
وقد أجاد الحجة الاردوبادي في الرد عليه ، وتفنيد مزاعمه ، فراجع أواخر باب « حديث الولادة والمؤرخون » .
ولكن نجد رغم ذلك أن محاولتهم فيما يخص فضيلة المولد الشريف في الكعبة المعظمة باءت بالفشل (11) ، فلو رجعنا إلى مصادر الحديث لوجدنا خلالها ـ مع إثبات تلك الفضيلة للامام على عليه السلام على اليقين والجزم ـ أن من المؤلفين والعلماء والرواة من أعلن أن هذه الفضيلة مختصة بالامام عليه السلام لم يشركه فيها أحد قبله ولا بعده ، مصرحين بذلك بعبارات شتى تدل على حصر هذه الفضيلة للامام عليه السلام بضرس قاطع .
وإليك نصوصها : « لم يولد قبله ولا بعده مولود في بيت الله الحرام سواه ، إكراما له بذلك وإجلالا لمحله في التعظيم » .
رواها الحافظ أبو عبد الله محمد بن يوسف القرشي الكنجي الشافعي (ت 658 هـ ) عن الحاكم أبي عبد الله النيشابورى (321 ـ 405 هـ) (12) .
وقالها أيضا :
ـ الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان البغدادي ، الشيخ المفيد (ت 413) (13) .
ـ الحافظ يحيى بن الحسن الاسدي الحلي ، المعروف بابن البطريق ( 533 ـ 600 هـ) (14) .
ـ الشيخ الثبت أبو علي محمد بن الحسن الواعظ الشهيد النيسابوري ، المعروف بابن الفتال ، من علماء القرن السادس (15) .
ـ الشيخ الوزير بهاء الدين أبو الحسن علي بن عيسى الاربلي (ت 693 هـ) (16) .

ـ الامام جمال الدين أبو منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي (648 ـ 726 هـ) (17) .
ـ السيد المحدث جلال الدين عبد الله بن شرفشاه الحسيني ، المتوفى نيف وثمانمائة من الهجرة (18) .
ـ الشيخ المحدث الحسن بن أبي الحسن الديلمي ، من أعلام القرن الثامن الهجري (19) .
ـ الشيخ المؤرخ النسابة جمال الدين أحمد بن علي الحسني ، المعروف بابن عنبة (ت 828 هـ) (20) .
ـ العلامة المحدث السيد ولي الله بن نعمة الله الحسيني الرضوي ، من أعلام القرن التاسع الهجري (21) .
ـ العالم اللغوي الشيخ فخر الدين الطريحي (979 ـ 1087 هـ) (22) .
ـ العلامة محمود بن محمد بن علي الشيخاني القادري الشافعي المدني ، من أعلام القرن الحادي عشر (23) .


* * * * * * *



« ولد بمكة في البيت الحرام ، ولم يولد قط في بيت الله تعالى مولود سواه ، لا قبله ولا بعده ، وهذه فضيلة خصه الله تعالى بها ، إجلالا لمحله ومنزلته ، وإعلاء لقدره » .

قالها :
ـ أمين الاسلام الشيخ المفسر أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ت 548 هـ) (24) .
ـ الحافظ محمد بن معتمد خان البدخشاني الحارثي ، من أكابر علماء العامة في القرن الثاني عشر (25) .



* * * * * *



« ولد بداخل البيت الحرام ، ولم يولد في البيت الحرام قبله أحد سواه ، وهي فضيلة خصه الله تعالى بها اجلالا له ، وإعلاء لمرتبته ، وإظهارا لتكرمته » .
قالها :
ـ الحافظ نور الدين علي بن محمد بن الصباغ المكي المالكي (784 ـ 855 هـ) (26) .
وحكاها عنه :
ـ الفقيه المؤرخ نور الدين علي بن عبد الله الشافعي السمهودي (844 ـ 911 هـ) في « جواهر العقدين في فضل الشرفين العلم الجلي والنسب العلي » .
ـ الشيخ علي بن برهان الدين الحلبي (975 ـ 1044 هـ) في « إنسان العيون » (27) .
ـ الشيخ مؤمن بن حسن مؤمن الشبلنجي ، من علماء القرن الثالث عشر (28) .



* * * * * *



« ولد في البيت الحرام ، ولا نعلم مولودا في الكعبة غيره » .
قالها نقيب الطالبيين الاديب الفقيه أبو الحسن محمد بن الحسين الموسوي ، المعروف بالشريف الرضي (359 ـ 406 هـ) (29) .



* * * * * *



« ولدته ـ أمه ـ في الكعبة ، ولا نظير له في هذه الفضيلة » .
قالها علم الهدى ذو المجدين علي بن الحسين الموسوي ، المعروف بالشريف المرتضى (355 ـ 436 هـ) (30) .
« لم يولد في الكعبة إلا على » .
قالها :
ـ الحافظ الفقيه محمد بن علي القفال الشاشي الشافعي (ت 365 هـ) (31) .
ـ شيخ الاسلام الحافظ المحدث إبراهيم بن محمد الجويني الشافعي (644 ـ 730 هـ) .



* * * * * *


« ولدت ـ فاطمة بنت أسد ـ عليا عليه السلام في الكعبة ، وما ولد قبله أحد فيها » .
نص على ذلك السيد الشريف النسابة نجم الدين أبو الحسن علي بن محمد العلوي العمري ، من علماء القرن الخامس الهجري .

« لقد ولد عليه السلام في بيت الله الحرام ، ولم يولد فيه أحد غيره قط » .
قالها الشيخ الفقيه أبو الحسين سعيد بن هبة الله ، المعروف بقطب الدين الراوندي (ت 573 هـ) (34) .



* * * * * *


« مولده عليه السلام في الكعبة المعظمة ، ولم يولد بها سواه » .
قالها العلامة عمر بن محمد بن عبد الواحد (35) .



* * * * * *


« . . . فالولد الطاهر ، من النسل الطاهر ، ولد في الموضع الطاهر ، فأين توجد هذه الكرامة لغيره !
فأشرف البقاع : الحرم ، وأشرف الحرم ، المسجد ، وأشرف بقاع المسجد : الكعبة ، ولم يولد فيه مولود سواه .
فالمولود فيه يكون في غاية الشرف ، فليس المولود في سيد الايام (يوم الجمعة) في الشهر الحرام ، في البيت الحرام سوى أمير المؤمنين عليه السلام » .
قالها الحافظ المؤرخ أبو عبد الله محمد بن علي بن شهرآشوب السروي المازندراني (ت 588 هـ) بعد أن ذكر عدة أحاديث في ولادة علي عليه السلام في الكعبة (36) .



* * * * * * *


« ولد في الكعبة بالحرم الشريف ، فكان شرف مكة وأصل بكة لامتيازه

بولادته في ذلك المقام المنيف ، فلم يسبقه أحد ولا يلحقه أحد بهذه الكرامة » .
قالها المحدث الجليل السيد حيدر بن علي الحسيني الآملي من علماء القرن الثامن الهجري (37) .



* * * * * * *


« كانت ولادته بالكعبة المشرفة ، وهو أؤل من ولد بها ، بل لم يعلم أن غيره ولد بها » .
قالها العلامة صفي الدين أحمد بن الفضل بن محمد باكثير الحضرمي الشافعي ، من أعلام القرن الحادي عشر (38) .


* * * * * * *



« ولد عليه السلام بمكة داخل الكعبة على الرخامة الحمراء ، ولم ينقل ولادة أحد قبله ولا بعده في الكعبة ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء » .
قالها كل من :
ـ العالم المحدث الفقيه السيد تاج الدين بن علي بن أحمد الحسيني العاملي ، من علماء القرن الحادي عشر (39) .
ـ العالم الفاضل محمد بن رضا القمي ، من علماء القرن الحادي عشر (40) .



* * * * * * *


« ولادة معدن الكرامة في جوف الكعبة ، ولم يولد أحد فيها غيره ، وقد خصه الله تعالى بهذه الفضيلة ، وشرف الكعبة بهذا الشرف » .
قالها العلامة الفاضل محمد مبين بن محب الله بن أحمد اللكهنوي الانصاري الحنفي (ت 1225 هـ ) (41) .
« ولادته في مكة المكرمة في جوف بيت الله الحرام ، ولم يولد أحد غيره في هذا المكان المقدس » .
قالها العلامة الشيخ محمد صديق خان الحسيني البخاري القنوجي (1248 ـ 1307 هـ) (42) .



* * * * * * *


« كانت ولادته عليه السلام في جوف الكعبة ، ولم تتح هذه السعادة لائ أحد منذ بدء الخليقة إلى الغاية ، وإن لصحة هذا الخبر بين المؤرخين المتحفظين على الفضائل صيت لا تشوبه شبهة ، وتجاوز عن أن يصحبه الشك والترديد » .
قالها المؤرخ الشهير محمد بن خاوند شاه بن محمود (ت 903 هـ) (43) .



* * * * * * *


« من المتفق عليه أن غيره صلوات الله عليه لم يولد هناك » .
قالها المؤرخ العالم زين العابدين الشيرواني ، من علماء القرن الثاني عشر (44) .



* * * * * * *




يتبع..........

ibrahim aly awaly
23-01-2005, 09:40 AM
أما الشعراء ، وخاصة العلماء منهم ، فقد زينوا شعرهم بقصائد في بيان فضائله ومناقبه عليه السلام المروية بالطرق الصحيحة المصححة المتواترة ، تخليدا لذكراه ، وأداء لبعض حقه ، وأثبتوا فيها خصوصية ولادته في الكعبة المعظمة ، ومنهم : العالم الاديب أبو الحسن علاء الدين علي بن الحسين الحلي ، من العلماء الشعراء في القرن الثامن الهجري ، يقول في قصيدة دالية طويلة :



ام هل ترى في العالمين بأسرهم * * * * بشرا سواه ببيـت مكـة يولد ?
في لـيـلة جبريل جاء بها مع * * * * الملأ الـمـقـدس حـوله يتعبد
فـلقد سما مجدا عليٌّ كما علا * * * * شرفا به دون البقاع المسجد (45)



ومنهم العالم المتكلم المحدث الفقيه المولى محمد طاهر بن محمد حسين القمي ، صاحب المؤلفات القيمة النافعة ، المتوفى سنة 1098 هـ ، في لاميته البديعة التي مطلعها :

سلامة القلب نحتني عن الزلل * * * * وشعلة العلم دلتني على العمل

إلى أن يقول :

طوبى له كان بيت الله مولده * * * * كمثل مولده ما كان للرسل (46)

ومنهم الفقيه المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (1033 ـ 1104 هـ) صاحب « وسائل الشيعة » ، قال في أرجوزة له في تواريخ المعصومين عليهم السلام :

مـولـده بمكة قد عرفا * * * * في داخل الكعبة زيدت شرفا

على رخامة هناك حمرا * * * * مـعروفة زادت بذاك قدرا

فـيا لـهـا مزية علية * * * * تـخفـض كـل رتبة علية

ما نالها قط نبيٌّ مرسل * * * * ولا وصـــي آخر وأول

ثم شرع بنظم حديث يزيد بن قعنب المشهور (47).

ومنهم الشيخ الفقيه حسين نجف التبريزي النجفي (1159 ـ 1251 هـ) ، حيث يقول في قصيدته الهائية :

جعـــل الله بيـتـه لعلي * * * * مـولداً يا له علا لا يضاهى
لـم يشاركه في الولادة فيه * * * * سيد الرسل لا ولا أنبياها (48)

ومنهم العلامة السيد علي نقي النقوي الهندي اللكهنوي في موشحة ميلادية طويلة ، منها قوله:

لم يكن في البيت مولود سواه * * * * إذ تعالى عن مثيل في علاه

اوتـي الـعـلم بتـعليم الاله * * * * فـغـذاه دره قـبل الفطام

يرتوي منه بأهنى مشرب (49).

ومنهم آية الله السيد محسن الامين (1284 ـ 1371 هـ) صاحب الموسوعة القيمة « أعيان الشيعة » ، حيث ذكر في أول باب سيرة أمير المؤمنين عليه السلام ، فصل في مولده ، من موسوعته الآنفة الذكر:

ولدت ببيت الله وهي فضيلة * * * * خصصت بها إذ فيك أمثالها كثر (50)

وله أيضا من مقصورة :

وولدت في البيت الحرام ولم يكن * * * * هذا لغيرك من يكون ومن مضى (51)

ومنهم السيد حسن بن محمود الامين ( 1299 ـ 1368 هـ).

في قصيدة بائية طويلة:

ولدت في البيت بيت الله فارتفعت * * * * أركــانه بـك فوق السبعة الحجب

وتـلك مـنـزلـة لم يؤتها بشر * * * * بلى ومرتبة طالت على الرتب (52)

ومنهم الفاضل الاديب الشيخ محمود عباس العاملي في قصيدته العلوية المسماة بـ « الدرر السنية »:

مـن مــثله في بيت بارئه ولد ؟ * * * * ذي خصـلة قد خص فيها مذ وجد

أمعن بها يــا صاح فكرا واعتمد * * * * وانظر لها النظر الصحيح ولا تحد
من واضح المنهاج وقيت الضرر (53)

والشعر في خصوصية ولادة على عليه السلام في الكعبة كثير ، التقطت منه هنا ما هو أروع إلى السمع وأوقع في القلب .



* * * * * * *


بعد هذه المقدمة لابد من خوض غمار حديث ولادة حكيم في الكعبة ، هذه المزعمة الزائفة ، والرواية المجعولة ، وإخضاعها لشيء من البحث والتحقيق والتمحيص ، لكشف زيفها وبيان وضعها ، إذ فيها الكثير مما يوجب الشك والريب في سلامتها وصحتها ، وبراءة ساحة رواتها .
وأول من نسبت إليه وحكيت عنه ، وأقدمهم :
هشام بن محمد بن السائب الكلبي ، النسابة المعروف ، صاحب التآليف التي

نيفت على المائة والخمسين ، والمتوفى سنة أربع أو ست ومائتين ، وقيل : الاول أصح .
والكلبي ممن تكالب بعض علماء الجرح والتعديل من العامة على تضعيفه وترك ما رواه ، وعدم الاحتجاج به .
قال الدارقطني وغيره : متروك الحديث (54) .
وقال يحيى بن معين : غير ثقة (55) .
وقال السمعاني : « يروي العجائب والاخبار التي لا أصول لها . . . . أخباره في الاغلوطات أشهر من أن يحتاج إلى الاغراق في وصفها» (56) .
وهذه الاتهامات ضد الكلبي ليس لها وزن عندنا ، لانها ناشئة عن تعصب طائفي ، ومنقوضة بما يخالفها من آراء حسنة في الرجل تدل على خبرته وأمانته .
إلا أنا نشكك في صحة نسبة ذلك القول إليه ، وفي صدق الحكاية عنه .
والمتهم في التقول عليه هو روايته السكري ، فقد نسب إلى الكلبي أنه قال في « جمهرة النسب » :
« وحكيم بن حزام بن خويلد عاش عشرين ومائة سنة ، وكانت أمه ولدته في الكعبة » (57) .
وكتاب الجمهرة من أشهر كتبه ، عده كبار المؤرخين من مصنفاته ، وذكروا أن محمد بن سعد كاتب الواقدي ومصنف كتاب « الطبقات» الكبير رواه عنه مع سائر مصنفاته .
ولكن النسخة التي بأيدينا من كتاب الجمهرة هي برواية أبي سعيد الحسن بن الحسين السكري (212 ـ 275 هـ) عن أبي جعفر محمد بن حبيب بن أمية البغدادي (ت 245 هـ) عن الكلبي .

وهذا خلاف ما أثبته المؤرخون كالنديم والحموي وغيرهما (58) .
وكان لهذا الاختلاف أثر كبير ، ودور مؤثر في متن الكتاب الاصلي .
فقد عمد السكري إلى دس بعض آرائه وأقواله ومروياته في متن الجمهرة ، مصدرا بعضها بـ « قال أبو سعيد » ، هاملا البعض الآخر كما قام بتحريف بعض الجمل والكلمات ، أو تبديلها بما يتلاءم وآراءه الفكرية والمذهبية .
وكان هذا ديدن السكري في ما يرويه من مصنفات غيره ، وهكذا صنع بكتاب « المحبر » لاستاذه وشيخه أبي جعفر محمد بن حبيب .
وقد تنبه لهذا الامر محققا كتاب الجمهرة والمحبر .
قال الدكتور ناجي حسن محقق الجمهرة في مقدمة التحقيق :
« لقد وصلتنا جمهرة النسب لابن الكلبي برواية أبي سعيد السكري ، عن محمد ابن حبيب ، عن ابن الكلبي ، ومع ذلك ظهرت فيها إضافات واضحة ، وزيادات ، وتعليقات بينة ، لم ترد في أصل الجمهرة ، بل أضافها الرواة والنساخ .
ولا يستبعد أن يكون أبو سعيد السكري هو نفسه الذي قام بهذا العمل ، حين وجد لديه فيضا من الاخبار ذات الصلة بالانساب » (59) .
بعد هذا كله فليس من المستبعد ، ولا المستحيل ، أن تكون جملة « وكانت أمه ولدته في جوف الكعبة » في ذيل كلمة الكلبي المتقدمة من تلك الاضافات ، والزيادات ، والتعليقات البينة ، المحسوبة « فيضا من الاخبار ذات الصلة بالانساب » .
فإن كانت هذه الزيادة مبهمة بعض الشيء أومشكك في أنها من الجمهرة ، فهي واضحة ، مكشوفة ، جلية في المحبر .
ففي فصل الندماء من قريش :
« وكان الحارث بن هشام بن المغيرة نديما لحكيم بن حزام بن خويلد بن أسد ـ وحكيم هذا ولد في الكعبة ، وذلك أن أمه دخلت الكعبة وهي حامل به ، فضربها المخاض فيها ، فولدته هناك ـ أسلما جميعا » (60) .
فالعبارة التي بين شارحتين قد أحدثت فاصلة بين صدر الكلام وذيله ، إذ المراد بقوله « أسلما جميعا » : الحارث وحكيم ، كما يدل عليه قوله المتقدم في أول الفصل المذكور : « وكان حمزة بن عبد المطلب نديما لعبدالله بن السائب المخزومي ، أسلما جميعا » (61) .
على أن هذا الفصل هو في الندماء من قريش ، وليس في ذكر أحوالهم وأحوال أمهاتهم وتاريخ ولاداتهم وكيفيتها .
أضف إلى هذا أن عناوين الفصول والابواب في المحبر انتخبت بدقة لتتلاءم مع محتوياتها ، كما يلاحظ بشكل جلي أنها خالية من الحشو وذكر الامور الفرعية ، اللهم إلا في بعض الموارد التي هي من إضافات السكري .
ففي فصل أسلاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
« وسالفه صلى الله عليه : سعيد بن الاخنس ـ قال أبو سعيد السكري : سعيد هذا هو الذي قال النبي صلى الله عليه : أبعده الله ، فإنه كان يبغض قريشا ـ بن شريق ابن وهب . . . . » (62) .
وما أشبه قوله « سعيد هذا » بقوله « حكيم هذا » .
وما أشبه الفاصلة بين « بن الاخنس . . . . بن شريق » بالفاصلة الحادثة في الفقرة موضع البحث ، وكل ما في الامر تصديرها بـ « قال أبو سعيد السكري » هنا ، وتركها سائبة مهملة هناك .
لم يكتف السكري بهذا ، بل أضاف في بعض الموارد بهلا وروايات تتماشى مع اعتقاداته المذهبية .

أذكر منها ما في أواسط فصل « ذكر سرايا رسول الله صلى الله عليه وجيوشه » .
« وفيها غزوة عمرو بن العاص السهمي على ذات السلاسل ، ومعه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح في جيشه ، وكان استمد ، فأمده النبي صلى الله عليه بجيش فيهم أبو بكر وعمر ، ورئيس الجيش أبو عبيدة بن الجراح .
قال أبو سعيد : فشكا أبو بكر وعمر رحمهما الله إلى النبي صلى الله عليه عمرو ابن العاص ، فقال لهما : لا يتأمر عليكما أحد بعدي . وهذا توكيد لخلافة أبي بكر وعمر رحمهما الله » (63) .
ولست في صدد الخوض في بحوث الخلافة والامامة ، ومن هو أحق بها من غيره ، أو الولوج في مدى صحة حديث « لا يتأمر عليكما أحد بعدي » وعدمه ، فهذا أمر أشبعه علماؤنا بحثا وتفصيلا ، ولكن أوردت هذا المثال لبيان تلاعب السكري في متون الكتب ، وهدفه من ذلك وغايته .
يقول محقق كتاب المحبر في كلمة الختام :
« وأظن أنه ـ أي ابن حبيب ـ كان يميل إلى الشيعية ، فإنه لا يذكر أبدا أم المؤمنين عائشة ، وسيدنا أبا بكر الصديق ، وسيدنا عمر إلا بكلمة (رحمه الله) مع أنه دائما يذكر ام المؤمنين خديجة وسيدنا عليا بكلمة (رضي الله عنه ) رضي الله عنهم أجمعين .
وأيضا قد أثبت جميع ما يعاب به الرجل في سيدنا عمر ، مثل أنه كان أحول (64) .
أو كان قد ضرب ، قبل أن يسلم ، جاريته ضربا مبرحا على قبولها الاسلام ، ربنا لا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا !
فمن أجل ذلك ، فيما أحسب ، أن راويه أبا سعيد السكري يضيف أحيانا إلى متن الكتاب ما يؤيد رأي أهل السنة والجماعة في أمر الخلافة » (65) .
وقد تحامل كثيرا على ابن حبيب لوصفه عمر بأنه أحول ، وهو أمر خلقي وليس عيبا كما ادعى .
أو إثباته لبعض الحقائق التاريخية الثابتة المروية في جل كتب السيرة والتاريخ كضرب عمر جاريته لانها سلكت طريق الحق وأسلمت .
حتى أنه عدها من الغل جهلا وتعصبا !
ويا ليته أمعن في مسألة تلاعب السكري المكشوف بمتن المحبر ، وإضافاته الواضحة إليه ، حتى يراها عين اليقين ، لكنه تساهل كثيرا وقال " فيما أحسب " فكان من الذين ارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون .



* * * * * *



فإن قيل : لا يهم عدم ذكر الكلبي وابن حبيب لخبر ولادة حكيم بن حزام في الكعبة ، في أصل كتابيهما ، وأنها مما أضافه السكري فيما بعد باعتباره الراوي الاول لهما ، وثبوت نسبة هذه الزيادات إليه ؛ لاننا نروي عن أئمة الجرح والتعديل عندنا توثيقه .
فقد قال فيه الخطيب البغدادي : كان ثقة دينا صادقا (66) .
وقال ياقوت الحموي : الراوية الثقة المكثر (67) .
فما زداه السكري في متن الكتابين نعده صحيحا مقبولا .
قيل لهم : إن ما أثبتناه من التلاعب السافر للسكري في نصوص الكتب ومتونها ، ينافي إطلاقكم صفة « ثقة » عليه ، لان الوثاقة هي الامانة . والثقة : الامين ، يقال :

وثقت بفلان أثق ثقة إذا ائتمنته (68) .
وقد بينا أنه لم يكن أمينا في رواية الكتابين ، لخيانته للامانة العلمية المتبعة في الاحتفاظ بالنصوص على ما هي عليه ونقضه قواعد الرواية ، ففتح بذلك بابا للتلاعب المعلن بالكتب والآثار ، لم يغلق إلى عصرنا هذا .
على أنا لو سلمنا أنه كان ثقة كما تدعون ، فروايته هذه مردودة لاكثر من سبب .
منها : الارسال ،
والذي عليه جل العلماء وأجلتهم أنه ضعيف ، مردود ، لا يحتج به .
قال النووي في التقريب : « ثم المرسل حديث ضعيف عند جماهير المحدثين ، وكثير من الفقهاء وأصحاب الاصول » (69) .
وقال مسلم في مقدمة صحيحه : « والمرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالاخبار ليس بحجة » (70) .
وقال ابن الصلاح في مقدمته : « ثم اعلم أن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف ، إلا أن يصح مخرجه بمجيئه من وجه آخر » (71) .
وقال النووي : « ودليلنا في رد العمل به أنه إذا كانت رواية المجهول المسمى لا تقبل لجهالة حاله ، فرواية المرسل أولى ، لان المروي عنه محذوف ، مجهول العين والحال » .
وقال ابن أبي حاتم في كتاب المراسيل : « سمعت أبي وأبا زرعة يقولان : لا يحتج بالمراسيل ، ولا تقوم الحجة إلا بالاسانيد الصحاح المتصلة » (72) .

(1) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 11|44 عن كتاب « الاحداث » لابي الحسن علي بن محمد المدائني .
(2) المصدر السابق : 11|46 .
(3) المصدر السابق .
(4 و 5) راجع الغدير 7 : 197 ـ 199 .
(6) راجع الغدير 10 : 94 .
(7) المعجم الاوسط للطبراني 1 : 438 ح 788 ، عنه مجمع الزوائد 9 : 371 .

(8) فضائل الصحابة 2 : 591 ح 1002 طبعة مكة .
(9) نزهة المجالس 2 : 204 .
(10) أنظر إنسان العيون 1 : 227 .
(11) قال الحافظ شهاب الدين ابن حجر العسقلاني في الاصابة : 4|269 : « كلما أرادوا ـ يعني بنو أمية ـ إخمادها وهددوا من حدث بمناقبه لا تزداد إلا انتشارا » .

(12) كفاية الطالب : 407 .
(13) الارشاد : 9 .
(14) عمدة عيون صحاح الاخبار : 24 .
(15) روضة الواعظين : 76 .
(16) كشف الغمة 1 : 59 .

(17) نهج الحق وكشف الصدق : 232 .
(18) منهج الشيعة في فضائل وصي خاتم الشريعة : 7 ، نسخة مكتبة آية الله الكلبايكاني المؤرخة 1265 هـ .
(19) إرشاد القلوب : 211 .
(20) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب : 58 .
(21) كنز المطالب وبحر المناقب : 41 ، نسخة المدرسة الفيضية المؤرخة 989 هـ .
(22) جامع المقال : 187 .
(23) الصراط السوي : 152 ، نسخة المكتبة الناصرية في لكهنو بالهند ، والتي يظهر أنها بخط المؤلف .

(24) إعلام الورى : 153 ، تاج المواليد : 12 .
(25) مفتاح النجا في مناقب آل العبا ، نزل الأبرار بما صح من مناقب أهل البيت الاطهار : 115 .
(26) الفصول المهمة : 30 .
(27) عنهما علي وليد الكعبة : 119 .
(28) نور الابصار في مناقب آل بيت النبي المختار : 156 .

(29) خصائص الائمة : 4 .
(30) شرح قصيدة السيد الحميري المذهبة : 51 ، طبعة مصر سنة 1313 هـ .
(31) فضائل أمير المومنين : مخطوط ، عنه إحقاق الحق 7 : 489 .
(32) فرائد السمطين 1 : 425 .
(33) المجدي في أنساب الطالبيين : 11 .

(34) الخرائج والجرائح 2 : 888 .
(35) النعيم المقيم لعترة النبأ العظيم : 16 ، مخطوطة مكتبة آيا صوفيا ـ تركيا ، وأنظر بشأنه إيضاح المكنون 2 : 661 ، أهل البيت ـ عليهم السلام ـ في المكتبة العربية .
(36) مناقب آل أبي طالب 2 : 175 .

(37) الكشكول فيما جرى على آل الرسول : 189 .
(38) وسيلة المآل : 282 ، نسخة مكتبة آية الله المرعشي النجفي العامة ، المؤرخة 1280 هـ .
(39) التتمة في تواريخ الائمة ، الفصل الثالث ، مخطوط .
(40) كاشف الغمة : 422 " نسخة المؤلف المخطوطة المحفوظة في مكتبة مجلس الشورى ، برقم 2000 .

(41) وسيلة النجاة : 60 ، طبعة كلشن فيض ـ لكهنو .
(42) تكريم المؤمنين بتقويم مناقب الخلفاء الراشدين : 99 ، طبعة الهند سنة 1307 هـ .
(43) روضة الصفا في آداب زيارة المصطفى ، الجزء الثاني .
(44) بستان السياحة : 543 ، الطبعة الثانية .

(45) تجد القصيدة كاملة في الغدير 6 : 356 ـ 364 .
(46) الغدير 11 : 320 .
(47) عليٌّ وليد الكعبة : 36 .
(48) نقلها الشيخ الاوردبادي في علي وليد الكعبة : 69 عن ديوان الشيخ المخطوط .
(49) تجدها كاملة في عليّ وليد الكعبة : 85 ـ 88 ، والغدير 6 : 33 ـ 35 .
(50) أعيان الشيعة 1 : 323 .
(51) عليُّ وليد الكعبة : 108 .

(52) أعيان الشيعة 5 : 285 ، دائرة المعارف الشيعية 1 : 153 .
(53) علي وليد الكعبة : 83 .

(54 و55) سير أعلام النبلاء 10 : 101 ، لسان الميزان 6 : 196 .
(56) الانساب 5 : 86 .
(57) جمهرة النسب 1 : 353 .

(58) الفهرست : 143 ، معجم الادباء 19 : 291 .
(59) جمهرة النسب : 10 .
(60) المحبر : 176 .
(61) المصدر نفسه : 174 .
(62) المصدر نفسه : 105 .

(63) المصدر نفسه : 121 و122 .
(64) أنظر المحبر : 303 .

(65) المصدر نفسه : 509 .
(66) تاريخ بغداد 7 : 296 .
(67) معجم الادباء 8 : 94 .

(68) أنظر الصحاح 4 : 1562 ، لسان العرب 10 : 371 .
(69) التقريب : 66 .
(70) صحيح مسلم 1 : 30 .
(71) مقدمة ابن الصلاح : 136 .
(72) المراسيل : 15 .

ibrahim aly awaly
24-01-2005, 08:59 AM
حديث الغدير

التبليغ الأخير لإمامة الأمير


السيد علي الحسيني الميلاني


بسم الله الرحمن الرحيم


| أمر الإمامة إلى الله | بين «النور» و «الدار» | بين «الدار» و «الغدير» | حديث الغدير | خصائص الغدير وأهميته |

| العناية بحديث الغدير | شواهد حديث الغدير | مواقف متناقضة | وجاء دور العلماء... |

| مفاد حديث الغدير | التشكيك في الدلالة | بين «الغدير» و «الحوض» |



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الأولين والآخرين.

وبعد ، فإن يوم الغدير يعيد إلى الأذهان إمامة الأمير... ونصبه في ذلك اليوم الاغر ، لهذا المقام الأكبر... ولكن متى لم يكن بإمام... حتى نبحث عن نصبه في الغديرأو غيره من الأيام ؟ !..
قد يستنكر هذا فيقال : عجيب أمر هؤلاء !! نطالبهم بإثبات إمامته في الأصل ، وإقامة الدليل على خلافته بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل... ويقولون : متى لم يكن... !!؟
فما معنى هذا الادعاء الكبير ؟ وما طريق إثباته ؟
الذي نقصده هو : أن علياً إمام منذ أن محمداً نبي... وأن الله تعالى شاء أن يجعله خليفة في نفس الوقت الذي شاء أن يعجل محمداً نبياً... وهذا شيء ربما لم يسمعه البعض فيستنكره... لكن لا يعجل بالحكم من قبل أن يسمع الدعوى ، ويقف على طريق إثباتها :



أمر الإمامة إلى الله
وقبل الدخول في البحث نقول : إن الامامة عهد كالنبوة ، فهي بيد الله ، ولاتنال إلا من شاء الله أن تناله ، وإن الله لم يفوض أمرها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فضلاً عن الامة... وهذا ما دلت عليه الأدلة المتينة والبراهين الرصينة من الكتاب والسنة وغيرهما... ونص عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أحرج ظروفه وأحواله ، وأحوج أيامه إلى من ينصره ويعاضده... فقد ذكر أصحاب السير : أن النبي صلي الله عليه وآله لما عرض نفسه على بعض القبائل قيل له :
« أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ ».
فأجاب : « الأمر إلى إلله يضعه حيث شاء » (1).
فمن ذا الذي شاء الله أن يكون له الأمر ؟ ومتى شاء ؟


بين « النور » و« الدار »
لقد خلق الله أمير المؤمنين عليه السلام في نفس الوقت الذي خلق فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم... فهما مخلوقان معاً في عالم النور... ومن نورواحد... وشاء الله سبحانه أن يكون محمد نبياً وأن يكون علي خليفةً له... منذ أن خلقهما... فالخلافة ثابتة لعلي في نفس الوقت الذي ثبتت النبوة فيه للنبي...
وهذا ما أخبر به الصادق الأمين نفسه حين قال :
« كنت أنا وعلي نوراً بين يدي الله عزوجل ، يسبح الله ذلك النور ويقدسه ، قبل أن يخلق آدم بألف عام ، فلما خلق الله آدم ركب ذلك النور في صلبه ، فلم يزل في شيء واحد حتى افترقنا في صلب عبد المطلب ، ففيَّ النبوة وفي علي الخلافة ».
وقال صلى الله عليه وآله وسلم :
« إن الله عز وجل أنزل قطعة من نور ، فأسكنها في صلب آدم ، فساقها حتى قسمها جزءين ، جزء في صلب عبد الله ، وجزء في صلب أبي طالب ، فأخرجني نبياً وأخرج علياً وصياً » (2).
فعلي إمام منذ أن كان محمد نبياً...
وولد محمد نبياً... وولد علي إماماً من بعده...
حتى إذا بعث صلى الله عليه وآله وسلم... كان علي اول من أسلم (3)...
ثم لما أمره الله تعالى بإنذار عشيرته الأقربين (4) قال لهم :
يا بني عبد المطلب ، إني بعثت لكم خاصة وإلى الناس عامة ، فأيكم يبايعني على أن يكون خليفتي ؟
فكان الذي بايعه أمير المؤمنين عليه السلام (5)...
لقد قال صلى الله عليه وآله وسلم ذلك... وكأنه مأمور بالافصاح عما شاءه الله تعالى وقضاه في عالم الذر ، ووضع الحجر الأساسي لذلك في هذا العالم... منذ اليوم الذى امرفيه . بانذار عشيرته برسالته...


بين « الدار » و« الغدير »
وما فتئ ينتهز الفرص والمناسبات... في الجماعات والجمعات... وفي الحروب والغزوات... ليعرب عن هذه الحقيقة ويبلغها بالألفاظ والكلمات ، الدالة عليها ، بمختلف الدلالات...
فتارة يشبهه بالأنبياء ويقول :
« من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في فهمه ، وإلى موسى في مناجاته ، وإلى عيسى في سمته ، وإلى محمد في تمامه وكما له وجماله ، فلينظر إلى هذا الرجل المقبل.
فتطاول الناس أعناقهم فإذا هم بعلي... » (6).
واخرى ينزله من نفسه منزلة هارون من موسى ويقول له :
« أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي » (7).
وثالثة : يركز على توفر أهم الصفات المعتبرة في الإمامة فيه ، وهي الأعلمية ويقول :
« أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها » (8).
ورابعة : يعلن عن كونه أحب الخلق إلى الله وإليه... وذلك مما لاريب في
استلزامه الأفضلية فالإمامة... في قضية طير مشوي فأتي به إليه ليأكله... فيقول :
« اللهم إيتني بأحب خلقك إليك وإليَّ يأكل معي من هذا الطائر ».
فجاء أبوبكر... فرده وجعل يدعو : اللهم...
فجاء عمر... فرده ، وجعل يدعو : اللهم...
فجاء علي... فأكل معه (9).
وخامسة : يعطيه الراية في وقعة خيبر بعد أن عاد الشيخان منهزمين ويقول :
« لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه ، يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسو له » .
فبات الناس ليلتهم أيهم يعطى ، فغدوا كلهم يرجوه.
فقال : أين علي ؟
فقيل : يشتكي عينيه.
فبصق في عينيه ودعا له ، فبرئ كأن لم يكن به وجع ، فأعطاه الراية ، وكان الفتح على يديه (10).
وسادسة : يبعثه لإبلاغ سورة براءة ويعزل أبا بكر عن ذلك بعد أن أمره به ، فيقول :
« لاينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي » (11)
وهكذا...
حتى كان يوم الغدير ، فأمر بأن يبلغ ـ وهو في أواخر حياته ـ ما كان يبلغه منذ أوائل دعوته... وخبر الغدير وحديثه... مما أذعن بثبوته علماء المسلمين ونصوا على تواتره وألفوا فيه الكتب... بل إنه من ضروريات التاريخ ، حتى كاد أن يكون التشكيك في ثبوته بمنزلة التشكيك في وجود النبي صلي الله عليه وآله وسلم ونبوته...


حديث الغدير
لقد قال صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن نودي بالصلاة وصلى بالناس صلاة الظهر :
« أيها الناس ، قد نبأني اللطيف الخبير أنه لم يعمر نبي إلا نصف عمر الذي قبله ، وإني أوشك أن أدعى فأجيب ، وإني مسؤول وأنتم مسؤولون.
فماذا أنتم قائلون ؟
قالوا : نشهد أنك قد بلغت ونصحت وجهدت. فجزاك الله خيراً.
قال : ألستم تشهدون أن لااله الا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن جنته حق ، وناره حق ، وأن الموت حق ، وأن الساعة آتيه لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور ؟
قالوا : نشهد بذلك.
قال : اللهم اشهد.
ثم قال : أيها الناس ألا تسمعون ؟
قالوا : نعم.
قال : فإني فرط على الحوض ، وأنتم واردون عليَّ الحوض ، وإن عرضه ما بين صنعاء وبصرى ، فيه أقداح عدد النجوم من فضة، فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين.
قيل : وما الثقلان يا رسول الله ؟
قال : الثقل الاكبر كتاب الله ، طرف بيد الله عزوجل وطرف بأيديكم ، فتمسكوا به لاتضلوا ، والآخر الأصغر عترتي ، وإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض . فسألت ذلك لهما ربي ، فلا تقدموهما فتهلكوا ، ولاتقصروا عنهما فتهلكوا.
ثم أخذ بيد علي فرفعها وعرفه القوم أجمعون. فقال :
أيها الناس ، من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم ؟
قالوا : الله ورسوله أعلم.
قال : إن الله مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ، وأنا اولى بهم من أنفسهم. فمن كنت مولاه فعلي مولاه. قالها ثلاث مرات.
اللهم والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، وأحب من أحبه ، وأبغض من أبغضه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله. وأدر الحق معه حيث دار. ألا فليبلغ الشاهد الغائب » (12).


خصائص الغدير وأهميته
ولقد اجتمع في هذا الموقف ماتفرق في المواقف السابقة عليه... واختص بأمور لم تكن في غيره... فكانت له أهمية خاصة ، استتبعت العناية الشديدة من كل الأطراف ، ومن جميع الجهات...
ومن ذلك : صراحة ما قاله صلى الله عليه وآله وسلم ووضوح دلالته ، بل يكن قولاً فقط ، بل قول وفعل ، فلقد قال ما قال وهو آخذ بيد علي مقيم إياه عن يمينه...
ومن ذلك : قرب وفاته صلى الله عليه وآله وسلم... وقد كان على علم بذلك، إذ قال في خطبته : « يوشك أن أدعى فاجيب »... ولا يخفى ما لقوله في هذا الظرف من الاثر البالغ في إتمام الحجة وقطع العذر.
ومن ذلك : كونه في حشد عظيم منقطع النظير ، وذلك لأنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد أذن بهذه الحجة قبلها بمدة... فمن الناس من قدم المدينة ليأتم به في حجته ، ومنهم من حضر الموسم للحج معه... فكانت جموع لايعلم عددها إلا الله تعالى...
فلما قضى مناسكه وانصرف راجعأ ، ووصل إلى غدير خم من الجحفة التي تتشعب فيها طرق المدنيين والبصريين والعراقيين... وقف حتى لحقه من تأخر ، وأمر برد من تقدم... فقام خطيباً... وأسمع جميع القوم بما قال.
ومن ذلك : نزول قوله تعالى : ( يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) (13) قبل الخطبة (14) ونزول قوله تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا ) (15) بعدها (16).
ومن ذلك : تهنئة القوم أمير المؤمنين عليه السلام... وممن هنأه ـ في مقدمتهم ـ أبوبكر وعمر ، كل يقول : بخ بخ لك يا ابن أبي طالب ، أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة » (17).
ومن ذلك : شعر حسان بن ثابت ، وقد استأذن النبي قائلاً : ائذن لي يارسول الله أن أقول في علي أبياتا تسمعهن.
فقال صلى الله عليه وآله وسلم : قل على بركة الله.
فقام حسان فقال :

« يناديهم يــوم الغــــدير نبيهم **** بخم فـــــأسمع بالرسـول مناديا
وقد جـاءه جبريــل عن أمر ربـه **** بأنك معصوم فلاتـــــــك وانيا

وبلغـهــم مـا أنزل الله ربــهـم **** إليك ولا تــــخش هناك الاعاديـا
فقــام به إذ ذاك رافــــع كفـه **** بكف علي معلن الصـوت عـــاليا
فقـال : فمــن مولاكـــم ووليكم ***** فقالوا ولم يبـــــدوا هنـاك تعاميا
إلهـك مـــــولانا وأنت ولينــا **** ولن تجدن فينا لك اليـوم عاصيـــا
فقـــال لـه : قم يا علي فإننــي * *** رضيتك من بعدي إمامــــا وهاديا
فمن كنت مـولا فهــــذا وليــه * *** فكونوا له أنصــــار صدق مواليا
هنــاك دعـا اللهــم وال وليــه * *** وكـــــن للذي عادى عليا معاديا
فيـارب انصـر ناصريه لنصرهـم **** إمام هدى كالبدر يجلوا الدياجيا » (18)

ولا يخفى أن قائل هذا الشعر من مشاهير الصحابة ، وقد قاله بمسمع منهم وبإذن من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم إن النبي أقرّه واستحسنه.



العناية بحديث الغدير
ولهذه الامور وغيرها ـ التي أكسبت حديث الغدير ويومه أهميةً وامتيازاً عن غيره من الأحاديث والأيام التي صدع فيها الرسول الكريم صلى اله عليه وآله وسلم بهذا النبأ العظيم ـ اشتدت عناية أهل البيت عليهم السلام وأتباعهم بإثباته ونشره بين الامة بشتى الوسائل والطرق ، وبقائه في الأذهان وعلى الألسن على مدى الأعصار ، حفظاً لشأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصيانةً له عن أن ينسب إليه التقصير في الابلاغ ، فيكون هو السبب فيما نشأ بعده من الاختلاف ، ووقع من النزاع ، حول الخلافة... وإعلاناً لحقهم في الامامة بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأمر من الله عزوجل... وأن ماآل إليه أمر الخلافة لم يكن لله ورسوله فيه نص... نعم ناشد أمير المؤمنين عليه السلام الأصحاب بهذا الحديث في مناسبات ومواضع عديدة ، حفظ لنا التاريخ منها: يوم الشورى... حيث استشهد به ـ فيما استشهد ـ وأذعن الحاضرون بما قال (19).
وفي حرب الجمل (20).
وفي صفين (21).
وفي الكوفة... حيث نشد الحاضرين (22) ، فأجاب جمع ، واعتذر بعض بالنسيان... كما سنشير.
والصديقة الزهراء... احتجت به في كلام لها (23).
وكذلك سائر أئمة أهل البيت وأعلام العترة... (24)...
وقوم من الأنصار ـ فيهم : أبوأيوب الانصاري ، خزيمة بن ثابت ، عمار بن ياسر ، ابن التيهان.. ـ إذ دخلوا على أمير المؤمنين عليه السلام في الكوفة فقالوا :
السلام عليك يا مولانا.
قال : وكيف أكون مولاكم وأنتم عرب ؟
قالوا : سمعنا رسول الله صلى الله عليه واله يقول يوم غدير خم : « من كنت مولاه فعلي مولاه » (25).
بل احتج به بعض الاصحاب من خصومه :
فقد احتج به سعد بن أبي وقاص في جواب معاوية حيث طلب منه سب أمير المؤمنين عليه السلام (26).
وأحتج به عمرو بن العاص في كتاب له إلى معاوية (27).


شواهد حديث الغدير
ويشهد بثبوت حديث الغدير ، ودلالته على إمامة الأمير عليه السلام أمور كثيرة... نتعرض لبعضها :
فمنها : قضية المرتد الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال :
« يا محمد ! أمرتنا من الله أن نشهد أن لا اله الا الله وأنك رسول الله ، وبالصلاة والصوم والحج والزكاة ، فقبلنا منك. ثم لم ترض بذلك ، حتى رفعت بضبع ابن عمك ففضلته علينا وقلت : من كنت مولاه فعلي مولاه ، فهل هذا شيء منك أم من لله ؟!
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : والله الذي لا اله إلا هو ، إن هذا من الله.
فولّى الرجل ـ يريد راحلته ـ وهو يقول : اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء ، أو ائتنا بعذاب أليم.
فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر ، فسقط على هامته وخرج من دبره وقتله.
فأنزل الله تعالى ـ وهي الاخرى من الآيات النازلة في قضية الغدير ـ :
( سأل سائل بعذاب واقع * للكافرين ليس له دافع * من الله ذي المعارج ) (28).
ومنها : حديث الغدير بلفظ : « من كنت اولى به من نفسه فعلي وليه » (29).
ومنها : أنه قيل لعمر بن الخطاب : إنك تصنع بعلي شيئا ما تصنعه بأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله !!؟
فقال : « إنه مولاي » (30).
ومنها : قول ابن حجر المكي في مقام الجواب عن الاستدلال بحديث الغدير :
« سلمنا انه أولى ، لكن لا نسلم أن المراد أنه أولى بالامامة ، بل بالاتباع والقرب منه ، فهو كقوله تعالى : ( إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ) ولاقاطع ، بل ولا ظاهر على نفي هذا الاحتمال ، بل هو الواقع ، إذ هو الذي فهمه أبوبكر وعمر ، وناهيك بهما من الحديث ، فإنهما لما سمعاه قالا له : أمسيت يا ابن أبي طالب مولى كل مؤمن ومؤمنة. أخرجه الدارقطني.
وأخرج أيضاً انه قيل لعمر : إنك تصنع بعلي شيئاً تصنعه بأحد من أصحاب النبي.
فقال : إنه مولاي » (31).
فلو سلمنا ان المراد هو الأولى بالاتباع ، فهل الأولى بالاتباع إلا الإمام ؟!





يتبع..........

ibrahim aly awaly
24-01-2005, 09:22 AM
مواقف متناقضة
وتناقضت مواقف الصحابة والتابعين من حديث الغدير... فالشيخان يهنئان... وحسان ينشد... وجماعة يشهدون... وآخرون يحتجون..
وفي المقابل : الفهري يشكك في نبوة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم...
وابوالطفيل يستنكر... حيث يقول :
« فخرجت وكأن في نفسي شيئاً ، فلقيت زيد بن أرقم ، فقلت له : إني سمعت علياً يقول كذا وكذا. قال : فما تنكر ! ؟ قد سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول ذلك له » (32).
وجماعة يكتمون ، فيدعو الامام عليه السلام عليهم ، منهم : عبد الرحمن بن مدلج ، جرير بن عبد الله البجلي ، يزيد بن وديعة ، زيد بن أرقم ، أنس بن مالك ، البراء ابن عازب.
أخرج أحمد بإسناده عن عبد الرحمن بن ابي ليلى : « أنه شهد علياً في الرحبة قال :
أنشد الله رجلاً سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشهد يوم غدير خم الا قام ، ولا يقوم إلا من رآه.
فقام اثنا عشر رجلاً فقالوا : قد رأيناه وسمعناه حيث أخذ بيده يقول : اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله. إلا ثلاثة لم يقوموا. فدعا عليهم فأصابتهم دعوته » (33).
وفي رواية ابن الاثير : « وكتم قوم فما خرجوا من الدنيا حتى عموا وأصابتهم آفة » (34).
وفي رواية المتقي : « وكتم قوم فما فنوا من الدنيا حتى عموا وبرصوا » (35).
ويقول الراوي : « أتيت زيد بن أرقم فقلت له : إن ختناً لي حدثني عنك بحديث في شأن علي يوم غدير خم. فأنا احب أن أسمعه منك.
فقال : إنكم معاشر أهل العراق فيكم ما فيكم.
فقلت له : ليس عليك منّي بأس.
فقال : نعم ، كنا بالجحفة... » (36).
ويقول آخر : « قلت لسعد بن أبي وقاص : إني اريد أن أسألك عن شيء وإني أتقيك :
قال : سل عما بدا لك فإنما أنا عمك.
قال : قلت : مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيكم يوم غدير خم... » (37).
ويقول آخر : «... فقلت للزهري : لا تحدث بهذا بالشام وأنت ملء اذنيك سب علي.
فقال : والله عندي من فضائل علي ما لو حدثت لقتلت » (38).


وجاء دور العلماء...
من محدثين ومتكلمين... فالأكثر يروون خبر الغدير... وحديثه... كما هو الواقع (39) وقد أوقفناك على بعض المصادر... ومنهم... من يكتمه... تبعاً لبعض أسلافه من الصحابة... ومنهم... من لايروي صدره ، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ ».
ومنهم... من لا يروي ذيله ، وهو قوله صلّى الله عليه وآله وسلم : « اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ».
لكن كل هذا لا يجدي نفعاً.. إذ الاعتراض.. كما فعل الفهري.. كفر يستتبع العذاب... والكتمان... كما فعل قوم.. كبيرة تستتبع الخزي... والتحريف... خيانة تكشفها الأيام... فليكن كل ذلك... لكن بصبغة علمية... إنه التشكيك في دلالة الحديث... وهذا الموقف أيضاً ـ وإن كان ممن لايبالي بما يخرج من فيه أو يقال فيه ـ يدل بدوره على أنه نبأ عظيم... هم فيه مختلفون...


مفاد حديث الغدير
إنّ من يتأمل في خبر الغدير... وحديثه... لايشك في أن لفظة « المولى » فيه نص في إمامة الأمير... وخلافته... فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : « ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ » (40) مشيراالى قوله تعالى : ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) (41) وأشهدهم على وجوب طاعته ونفوذ حكمه مطلقاً ، كماهو مدلول الاية المباركة (42) ثم فرع عليه فقال : « فمن كنت مولاه فهذاعلي مولاه » (43).
وهذا المعنى هو الذي فهمه الحاضرون وعلى رأسهم أمير المؤمنين عليه السلام وحسان بن ثابت ، والشيخان ، وسائر الأصحاب...
وهو الذي أنكره الفهري ، واستنكره أبوالطفيل ، وكتمه فلان وفلان...
وهو الذي اعترف به جماعة من العلماء المنصفين كتقي الدين المقريزي حيث قال : « قال ابن زولاق : وفي يوم ثمانية عشر من ذي الحجة ـ وهو يوم الغدير ـ يجتمع خلق من أهل مصر والمغاربة ومن تبعهم للدعاء ، لأنه يوم عيد ، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ عهد إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فيه واستخلفه... » (44).
ويشهد بذك شواهد كثيرة منها ما ذكرناه...
وتلخص : أن (المولى) فيه بمعنى ( الأولى) بالطاعة والتصرف ونفوذ الحكم ، وهذه هي الولاية الكبرى والامامة العظمى.


التشكيك في الدلالة
فمن تافه القول ـ بعد هذا ـ قول من قال بأنّ الولاية هذه بمعنى النصرة والمحبة... وأما أستدلاله لما ذكره بان (مفعل) لايأتي بمعنى (أفعل)... فجهل أو تجاهل... فقد نص على مجيئه كذلك كبار الأئمة في التفسير والحديث واللغة ، وبه فسر قوله تعالى : ( فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأويكم النار هي مولاكم وبئس المصير ) (45)

وبعض الآيات... وممن نص على ذلك : الفراء وأبوزيد وأبوعبيدة والأخفش وأبوالعباس ثعلب والمبرد والزجاج وابن الأنباري والرماني والجوهري والثعلبي والواحدي والزمخشري والنيسابوري والبيضاوي والنسفي وأبوالسعود والشهاب الخفاجي... (46).
وإذ رأوا أن لا رواج لهذه الدعوى في سوق الاعتبار لم يجدوا ابداً من الاعتراف ، لكن قال بعضهم : لا نسلم أن يكون المراد « الأولى بالتصرف » فليكن « الأولى بالمحبة » وقال آخر : « الأولى بالاتباع ».
ولكنه ـ كسابقه ـ دعوى فارغة ، وحمل بلا شاهد. وعلى فرض التسليم فإن « الأولى بالاتباع والمحبة » على الاطلاق لايكون إلا الإمام... وإذ رأى ثالث منهم برودة هذا التأويل وسخافته... اضطر إلى الاذعان بالحق ، وأن المراد من الحديث هو « الأولى بالامامة »... لكنه « أولى بالامامة » في حين إمامته ، أي بعد الخلفاء الثلاثة ، لا بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة.
وهذا أيضاً باطل لوجوه :
1 ـ وجود كلمة « بعدي » في بعض ألفاظ الحديث ، كما في تاريخ ابن كثير عن عبد الرزاق ، وفي بعض شواهده ، كما في شعر حسان بن ثابت.
2 ـ إن تقييد ولاية أمير المؤمنين عليه السلام بكونها بعد عثمان ، يتوقف على وجود النص على خلافة الثلاثة ، فيجمع بينه وبين حديث الغدير على الوجه المذكور ، لكن القوم أنفسهم يعترفون بعدم النص.
3 ـ إنّ لفظة « من » من ألفاظ العموم ؛ فيكون الثلاثة داخلين تحت عموم الحديث.
4 ـ إنّ هذا التأويل رد صريح على الشيخين حيث هنئا أمير المؤمنين وقالا له « أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة ».
5 ـ إنهم يروون عن ابن مسعود أنّه قال : « كنت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلة وفد الجن ، فتنفس ، فقلت : ما لك يا رسول الله ؟
قال : نعيت إلي نفسي يابن مسعود.
قلت : استخلف.
قال : ومن ؟
قلت : أبوبكر.
قال : فسكت.
ثم مضى ساعة ثم تنفس ، قلت : ما شأنك بأبي وأمي يا رسول الله ؟
قال : نعيت إلي نفسي يابن مسعود.
قلت : استخلف.
قال : من ؟
قلت : عمر.
فسكت.
ثم مضى ساعة ثم تنفس. قلت : ما شأنك ؟
قال : نعيت إلي نفسي يابن مسعود.
قلت : فاستخلف.
قال : من ؟
قلت : علي.
قال : أما والذي نفسي بيده لئن أطاعوه ليدخلون الجنة أكتعين » (47).
حتى إذا سقطت جميع تأويلاتهم ولا مناص من الاعتراف بدلالة الحديث على (الامامة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم) قال أحد متأخريهم.
ما الدليل على أن تكون هذه الامامة بمعنى الحكومة والرئاسة ؟ فليكن إماما في الباطن ، ويكون أبوبكر ومن بعده الائمة في الظاهر

قال هذا... وكأنه قد فوض إليه أمر تقسيم الامامة ، فلهذا الامامة الباطنية كما يقول الصوفية ، ولاولئك الامامة الظاهرية !!
وكأنه جهل مجئ (المولى) بمعنى (الرئيس) و(المليك) و(المتصرف في الأمر) ونحو ذلك مما هو ظاهر في الحكومة والرئاسة...(48)

بين « الغدير » و« الحوض »
وبعد... فلقد كان يوم الغدير وحديثه... آخر مراحل الابلاغ والاعلام... وهو في هذه المرة لم يكن... ولم يشبه... بل ينص ويصرح...
لقد كان ما قاله صلى الله عليه وآله وسلم وافياً بالغرض ، وإلا لما نزلت بعده آية إكمال الدين ، بعد ما نزلت قبله آية التبليغ وأنه ( إن لم تفعل فما بلغت رسالته ).
وحينئذ تصل النو بة إلى التهديد والتحذير من مغبة المخالفة والتبديل... وما عساه يفعل... فقد أدى ما عليه ، لكنه في أخريات أيامه... وسوف لن يرى هذه الجموع بعد اليوم... وهو يعلم بما سيكون في أمته... وما عساه يفعل... لقد ذكرهم بالموقف التالي... والموطن الذي سيجتمع بهم... حيث يردون عليه... لقد ربط بين « الغدير » و« الحوض » في خطبته... إذ قال لهم قبل أن يأخذ بيد علي فيقول فيه ما قال :
« أيها الناس ، ألا تسمعون ؟ قالوا : نعم. قال : فإني فرط على الحوض ، وانتم واردون علي الحوض... ».
والحوض يجب الايمان به ، فقد روى حديثه خمسون نفساً من الصحابة (49) ، وقد قال بعض الأكابر بكفر منكره... نعم... ذكرهم بالحوض هنا... ليذكر بما أخبرهم به من قبل... وقال لهم :
« أنا فرطكم على الحوض ، وليرفعن رجال منكم ، ثم ليتخلجن دوني ، فأقول : يارب أصحابي. فيقال : إنك لاتدري احدثوا بعدك » وفي بعض الألفاظ قال : « فأقول : سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي » (50).
أقول : لابد وأنه لايقصد خصوص الرجال من الأصحاب ، بل يريد كل الأصحاب ، من الرجال والنساء... ليشمل عاثشة التي قيل لها :
« ندفنك مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
فقالت : إني قد أحدثت أموراً بعده. فادفنوني مع أخواتي.
فدفنت بالبقيع » (51).
بل كل الذين... بدلوا وغيروا... وما زالوا... وإلى يوم الورود عليه على الحوض...
ربنا آمنا بما انزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ، وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين. وصلى الله عليه وآله الطاهرين.


علي الحسيني الميلاني

(1) إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون 2|154.

(2) هذا الحديث (حديث النور) رواه : أحمد بن حنبل ، وأبو حاتم ، وعبد الله بن أحمد ، وابن مردويه ، وأبو نعيم ، وابن عبد البر ، والخطيب ، وابن المغازلي ، والديلمي ، وابن عساكر ، والرافعي ، والمحب الطبري ، وابن حجر العسقلاني وآخرون ، وهو موضوع الجزء الخامس من كتابنا « خصلاصة عبقات الأنوار في إمامة الأئمة الأطهار » حيث بحثنا فيه عنه سنداً ودلالةً فليراجع.
(3) شهيد بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأصحاب وذكره أمير المؤمنين عليه السلام نفسه في غير موضع... انظر : المستدرك 3|136 ، سنن ابن ماجة 1|57 ، الخصائص : 3 ، الاستيعاب 2|457 ، أسد الغابة 4|18 ، حلية الأولياء 1|66 ، تاريخ الطبري 2|213 ، مجمع الزوائد 9|102 ، تاريخ بغداد 4|233 ، صحيح الترمذي 2|214 ، وغيرها.
ومن يلاحظ بحثنا هذا يعلم أن المراد من كونه « أول من أسلم » هو المعنى المراد من قوله تعالى للنبي عليه وآله السلام : ( قل إني امرت أن أكون أول من أسلم ).
(4) الآية 214 من سورة الشعراء.
(5) هذا الحديث ( حديث الدار ) رواه : أحمد في مسنده 1|111 ، النسائي في الخصائص : 18 ، الطبري في تاريخه 2|216 ، ابن الأثير 2|24 المتقي في كنز العمال 6|392 و397 ، الحلبي في سيرته 1|304 ، والهيثمي وغيرهم من المحدثين والمؤرخين وأصحاب السير.

(6) هذا الحديث (حديث الأشباه) رواه : عبد الرزاق بن همام ، أحمد بن حنبل ، أبو حاتم الرازي ، ابن شاهين ، الحاكم ، ابن مردويه ، أبونعيم ، البيهقي ، ابن المغازلي ، الديلمي ، المحب الطبري ، وجماعة آخرون غيرهم. وقد بحثنا عنه سنداً ودلالةً في كتابنا « خلاصة عبقات الأنوار » .
(7) هذا الحديث (حديث المنزلة) رواه : البخاري ، مسلم ، أحمد ، الطيالسي ، ابن سعد ، ابن ماجة ، ابن حبان ، الترمذي ، الطبري الحاكم ، ابن مردويه ، أبو نعيم ، الخطيب ، ابن عبد البر ، ابن حجر العسقلاني... وغيرهم... وقد بحثنا عنه سنداً ودلالة في كتابنا « خلاصة عبقات الأنوار ».
(8) هذا الحديث (حديث مدينة العلم) رواه : عبد الرزاق بن همام ، يحيي بن معين ، أحمد بن حنبل ، الترمذي ، البزار ، الطبري ، الطبراني ، الحاكم ، ابن مردويه ، أبو نعيم ، الماوردي ، الخطيب ، ابن عبد البر ، البيهقي ، الديلمي ، ابن عساكر ، ابن الأثير ، النووي ، المزي ، العلائي ، ابن حجر العسقلاني... وغيره. وهو موضوع الجزء العاشر وتالييه من كتابنا « خلاصة عبقات الأنوار».
(9) هذا الحديث (حديث الطير) رواه : أبو حنيفة ، أحمد بن حنبل ، أبو حاتم الرازي ، الترمذي ، البزار ، النسائي ، أبو يعلى ، الطبري ، البغوي ، الطبراني ، الدار قطني ، الحاكم ، ابن مردوديه ، أبو نعيم ، البيهقي ، الخطيب ، ابن عبد البر ، ابن عساكر ، ابن الأثير ، المزي ، الذهبي ، ابن حجر العسقلاني... وغيرهم. وهو أحد الأحاديث المبحوث عنها سنداً ودلالةً في كتابنا « خلاصة عبقات الأنوار ».
(10) هذا الحديث (حديث الراية ) رواه : البخاري ومسلم ، في غير موضع من صحيحيهما ، منها : في باب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام ، وأحمد في مسنده 5|322 ، والنسائي في الخصائص : 6 ، و ابن سعد 2|80 ، وابن عبد البر 2|450 ، والبيقهي في سننه 6|362 ، والمتقي في كنز العمال 5|284 ، والخطيب في تاريخه 8|5 ، وابن ماجة ، والحاكم ، والهيثمي... وغيرهم.
(11) هذا الحديث رواه : الترمذي 2|183 ، النسائي : 20 ، الحاكم 3|51 ، أحمد 1|3 و151 ، الهيثمي 9|119 ، المتقي 1|246 ، السيوطي في الدر المنثور 3|209 عن عدة من الحفاظ.
(12) من رواة حديث الغدير : محمد بن إسحاق ، عبد الرزاق ، الشافعي ، أحمد بن حنبل ، البخاري في تاريخه ، الترمذي ، ابن ماجة ، ا لبزار ، ا لنسائي ، أبويعلى ، الطبري ، ا لبغوي ، ابن حبان ، الطبراني ، الدارقطني. الحاكم ، ابن مردويه ، ابونعيم ، البيهقي ، ابن عبد البر ، الخطيب ، الزمخشري ، ابن عساكر ، ابن الاثير ، الضياء المقدسي ، المحب الطبري ، المزي ، الذهبي ، ابن كثير ، ابن حجر العسقلاني ، السيوطي... وقد بحثنا عن هذا الحديث سنداً ودلالةً في الأجزاء : 6 ـ 9 من كتابنا « خلاصة عبقات الانوار ».
(13) الآية 67 من سوره المائدة.
(14) روى نزولها في الغدير : الطبري ، ابن أبي حاتم ، ابن مردويه ، الثعلبي ، أبونعيم ، الواحدي ، أبو سعيد السجستاني ، الحسكاني ، ابن عساكر ، الفخر الرازي ، النيسابوري ، العيني ، السيوطي... وغيرهم... أنظر : خلاصة عبقات الانوار 8|205 ـ 271.
(15) الآية 3 من سوره المائدة.
(16) روى نزولها في الغدير : الطبري ، ابن مردويه ، أبونعيم ، الخطيب ، ابن المغازلي ، الخوارزمي ، الحمويني ، ابن عساكر ، ابن كثير ، السيوطي... وغيرهم. انظر : خلاصة عبقات الانوار 8|275.
(17) روى ذلك : أبوبكربن أبي شيبة ، أحمد ، أبوسعد الخركوشي ، الثعلبي ، أبوسعد السمعاني ، الخطيب التبريزي ، ابن كثير ، المقريزي ، المحب الطبري... انظر : خلاصة عبقات الانوار 9|150.

(18) هذا الشعر رواه من حفاظ أهل السنة : أبوسعد الخركوشي ، ابن مردويه ، أبو نعيم الاصبهاني ، أبوسعيد السجستاني ، الموفق بن أحمد المكي الخوارزمي ، أبوالفتح النطنزي ، سبط ابن الجوزي ، الحافظ الكنجي ، الصدر الحموئي ، الجمال الزرندي ، الجلال السيوطي... راجع لتفصيل ذلك الجزء الثامن من « خلاصة عبقات الانوار » والجزء الثاني من « ا لغدير ».

(19) الغدير 1|159.
(20) الغدير 1|186.
(21) الغدير 1|195.
(22) خلاصة عبقات الانوار 9|9 ـ 27.
(23) أسنى المطالب|لابن الجزري : 49.
(24) الغدير 1|197 ـ 200.
(25) رواه : أحمد بن حنبل ، الطبراني ، ابن مردويه ، ابن الاثير ، ابن كثير ، المحب الطبري ، الهيثمي ، القاري... وغيرهم. انظر: خلامة عبقات الانوار 9|139.
(26) أخرجه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وابن ماجة... وقد تصرف فيه القوم فنقلوه بألفاظ مختلفة تقليلاً لفظاعته وتستراً على إمامهم معاوية... إذ الحديث : « أمر معاوية بن أبي سفيان سعدأ فقال : ما منعك أن تسب أبا تراب ؟ فقال : أما ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله فلن أسبه... » لكن في بعض الكتب « قدم معاوية في بعض حجاته فدخل على سعد فذكروا علياً فنال منه فغفب سعد » فذكره بخصال لعلي منها حديث الغدير. وفي تاريخ ابن كثير حذف : « فنال منه فغضب سعد » وعند أحمد : « ذكرعلي عند رجل وعنده سعد بن أبي وقاص فقال له سعد ، أتذكر علياً ؟ !... » .
وفي الخصائص عن سعد : « كنت جالساً فتنقصوا علي بن أبي طالب فقلت : لقد سمعت... » وبعضهم يحذف القصة من أصلها فيقول : « عن سعد بن أبي وقاص قال : قال رسو ل الله : في علي ثلاث خلال... » انظر : خلاصة عبقات الانوار 6|34.
(27) مناقب الخوارزمي : 130.

(28) روى نزولها في هذه القضية : أبوعبيد الهروي ، أبوبكر النقاش ، الثعلبي ، القرطبي ، سبط ابن الجوزي ، الحمو يني ، الزرندي ، السمهودي ، أبوالسعود ، الشربيني ، الحلبي ، المناوي ،... وغيرهم ، انظر : خلاصة عبقات الانوار 8|340 ـ 400.
(29) أنظر : خلاصة عبقات الانوار 9 | 79.
(30) أنظر : خلاصة عبقات الانوار 9|141 ـ 144.

(31) الصواعق المحرقة : 26.
(32) المسند 4|370 ، الخصائص : 100 ، تاريخ ابن كثير 7|346 ، الرياض النضرة 2|223.

(33) مسند أحمد 1|119.
(34) أسد الغابة 4|1 32.
(35) كنز العمال 15|115.
(36) مسند أحمد 4|368.
(37) كفاية الطالب : 62.
(38) اسد الغابة 1|8.
(39) أي رووه بصدره وذيله كما ذكرناه سابقاً... ولكن أحداً منهم لم يروالقصة كاملة ، فقد ذكروا ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم « خطبهم » [ المسند 4|372 ] وأنه « قال ما شاء الله أن يقول » [المستدرك 3|109] وأنه « ما من شيء يكون إلى يوم الساعة إلا قد أخبرنا به يومئذ » [ مجمع الزوائد 9|105 ] فأين ما قال ؟! ولماذا لم يرووه ؟!

(40) وردت هذا الجملة في صدر الحديث في رواية أحمد وابن ماجة والبزار والنسائي وأبي يعلى والطبري وابن حبان والطبراني والدارقطني... وغيرهم من أعلام المحدثين من أهل السنة.
(41) الآية 6 من سورة الاحزاب.

(42) الآية 7 من سورة الحشر.
(43) رواه بفاء التفريع أحمد والنسائي والطبري والطبراني والضياء والمحاملي وأبويعلى وابن كثير والسمهودي وا لمتقي ، وغيرهم.
(44) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والاثار 2|220.

(45) الآية 15 من سورة الحديد.
(46) انظر : خلاصة عبقات الانوار 8|15 ـ 88.
(47) رواه جماعة منهم أحمد وأبو نعيم والشبلي والخوارزمي وعمر الملا وعبدالقادر الطبري... أنظر : خلاصة عبقات الانوار 9|4 27 ـ 279.
(48) خلاصة عبقات الانوار 8|89 ـ 113.

(49) لقط اللآلي المتناثرة في الاحاديث المتواثرة ، للزبيدي : 251.
(50) الحديث في الصحيحين وغيرهما من الصحاح وغيرها. أنظر : البخاري ، باب في الحوض ، 4|87.
(51) المستدرك على الصحيحين 4|6 وصححه على شرطهما ، المعارف : 134 ، وغيرهما.

ibrahim aly awaly
26-01-2005, 06:46 AM
إعداد الأُمة وتهيئتها لتولّي الإمام عليّ (عليه السلام) الخلافة

الدكتور عبد الجبار شرارة

لقد بدأت عملية إعداد الأُمة وتربيتها لقبول واستقبال خلافة الإمام عليّ (عليه السلام)، وقيادته للمسيرة الإسلامية بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، منذ وقتٍ مبكر، فعندما أُمر النبي الأكرم بالإنذار والتبليغ كما في قوله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ)(1) قال الطبري: وكان قبل ذلك في السنين الثلاث من مبعثه إلى أن أمر بإظهار الدعاء إلى الله، مستسراً مخفياً أمره (صلى الله عليه وآله)، وأنزل عليه: (وَأَنِذرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)(2) ثمّ أخرج الطبري روايةً عن عبد الله بن عباس عن عليّ بن أبي طالب، قال: (لما نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله) (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) دعاني رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال لي يا عليّ إنَّ الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فضقت بذلك ذرعاً، وعرفتُ أني متى اباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمتُّ عليه حتى جاءني جبريل، فقال يا محمد إلاّ تفعل ما تؤمر به يعذّبك ربُّك؛ فاصنع لنا صاعاً من طعام واجعل عليه رجلَ شاة، واملأ لنا عسّاً من لبنٍ ثمّ اجمع لي بني عبد المطلب حتى اُكلّمهم وأُبلغهم ما اُمرتُ به، ففعلتُ ما أمرني به ثمّ دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه، فيهم أعمامه أبو طالب والحمزة والعباس وأبو لهب...) وتكررت المحاولة فلما أكلوا وشربوا قال الطبري: (فتكلم رسول الله فقال: يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلمُ شاباً في العرب جاء قومَه بأفضل ما جئتكم به؛ إني جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن ادعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم. قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، فقلتُ وأني لأحدثهم سنّاً، وأرمصهم عيناً... أنا يا نبي الله اكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي ثمّ قال: إنَّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا، قال ـ أي عليّ (عليه السلام) ـ فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمعَ لابنك وتطيع...)(3).

ومن هذه الرواية يتضح لنا أن أول عملية لإعداد الذهنية من أجل قبول عليّ، وصيّاً وخليفةً، قد تمت في الوسط الخاص، (عشيرة النبي المقربين) وكان ذلك جنباً إلى جنب مع التبشير برسالته والإعلان عن نبوته وبعثته صلوات الله وسلامه عليه.

ثمّ اتخذت عملية إعداد الأُمة منحىً آخر:

فقد بدأ القرآن يتنزل تباعاً، وبدأ الإمام عليٌّ يقاتل دونه مع رسول الله وبدأت الآيات القرآنية تنزل أيضاً في الإشادة بفضل الإمام عليّ (عليه السلام) وبفضائله، لأجل نفس الهدف. وقد أخرج ابن عساكر على ما نقله السيوطي: (أنه ما نزل في أحدٍ من كتاب الله كما نزل في عليّ...)(4)، وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس أيضاً (أنه نزلت في عليّ ثلاثمائة آية)(5).

ونورد هنا بعض الآيات التي ذكر غيرُ واحدٍ أنها نزلت في عليٍّ، وتدخل في هذا الإطار، أي تؤشر حقيقة إعداد الأُمة وتربيتها في هذا الاتجاه:

أ - جاء قوله تعالى: (إنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحمَنُ وُدّاً)(6) أخرج غير واحد من الحفاظ بأسانيد مختلفة أنها نزلت في عليّ، لأنَّ ما من مسلم إلاّ ولعلي في قلبه محبة..)(7).

فعن البراء بن عازب قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي بن أبي طالب يا عليّ: قل اللهم اجعل لي عندك عهداً، واجعل لي في صدور المؤمنين مودّة.

فأنزل الله: (إنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ) قال: نزلت في علي)(8).

ب - قوله تعالى: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ...)(9) عن عليّ (عليه السلام) قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، قال قيس: وفيهم نزلت (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبَّهَمْ...) قال: (هم الذين بارزوا يوم بدر عليّ وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة...)(10).

ج - قوله تعالى: (وَرَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهمْ لَمْ يَنَالُواْ خيْراً وَكَفَى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتَالَ...)(11). روى غير واحدٍ أن عبد الله ابن مسعود كان يقرأ هذه الآية هكذا: (وَكَفَى اللهُ المُؤْمِنَينَ القِتَالَ) بعليّ بن أبي طالب(12).

د - قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ)(13).

ذكر غير واحدٍ من الحفاظ والمحدثين عن ابن عباس قال: هو عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) خاصةً(14).

هـ - قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكتَسَبُواْ فَقَدِ احْتَمَلواْ بُهتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً) (15).

وورد بعدة طرق أنها نزلت في عليّ، وذلك أنَّ نفراً من المنافقين كانوا يؤذونه ويكذبون عليه(16).

إنّ مما يؤكد أن هذه الآيات قد جاءت ونزلت لبيان منزلة الإمام علي (عليه السلام) وعظمة شخصيته، ودوره الكبير في حياة الرسالة والرسول، وأنَّ المؤمنين يلزمهم وعي هذه الحقائق والانقياد اليها، مما يؤكد ذلك هو ما جاء من الأحاديث النبوية في تثبيت هذه المعاني.

فقد روى الصحابي سعد بن أبي وقاص قال: (أمرني معاوية أن أسبَّ أبا التراب، فقلت: أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله، فلن أسبّه، لأن تكون لي واحدة منهن أحبُّ إليَّ من حُمر النّعم، قد خلّفه رسولُ الله في بعض مغازيه، فقال عليٌّ: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان، فسمعتُ رسول الله يقول: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبوةَ بعدي(17)، وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطين الرايةَ رجلاً يحبُّ الله ورسولَه، ويُحبُّه اللهُ ورسولُه، قال: فتطاولنا لها(18)، فقال: ادعوا لي عليّاً، فأُتي به أرمد، فبصق في عينه، ودفع الراية اليه، ففتح الله عليه، ولما نزلت هذه الآية: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْم فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدعُ أَبنَاءَنَا وَأَبناءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعنَةَ اللهِ عَلَى الكَاذِبينَ)(19) دعا رسول الله عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، وقال: اللهم هؤلاء أهلي) رواه مسلم(20) والترمذي(21).

إنَّ هذه الرواية ـ على طولها ـ التي رواها سعد تؤكد أموراً منها:

أ ـ نزول آية المباهلة ـ وهي الآية المذكورة في نص الرواية ـ في عليّ وزوجته البتول وولديهما الحسن والحسين (عليهم السلام).

ب - تؤكد أن هؤلاء هم أهل البيت دون سواهم(22). وبالتالي نفهم أنهم هم المقصودون في آية التطهير التي هي قوله تعالى: (... إِنَّمَا يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (23) وفي آية التطهير هذه يتبين لنا نزاهة عليّ وأمانته، وسمو ذاته وطهارته، بل عصمته.

ومن هنا يبدأ الاستحقاق لأن يحتلَّ عليٌّ مقام الخلافة والولاية وقيادة المسيرة، قال الراغب الأصفهاني: (لا يصلح لخلافة الله ولا يكمل لعبادته وعمرة أرضه إلاّ من كان طاهر النفس قد اُزيل رجسها ونجسها، فللنفس نجاسة كما إنّ للبدن نجاسة، لكن نجاسة البدن قد تدرك بالبصر ونجاسة النفس لا ترك إلاّ بالبصيرة... وإنما لم يصلح لخلافة الله إلاّ من كان طاهر النفس، لأنَّ الخلافة هي الاقتداء به تعالى على الطاقة البشرية، ومن لم يكن طاهر القول والفعل فكل إناء بالذي فيه يرشح...)(24).

يتبين لنا من ذلك أنَّ القرآن الكريم بعد أن أشادَ بفضل علي وبفضائله، ارتقى به الى منزلة التزكية المطلقة (التطهير) ثمّ صعدَ به إلى منزلةٍ على غاية من الأهمية إذ جعل نفسَ عليّ كنفس النبي محمد (صلى الله عليه وآله) كما هو صريح آية المباهلة. وتأسيساً على ذلك، أكدّ النبي (صلى الله عليه وآله) مراراً وكراراً قائلاً: (عليّ مني وأنا من علي)(25) وعندما حاول بعض الناس الشكوى من عليّ بغيةَ التشويش على مقامه هذا ومنزلته، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ما تريدون من عليّ..؟) ردّدها ثلاثاً، ثمّ قال (إنَّ علياً مني وأنا منه)(26).

ومن أجل قطع الطريق أمام المتشككين بهذه المنزلة الرفيعة التي أنزل الله تعالى فيها عليّاً، ولترسيخ وتأكيد ولايته وخلافته بع النبي، في كل ما يهم المسلمين من أجل ذلك جاء قوله تعالى: (إِنَّمَا وَليُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)(27) فقد ذكر الزمخشري أن هذه الآية المباركة نزلت في عليّ (عليه السلام) حين سأله سائل، وهو راكع في صلاته فطرح له خاتمه(28). ولإزالة الالتباس، وقطعاً لدابر أيّ تأويل في المراد بالولي وتشخيصه في مثل هذه الموارد، صرّح النبي (صلى الله عليه وآله) في أكثر من مناسبة قائلاً: (إنَّ عليّاً مني، وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي...)(29) ولتأكيد ولاية عليّ، ودوره الهام بالنسبة إلى الرسالة الإسلامية قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (عليٌّ مني وأنا من عليّ ولا يؤدي عني ـ أي بصفته نبيّاً رسولاً ـ إلاّ أنا وعليّ...)(30) ثُم رُسّخ هذا المفهوم عمليّاً جهاراً نهاراً في قصة تبليغ سورة براءة، كما أخرج هذه الرواية الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن أبي بكر الصديق أنه قال: (إنّ النبي بعثه ببراءة إلى أهل مكة، فسارَ ثلاثاً ثمّ قال لعلي: الحقه، فردَّ عليٌّ أبا بكر وبلّغها، فلما قدم أبو بكر على رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: يا رسول الله حدثَ فيَّ شيء، قال: ما وجدتُ فيك إلاّ خيراً، لكنني اُمرت أن لا يبلغ إلاّ أنا أو رجلٌ مني...)(31) وفي الكشاف: روي أنَّ أبا بكر لما كان ببعض الطريق ـ أي لتبليغ سورة براءة ـ هبط جبرائيل (عليه السلام)، فقال: (يا محمد: لا يبلغن رسالتك إلاّ رجلٌ منك، فأرسل عليّاً...)(32).

وأخيراً ختم القرآن الكريم هذا الموضوع الحيوي والمهم أي عملية الإعداد الفكري والتربوي في آخر ما نزل منه في آية التبليغ ثمّ في آية إكمال الدين بعد حديث الغدير المشهور، وعنده لم يعد هناك عذرٌ لمعتذر. وقصة الغدير ـ كما تناقلها الرواة مع بعض الاختلاف ـ هي كما يأتي:

لما رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من حجة الوداع، نزل عليه الوحي مُشدِّداً (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)(33) فحطّ الركبُ عندَ غدير خمّ، وجمع الناس في منتصف النهار، والحرُّ شديد، وخطب فيهم قائلاً، كأني قد دُعيت فأجبتُ وإني تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتابَ الله وعترتي ـ وفي رواية مسلم (34) وأهل بيتي ـ فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض... ثمّ قال: إنَّ الله مولاي، وأنا مولى كل مؤمن، ثمّ أخذ بيد عليٍّ فقال: من كنت مولاه فهذا وليُّه ـ فهذا مولاه (35) ـ اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، واخذل من خذله، وانصر من نصره(36).. وأدر الحقَّ معه حيثما دار..(37) وقد أعقبَ هذا الحدث الكبير نزول الوحي مرةَ أخرى بقوله تعالى: (... اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتمَمتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلاَمَ دِيناً...)(38).

وقد ورد في بعض الروايات أن الرسول القائد (صلى الله عليه وآله) قال بعد نزول هذه الآية في ذلك اليوم المشهود وهو يوم الثامن عشر من ذي الحجة(39) يوم الغدير قال: (الله أكبر، الحمد لله على اكمال الدين واتمام النعمة ورضى الرب برسالتي وبالولاية لعلي بعدي)(40).

وفي رواية لأحمد، (فلقيه عمر بن الخطاب ـ أي لقي علياً ـ بعد ذلك، فقال له هنيئاً أصبحت وأمسيتَ مولى كل مؤمن ومؤمنة...)(41).

ومما يؤسف له حقاً أن بعض الناس كان لا يرضيهم أن يُعطى عليّ مثل هذه الامتيازات والمقامات، وكان بعض الناس يكثر لغطه واعتراضه عندما يَخصُّ الرسول القائد علياً بذلك، فيضطر الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله أن يذكّرهم بأنه رسول ربّ العالمين الذي يصدع بما يؤمر وأنه: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى* إَنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌّ يُوحَى)(42).

ومن الشواهد على ذلك؛ ما رواه الترمذي وحسنه، عن جابر بن عبد الله قال: (دعا رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) عليّاً يوم الطائف فانتجاه ـ أي كلّمة سرّاً ـ فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمّه، فقال الرسول: ما انتجيته ولكن الله انتجاه...)(43).

وعن ميمون عن زيد بن أرقم قال: (كان لنَفرٍ من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبواب شارعة في المسجد قال: فقال رسول الله يوماً سدّوا هذه الأبواب إلاّ باب عليّ، قال: فتكلم في ذلك الناس، قال: فقام رسول الله فحمدَ اللهَ وأثنى عليه، ثمّ قال: أما بعدُ فإني أُمرتُ بسدِّ هذه الأبواب، إلاّ باب عليّ، وقال فيه قائلكم؛ وإني والله ما سددتُ شيئاً ولا فتحتُهُ، ولكني اُمرتُ بشيء فاتبعتُه...)(44).

وهكذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كلما يخصُّ عليّاً دون سواه بأمر، يصرحُ لهم، ويبين للأمة أنَّ ذلك إنما هو بأمر من الله تعالى. وقد حدث ذلك في إرسال عليّ (عليه السلام) لتبليغ سورة براءة بدلاً من أبي بكر، وحدث ذلك يوم المناجاة في الطائف، وحدث ذلك يوم الغدير، إلى غير ذلك. ومما يلاحظ أيضاً أن المواقف الحاسمة في تاريخ الإسلام، وفي حياة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، بما فيها ما يتصل بحماية التجربة الإسلامية ومستقبلها، يلاحظ أن الرسول القائد كان يقدّم عليّاً ويدعوه شخصياً دون غيره لحسم تلك المواقف ودفع الخطر الداهم، حدث ذلك في معركة بدر الكبرى، إذ كان عليٌّ صاحب الراية، وقتل من صناديد المشركين من قتل، وحدث ذلك يوم اُحد إذ قتل عليٌّ طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين، روى الطبري قال: لما قتلَ عليُّ بن أبي طالب أصحاب الالوية، أبصرَ رسولُ الله جماعةً من المشركين فقال لعلي: احمل عليهم، فحمل عليهم ففرق جمعهم، وقتل عمرو الجمحي، ثمّ أبصرَ رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) جماعةً من المشركين، فقال لعلي احمل عليهم، فحمل عليهم ففرق جمعهم وقتل شيبة بن مالك، فقال (جبريل) يا رسولَ الله إنَّ هذه للمواساة، فقال رسول الله (صلىالله عليه وآله): إنه مني وأنا منه، فقال (جبريل) وأنا منكما، قال الطبري ثمّ سمعوا صوتاً يهتف:

(لا سيف إلاّ ذو الفقار* ولا فتى إلاّ علي)(45).

ويكفي ما نقله سعد بن أبي وقاص على ما روى الشيخان في يوم خيبر(46).

وقد يكون من المناسب أن نذكر هنا ما أخرجه الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ولقد عاتبَ اللهُ أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في غير موضع وما ذكر علياً إلاّ بخير(47).


الهوامش:

1- سورة الحجر: الآية 94.

2- سورة الشعراء: الآية 214.

3- تاريخ الطبري: ج 3 ص 218 و 219 المطبعة الحسينية بمصر، الطبعة الأولى، راجع تفصيل الرواية وأسانيدها في ما نزل من القرآن في عليّ، لأبي نعميم، جمع الشيخ المحمودي، ص 155. وراجع تفسير الخازن: ج 3 ص 371 طبعة دار المعرفة / بيروت.

4- تاريخ الخلفاء، ص 171، الصواعق المحرقة، لابن حجر ص 127.

5- المصدران السابقان.

6- سورة مريم: الآية 96.

7- راجع ما نزل من القرآن في علي، لابي نعيم الأصبهاني، جمع الشيخ المحمودي، ص 130 وما بعدها.

8- شواهد التنزيل، الحسكاني، ج 1 ص 360 و 361 ط 1.

9- سورة الحج: الآية 19.

10- التاج الجامع للأصول: ج 4 ص 181، وقال رواه الشيخان (البخاري ومسلم) كتاب التفسير.

11- سورة الأحزاب: الآية 25.

12- (ما نزل من القرآن في علي) لأبي نعيم، تحقيق المحمودي، ص 172. وراجع ما نقله عن ميزان الاعتدال، الذهبي ج 2 ص 380 ترجمة عياد بن يعقوب تحت الرقم 4149.

13- سورة التوبة: الآية 119.

14- (ما نزل من القرآن في علي) لأبي نعيم ص 104، وراجع الهامش فقد نقل روايات بأسانيد مختلفة، وراجع أيضاً: الصواعق المحرقة، لابن حجر ص 152.

15- سورة الأحزاب: الآية 58.

16- راجع تفسير الكشاف ج 3 ص 559.

17- حديث المنزلة سبق تخريجه، راجع التاج الجامع للأصول ج 3 ص 332 رواه الشيخان والترمذي.

18- راجع: الرواية عن أبي هريرة وفيها قال عمر: (ما أحببتُ الإمارة إلاّ يومئذٍ فتساورت لها...). التاج الجامع للأصول ج 3 ص 331 رواه الشيخان.

19- سورة آل عمران: الآية 61.

20- صحيح مسلم ج 4 ص 1873.

21- صحيح الترمذي ج 5 ص 596، وراجع الصواعق المحرقة لابن حجر ص 143. وراجع الرواية في التاج الجامع للأصول ج 3 ص 333.

22- التاج الجامع للأصول، ج 4 ص 207 قال روى الترمذي ومسلم عن عمر بن اُم سلمة ربيب رسول الله: لما نزلت هذه الآية ـ التطهير ـ في بيت اُم سلمة دعا رسول الله فاطمة وحسناً وحسيناً وعلياً، فجللهم بكساء ثمّ قال: الله هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً قالت ام سلمة، وأنا معهم يا رسول الله. قال: أنت على مكانك، وأنت على خير.

23- سورة الأحزاب: الآية 33.

24- الذريعة إلى مكارم الشريعة: ابن المفضل الراغب الأصفهاني، ص 29 مراجعة وتعليق طه عبد الرؤوف سعد ط 1 مكتبة الكليات الأزهرية ـ القاهرة 1393 هجري، وراجع استفادة العصمة من آية التطهير، الاُصول العامة للفقه المقارن، محمد تقي الحكيم ص 174.

25- التاج الجامع للأصول: ناصف ج 3 ص 334، وراجع تاريخ الخلفاء: السيوطي ص 169.

26- صحيح الترمذي، ج 5 ص 594.

27- سورة المائدة: اية 55.

28- الكشاف: الزمخشري ج 1 ص 649 قال في الهامش في تخريج الحديث: رواه ابن أبي حاتم من طريق سلمة بن كهيل: قال: تصدق عليّ بخاتمه وهو راكع فنزلت أي الآية. ولابن مردويه عن سفيان الثوري عن ابن سنان عن الضحاك عن ابن عباس مثله. وراجع أيضاً أسباب النزول: الواحدي ص 134 قال: نزلت في علي.

29- صحيح الترمذي، السابق ـ باب فضائل الإمام عليّ، وراجع التاج الجامع للأصول ج 3 ص 335.

30- المصدر السابق.

31- مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج 1 ص 3 ـ طبعة دار صادر، وراجع: تفسير الكشاف الزمخشري ج 2 ص 243، وراجع الرواية أيضاً في صحيح الترمذي ج 5 ص 594.

32- الكشاف المصدر السابق.

33- سورة المائدة: الآية 67، قال الواحدي في أسباب النزول ص 135، نزلت في غدير خم.

34- صحيح مسلم ج 4 ص 1874.

35- التاج الجامع للأصول ج 3 ص 333. رواية عن زيد بن أرقم عن النبي (صلى الله عليه وآله) وهي في صحيح الترمذي أيضاً ج 5 ص 591.

36- مسند الإمام أحمد بن حنبل ج 4 ص 281، 368 دار صادر، وراجع تفسير ابن كثير ج 1 ص 22. وراجع سنن ابن ماجة المقدمة ج 1 باب 11 وراجع تحقيقات وافية شافية في أسانيد الحديث الغدير العلامة الأميني. وراجع البداية والنهاية: لابن كثير أيضاً بعدة طرق ج 7 ص 360 و 361.

37- التاج الجامع للأصول ج 3 ص 337. رواه مستقلاً: (رحم الله عليّاً اللهم أدر الحق معه حيث دار..).

38- سورة المائدة: الآية 3.

39- راجع الإتقان: السيوطي ج 1 ص 75 في رواية نزول الآية يوم الغدير وأنه يوم الثامن عشر من ذي الحجة. وراجع أسباب النزول: الواحدي ص 135.

40- مناقب أمير المؤمنين: الحافظ محمد بن سلمان الكوفي القاضي من أعلام القرن الثالث تحقيق الشيخ المحمودي ج 1 ص 119 مجمع إحياء الثقافة الإسلامية، قم 1412 هجري.

41- مسند الإمام أحمد بن حنبل ج 4 ص 281، وقد أشهد عليٌّ جمعاً من الناس، فشهد له ثلاثون أنهم سمعوا هذا الحديث من رسول الله. ابن كثير: البداية والنهاية ج 7 ص 360.

42- سورة النجم: الآية 3 - 4.

43- راجع صحيح الترمذي، ج 5 ص 597، وراجع البداية والنهاية: لابن كثير ج 7 ص 369، وراجع التاج الجامع للأصول ج 3 ص 336.

44- مسند الإمام احمد ج 4 ص 369، وراجع تاريخ ابن كثير ج 7 ص 355.

45- تاريخ الطبري ج 2 ص 25 وص 65 - 66 ـ طبعة المكتبة العلمية ـ بيروت.

46- رواية سعد أخرجها الشيخان، راجع هامش 54 و55.

47- تأريخ الخلفاء: السيوطي ص 171.

حنين
26-01-2005, 01:52 PM
بارك الله بكم أخي إبراهيم على هذا الموضوع القيّم .. وتقبله منكم بأحسن القبول.

ibrahim aly awaly
27-01-2005, 07:28 AM
بارك الله بكم أخي إبراهيم على هذا الموضوع القيّم .. وتقبله منكم بأحسن القبول.

=================

مرور مبارك و موفقه ان شاء الله يا ابنتي

تحياتي الولائيه و كل عام و انت بخير بمناسبه عيد الغدير الاغر

الحاج ابراهيم علي عوالي العاملي

ibrahim aly awaly
27-01-2005, 07:30 AM
اَلْحَمْدُ للهِ الّذى جَعَلَنا مِنَ الْمُتَمَسِّكينَ بِوِلايَةِ اَميرِ الْمُؤْمِنينَ وَالاَئِمَّةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ اَلْحَمْدُ للهِ الَّذى اَكْرَمَنا بِهذَا الْيَوْمِ وَجَعَلَنا مِنَ الْمُوفنَ، بِعَهْدِهِ اِلَيْنا وَميثاقِهِ الّذى واثَقَنا بِهِ مِنْ وِلايَةِ وُلاةِ اَمْرِهِ وَالْقَوّامِ بِقِسْطِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْنا مِنَ الْجاحِدينَ وَالْمُكَذِّبينَ بِيَوْمِ الدِّينَ .

و كذلك

وَآخَيْتُكَم فِى اللهِ، وَصافَيْتُكَم فِى اللهِ، وَصافَحْتُكَم فِى اللهِ، وَعاهَدْتُكم اللهَ وَمَلائِكَتَهُ وَكُتُبَهُ وَرُسُلَهُ وَاَنْبِيآءَهُ وَالاَْئِمَّةَ الْمَعْصُومينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى اَنّى اِنْ كُنْتُ مِنْ اَهْلِ الْجَنَّةِ وَالشَّفاعَةِ وَاُذِنَ لى بِاَنْ اَدْخُلَ الْجَنَّةَ لا اَدْخُلُها اِلاّ وَاَنْتَم مَعى .


الحاج ابراهيم علي عوالي العاملي
خادم شيعه ال محمد عليهم الصلاه و السلام

ibrahim aly awaly
27-01-2005, 08:20 AM
الإمام علي ابن أبي طالب عليه السلام


.
أبو الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، إبن عم الرسول الأعظم صلَّى اللَّه عليه وآله، وأول من لبَّى دعوته واعتنق دينه، وصلّى معه.


هو أفضل هذه الأمة مناقب، وأجمعها سوابق، وأعلمها بالكتاب والسنة، وأكثرها إخلاصاً لله تعالى وعبادة له، وجهاداً في سبيل دينه، فلولا سيفه لما قام الدين، ولا انهدت صولة الكافرين.



نعم، لم تعرف لإنسانية في تاريخها الطويل رجلاً - بعد الرسول الأعظم (ص) أفضل من علي بن ابي طالب ولم يسجّل لإحد من الخلق بعد الرسول صلى الله عليه وآله من الفضائل والمناقب والسوابق، ما سجّل لعلي بن ابي طالب، وكيف تحصى مناقب رجل كانت ضربته لعمرو بن عبدود العامري يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين، وكيف تعد فضائل رجل اسرّ اولياؤه مناقبه خوفا، وكتمها أعداؤه حقداً، ومع ذلك شاع منها ما ملأ الخافقين، وهو الذي لو اجتمع الناس على حبه - كما يقول الرسول صلى الله عليه وآله - لما خلق الله النار.



والحديث عن علي بن ابي طالب طويل، لا تسعه المجلدات، ولا تحصيه الأرقام، حتى قال ابن عباس لو أنّ الشجرَ اقلامٌ، والبحرَ مدادٌ، والإنس والجن كتّاب وحسّاب، ما أحصوا فضائل أمير المؤمنين عليه السلام.



وكان لا بد لنا من الإختصار في الكتابة في هذة السلسة العلوية، وحسبنا أن نشير فيها إلى بعض خصائصه، ومناقبه، وعليها فقس ما سواها.





ولادته
ولد عليه السلام بمكة في البيت الحرام يوم الجمعة الثالث عشر من شهر الله الأصم رجب بعد عام الفيل بثلاثين سنة ولم يولد في البيت الحرام سواه قبله ولا بعده وهي فضيلة خصه الله بها إجلالاً له واعلاءً لرتبته وإظهاراً لتكرمته. وقيل ولد لسنة ثمان وعشرين من عام الفيل، والأول عندنا أصح وكان عليه السلام هاشمياً من هاشميين، وأول من ولده هاشم مرتين (أي من قبل الأب والأم)، فمن جهة الأب فهو علي بن أبي طالب بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف، ومن قبل الأم فهي فاطمة بنت أسد بنت هاشم بن عبد مناف.


في مقتله عليه الصلاة والسلام: لما تواعد إبن ملجم - عليه لعنة الله وملائكته وخلقه - وصاحباه على قتل علي عليه السلام ومعاوية وعمرو بن العاص دخل إبن ملجم المسجد في بزوغ الفجر الأول فدخل الصلاة تطوعاً وافتتح القراءة فأقبل علي عليه السلام وبيده مخفقة وهو يوقظ الناس للصلاة فمر بابن ملجم لعنه الله ودخل الصلاة فتبعه ابن ملجم لعنه الله فضربه على قرنه ووقع ذبابة السيف في الجدار فأطار فدرة من آجره فابتدره الناس ووقع السيف منه فجعل يقول: أيها الناس احذروا السيف فإنه مسموم فمات روحي وروح العالمين له الفدا من تلك الضربة بعد ليلتين منها فأخذه (ابن ملجم) عبدالله بن جعفر فقطع يديه ورجليه وروى الحافظ أبوبكر البيهقي: خرج علي عليه السلام لصلاة الفجر فأقبل الوز يصحن في وجهه فطردوهن عنه فقال: دعوهن فإنهن نوائح ولما ضرب عليه السلام قال: فزت ورب الكعبة.. وفي الحديث أن النبي (ص) قال لعلي عليه السلام ألا أخبرك بأشد الناس عذاباً يوم القيامة؟ قال: أخبرني يا رسول الله. قال: فإن أشد الناس عذاباً يوم القيامة عاقر ناقة ثمود، وخاضب لحيتك بدم رأسك وصاحباه (الذين كانا مع إبن ملجم).


عمره
في عمره الشريف سلام الله عليه: مضى أمير المؤمنين عليه السلام وهو إبن خمس وستين سنة ونزل الوحي وله إثنا عشر سنة وأقام بمكة مع النبي (ص) ثلاث عشر سنة ثم هاجر فأقام معه بالمدينة عشر سنين وأقام بعده ثلاثين سنة وقبض عليه السلام في ليلة الجمعة إحدى وعشرين من شهر رمضان المبارك سنة أربعين من الهجرة وقبره بالغري بمدينة النجف الأشرف في العراق. دفنه الحسن عليه السلام في الغـري، وأخفى قبره مخافة الخوارج ومعاوية، وهو اليوم ينافس السماء سمو ورفعة، على أعتابه يتكدس الذهب، ويتنافس المسلمون في زيارته من جميع العالم الإسلامي.







إمامته
واختلفت الأمة في إمامته بعد وفاة رسول الله (ص) وقالت شيعته وهم: بنوهاشم كافة وسلمان وعمار وأبوذر والمقداد وخزيمة بن ثابت ذوالشهادتين وأبو أيوب الأنصاري وجابر بن عبد الله وأبوسعيد الخدري في أمثالهم من أجلة المهاجرين والأنصار: أنه كان الخليفة بعد رسول الله (ص) لما إجتمع له من صفات الفضل والكمال والخصائص التي لم تكن في غيره من سبقه إلى الإسلام ومعرفته بالأحكام وحسن بلائه في الجهاد و بلوغه الغاية القصوى في الزهد والورع والصلاح وما كان له حق القربى ثم للنص الوارد في القرآن وهو قوله تعالى: ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكاة وهم راكعون )، والولاية كانت ثابته له عليه السلام بنص القرآن وبقول النبي (ص) يوم الدار وقوله في غديرخم، فكانت إمامته عليه السلام بعد النبي ثلاثين سنة منها أربع وعشرون سنة وأشهر ممنوعاً من التصرف آخذاً بالتقية والمداراة محلاً عن مورد الخلافة قليل الأنصار كما قال :(فطفقت أرتأى بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء ) ومنها خمس سنين وأشهر ممتحناً بجهاد المنافقين من الناكثين والقاسطين والمارقين مضطهداً بفتن الضالين واجداً من العناء ما وجده رسول الله (ص) ثلاث عشرة سنة من نبوته ممنوعاً من أحكامها حائفاً ومحبوساً وهارباً ومطروداً لا يتمكن من جهاد الكافرين ولا يستطيع الدفاع عن المؤمنين.



ألقابه
وفي كناه وألقابه عليه السلام : أبا الحسنين وأبا الريحانتين أبا تراب أميرالمؤمنين ويعسوب الدين ومبيد الشرك والمشركين وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ومولى المؤمنين وشبيه هارون والمرتضى ونفس الرسول وزوج البتول وسيف الله المسلول وأبوالسبطين وأمير البررة وقاتل الفجرة وقسيم الجنة والنار وصاحب اللواء وسيد العرب وخاصف النعل وكشاف الكرب والصديق الأكبر وذوالقرنين والهادي والفاروق الأعظم والداعي والشاهد وباب المدينة وغرة المهاجرين وصفوة الهاشميين والكرار غير الفرار صنو جعفر الطيار رجل الكتيبة والكتاب وراد المعضلات وأبو الأرامل والأيتام وهازم الأحزاب وقاصم الأصلاب قتال الألوف ومذل الأعداء ومعزالأولياء وأخطب الخطباء وقدوة أهل الكساء وإمام الأئمة الأتقياء والشهيد أبوالشهداء وأشهر أهل البطحاء ومثكل أمهات الكفرة ومفلق هامات الفجرة والحيدرة ومميت البدعة ومحيي السنة وسيد العرب وموضع العجب ووارث علم الرسالة والنبوة وليث الغابة والحصن الحصين والخليفة الأمين والعروة الوثقى وابن عم المصطفى وغيث الورى ومصباح الدجى والضرغام والوصي الولي والهاشمي المكي المدني الأبطحي الطالبي والرضي المرضي وهذا قليل من كثير.



أصحابه
أصحابه وممن بايعه بغير ارتياب بالإجماع والإتفاق: من المهاجرين: عمار بن ياسر - الحصين بن حارث بن عبدالمطلب - الطفيل بن الحارث - مسطح بن اثاثة - جهجاه بن سعيد الغفاري - عبدالرحمن بن حنبل الجمحي - عبدالله و محمد إبنا بديل الخزاعي - الحارث بن عوف - البراء بن عازب - زيد بن صوحان - يزيد بن نويرة - هاشم بن عتبه المرقال - بريدة الأسلمي - عمرو بن الحمق الخزاعي - الحارث بن سراقة - أبوأسيد بن ربيعة - مسعود بن أبي عمر - عبدالله بن عقيل - عمرو بن محصن - عدي بن حاتم - عقبة بن عامر - حجر بن عدي الكندي - شداد بن اوس .

ومن الأنصار: أبو أيوب خالد بن زيد - خزيمة بن ثابت - أبو الهيثم بن التيهان - أبوسعيد الخدري - عبادة بن الصامت - سهل وعثمان إبنا حنيف - أبو عياش الزرقي - سعيد وقيس إبنا سعد بن عبادة - زيد بن أرقم - جابر بن عبدالله بن حرام - مسعود بن أسلم - عامر بن أجبل - سهل بن سعيد - النعمان بن عجلان - سعد بن زياد - رفاعة بن سعد - مخلد وخالد إبنا أبي خالد - ضرار بن الصامت - مسعود بن قيس - عمرو بن بلال - عمارة بن أوس - مرة الساعدي - رفاعة بن رافع الزرقي - جبلة بن عمرو الساعدي - عمرو بن حزم - سهل بن سعد الساعدي .

بنو هاشم : الحسن والحسين عليهما السلام - محمد بن الحنفية - عبدالله و محمد وعون أبناء جعفر - عبدالله بن عباس - الفضل وقثم وعبيدالله أبناء عباس بن عبدالمطلب - عتبة بن أبي لهب - عبدالله بن الزبير بن عبد المطلب - عبدالله بن أبي سفيان بن الحارث .

بني هاشم وسائر الشيعة: محمد بن أبي بكر - محمد بن أبي حذيفة - مالك بن الحارث الأشتر - ثابت بن قيس - كميل بن زياد - صعصعة بن صوحان العبدي - عمرو بن زرارة النخعي - عبد الله بن الأرقم - زيد بن الملفق - سليمان بن صرد الخزاعي - قبيصة بن جابر - أويس القرني - هند الجملي - جندب الأزدي - الأشعث بن سوار - حكيم بن جبلة - رشيد الهجري - معقل بن قيس بن حنظلة - سويد بن الحارث - سعد بن مبشر - عبدالله بن وال - مالك بن ضمرة - الحارث الهمداني - حبة بن جوين العرني رحمهم الله جميعاً.

أبوه
أبوه هو أبي طالب عليه السلام واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب واسم عبدالمطلب شيبة الحمد وكنيته أبو الحارث وكان ولد أبي طالب طالباً ولاعقب له وعقيلاً وجعفراً وعلياً كل واحد أسن من الآخر بعشر سنين.



أمه
أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف وكانت من رسول الله (ص) بمنزلة الأم، ربته في حجرها وكانت من السابقات إلى الإيمان وهاجرت معه إلى المدينة المنورة، وكفنها النبي (ص) بقميصه ليدرأ به عنها هوام الأرض، وتوسد في قبرها لتأمن بذلك ضغطة القبر ولقنها الإقرار بولاية إبنها كما اشتهرت الرواية.



زوجاته
أما في ذكر زوجاته(عليهم السلام) فهي فاطمة بنت محمد الرسول الأكرم (ص) سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين ومن المناقب عن عبدالله بن مسعود عنه قال: قال رسول الله (ص) يا فاطمة زوجتك سيداً في الدنيا وأنه في الآخرة لمن الصالحين أنه لما أراد الله عز وجل أن أملكك من علي أمر الله جبرائيل فقام في السماء الرابعة فصف الملائكة صفوفاً ثم خطب عليهم فزوجك من علي (ع) ثم أمر الله شجر الجنان فحملت الحلي والحلل ثم أمرها فنثرت على الملائكة فمن أخذ منها شيئا أكثر مما أخذ غيره افتخر به إلى يوم القيامة، ولم يتزوج عليها حتى توفيت عنده، ثم تزوج بعدها أم البنين بنت حزام بن الوحيد بن كعب بن عامر، وتزوج أيضا ليلى بنت مسعود بن خالد بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وتزوج أيضا أسماء بنت عميس الخثعمية، وتزوج أيضا الصهباء بنت زمعة بن ربيعة بن علقمة بن الحارث بن عتبة بن سعيد، وأيضا تزوج عليه السلام من أمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، - وأمها زينب بنت رسول الله (ص) - وتزوج أيضا خولة بنت جعفر بن قيس بن سلمة بن يربوع، وأيضا تزوج من أم سعيد بنت عروة بن مسعود، وتزوج أيضا محياة بنت امرئ القيس بن عدي وأفضلهن فاطمة البتول بنت محمد (ص).



إخوته: طالب ، عقيل ، جعفر
أخواته: أم هاني ، جمانة



أولاده
أما أولاده عليه السلام، فالحسن والحسين عليهما السلام سيدا شباب أهل الجنة أولاده من فاطمة عليها السلام سيدة نساء العالمين وله أيضا منها محسن مات صغيراً حيث ورد في تاريخ الكامل: ج3 ص397 وروى ابن أبي دارم المحدث أن عمر بن الخطاب رفس فاطمة حتى أسقطت محسناً كما في ترجمة أحمد بن محمد بن السري برقم -255- من كتاب ميزان الإعتدال ج1 ص139 ومثله في كتاب لسان الميزان ج1 ص268 وذكره أيضا ابن قتيبة المتوفي سنة 276 في كتاب المعارف ص92 ط القاهرة تحقيق ثروت عكاشة قال: أن محسناً فسد من ضرب قنفذ العدوي لعنه الله مولى عمر بن الخطاب.

أيضا له منها عليها السلام زينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى، وله عليه السلام أيضا العباس وجعفر وعبدالله وعثمان وهم من زوجته أم البنين أستشهدوا مع إبنه الحسين الشهيد في واقعة الطف بكربلاء. وله أيضا عليه السلام عبدالله وأبا بكر من زوجته ليلى بنت مسعود أستشهدوا أيضا مع الحسين عليه السلام في كربلاء، وله أيضا يحيى ومحمد الأصغر من أسماء بنت عميس ولا عقب لهما، وله أيضا عليه السلام عمر ورقية من الصهباء بنت زمعة، وله أيضا محمد الأوسط من أمامة بنت أبي العاص، وله أيضا محمد بن الحنفية من خولة بنت جعفر، وله أيضا عليه السلام أم الحسن ورملة الكبرى من أم سعيد بنت عروة بن مسعود وله ايضا عليه السلام بنات من أمهات شتى منهن أم هاني وميمونة وزينب الصغرى وأم كلثوم وفاطمة وأمامة وخديجة وأم الكرام وأم سلمة وأم جعفر وجمانة ونفيسة وهؤلاء أمهاتهن أمهات أولاد.


خاتمة المطاف

هذه شذرات من حياة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، ونسبتها إليها كقطرة ماء من البحر المحيط، أو كباقة ورد من رياحين الدنيا، نقدمها بين يديك تشم منها عبق الولاء، وتنتشق من روائحها المودة لأهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام.

ثم هي بعد هذا وذاك: دعوة للإستقامة على مبدأ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، والذود عنه، والسير على خطاه، والدعوة إليه؛

{ قل هذه سبيلي أدعوا الى الله على بصيرة أنا ومن أتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين }


منقول عن احد المواقع المواليه

ibrahim aly awaly
28-01-2005, 11:53 AM
نقدم لكم أجمل التهاني والتبريكات بمناسبة هذا اليوم العظيم ** عيد الله
الاكـــبر** ، الذي فيه أكمل الله سبحانه وتعالى دينه وأتــم نعمته على العباد
بتعيينه الإمام والقائد للإمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ..



ففي مثل هذا اليوم الثامن عشر من ذي الحجة الحرام العام العاشر بعد الهجرة النبوية
،، وبعد أن أتم النبي الاكرم (ص) حجة الوداع وبين للناس حجهم ومناسكهم ،، ووقف
راجعا إلى المدينة ومعه جموع المسلمين وإذا بجبرائيل (ع) ينزل على النبي (ص) ،،
عندما وصل إلى غدير خم وأمره بأن يوقف ركب المسلمين وأن يخطب فيهم وأن ينصب الإمامة
لعلي بن أبي طالب (ع) إماما وخليفة من بعده ،، في ذلك الوقت الحار ووقت الزوال
وكانت الشمس في كبد السماء ،، ويأمر النبي (ص) بأن يعمل له منبرا من أحذاج الإبل ،،
وبعد أن إجتمع المسلمون حوله قام (ص) فيهم خطيبا ،، وألقى خطبته المشهورة المدونة
في كتب التاريخ .... إلى أن قال : أيها الناس ، ألست أولى بكم من أنفسكم ،، قالوا :
بلى يا رسول الله ،، وهنام أخذ بيد علي (ع) ورفعه معه على المنبر قائلا : من كنت
مولاه فهذا علي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره واخذل
من خذله ، وأدر معه الحق حيثما دار .

ثم أمر النبي (ص) بخيمة فنصبت وأجلس فيه الإمام علي بن أبي طالب (ع) ،، وأمر
المسلمين جميعا بأن يدخلوا عليه ويبايعوه ،، فبايعوه جميعا بأمرة المؤمنين
والمسلمين ،، وبخبخ له بعضهم قائلا : بخ بخ لك يا علي ، أصبحت مولاي ومولى كل مسلم
ومسلمة .

وباتمام هذه النعمة العظيمة وبتعيين الإمام من بعد النبي الاكرم (ص) ،، فقد
إكــتمل الدين وارتضى الله جل وتعالى ، الإسلام دينا يتعبد به الناس ولم يكمل الدين
إلا بولاية امير المؤمنين (ع) والأئمة المعصومين من ذرية (ع) ..

وتأكيدا لهذا الحدث العظيم نزلت الآية الكريمة في قوله تعالى : (اليوم أكملت لكم
دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام ديناً) ،، وهكذا يكون رسول الله (ص)
قد أنهى مهمته الرسالية العظيمة بما تم تبليغه في عيد الغدير ..

فالحمد لله على إكمال الدين ،، وإتمام النعمة ،، ورضى الرب ،، بولايتك يا أمير
المؤمنين ويا سيد الوصيين
وكما نحمد الله تعالى على ان جعلنا من الذين استجابو لدعوة رسول الله (ص) ،،
وجعلنا من الذين قبلوا أمر الله تعالى بجعل علي بن أبي طالب (ع) إماما لنا ، وجعلنا
كذلك من المتمسكين بولاية الإئمة المعصومين (ع)



وأنتم أعزائنا الموالين والمواليات مدعوين معنا لنعيش هذا اليوم العظيم ،، بالكلمة
الهادفة والمواضيع المميزة والقصائد والاناشيد الرائعة بما تقدمه أياديكم الكريمة
في هذا العيد الاكبر لنكتسب طبعا ماديا ومعنويا جديدا ،، ولتبتهج الروح مع الجسد
فتكون حقيقة ومشاعر مرهفة بالإحساس نحو السمو والتكامل البشري...


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الغديرعيد الله الاكبر وعيد آل محمّد (عليهم السلام)

ibrahim aly awaly
29-01-2005, 06:25 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على محمد و آل محمد

لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار

السلام عليك يا أمير المؤمنين

السلام على أخو النبي (ص)
السلام على ابن عم النبي (ص)
السلام على وليد الكعبة
السلام على زوج البتول (ع)
السلام على أبو السبطين و سيدا شباب أهل الجنة ، الحسن و الحسين عليهم السلام
السلام على باب مدينة علم الرسول (ص)
السلام على سيف الاسلام الاول
السلام على قائد الغر المحجلين
السلام على قالع باب خيبر
السلام على الايمان كله
السلام على حيدرة
السلام على ابي تراب
السلام على وصي رسول الله
السلام على صاحب ذو الفقار
السلام على الحق
السلام على القرآن الناطق
السلام على شهيد المحراب
السلام على أبو اليتامى
السلام على مولاى كل مؤمن و مؤمنة

السلام على من لا تحصى فضائله

انه لفخر كبير ان يتحدث المرء عن افضل الرجال والابطال على وجه الارض
علي بن ابي طالب عليه السلام
ها هو الامام علي (ع) :

اجتمع للامام علي بن ابي طالب من صفات الكمال ومحمود الشمائل

والخلال وسناء الحسب وباذخ الشرف مع الفطرة النقيه والنفس المرضيه مالم يتهيا لغيره من افذاذالرجال

تحدر من اكرم المناسب وانتمى الى اطيب الاعراق

فابوه ابو طالب عظيم المشيخه من قريش وجده عبد المطلب

امير مكه وسيد البطحاء ثم هو قبل من هامات بني هاشم واعيانهم

وبنو هاشم كانواكما وصفهم الجاحظ: ملح الارض وزينة الدنيا

وحلى العالم والسنام الاضخم والكاهل الاعظم ولباب كل جوهر كريم وسر كل عنصر شريف والطينه البيضاء والمغرس المبارك والنصاب الو ثيق
ومعدن الفهم وينبوع العلم واختص بقرابته القريبه من الرسول عليه السلام فكان ابن عمه وزوج ابنته واحب عترته اليه كما كان كاتب وحيه واقرب الناس الى فصاحته وبلاغته واحفظهم لقوله وجوامع كلمه اسلم على يديه صبيا قبل ان يمس قلبه عقيدة سابقه او يخالط عقله شوب من شرك موروث ولازمه فتيا يافعا في غدوة ورواحه
وسلمه وحربه حتى تخلق باخلاقه واتسم بصفاته وفقه عنه الدين وثقف
مانزل به الروح الامين فكان من افقه اصحابه واقضاهم واحفظهم واوعاهم وادقهم في الفتيا واقربهم الى الصواب وحتى قال فيه عمر:لا بقيت لمعضلة ليس فيها ابو الحسن وكانت حياته كلها مفعمة بالاحداث مليئه بجلائل الامور فعلى عهد الرسول عليه السلام
ناضل المشركين واليهود فكان فارس الحلبه ومسعر الميدان صليب النبع جميع الفؤاد ذلك هو الامام
على بن ابي طالب عليه السلام ..

مع الاعتذار الكبير للتقصير فمن انا لاعرف الامام علي بن ابي طالب
عليه افضل الصلاه و السلام

ibrahim aly awaly
30-01-2005, 07:58 AM
مدخلية اختصاص أميرالمؤمنين الإمام عليّ بالمعرفة القرآنية في الإعداد لخلافته

الدكتور عبد الجبار شراره

هناك علاقة وارتباطاً من نوع خاصٍّ بين عليّ (عليه السلام) والقرآن الكريم، نشأت هذه العلاقة، ونمت، وتطورت حتى انتهت ـ على حد تعبير الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ـ إلى أنَّ: (القرآن مع عليّ، وعليّ مع القرآن، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض...)(1). وكذلك انتهت أيضاً إلى أنّ علياً سيقاتل على تأويل القرآن كما كان قد قاتل على تنزيله(2)، فما هي مدخلية ذلك في عملية الإعداد الفكري والتربوي لخلافة علي؟

نستطيع أن نؤكد أولاً أن الرسول القائد صلوات الله وسلامه عليه نفسه قد قام بتنمية وترسيخ مثل هذه العلاقة، وبأمر من الله تعالى كما كان يحدث دائماً. ويظهر أنَّ هدفاً كبيراً يلزم الوصول إليه عِبرَ تلك الإجراءات والخطوات العلمية والعملية.

ونستطيع أن نبين ذلك الهدف في ضوء الملاحظات الآتية:

أولاً: إنّ منطق الشريعة الخالدة الكاملة يقتضي تأمين الوصول إلى فهم القرآن ومعرفة تفسيره وفقه أحكامه، بصفته المصدر الأساس(3) لهذه الشريعة الخالدة وإن تحكيم القرآن في البلاد والعباد هو ما أمرنا الله تعالى به، إذ جاء فيه: (أَفَحُكْمَ الجَاهِليَّةِ يَبغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)(4). ومقتضاه أن نحتكم إلى القرآن في كل صغيرة وكبيرة. وأن نكفر بحكم الجاهلية الذي هو حكم الأهواء. كما نهانا الله تعالى أيضاً أن نتحاكم إلى الطاغوت، فقال: (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ اُنزِلَ إليكَ وَما اُنزِلَ مِن قَبلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إلَى الطَّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً)(5).

وقد جعل القرآن الكريم هنا اختيار التحاكم إلى غير ما أنزل الله وإلى غير رسول الله (صلى الله عليه وآله) تحاكماً إلى الشيطان(6) الذي يسير بهم إلى الضلال حتماً، ثمّ أكّد القرآن الكريم أن الاحتكام إلى غير ما أنزل الله هو فسق وظلم وكفر؛ قال تعالى (... وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ)(7) وقال تعالى: (... وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(8) وقال تعالى (... وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ فأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ)(9) وقد بُعث نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) لإمحاء صفحة الظلم والفسق والكفر.

إذن فبحسب منطق القرآن، يكونُ عدم الرجوع إلى أحكام القرآن التي أنزلها الله تعالى، يعني الاحتكام إلى الطاغوت(10)، وعليه فإذا كان ذلك أي الرجوع إلى أحكام القرآن. أمراً إلهياً، وارادة ربانية، وإذا كان ذلك يتطلب بالضرورة الوصول إلى حكم الله تعالى الذي أنزله في القرآن الكريم، فلا بدَّ من افتراض من هو مؤهل ومعدٌّ إعداداً أميناً لتحقيق ذلك الأمر الإلهي، وتلك الإرادة الربانية، وليس ذلك بالضرورة إلاّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو من هو منه يؤدي عنه(11)، ويبلغ عنه، ومؤهل مثله، ومعدٌّ لذلك الغرض.

ثانياً: إنّ العلماء قد وقع بينهم الاختلاف الكثير، وقد حصل ذلك منذ وقت مبكر، بالأخص في الأقضية التي تهمُّ الناس، وتتصل بحياتهم، وليس إلاّ بسبب عدم فقههم بالقرآن.

وقد تحدث الإمام عليّ عن هذه المسألة في معرض ذمّهِ لمثل هذا الاختلاف مع وجود القرآن بين أظهرهم، فقال (عليه السلام): (تردُ على أحدهم القضية، في حكم من الأحكام، فيحكم فيها برأيه، ثمّ تردُ تلك القضية بعينها على غيره، فيحكم فيها بخلاف قوله، ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوّب آراءهم جميعاً، والههم واحد! ونبيّهم واحد! وكتابهم واحد! أفأمرهم الله سبحانه بالاختلاف فأطاعوه؟! أم نهاهم عنه فعصوه؟! أم أنزل الله ديناً ناقصاً فاستعان بهم على اتمامه؟! أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى؟! أم أنزل الله ديناً تاماً فقصّر الرسول (صلى الله عليه وآله) عن تبليغه وأدائه، والله سبحانه وتعالى يقول: (... مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ) (12)،(...وَنَزَّلْنَا عَلَيكَ الكِتَابَ تِبيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً...)(13)، وذكر أن الكتابَ يصدق بعضه بعضاً وأنه - أي القرآن - لا اختلاف فيه فقال سبحانه (... وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً)(14). وإنّ القرآن ظاهر أنيق...)(15) إذن بموجب هذا وبمقتضاه لابدّ من افتراض إعدادِ أحدٍ مؤهلٍ لفقه القرآن.

ثالثاً: إن اختصاص عليٍّ بالعلوم القرآنية، وبمعرفة القرآن ظاهره وباطنه محكمه ومتشابهه، خاصه وعامه، وإنَّ قدرته الفذّة على فهم آياته وفقه أحكامه، أمرٌ متسالم عليه عند علماء الصحابة، وقد ساعدت النصوص النبوية، على تأكيده وبيانه ـ كما ذكرنا ـ ويؤيده أيضاً، ما أورده أصحاب التفسير والأثر عن عليٍّ (عليه السلام) ومن طرق اُخرى: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (يا عليٌّ إنَّ الله عزَّ وجل أمرني أن اُدنيك واُعلمك لتعِي، واُنزلت هذه الآية (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ)(16) فأنت أُذن واعية لعلمي...)(17).

وقد جاء عن عليّ (عليه السلام) أيضاً قوله:

(ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق، ولكن اُخبركم عنه... ألاّ وإنَّ فيه علم ما يأتي، والحديث عن الماضي، ودواء دائكم، ونظم أمركم...)(18). وهكذا يصرّحُ الإمامُ عليٌّ ويؤكد بأن هذا القرآن بما انطوى عليه من هذه المطالب الجليلة والمعاني العميقة من شفاء الأدواء الاجتماعية، وانتظام اُمور الحياة بكل جوانبها، كل ذلك لا يكون بمقدور أحدٍ أن يصل إليه، أو يفقههُ إلاّ هو، وإلاّ عن طريقه. وهكذا يتضح لدينا أنه ليس هناك أحدٌ مؤهل لفقه القرآن ومعدّ لتحقيق الأمر الإلهي وتنفيذ الإرادة الربانية بإزالة الظلم والفسق والكفر غير عليّ بن أبي طالب حصراً. كما هو مقتضى النصوص والوقائع. وهو الافتراض المنطقي والمعقول جداً لتفسير الاجراءات العلمية والعملية التي اتخذها الرسول القائد (صلى الله عليه وآله) بإفراد عليٍّ وتخصيصه دون غيره بالعلوم القرآنية والمعارف القرآنية والأحكام القرآنية كما صرحت النصوص المتواترة.

وأخيراً يقتضي الموقف أن نعالج تساؤلاً يثور بالضرورة، أو هو طالما اُثير مراراً وهو:

إذا كانت كل تلك الإجراءات والخطوات العلمية والعملية قد اتُّخذت من أجل تولي عليّ بن أبي طالب الخلافة وقيادة المسيرة بعد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) فلماذا لم يكن هناك عهدٌ مكتوب بصورة جازمة قاطعة ليس فيه عذرٌ لمعتذر ولا تأويل لمتأول؟!(19).

وجوابه:

إنَّ النصوص التي أوردناها، والروايات المتضافرة التي تصرّح ببيان الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ولاية عليّ ووزارته، وخلافته، وإمرته من بعده، في مواقف لا تحصى كثرة، ومناسبات لا تعدُّ مما لم يحظ به أمرٌ ديني أو دنيوي، ومما لم ينل من اهتمامه صلوات الله وسلامه عليه ما ناله مثل هذا الأمر، حتى انتهى إلى الإعلان الرسمي يوم الغدير المشهود، وإلى التصريح به مراراً، كما اشرنا إليه، فضلاً عما اقتضاه منطق الأشياء، ومنطق الشريعة الخالدة الكاملة، إنَّ ذلك كله فيه الكفاية لمن القى السمع وهو شهيد. ومع ذلك كله فقد أراد الرسول القائد (صلى الله عليه وآله) أن يختصر على الأُمة المعاناة، وأن يكرمها بألطاف العناية الربانية فيجنبها العثرات وأسباب الضلال فقال صلوات الله وسلامه عليه وهو على فراش مرضه وفي آخر ساعات حياته الشريفة: (هلموا أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعدي أبداً...)(20) وقد كان عنده جمع من كبار الصحابة، نعم أراد أن يكون ذلك عهداً مكتوباً يشهده جمعهم، إلاّ أن الرزية كلَّ الرزية قد حدثت ـ على حد تعبير ابن عباس ـ عندما حيل بين النبي الأكرم وبين كتابة الكتاب على ما أخرجه البخاري قال: (لما اشتد بالنبي وجعه قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده. قال عمر: إنَّ النبي غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا. فاختلفوا وكثر اللغط. قال ـ أي النبي ـ قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع. فخرج ابن عباس يقول: الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه...)(21).

ولعل من المناسب أن نذكر هنا محاورةً رواها ابن عباس جرت بينه وبين عمر بن الخطاب في أوائل عهده بالخلافة؛ وملخّصها أنَّ عمر قال له: (يا عبد الله عليك دماء البدن إن كتمتها.. هل بقي في نفس عليٍّ شيء من أمر الخلافة؟ قلتُ: نعم، قال: يزعم أنَّ رسول الله نصَّ عليه؟ قلت: نعم، فقال عمر، لقد كان في رسول الله من أمره ذروة من قول، لا يثبت حجة، ولا يقطع عذراً.. ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعتُ من ذلك اشفاقاً وحيطةً على الإسلام.. فعلم رسول الله ما في نفسي فأمسك...)(22) وسواء صحّت أم لا، فإنّ هناك ما يؤيد هذا المسعى من الخليفة عمر في أكثر من مناسبة لاحقاً، وقد صرّح مرةً كما نقل الطبري عنه: (إن قومكم يكرهون أن تجتمع فيكم ـ والخطاب لابن عباس أيضاً ـ النبوة والخلافة...)(23).

والظاهر أن ترك رسول الله (صلى الله عليه وآله) للكتابة والعهد المذكور قد يكون لاعتبارين والله العالم:

الأول: هو وقوع الاختلاف والتنازع واللغط في الدار عند إرادة كتابة الكتاب (العهد) إلى الحدّ الذي وصل إلى اتهامه صلوات الله وسلامه عليه بأنه يهجر، كما في رواية(24) أو غلبه الوجع كما في رواية اُخرى، وهذا اتهام خطير يمسُّ أصل النبوة وصدق الرسالة. ثمّ إنَّ الأمر قد كان بيّنه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه مراراً وكراراً كما وضحنا. فليبق إذن الاختيار، ولتبق القضية للامتحان والابتلاء.

الثاني: إنَّ النبي الأكرم صلوات الله وسلامه عليه قد اتخذ احتياطاً لمثل هذه الحالة الطارئة، إذ قد جهَّز جيش أسامة بن زيد، وأمر بإنفاذه على كل حالٍ، وقد بلغ من حرصه صلوات الله وسلامه عليه على إنفاذه مبلغاً عظيماً، إذ تذكر الروايات أن الرسول الأعظم مع بدء مرضه واشتداده لم يكن يشغله شيء عن محاولة انفاذ جيش أسامة(25)، وننقل من رواية ابن سعد في الطبقات ما يثبت ذلك، فقد قال ـ بعد أن ذكر تجهيز جيش أسامة ـ لما كان يوم الأربعاء بدأ برسول الله المرض فحُمّ.. فلما أصبح يوم الخميس عقَد لأسامة لواءً بيده ثمّ قال: اغزُ باسم الله وفي سبيل الله، فقاتل من كفر بالله.. قال ابن سعد فخرج بلوائه معقوداً فدفعه إلى بريدة بن الحصيب الأسلمي، وعسكرَ بالجرف ـ وهو موضع على ثلاثة أميال من المدينة ـ مع وجوه المهاجرين والأنصار، فيهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة... فتكلم قومٌ وقالوا: أيستعمل علينا هذا الغلام على المهاجرين الأولين؟ فغضب الرسول (صلى الله عليه وآله) غضباً شديداً، فخرج وقد عصبَ على رأسه عصابة، فصعد المنبر، وقال: (أما بعد أيها الناس فما مقالةٌ بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة، ولئن طعنتم في إمارة أسامة لقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وأيم الله إنْ كان للإمارة لخليقاً، وإنَّ ابنه من بعده لخليق للإمارة، إن كان لمن أحب الناس إليّ، وانهما لمحلان لكل خير، فاستوصوا به خيراً فإنه من خياركم...، ثمّ نزل صلوات الله عليه، فدخل بيته، وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول.. وثقل على الرسول المرض، وجعل يقول: انفذوا بعث اسامة...)(26).

ويظهر من كل تلك المواقف والكلمات وتطورات الأحداث أن الرسول الأعظم إنما أراد من جملة ما أراد:

1 - تهيئة الأجواء الفكرية والنفسية من جهة تأمير أسامة على وجوه المهاجرين والأنصار، فيكون قبوله سابقةً لقبول تولي عليّ الإمرة والخلافة، فلا يعترض معترض بكونه أصغر سناً من بعضهم.

2 - أراد ايضاً تهيئة الأجواء السياسية والأمنية وذلك بإبعاد عناصر المعارضة المحتملة(27)، ليتولى عليّ بن أبي طالب مهام الخلافة التي كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتولّى رعايتها والتخطيط

والسهر من أجل بلوغها، كما توضَّح لنا ذلك.

ومع كل ذلك فقد جرت الأمور والأحداث على غير ما أراده رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقد أراد أن يختزل على الأُمة المعاناة، وأراد أن يجنبها ويلات تجربة الخطأ والصواب، أراد أن تتمسك الأُمة بالكتاب الكريم، وبالعترة الطاهرة لتسلم من التيه والضلال.

وهكذا ترك أمر (العهد القاطع الجازم المكتوب) لتظلُّ الأُمة عرضة للامتحان في مثل هذه القضية الخطيرة، وكما جرت السنن الإلهية، فقد قال تعالى: (الم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُترَكُوَاْ أَن يِقُولُوَاْ آمَنَّا وَهُم لاَ يُفتَنُون* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ)(28).

نعم أراد الله تعالى ذلك، كما أراد رسوله الكريم أن يكون إيمان من يؤمن منهم بمن ولاّه عليهم، وجعلهُ خليفةً من بعده إيماناً راسخاً، واعتقادهم بأحقيته اعتقاداً عن تدبر، وتشيّعهم له تشيّعاً مخلصاً، حتى تستمر المسيرة في تنفيذ الإرادة الإلهية تحت قيادته المباركة، ويتحقق إزالة الظلم والفسق والكفر من الوجود.

(وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخلِفَنَّهُمْ فِي الأَرضِ كَمَا استَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ)(29).

والحمد لله ربّ العالمين أولاً وآخراً





الهوامش:

1- راجع: الصواعق المحرقة لابن حجر ص 123 وراجع تاريخ الخلفاء: السيوطي ص 173.

2- ينابيع المودة: القندوزي البلخي الحنفي ج 2 ص 58 ط 1 منشورات الأعلمي / بيروت. وراجع الصواعق المحرقة: لابن حجر ص 127.

3- كون القرآن المصدر الأول والأساس للشريعة الإسلامية محل اجماع الملة الإسلامية. راجع: الاُصول العامة للفقه المقارن: العلامة محمد تقي الحكيم ص 101.

4- سورة المائدة: الآية 50.

5- سورة النساء: الآية 60.

6- الكشاف: الزمخشري ج 1 ص 525.

7- سورة المائدة: الآية 47.

8- سورة المائدة: الآية 45.

9- سورة المائدة: الآية 44.

10- الطاغوت: يطلق على كل رئيس في الضلالة، وعلى كل من عُبد من دون الله، ويطلق على الكافر والشيطان والأصنام، مجمع البحرين: الطريحي ج 1 ص 276، باب الألف أوله ط.

11- راجع قصة تبليغ سورة براءة، مسند الإمام أحمد بن حنبل ج 1 ص 3 طبعة دار صادر، وراجع نصّ الحديث في الصواعق المحرقة لابن حجر ص 122.

12- سورة الأنعام: الآية 38.

13- سورة النحل: الآية 89.

14- سورة النساء: الآية 82.

15- راجع النص في الخطبة 18 نهج البلاغة ضبط الدكتور صبحي الصالح ص 60 و 61، وراجع: الصواعق المحرقة ص 152، نقل عن الإمام زين العابدين في دعاء له قائلاً: (فالى من يفزع خلف هذه الأُمة وقد درست أعلام هذه الملة، ودانت الأُمة بالفرقة والاختلاف يكفر بعضهم بعضاً، والله تعالى يقول: (وَلاَ تكُونُواْ كَالذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُواْ مِنَ بَعدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِنَاتُ) فمن الموثوق به على إبلاغ الحجة وتأويل الحكم إلاّ أبناء أئمة الهدى، ومصابيح الدجى الذين احتج الله بهم على عباده، ولم يدع الخلق سدىً من غير حجة، هل تعرفونهم أو تجدونهم إلاّ من فروع الشجرة المباركة، وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وبرأهم من الآفات وافترض مودتهم في الكتاب...).

16- سورة الحاقة: الآية 12.

17- راجع: ما نزل من القرآن في عليّ: لأبي نعيم تحقيق المحمودي ص 266 وقد ذكر المحقق في الهامش أسانيده. وراجع الدر المنثور: السيوطي ج 6 ص 260 منشورات المرعشي.

18- نهج البلاغة: ص 223 خطبة (158).

19- هذا السؤال أُثير في (المراجعات) بين العلامة شرف الدين، والشيخ سليم البشيري شيخ الجامع الأزهر.

20- راجع الطبقات الكبرى: لابن سعد ج 2 ص 244 طبعة دار بيروت للطباعة 1985.

21- صحيح البخاري ج 1 ص 37، كتاب العلم ـ باب كتابة العلم، وراجع ج 8 ص 161. كتاب الاعتصام. طبعة اوفسيت عن طبعة دار العامرة ـ استانبول ـ دار الفكر بيروت.

22- شرح نهج البلاغة: لابن أبي الحديد ج 3 ص 97. دار الكتب العربية الكبرى مصر.

23- راجع: تاريخ الطبري ج 2 ص 577 طبعة دار الكتب العلمية ـ بيروت.

24- راجع: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير ج 5 ص 246 مادة هجرَ تحقيق الطناحي.

25- الكامل في التاريخ: لابن الأثير ج 2 ص 218 طبعة دار صادر.

26- الطبقات الكبرى ج 2 ص 248 و 250.

27- المراجعات: العلامة عبد الحسين شرف الدين ص 472.

28- سورة العنكبوت: الآية 1 - 3.

29- سورة النور: الآية 55.

ibrahim aly awaly
31-01-2005, 06:26 PM
عمرو بن العاص



معـــــاويــــــة الحـــــال لا تجهل *** وعــــن سبــــل الحـــــق لا تعدل

نسيت احتيــــــالي فــــي جلــــق *** عــــلى أهـلها يوم لبس الحلي ؟

وقد أقبلــــوا زمــــرا يهــرعون *** مهاليع كالبــــقر الجــــفــــل

وقولي لهم : إن فرض الصـلاة *** بغــــير وجــــودك لــــم تــــقبــــل

فــــولوا ولــــم يعـــبأوا بالصلاة *** ورمــــت النــــفار إلـــى القسطل

ولما عــــصيت إمــــام الهــــدى *** وفي جــــيشه كــــل مــــستــفحل

أبا البــــقر البــــكم أهـــل الشأم *** لأهل التــــقى والحــــجى أبتلي؟

فقــــلت : نعــــم، قــم فإني أرى *** قــــتــــال المفــــضل بالأفــــضل

فبي حــــاربوا سيد الأوصــــياء *** بقولي : دم طــــل مـــن نعثل

وكــــدت لهم أن أقـاموا الرماح *** عليها المصاحف فــــي الـقسطل

وعــــلمتهم كشــــف سوأتــــهم *** لرد الغــــضنفــــرة المــــقــــبـــل

فــــقام البغــــاة عــــلى حــــيدر *** وكفوا عن المشعــــل المـصطلي

نسيت محــــاورة الأشـــعــــري *** ونحن عــــلى دومة الجــــنـــدل؟

أليــــن فيطــــمع فــــي جـــانبي *** وسهمي قــــد خـــاض في المقتل

خلعــــت الخــــلافة من حــــيدر *** كخــــلع النعــــال مـــن الأرجـــل

وألبستهــــا فيك بعــــد الأيــاس *** كـــــلبس الخــــواتــــيم بالأنمــــل

ورقيــــتك المنــــبر المشمخـــر *** بلا حــــد سيــــف ولا مــــنصــــل

ولو لــــم تكــــن أنـــت من أهله *** ورب المقــــام ولــــــــم تـــــكمل

وسيرت جيش نفــــاق العــــراق *** كسير الجـــــنـــــوب مع الشمأل

وســــيرت ذكــــرك في الخافقين *** كــــسير الحــــمير مــــع المحمل

وجهلــــك بــي يا بن آكلة الكبود *** لأعــــظـــــم مــــا أبــــتــــلــــــــي

فــــلولا مــــوازرتي لــــم تــــطع *** ولــــولا وجــــودي لــــم تــــقــبل

ولــــولاي كــــنت كمثـــل النساء *** تعــــاف الخــــروج مـــن المنزل

نصــــرناك مــن جهلنا يا بن هند *** عــــلى النــــبأ الأعــــظم الأفضل

وحــــيث رفعــناك فوق الرؤوس *** نــــزلنا إلــــى أسفــــل الأســــفل

وكــــم قــد سمعنا من المصطفى *** وصايــــا مخــــصصة فــي علي؟

وفــــي يــوم " خم " رقى منبرا *** يــــبلغ والــــركب لــــم يــــرحــل

وفي كــــفه كفــــه معــــلــــنـــــا *** يــــنادي بــــأمر العــــزيز العـلي

ألست بكم منكــــم فـــي النفوس *** بــــأولى ؟ فـــــقالوا : بلى فافعل

فأنحله إمــــرة المــــؤمنــــيــــن *** من الله مستخــــلــــف المنحــــل

وقــــال : فــــمن كنــت مولى له *** فهــــذا له الــــيوم نعــــم الــولي

فــــوال مواليــــه يــــا ذا الجلال *** وعــــاد معــــادي أخ المــــرسـل

ولا تنــــقـضوا العهد من عترتي *** فــــقــــاطعهم بــــي لــــم يــوصل

فبخــــبخ شيــــخــــك لمــــا رأى *** عــــرى عــــقــــد حــيدر لم تحلل

فــــقال : ولــــيكم فاحفــــظــــوه *** فــــمدخــــله فــــيكم مــــدخــــلي

وإنــــا ومــــا كان من فعــــلـــنا *** لــــفي النار فـــــي الدرك الأسفل

ومــــا دم عــــثمان منــــج لـــنا *** مــــن الله فــــي الموقف المخجل

وإن عــــليا غــــدا خــــصمــــنا *** ويعــــتــــز بــــالله والمرسـل

يحــــاسبنا عــــن أمــــور جرت *** ونحــــن عــــن الحــــق في معزل

فما عــذرنا يوما كشف الغطا ؟ *** لك الويــــل منــــه غــــدا ثــــم لي

إلا يــــا بن هــــند أبعـت الجنان *** بعــــهــــد عـــهــــدت ولم توف لي

وأخــــسرت أخــــراك كيما تنال *** يــــسير الحطــــام مــــن الأجــــزل

وأصبحـــت بالناس حتى استقام *** لك المــــلك مــــن مــــلك محــــول

وكنت كمقـتنص في الشراك*** تــــذود الظــــماء عــــن المــــنهل

كأنك أنســــيت ليــــل الهــــريــر *** بصفين مــــع هــــولهــــا المهـول

وقد بــــت تــــذرق ذرق النـــعـام *** حــــذارا مــــن البطــــل المقــــبـل

وحــــين أزاح جــــيوش الضـلال *** وافــــاك كــــالأسد المــــبــــســــل

وقــــد ضاق منـــك عليك الخناق *** وصــــار بــــك الرحب كالفلفل

وقــــولك: يا عمرو ؟ أين المفر *** مــــن الفــــارس القسور المسبل؟

عسى حيلــــة منــــك عـــن ثنيه *** فــــإن فــــؤدادي فـــي عــــسعــــل

وشــــاطرتــــني كلما يستــــقــيم *** مــــن الملك دهــــرك لــــم يــــكمل

فقمت عــــلى عجلتي رافــــعــــا *** وأكــــشف عــــن سوأتي أذيــــلــي

فستــــر عــــن وجهه وانـثــــنى *** حــــياء وروعــــك لــــم يــــعــــقــل

وأنــــت لخــــوفك مــــن بـــأسه *** هــــناك مــــلأت مــــن الأفــــكل

ولمـــا ملــــكت حمــــاة الأنــــام *** ونــــالــت عــــصــــاك يــــــــد الأول

منحــــت لغــــيري وزن الجــبال *** ولــــم تعــــطني زنــــة الــــخـــــردل

وأنــــحلت مصرا لعبد الملك *** وأنــــت عــــن الغــــي لــــم تعــــدل

وإن كنت تــــطــــمع فيها فـــــقد *** تخــــلى الــــقطا مــــن يـد الأجــــدل

وإن لم تسامــــح إلــــى ردهــــا *** فــــإنـــي لحــــوبكم مصــــطــــلــــي

بخــــيل جــــياد وشــــم الأنــوف *** وبــالــــمــــرهــــفات وبــــالــــذبــــل

وأكشــــف عــنك حجاب الغرور *** وأيقــــظ نــــائــــمــــة الأثــــكـــــــــل

فرإنك مــــن إمــــرة المــؤمنين *** ودعــــوى الخــــلافة فــــي معـــــزل

ومــــالــــك فــــــــيهــــا ولا ذرة *** ولا لــــجــــــــــــــدودك بــــــــــــالأول

فــــإن كــــان بينكما نــســــبــــة *** فــــأين الحــــسام مــــن المنجــــل ؟

وأيــن الحصا من نجوم السما ؟ *** وأيــــن معــــاوية مــــن عــــلـــي ؟

فــــإن كــــنت فيـــها بلغت المنى *** فــــفي عــــنقي عــــلق الجلجل





أبو الفرج الرازي



تجلى الهدى يوم (الغدير) على الشبه *** وبـــرز إبـــــريز البـــــيان عـن الشبه

وأكـــــمل رب العــــرش للناس دينهم *** كـــــما نـــــزل القرآن فـــــيه فأعــربه

وقـــــام رســـول الله في الجمع رافعا *** بضبـــــع عــلي ذي التعالي من الشبه

وقـــــال: ألا مـــــن كنت مولى لنفسه *** فهـــــذا لـــــه مـولى فيا لك منقبه

ibrahim aly awaly
31-01-2005, 06:29 PM
received by e mail

في رحاب "الغدير" ويوم الولاية لعليّ (ع) الشخصية التي تحركت مع الزمن كله
عظمته (ع ) بعبودية الله

عليّ (ع)، هذا الإنسان العظيم الذي تجلت عظمته بأنه كان عبداً لله في أعمق معاني العبودية وفي أعلاها مرتبة، حيث كان لا يرى شيئاً إلا ويرى الله معه، لأن عقله، كما قلبه، كان مشرقاً بالله، ولأن حياته كانت تفيض بنور الله، في كل كلمة من كلماته وكل عمل من أعماله وفي كل علاقة من علاقاته. وقد نزلت الآية التي تحدد ذلك كله في بداية شباب عليّ (ع) عندما بات ليلة الهجرة على فراش رسول الله (ص): {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله}، فلم يكن لعليّ (ع) شيء في ذات عليّ، بل كان كل عليّ (ع) لله، ولهذا لم ينطلق من عقله إلا الحق، ومن قلبه إلا الحب، ولم ينطلق في حياته إلا العدل، ولذلك، كان عليّ (ع) أولى الناس بالناس.



بالغدير إتمام الرسالة

أما لماذا الغدير؟ إن الله تعالى أنزل على رسوله: {يا أيها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربك}، وكان النبي (ص) قد بلّغ كل ما أُنزل إليه من ربه، ولكن المقصود في ذلك ولاية عليّ (ع)، لأنه كان يجمع كل ما أُنزل إليه من ربه، لأن علياً(ع) كان يملك علم الإسلام كله، وهذا ما عبّر عنه رسول الله (ص): "أنا مدينة العلم وعليّ بابها"، وهل يمكن أن يدخل أحد المدينة إلا من الباب؟



إنسان الحق

كان عليّ (ع) إنسان الحق كله، فلم يقترب الباطل من عقله ومن قلبه ومن حياته في سلمه وحربه، كان يراقب الله حتى في حربه لتكون حربه لله، وقد عبّر عن ذلك في مواقف عديدة، ففي معركة "الأحزاب" عندما صرع "عمرو بن عبد ود" والمسلمون يصرخون: احتز رأسه يا عليّ قبل أن يغدر بك، ولم يستجب لصرخاتهم، بل تأمل قليلاً ثم احتز رأسه، وسُئل عن السبب، فأجاب – كما روي عنه – أني عندما صرعته سبّني (أو بصق في وجهي) فثارت نفسي لهذه الإهانة، فخفت إن أنا قتلته في تلك الحال أن أقتله ثأراً لنفسي، فسكنت حتى استقرت مشاعري فقتلته قربة لله تعالى.



همّه الرسالة

وفي موقف آخر في معركة "صفين"، وقد مضى عدة أيام على مرابطة الجيش فيها، وعليّ لم يأذن له بالقتال، فبدأ العسكر يهمس بعضه لبعض: لقد جاء بنا عليّ لنحارب، فلماذا أبطأ في إذنه للقتال؟ أكان ذلك كراهية للموت أو شكاً في أهل الشام؟ وسمع عليّ همساتهم، وكان في عظمته، الإمام والقائد الذي لا يتعقّد من الكلمات السلبية من بعض أتباعه، أو من التشكيك الذي قد يجول في أذهانهم، بل كان (ع) يسمع بسعة صدر، ويجيب بوعي الرسالة، لأن صاحب الرسالة يختلف عن صاحب الذات، فصاحب الذات يريد الناس لنفسه، وصاحب الرسالة يريد الناس لرسالته، وقد عبّر عن ذلك بقوله(ع): "ليس أمري وأمركم واحداً إنني أريدكم لله وأنتم تريدونني لأنفسكم". كما ردّ على اتهامه بكراهية الموت أو الشك بأهل الشام، عندما وقف خطيباً فيهم وقال: "أما قولكم إن ذلك كان كراهية للموت، فوالله ما أبالي أدخلت إلى الموت أو خرج الموت إليّ، وأما قولكم إن ذلك كان شكاً في أهل الشام فوالله ما دفعت الحرب يوماً إلا وأنا أرجو أن تهتدي بي فئة فتعشو إلى ضوئي وذلك أحبّ إليّ على ضلالها وإن كانت تبوء بآثامها".



أبعاد متنوعة وحركية

لذلك، قصة الإمام عليّ (ع) في مسألة القرآن والنبي (ص) محسومة، ليس هناك أحد متعدد الأبعاد، متنوع الثقافات، متحرك في كل الواقع الإسلامي غير عليّ(ع)، بخلاف كل الصحابة، لأن عليّاً (ع) عُجن بالإسلام كله، حيث احتضنه رسول الله في أول أيام طفولته، فربى عقله وقلبه ومفاهيمه وقيمه، فكان عليّ الصادق الأمين، كما كان رسول الله الصادق الأمين. ولم يكن هناك بيت في الإسلام إلا البيت الذي جمع الثلاثة؛ النبي وخديجة وعليّ، ولم يسبقه للصلاة إلا رسول الله، ثم كان عليّ يسمع الوحي ويحفظه، حتى قال له رسول الله: "إنك ترى ما أرى وتسمع ما أسمع إلا أنك لست بنبي"، وكان مع رسول الله في الليل والنهار، لم تنزل آية – كما يقول عليّ (ع) – في جبل أو في سهل إلا وكان أول من يسمعها ويعرف بمن نزلت، حتى كانت نساء رسول الله يغرن من عليّ لأنه كان يشغل النبي عنهن، ثم بعد أن زوّجه ابنته فاطمة (ع) التي لولا عليّ لما كان لها كفؤ، فكان بيت عليّ وفاطمة أحبّ البيوت إليه.. ولم يتحدث رسول الله عن صحابيّ كما تحدث عن عليّ، لأنه كان يريد أن يهيئ الذهنية الإسلامية لتجد في عليّ الوصي والخليفة بعد رسول الله.



أهليته القيادية والرسالية

وهناك نقطة بيّنتها في كلمات سابقة، وهي أن خلافة النبي تختلف عن خلافة أيّ حاكم، لأن النبي كان يحمل شخصية الرسول وشخصية الحاكم، فخلافة النبي كانت تحتاج إلى الرسالي الذي يعرف الإسلام كله فكراً وتطبيقاً ومنهجاً ويعرف الحكم، وعندما ندرس كل المسلمين – من نجح ومن فشل – لا نجد أن أحداً كان عالماً بالإسلام كما كان علي(ع)، كان عليّ مؤهلاً ليكمل ما بدأه رسول الله من بيان الإسلام ومعرفته وإعطاء النظريات التي يمكن أن تتحرك مع الزمن كله، ولذلك عندما ندرس كل صحابة النبي، فإننا نسأل ما تركه أيّ صحابي من فكر ومنهج وحلول لمشاكل الإنسان كما ترك علي(ع)، حتى أننا عندما نقرأ عليّاً الآن فإننا نلاحظ أنه يحدثنا عن عصرنا ومشاكله وتطلعاته، وكانت مأساة عليّ أن المسلمين لم يتعلّموا منه الكثير، حتى قال بعض المستشرقين: لو كان عليّ موجوداً الآن لوجدت مسجد الكوفة مملوءاً بالقبعات الأوروبية ولن تجد فيه موطئ قدم لعربي واحد!! لذلك كان عليّ(ع) وحده هو الذي يملك علم ذلك كله، وقد كان عليّ كل رسول الله وكل عقله وكل قلبه..



الولاية .. إكمال الدين

لذلك، كانت ولاية عليّ في يوم "الغدير" التي أكمل رسول الله بها كل الكلمات التي كانت تشير إلى الولاية، وقد نزلت الآية بعد الغدير: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً}. ويبقى لنا أن نعيش مع عليّ دائماً، أن لا يكون دورنا كدور الذين عايشوه ولم يأخذوا شيئاً من روحه وفكره، إن بطولة عليّ الفكرية والروحية أعظم من بطولته الجسدية، فعلينا أن نغرف من ذلك الفكر والعلم والروحانية، أن نعيش معه في دعاء كميل وغيره من الأدعية: "فهبني يا إلهي صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك، وهبني صبرت على حر نارك فكيف أصبر عن النظر إلى كرامتك"، كان يحترق حباً لله ولذلك عاش لله، فهل نتعلم منه أن نعيش لله، أن لا نعيش لعصبياتنا وقبلياتنا وحزبياتنا وذاتياتنا، أن لا نتحرك لنقتل في كل يوم ألف عليّ وعليّ ولنغتال معنوياً ألف عليّ وعليّ، عليّ كان شخصاً ولكنه كان نموذجاً..

في عيد الغدير، علينا أن ننفتح على الإسلام كما انفتح عليّ على الإسلام، وعلينا أن نسلم لأمور المسلمين كما أسلم عليّ كل نفسه ما سلمت أمور المسلمين، علينا أن لا ننطلق من ذكرى عليّ لنسيء إلى الوحدة الإسلامية، فقد كان عليّ بطل الوحدة الإسلامية، ولم يتحرك أحد في الوحدة الإسلامية كما تحرك عليّ (ع).. مع عليّ ننطلق ونتحرك ونبلغ الأهداف، لأن علياً كان مع الله ورسوله، فمن سار مع عليّ سار مع الله ورسوله، "مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح – تعالوا إلى سفينة الحق والعدل – من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوى".

ibrahim aly awaly
01-02-2005, 07:37 AM
يا وليّ الله..
يا خليفة رسول الله..
يا سيد الأوصياء..
ويا أبا الأئمة النجباء..
ماذا أقول وكيف أتحدث عنك وأنا لا أستطيع بجميع طاقاتي أن أتفوّه حتى بكلمة تكشف عن عظمة خادمك قنبر…؟!.
وكيف يمكن استخدام الكلمات في تبيين علو مقامك، ورفعة مرتبتك، وعظمة شأنك يا إمام المتقين، وأهل السماء والأرض لفي حيرة وعجز…؟!.
(لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي)
وكيف أحصى مناقبك وفضائلك، وها أنا أقل ذاك الحسّاب والكتـّاب الذين إن جمعنـا ـ على طول الـدهور والعصـور ـ لعدّ بعض ما أعطاك الله سبحانه، لأعيانا العدّ، وما قدرنا على إحصاءها، ولا تمكناّ من عدّ آلافها ولا ملايينها…؟!.
(وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها )
ولكن حسبي هذا التوفيق أن نظرت ـ مع الاعتراف بعجزي الكامل ونقصي الشامل ـ إلى قطرات من بحر فضائلك الزّخار…
حسبي هذه السعادة والشرف، أن جمعت قطرات التي لا تقدّر بثمن، معترفاً بها، ومتيمّناً بذكرها، ومستنيراً بهديها، ولكي ينتفع بها الآخرون، ويدنون في ساحة المعرفة بك وبأولادك الطاهرين (عليهم السلام)، و يزدادون بكم حبّاً فإنكم ـ لا غيركم ـ سبيل السعادة في الدنيا والآخرة…
وكفى بي عزّاً أن أكون لك محبّاً وموالياً وشيعيّاً.
وكفى بي فخراً إن نظرت إليّ نظرة رحيمة،يا عين الله الناظرة، يا علي… (وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم)
دمشق ـ السيدة زينب (عليها السلام)
21 / رمضان المبارك / 1419
خادم قنبرك… مهدي مرتضى محمود

1
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
إنّ الله جلّ جلاله جعل لأخي عليّ بن أبي طالب فضائل لا تحصى كثرة، فمن ذكر فضيلة من فضائله مقّراً بها غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، ومن كتب فضيلة من فضائله لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي لتلك الكتابة رسم، ومن أصغى إلى فضيلة من فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالإستماع، ومن نظر إلى كتاب في فضائل عليّ غفر الله له الذنوب التي إكتسبها بالنظر.
ثم قال: النظر إلى عليّ بن أبي طالب عبادة، وذكره عبادة، ولا يقبل الله إيمان عبد من عباده كلّهم إلاّ بولايته والبراءة من أعدائه(1).

ibrahim aly awaly
01-02-2005, 07:43 AM
قال رسول الله (ص) : يوم غدير خم أفضل أعياد أمتي ، وهو اليوم الذي أمرني الله تعالى ذكره فيه بنصب أخي علي بن أبي طالب علماً لأمتي ، يهتدون به من بعدي ، وهو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين ، وأتمّ على أمتي فيه النعمة ، ورضي لهم الإسلام دينا .... جواهر البحار

ibrahim aly awaly
03-02-2005, 06:51 AM
الإعداد الفكري والتربوي للإمام علي (عليه السلام)

الدكتور عبد الجبار شرارة

نستطيع القول بكل تأكيد أنَّ الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، قد قامَ بعملية الإعداد الرسالي (التربوي والفكري) لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) منذ صدع بالوحي، وكان صلوات الله عليه يضع الخطوات العملية من أجل بلوغ الغاية المتوخاة من ذلك، وهي تولّي عليّ للمهمة القيادية (الاجتماعية والسياسية) بعده مباشرةً. ويظهر لنا من سير الأحداث، وما تناقلته كتبُ السيرة والتواريخ، وما نقله الرواة الثقات، أنَّ ذلك تمَّ عن طريقين:

الأول: تعهد الرسول القائد (صلى الله عليه وآله) نفسه بكفالة عليّ (عليه السلام) منذ صغره، وتولّي تربيته ورعايته، والحرص البالغ على أن لا يفارقه إلاّ لضرورة.

والثاني: إفراد عليّ (عليه السلام) من بين سائر الصحابة بمقامات وعلوم ومواقف ترتبط بوجود الإسلام وبمستقبله.


فأما أولاً: فإنَّ كتب السيرة والرواية قد تكفلت ببيان تفصيلات وافية في هذا الصدد، حتى أن أمر تعهد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) لعلي بكفالته منذ صغره، وتربيته في بيته من أوضح ما تزخر به سيرته الشريفة(1)، ويكفي أن نوردَ ما بيّنه الإمام عليّ (عليه السلام) نفسه في خطبته الشهيرة بالقاصعة إذ يقول: (وقد علمتم موضعي من رسول الله (صلىالله عليه وآله) بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حِجره وأنا وَلدٌ، يضمّني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويُمسُّني جسده، ويُشِمني عَرْفَه. وكان يمضغ الشيء ثمّ يُلقمنيه، وما وجَدَ لي كذبةً في قولٍ، ولا خطلةً في فعلٍ... ولقد كنتُ أتّبعهُ اتّباعَ الفصيل اثرَ اُمِه، يرفع لي في كل يومٍ من أخلاقه عَلَماً، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاورُ في كل سنةٍ بحراء فأراه ولا يراه غيري. ولم يجمع بيتٌ واحد يومئذ في الإسلام غيرَ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخديجةَ وأنا، أرى نور الوحي والرسالة وأشمُّ ريح النبوة...)(2).

إنَّ هذه الصورة التي ينقلها لنا الإمام عليّ (عليه السلام) نفسه عن كيفية وطريقة التعامل التي كان يتبعها النبي معه، تكشف لنا عن حقيقة وأبعاد الهدف الأعظم من ذلك.

إنَّ هذه التربية المخصوصة لعليّ (عليه السلام)، والرعاية الفائقة، والحرص على أن يكون عليٌّ قريباً جداً من أنوار الوحي، وأن يكون متعرضاً لنفحات النبوة، وأن يكون ثالث ثلاثة في بيت الرسول القائد حيث مهبط الوحي، فيتلقى في هذا المكان المشرف الدروس الأولى، والتوجيهات النبوية المباشرة، فينعكس ذلك على تكوينه الفكري والعقيدي (فلا يسجد لصنم قط)(3) ولا يخالط عقله لحظة شرك، وينعكس على سلوكه (فلا كذبة في قول، ولا خطلة في فعل...) إنَّ هذا ليكشف عن إعدادٍ تربوي خاص بلا أدنى شك. ومما يلاحظ في هذا الصدد أن تعهد الرسول القائد (صلى الله عليه وآله) لعليٍّ بالرعاية والعناية الخاصتين لم يقتصر على فترة الطفولة والصبا، ولم يتوقف عند مرحلةٍ معينة لأننا نجدُ أن الرسول القائد كان حريصاً على أن يكون عليٌّ إلى جانبه دائماً لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً، كما ورد عن عليّ (عليه السلام) قال: (كان لي مع النبي (صلى الله عليه وآله) مدخلان، مدخل بالليل، ومدخل بالنهار...)(4) بل نجد الرسول القائد لا يفارق عليّاً ولا يتركه إلاّ لضرورةٍ تتصل بحفظ حياة الرسول نفسه أو بحفظ الدعوة الإسلامية وحمايتها من أخطار محتملة.

ونذكر على كلِّ حالةٍ مثالاً واحداً، لتأكيد المطلب.

أ - المورد الأول الذي يتصل بحفظ حياة الرسول القائد نفسه، وهو عندما تركَ رسولُ الله عليّاً ليبيت في فراشه ليلة هجرته(5) المباركة إلى المدينة، إيهاماً لقريش المترصدين، وإنجاءً لنفسه صلوات الله عليه وآله وسلم من مؤامرتهم لقتله(6). وقد نزل في ذلك قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ...)(7) كما ذكره الفخر الرازي(8).

ب - المورد الآخر الذي يتصل بحفظ الرسالة وحمايتها؛ وهو عندما أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يخرج إلى بعض مغازيه ـ قيل تبوك ـ ترك علياً في المدينة خليفةً(9) عنه، لأنَّ ابن أُبيّ بن سلول رأس المنافقين كان قد تخلف في المدينة، فاقتضى الموقف أن يُترك عليٌّ لمواجهة أي تطور غير محسوب قد يهدد دولة الرسول القائد في المدينة، ذكر الطبري: (أنه لما سارَ رسول الله إلى تبوك تخلّف عنه عبد الله بن أُبيّ فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب، وكان عبد الله بن أُبيّ أخا بني عوف بن الخزرج، وعبد الله بن نَبْتَل أخا بني عمرو بن عوف، ورفاعة بن زيد بن التابوت أخا بني قينقاع، وكانوا ـ أي المذكورون ـ من عظماء المنافقين، وكانوا ممن يكيد الإسلامَ وأهله.

قال الطبري: وفيهم ـ فيما حَدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن اسحاق، عن عمرو بن عبيد عن الحسن البصري ـ أنزل الله تعالى: (لَقَدِ ابتَغَوُاْ الفِتْنَةَ مِن قَبلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ...)(10)... وهنا أدرك المنافقون أنَّ بقاء عليٍّ في المدينة سيفوّت الفرصة عليهم، قال الطبري في تتمة الخبر: (فأرحف المنافقون بعلي بن أبي طالب، وقالوا: ما خلّفه إلاّ استثقالاً له وتخففاً منه. فلما قال ذلك المنافقون، أخذ عليٌّ سلاحه ثمّ خرج حتى أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو بالجُرف ـ موضع على مسافة من المدينة ـ فقال: يا نبي الله؛ زعم المنافقون أنّك إنما خلفتني؛ أنّك استثقلتني وتخففت مني!! فقال: كذبوا، ولكني إنما خلفتك لما ورائي... أفلا ترضى أن تكون مني ـ يا عليّ ـ بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبيَّ بعدي!!، فرجع عليٌّ إلى المدينة ومضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) على سفره)(11).

وقد نقل البخاري(12) ومسلم(13) حديث المنزلة هذا، وفي الرواية عن سعد بن أبي وقاص: قال: خلّف رسولُ الله عليّاً ـ في بعض مغازيه ـ في المدينة، فقال عليٌّ: يا رسول الله قد خلفتني مع النساء والصبيان؛ فسمعت رسول الله يقول: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبوةَ بعدي...)(14) ومن الأمور الملفتة للنظر أن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) كان يعبّرُ عن تلهفه وهواجسه عندما يغيب عنه عليٌّ (عليه السلام)، ويتطلع الى رؤيته والاطمئنان عليه، فعن أمّ عطية على ما أخرجه ابن كثير(15) وحسّنه، قالت: بعثَ النبيُّ (صلى الله عليه وآله) جيشاً، وفيهم عليٌّ. قالت: فسمعتُ النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: (اللهمَّ لا تمتني حتى تريني عليّاً)(16).

ويصلُ الأمر أحياناً إلى أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) عندما يُخصُّ بأكلةٍ لا يطيق أن يأكلها لوحده، ثمّ هو لا يكتفي بان يدعو الله إلى أن يشاركه عليٌّ بتلك الأكلة، بل يجعلها مناسبةً لبيان مقام علي (عليه السلام) ومنزلته، فعن أنس بن مالك قال: (كان عند النبي طيرٌ ـ وفي بعض الروايات طائر مشوي ـ(17) فقال (صلى الله عليه وآله): (اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير، فجاء عليٌّ فأكل معه...)(18). ومن الملفت للنظر أن بعض الروايات تنقل أن محاولة جرت لصرف عليّ عند مجيئه الى بيت الرسول (صلى الله عليه وآله) بعد دعوته تلك، ولكنها فشلت بتدخل الرسول نفسه على ما نقله ابن كثير(19).

ويستفاد من هذه الرواية ـ كما هو ظاهر ـ أن النبي (صلى الله عليه وآله) أراد أن يُرسّخ ويؤكد أنَّ علياً هو أحب الخلق إلى الله تعالى أيضاً(20).

كل ذلك يدلُّ بما لا يدعُ مجالاً للشك على أنَّ التربية التي خصَّ بها نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) علياً، كانت تهدف الى إعداده وتهيئته لمسؤولية قيادة الدعوة، وليس لمجرد أن يكون أحد أركانها وكوادرها الأساسية. إذ وجدنا الرسول القائد يتعهد جمعاً من صحابته بالتربية والتثقيف والرعاية، ولكن ليس بمثل المستوى والطريقة والأسلوب والعناية التي اتبعت مع عليٍّ، مما يكشف أن المسؤولية المنوطة بعليّ هي أكبر بكثير من مسؤولية الآخرين.

أما الأسلوب الثاني: وهو افرادُ عليٍّ، واختصاصه بالعلوم، وخاصةً القرآنية، وبالمواقف الحاسمة في تاريخ الرسول والرسالة، وتثقيفه تثقيفاً مركّزاً بأحكام الشريعة؛ فإنّ هناك شواهد كثيرة، وادلةٌ وفيرةٌ عليه، ومن يراجع كتب الحديث والسيرة والتواريخ(21) يظفر بالكثير جداً.

ونذكر أمثلةً وشواهد عليه تنثبيتاً للمطلب:

لقد تولّى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنفسه، وبأمرٍ إلهي مهمة الإعداد الفكري والعلمي لعليٍّ، وتزويده دون سواه بالمعرفة القرآنية الشاملة، وباُصول العلوم وينابيعها، وبالحكمة وآدابها، وبتفهيم أحكام الشريعة حلالها وحرامها.

جاء عن عليٍّ (عليه السلام) قوله: (علمني رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) ألف باب من العلم، يفتح لي من كل باب ألف باب ...)(22). وكان عليٌّ (عليه السلام) تارةً يبادر هو بالحصول على المعارف والعلوم والأحكام من الرسول الأعظم، وتارةً يبادر الرسول (صلى الله عليه وآله) نفسه بذلك؛ قال عليٌّ (عليه السلام): (كنت إذا سألتُ النبي (صلى الله عليه وآله) أعطاني، وإذا سكتُّ ابتدأني..)(23). ثمّ قال مرةً: (إنَّ الله وهبَ لي لساناً سؤولاً، وقلباً عقولاً...)(24) وفي حديث طويل تحدث الإمام عليّ (عليه السلام) في هذا الصدد قائلاً: (ما نَزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) آيةٌ إلاّ أقرأنيها وأملاها عليَّ فكتبتها بخطي، وعلمني تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وخاصّها وعامّها، ودعا الله لي أن يعطيني فهمها وحفظها فما نسيتُ آية من كتاب الله تعالى، وعلماً أملاه عليَّ وكتبته منذ دعا الله لي بما دعا، وما ترك رسول الله علماً علّمه الله من حلال ولا حرام، ولا أمرٍ ولا نهي كان أو يكون.. إلاّ علمنيه وحفظته، ولم أنسَ حرفاً واحداً منه...)(25).

وقد أورد السيوطي أن مُعَمر روى عن وهب عن أبي الطفيل قال: شهدتُ عليّاً يخطب وهو يقول: سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء إلاّ أحدثكم به، وسلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلاّ وأنا أعلمُ أبليلٍ نزلت أم في نهار أم في سهل أم في جبلٍ...)(26).

قال السيوطي: (إنَّ أحداً من الصحابة لم يجرؤ على أن يقول سلوني غير عليّ...)(27).

وكل ما تحدث به عليٌّ، ونقله لنا التاريخ نقلاً أميناً، شهد به أجلاء الصحابة وأقرَّ به علماؤهم وكبارهم؛ فقد أخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود أنه قال: (إنَّ القرآن أُنزل على سبعة أحرف، ما منها حرفٌ إلاّ وله ظهرٌ وبطن، وإنَّ عليّ بن أبي طالب عنده من الظاهر والباطن...)(28). وجاء عن ابن عباس أنه قال: (والله لقد أُعطي عليُّ بن أبي طالب تسعة أعشار العلم)(29)، وورد عنه أيضاً قوله: (كنا نتحدث أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) عهد إلى عليٍّ سبعين عهداً، لم يعهد إلى غيره)(30). وعملياً كان عليٌّ مرجع الصحابة في كل ما يعترضهم من المسائل العلمية والمشاكل الإدارية، والمعضلات القضائية. فلقد ثبتَ عن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب أنه قال: (لولا عليٌّ لهلك عمر)(31)، وأنه كان يقول: (أعوذ بالله من معضلةٍ، ولا أبو حسن لها...)(32)، وثبتَ عنه أنه قال: (أقضانا عليّ...)(33). والقضاء يعني العِلم بكل أحكام الشرع.


الهوامش:

1- السيرة النبوية: ابن هشام، ج 1 ص 246، تحقيق مصطفى السقا وآخرون.

2- نهج البلاغة: ضبط الدكتور صبحي الصالح خطبة 192 ص 300 و301.

3- مناقب أمير المؤمنين، ج 2 ص 540 حديث رقم 1045 عن ابي سعيد الخدري، وراجع الروض الآنف السهيلي ج 3 ص 16 أول من صلى عليّ، الهامش (1) قال: وإليه ذهب سلمان وخباب وجابر وأبو سعيد كذا في الطبراني.

4- السنن الكبرى: الخصائص، النسائي ج 5 ص 141 ح 8502.

5- سيرة ابن هشام: ج 2 ص 95. مطبعة الحجازي القاهرة 1937.

6- المصدر السابق.

7- سورة البقرة: الآية 207.

8- التفسير الكبير: ج 5 ص 204 ـ نشر دار الكتب العلمية ـ طهران ط 3.

9- صحيح الترمذي: ج 5 ص 596 ـ مطبعة دار الفكر ـ تحقيق كمال الحوت.

10- سورة التوبة: الآية 48.

11- تاريخ الطبري ج 2 ص 182 و 183؛ البداية والنهاية ابن كثير ج 7 ص 340 وما بعدها.

12- راجع التاج الجامع للأصول، الشيخ ناصف ج 3 ص 332 قال: رواه الشيخان والترمذي.

13- صحيح مسلم ج 4 ص 1873.

14- صحيح الترمذي: 5 ص 596.

15- البداية والنهاية: ابن كثير ج 7 ص 357.

16- التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول الشيخ منصور عليّ ناصف ج 3 ص 334 دار احياء الكتب العربية ـ طبعة باموق استانبول ط 3، 1961.

17- البداية والنهاية: ج 7 ص 351.

18- التاج الجامع للأصول: السابق ج 3 ص 336.

19- البداية والنهاية: ص 351 و 352.

20- غاية المأمول شرح التاج الجامع للأصول: ج 3 ص 336، الهامش(6). قال عن الحديث (وفيه أنَّ علياً رضي الله عنه أحب الخلق إلى الله تعالى).

21- راجع مختصر تاريخ ابن عساكر: لابن منظور ج 17 ص 356 وما بعدها، ج 18 إلى ص 51.

22- الارشاد: الشيخ المفيد، رواية عن عبد الله بن مسعود ص 22.

23- التاج الجامع للأصول: ج 3 ص 335، تاريخ الخلفاء السيوطي ص 170، الصواعق المحرقة ابن حجر ص 126 و 127.

24- الاتقان: السيوطي ج 4 ص 234.

25- نهج البلاغة: خطبة 210 ص 325. ضبط الدكتور صبحي الصالح 110، راجع أيضاً بحار الأنوار، المجلسي ج 92 ص 99 طبعة طهران.

26- الاتقان ج 4 ص 233 وراجع طبقات ابن سعد ج 2 ص 338، الصواعق المحرقة ابن حجر ص 127.

27- تاريخ الخلفاء ص 166.

28- نقله في الاتقان، السيوطي ج 4 ص 233.

29- ينابيع المودة: القندوزي، ج 1 ص 68 و 69.

30- حلية الأولياء: ج 1 ص 68 ـ دار الكتب العربية، بيروت ط 5.

31- البداية والنهاية: ابن كثير ج 7 ص 359، وراجع تاريخ الخلفاء: السيوطي، ص 171.

32- المصدر السابق: ج 7 ص 373، الصواعق المحرقة: لابن حجر ص 127.

33- الطبقات الكبرى: ابن سعد، ج 3 ص 339 ط 2 دار الكتب العلمية، بيروت / 1408 هجري.

ibrahim aly awaly
05-02-2005, 09:46 AM
اليوم الرّابع والعِشرون :

هُو يوم المباهلة على الاشهر، باهل فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نصارى نجران وقد اكتسى بعبائه، وأدخل معه تحت الكساء عليّاً وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وقال:
" اللهمّ انّه قد كان لكلّ نبيّ من الانبياء أهل بيت هم أخصّ الخلق اليه، اللهمّ وهؤلاءِ أهل بيتي فأذهب عنهم الرِّجس وَطهّرهم تطهيراً " فهبط جبرئيل بآية التّطهير في شأنهم (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) ، ثمّ خرج النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بهم عليهم السلام للمباهلة، فلمّا بصر بهم النّصارى ورأوا منهم الصّدق وشاهدوا امارات العذاب، لم يجرؤا على المباهلة، فطلبوا المصالحة وقبلوا الجزية عليهم، وفي هذا اليوم أيضاً تصدّق أمير المؤمنين عليه السلام بخاتمه على الفقير وهو راكع، فنزل فيه الاية (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ )

ibrahim aly awaly
07-02-2005, 01:05 PM
نعم، لم تعرف لإنسانية في تاريخها الطويل رجلاً - بعد الرسول الأعظم (ص) أفضل من علي بن ابي طالب ولم يسجّل لإحد من الخلق بعد الرسول صلى الله عليه وآله من الفضائل والمناقب والسوابق، ما سجّل لعلي بن ابي طالب، وكيف تحصى مناقب رجل كانت ضربته لعمرو بن عبدود العامري يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين، وكيف تعد فضائل رجل اسرّ اولياؤه مناقبه خوفا، وكتمها أعداؤه حقداً، ومع ذلك شاع منها ما ملأ الخافقين، وهو الذي لو اجتمع الناس على حبه - كما يقول الرسول صلى الله عليه وآله - لما خلق الله النار.

ibrahim aly awaly
08-02-2005, 05:10 PM
محمد بن الحنفية ابن الإمام علي عليهما السلام

التسمية: هو أبو القاسم وأبو عبد الله، محمد بن الإمام علي بن أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب، شيبه بن هاشم، عمرو بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، القرشي الهاشمي، المدني، أخو الحسن والحسين. وأمه من سبي اليمامة زمن أبي بكر، وهي خولة بنت جعفر الحنفية.

ولادته: ولد محمد بن الحنفية في سنة 20 للهجرة النبوية وقد أرخ سنة ولادته فيمن أرخها ابن خلكان في كتابه (وفيات الأعيان) بقوله لسنتين بقيتا من خلافة عمر وتوفي في أول محرم سنة 72 للهجرة. في المدينة المنورة وقيل انه خرج إلى الطائف مبتعداً عن ابن الزبير فتوفي هناك.

وقيل بل إلى ايلة أو رضوى ولم يعد بعدها ولذلك قال فيه أحد الكيسانية الذين ادعوا فيه الإمامة بعد الحسين (عليه السلام) كما ادعى فيه بعضهم انه المهدي (عليه السلام) قال:

الأقل للوصي فدتك نفسي اطلت بذلك الجبل المقاما

وعانوا فيك أهل الأرض طراً مغيبك عنهم سبعين عاما

فما ذاق ابن خولة طعم موت و وارت له أرض عظاما

لقد أمسى بمردف شعب رضوى تراجعه الملائكة الكلاما

وقال آخر منهم في هذا الصدد:

إلا إن الأئمة من قريش ولاة الحق أربعة ســواء

عليٌّ والثلاثة من بنيه هم الاسباط ليس بهم خفاء

فســــبط سبط إيمان وبر وســبط غـيـبـتـه كربلاء

وسبط لا تراه العين حتى يقود الخيل يتبعها اللواء(1)

إلى آخر ما جاء في ذلك وهو ما يدل على عظم شأنه بحيث إن طائفة كبيرة من الناس ادعت فيه الإمامة يضاف إلى ذلك ترشيح أخيه عبيد الله له بالإمامة مع وجود الحسنين (عليهما السلام) كما سيأتي ذكر ذلك في الكلام عن عبيد الله المذكور.. إضافة إلى كون محمد من الأئمة الثانويين كما في الحديث عن العباس (عليه السلام) وغير ذلك مما يطول الكلام بذكره.

وكانت تلك الطائفة أعني الكيسانية القائلة بإمامته قد بلغ من أمرها تقويض الدولة الأموية وإقامة الدولة العباسية فمسودة أبي مسلم الخراساني كلها كيسانية لأن أبا هاشم بن محمد بن الحنفية لما حضرته الوفاة بالشام اجتمع بمحمد بن علي بن عبد الله بن العباس وسلم إليه كتب الدعاة وأطلعه على ما يفعل ثم مات عنده بالحميمة من أرض الشراة بالبلقاء - كما ذكر ذلك ابن الجوزي في كتابه التذكرة (2).

ومما يدل على عظم شأن محمد بن الحنفية ما ذكره البحاثة المظفري في كتابه بطل العلقمي من انه سبق للرسول (صلى الله عليه وآله) أن قال لعلي (عليه السلام) سيولد لك ولد سمه باسمي وكنه بكنيتي فلما ولد لعلي ولده هذا من خولة الحنفية سماه باسم النبي (صلى الله عليه وآله) وكناه بكنيته.

وكان اتصال خولة هذه بالإمام علي (عليه السلام) أن الإمام اشتراها من سبي حنيفة أو انه قومها على نفسه من السبي المذكور فقد جاء فيما جاء في هذا الصدد في كتاب الفضائل لشاذان بن جبرئيل القمي أن علياً دخل مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفيه سبي بني حنيفة بين يدي أبي بكر وخولة تتمنع من أن يملكها أي شخص ممن حضر فقال علي (عليه السلام) لا يملكها إلا من يخبرها بخبرها وأمها في سنة ولادتها، فلما سمعت خولة هذا الكلام قالت من هذا المتكلم قال (عليه السلام): أنا علي بن أبي طالب فقالت بك دهينا ومن أجلك سبينا، ثم أخبر الإمام (عليه السلام) بأن خولة ولدت في سنة قحط فتشائمت منها أمها وسمعتها امرأة كتابية فقالت لها لا تتشاءمي منها فإنها مباركة وستكون نصيب رجل عظيم يتزوجها فتلد له غلاماً يكون له شأن عظيم... فقالت خولة أي والله لقد صدقت فيما قالت.

وكانت نصيب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فتزوجها فأنجبت له محمد المذكور. قال ابن خلكان في (وفيات الأعيان) كان محمد هذا كثير العلم والورع وكان شديد القوة وله في ذلك أخبار عجيبة وذكر قضية الدرع والرومي وغير ذلك.

وقال الابشيهي في المستطرف (محمد بن علي أبوه علي بن أبي طالب كان أبوه يلقيه في الوقائع ويتقي به العظائم وهو شديد البأس ثابت الجنان قيل له يوما ما بال أبيك (عليه السلام) يقحمك في الحروب دون الحسن والحسين (عليه السلام) فقال لأنهما كانا عينيه. وكنت أنا يده فكان يتقي عينيه بيده).

الهوامش

1- ج 2، شجرة طوبى كما عن مصادر مختلفة.

2- لاحظ: ص 169.

ibrahim aly awaly
09-02-2005, 06:57 AM
اما فضائله (عليه السلام) : فهي كما قال ابن ابي الحديد قد بلغت من العظم والجلال والانتشار والاشتهار، مبلغاً يسمج معه التعرض لذكرها، والتصدي لتفصيلها، فصارت كما قال ابو العيناء لعبيد اللّه بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل والمعتمد، وانني فيما اتعاطى من وصف فضلك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر والقمر الزاهر الذي لا يخفى على الناظر. فايقنت اني حيث انتهى بي القول منسوب الى العجز، مقصر عن الغاية. فانصرفت عن النثاء عليك الى الدعاء لك، وكانت الاخبار عنك الى علم الناس بك، وما أقول في رجل اقر له اعداؤه وخصومه بالفضل، ولم يمكنهم جحد مناقبه ولا كتمان فضائله، فقد علمت انه استولى بنو امية على سلطان الإِسلام في شرق الأرض وغربها، واجتهدوا بكل حيلة في اطفاء نوره والتحريف عليه ووضع المعائب والمثالب له، ولعنوه على جميع المنابر، وتوعدوا مادحيه بل حبسوهم وقتلوهم، ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة، او يرفع له ذكراً حتى حظروا ان يسمى احد باسمه، فما زاده ذلك الا رفعة وسمّواً، وكان كالمسك كلما ستر انتشر عرفه، وكلما كتم تضوع نشره، وكالشمس لا تستر بالراح، وكضوء النهار ان حجبت عنه عيناً واحدة ادركته عيون كثيرة، وما اقول في رجل تُعْزى اليه كل فضيلة، وتنتهي اليه كل فرقة، وتتجاذبه كل طائفة، فهو رئيس الفضائل وينبوعها، وابو عذرها وسابق مضمارها، ومجلّي حلبتها، كل من بزغ فيها بعده، فمنه اخذ، وله اقتفى، وعلى مثاله احتذى، الى آخر ما قال في ذلك.

وقال صاحب مدينة المعاجز: واما ما جاء في فضل عليّ امير المؤمنين (عليه السلام)، فاحاديثه لا تحصى، وآثاره لا تستقصى، فمن طريق المخالفين ما ذكر صاحب ثاقب المناقب، عن محمد بن عمر الواقدي قال: كان هارون الرشيد يقعد للعلماء في يوم عرَّفه، فقعد ذات يوم وحضره الشافعي وكان هاشمياً يقعد الى جنبه وحضر محمد بن الحسين وابو يوسف فقعدا بين يديه، وغص المجلس بأهله، فيهم سبعون رجلاً من اهل العلم، كل منهم يصلح ان يكون امام صقع من الاصقاع

قال الواقدي: فدخلت في آخر الناس، فقال الرشيد لم تأخرت، فقلت: ما كان لاضاعة حق، ولكني شغلت بشغل عاقني، قال: فقربني حتى اجلسني بين يديه، وقد خاض الناس في كل فن من العلم، فقال الرشيد للشافعي: يا ابن عمّي كم تروي في فضائل علي بن ابي طالب، فقال: اربعمئة حديث واكثر فقال له: قل ولا تخف، قال: تبلغ خمسمئة وتزيد ثم قال لمحمد بن الحسن: كم تروي يا كوفي من فضائله، قال: الف حديث او اكثر فاقبل على ابي يوسف، فقال: كم تروي انت يا كوفي من فضائله اخبرني ولا تخشَ، قال: يا امير المؤمنين لولا الخوف لكانت روايتنا في فضائله اكثر من ان تحصى، قال: مم تخاف؟ قال: منك ومن عمالك واصحابك، قال: انت آمن، فتكلم واخبرني كم فضيلة تروى فيه، قال: خمسة عشر الف خبر مسند وخمسة عشر الف حديث مرسل، قال الواقدي فاقبل عليَّ، فقال: ما تعرف في ذلك؟ فقلت مثل مقالة ابي يوسف. قال الرشيد: لكني اعرف له فضيلة رأيتها بعيني وسمعتها باذني، اجلّ من كل فضيلة تروونها انتم الى آخر ما ذكره من الفضيلة.

وروى الصدوق عن الطبري عن الحسن بن محمد عن الحسن بن يحيى الدهان قال: كنت ببغداد عند قاضي بغداد، واسمه سماعة، اذ دخل عليه رجل من كبار اهل بغداد، فقال له: اصلح اللّه القاضي، اني حججت في السنين الماضية فمررت بالكوفة فدخلت في مرجعي الى مسجدها، فبينا انا واقف في المسجد اريد الصلاة اذا امامي امرأة اعرابية بدوية مرخية الذوائب، عليها شملة وهي تنادي وتقول: يا مشهوراً في السماوات، يا مشهوراً في الأرضيين، يا مشهوراً في الآخرة، يا مشهوراً في الدنيا، جهدت الجبابرة والملوك على اطفاء نورك، واخماد ذكرك، فابى اللّه لذكرك الا علواً ولنورك الا ضياءً وتماماً ولو كره المشركون، قال: فقلت: يا امة اللّه ومن هذا الذي تصفينه بهذه الصفة قالت: ذاك امير المومنين، قال فقلت لها: أي امير المؤمنين هو، قالت عليّ بن أبي طالب الذي لا يجوز التوحيد الا به وبولايته. قال فالتفت اليها فلم أر أحداً.



وحكى عن الشافعي، انه قيل له ما تقول في عليّ (عليه السلام) قال: ما تقول في حقّ من أخفى اولياؤه فضائله خوفاً، وأخفى أعداؤه فضائله حسداً، وشاع من بين ذين ما ملأ الخافقين.

ولقد اجاد مادح اهل البيت الشيخ الازري (قدس سره) في قوله:

لا فتى في الجود الا علي*** ذاك شخص بمثله اللّه باها

لا ترم وصفه ففيه معانٍ*** لم يصفها الا الذي سوّاها

ما حوى الخافقان انس وجن*** قَصَبَات السبق الّتي قد حواها

انما المصطفى مَدينةُ علم*** وهو البابُ من اتاه أتاها

وهما مقلتا العوالم يسرا*** ها عليّ واحمد يمناها

هل أتى هل أتى بمدح سواه*** لا ومولى بذكره حلاها

فتأمل بعمَّ(1) تُنْبئك عنه*** نبأً كل فرقة أعياها

وبمعنى أحبّ(2) خلقك فانظر*** تجد الشمس قد أزاحت دجاها

وتفكر بانت منِّي(3) تجدها*** حكمة تورث الرقود(4) انتباها

او ما كان بعد موسى اخوه*** خير اصحابه واعظم جاهَا

ليس(5) تخلو إلا النبوة منه*** ولهذا خير الورى استثناها

وهي في آية(6) التباهل نفس*** المصطفى ليس غيره اياها

ثم سل انما وليكم اللّه*** ترى الاعتبار في معناها

آية خصّت الولاية للّه*** وللطهر حيدراً بعد طه

_________________________________

(1) أي بسورة عم وهي سوة النبأ.

(2) اشارة الى حديث الطير المشوي حيث قال (صلى اللّه عليه وآله وسلم) اللهم ائتني باحب خلقك اليك يأكل معي.

(3) اشارة الى حديث المنزلة حيث قال (صلى اللّه عليه وآله وسلم) انت مني بمنزلة هارون من موسى.

(4) الرقود جمع راقد.

(5) يعني انه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) استثنى من تنزيله في ذاك الحديث النبوة والاستثناء دليل تعميم المماثلة.

(6) اية المباهلة هي قوله تعالى قل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم الخ.



لك في مرتقى العلى والمعالي*** درجات لا يرتقى أدناها

يا اخا المصطفى لدي ذنوب*** هي عين القذى(1) وانت جلاها

كيف تخشى العصاة بلوى المعاصي*** وبك اللّه منقذ مبتلاها

وقال سبط بن الجوزي في التذكرة سمعت جدي ينشد في مجالس وعظه ببغداد (سنة 592هجري) بيتين ذكرهما في كتاب تبصرة المبتدي وهما:

اهوى علياً وإيماني محبتُه*** كم مشرك دمُه من سيفه وكفا

ان كنت ويحك لم تسمع فضائله*** فاسمع مناقبه من هل أتى وكفى

(وقال غيره)

بآل محمد عُرِفَ الصَّوابُ*** وفي ابياتهم نزلَ الكتابُ

وهم حججُ الإِله على البرايا*** بهم وبجدّهم لا يسترابُ

ولا سيما ابو حسن عليّ*** له في الحرب مرتبة تهابُ

طعامُ سيوفه مهجُ(2) الاعادي*** وفيضُ دمِ الرقاب لهُ شرابُ

وضرْبَتُهُ كبيعتِهِ بخمّ*** معاقدهُا من القومِ الرِّقابُ

عليُّ الدرّ والذهب المصفَّى*** وباقي الناس كلهمُ ترابُ

هو البكّاء في المحراب ليلاً*** هو الضحاك اذا اشتد الضّراب

هو النبأ العظيم وفلك(3) نوح*** وباب اللّه وانقطع الخطاب

____________________________

(1) القذى ما سقط على العين.

(2) جمع مهجة وهي الدم.

(3) اشارة الى الحديث الوارد عن النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) حيث قال فيه مثل اهل بيتي كمثل سفينة نوح.

ibrahim aly awaly
11-02-2005, 05:59 PM
الاستراتيجية العسكرية في معارك الإمام علي (ع)

شهاب الدين الحسيني

في التاريخ، وعندما تتطلع إلى تلك المعارك التي خاضها المسلمون تجد أن هناك وإلى جانب العزيمة والاستبسال والإقدام جوانب رائعة من التخطيط والتنفيذ بحيث أصبحت هناك قواعد ربما نجد بعضها واضحة في العلوم العسكرية المعاصرة رغم أن تلك المعارك قد سبقت عصرنا بقرون.

والآن الموضوع الذي نحن بصدده يكتسب طابعاً فنياً بحتاً، فقد تتبعنا فيه مقاطع من توجيهات وممارسات ميدانية لقائد فذ كان لها دور كبير في تثبيت أركان الإسلام. ذلك هو بطل الإسلام وابن عم الرسول (صلّى الله عليه وآله) الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي تميز وبالإضافة إلى شجاعته الفريدة بقدرة عالية على إدارة المعارك وتوجيه صفحاتها وفق أساليب علمية فنية بحتة.

وفي الجانب العسكري إذ ترتبط عدة عوامل وتتشابك لتقرير نتيجة الحرب، فإن العلم العسكري يفرض أن القوة أو العدة تحتاج إلى تخطيط، والتخطيط يحتاج إلى قادة ميدانيين، ويضع إلى جانب ذلك كله العنصر المعنوي كشرط ضروري ملازم لكل مراحل المعركة وقبلها، وإلى هذه الصورة تبرز الحاجة إلى التدقيق في كيفية خلق الاستعداد لدى المقاتل كي يخوض المعركة بصرامة واستبسال.

وحسب المدرسة العسكرية الحديثة، فإن الجانب المعنوي يرتبط بعوامل كثيرة معظمها تطور عن واقع الحروب وقواعدها في الماضي، أما البعض الآخر فهو إدخالات حديثة على ضوء التطور الكبير الذي حصل في الأسلحة والفنون والوسائل والأفكار، ومن بين القضايا التي عجزت المدرسة العسكرية الحديثة عن بلوغ مستواها هي تلك الروح التي تحلى بها الجندي والقائد الإسلامي وهو يخوض معارك الفتح، والتصدي للكفر والوثنية، وهنا تبدو النقطة المركزية في تقرير مصير المعركة، ألا وهي قيمة الفكرة التي توجه سلوك المقاتل، ومن ثم قيمة أهدافها وغايتها، وكيف يمكن أن تلهب حماس المقاتل حتى يلقي بنفسه على الموت. وبعبارة أوضح أن المقاتل وحتى يؤمن بأهدافه إلى حد التضحية، لابدّ أن تكون له رسالة آمن بها، وذاب في قيمتها، وسار على هديها، هذه الرسالة تستملك روح الجندي وعقله وعندما تبدو هذه المسألة بعيدة عن متناول الفن العسكري وليست هي من اختصاصه، فإن المدرسة العسكرية الحديثة لا تمتلك ما تعالج فيه تأثير الجانب الإيديولوجي، والعقيدة التي تؤثر في سلوك الجنود.

ولكي تبدو هذه المسألة واضحة نفترض أن العلم العسكري فرغ من وضع الصيغ (المثلى) لفنون القتال والأساليب الصحيحة في التعامل مع التكنولوجيا العسكرية. لكن كيف يتسنى له ضبط الجانب المعنوي ورفع روحية المقاتلين في المعركة؟ بالتأكيد إن ذلك معضلة عجز عن حلها العقل الإنساني، وما يقال عن أساليب متبعة في جيوش العالم تتكفل بالجانب المعنوي هو في الحقيقة أفكار قابلة للارتفاع والانخفاض، بل تأثيرها نسبي وضئيل إذا ما قورنت بالأثر الذي تتركه العقيدة الإلهية في نفوس المدافعين عن حياض الإسلام.

وعلية فإن القوة إذا كانت أحد أدوات المعركة فإنها لا تصنع النصر إذا لم تتوفر إلى جانبها عدة عوامل تتعلق معظمها بالإنسان، والإنسان بدوره يخضع سلوكه لتأثير الأفكار التي تخلف عنده الشعور بهذا الاتجاه أو ذاك.

إذن الفكرة التي تنطبع في ذهن الإنسان إذا كانت ذات قيمة فإنها تحركه باتجاه فاعل يستلهم فيها العزيمة والاندفاع نحو تمكين ذات الفكرة من الواقع وتطويقه باتجاهها. ومن هنا فإن الإيمان يشكل القاعدة التي تؤسس عليها عوامل صنع النصر، وحيث أن المعارك التي خاضها الإمام علي (عليه السلام) كان تستخدم فيها أدوات حربية واحدة سواء تلك التي يمتلكها صف الإيمان أو صف الكفر، فلنتابع التفوّق العسكري للإمام علي (عليه السلام) بما هو عوامل مجتمعة ومتداخلة وفّرتها الفكرة الصالحة والقيادة الملهمة.

إن ما يحقق النصر ويحسم المعركة وكما أشرنا قبل قليل هو جميع ما يحيط بالمعركة من نوايا وأهداف وغايات لها علاقة وثيقة بالطبع بفكر الجبهتين المتصارعتين إضافة إلى الخطط والأساليب والوسائل والتعبئة والفنون العسكرية، وهو ما يطلق عليه في المصطلح الحديث الاستراتيجية بالنسبة للأولى، والتكتيك بالنسبة إلى الثانية. هذا على أن التوصيف السابق يمكن اختصاره كالآتي:

نعني بالاستراتيجية: الخطوط العامة للمعركة والثوابت التي تتعلق بالأهداف البعيدة.

ونعني بالتكتيك: الخطوط المرحلية للمعركة.

وبما أن الاستراتيجية والتكتيك يتداخلان ويتلازمان، فسوف لن نضع فواصل بين الموضوعات التي تدخل تحت عنوانيهما.


أهداف المعركة

المعركة ذات الأهداف الواضحة والمحددة تكون عاملاً دافعاً لمن يخوض أغوارها وتمنح المقاتلين روح التفاني والاستبسال والثبت إلى آخر أشواطها، ولهذا السبب كان الإمام علي (عليه السلام) يحدد أهداف المعركة ويوضحها لأصحابه قبل أن يخوضها، ولقد قال في أحد حروبه: (ألا إنا ندعوكم إلى الله وإلى رسوله، وإلى جهاد عدوّه، والشدة في أمره، وابتغاء مرضاته، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت وصيام شهر رمضان، وتوفير الفيء على أهله)(1).

ووفق هذه العبارة المختصرة، فإن أهداف المعركة لخّصها الإمام علي (عليه السلام) في تمكين الشريعة الإسلامية وتطبيق مبادئها السامية، ولذلك عندما تضمحل المصالح الشخصية وتوضع المصلحة الإسلامية العليا هدفاً واضحاً، فإن الأهداف الذاتية الضيقة الملغية من التفكير والممارسة معاً تجعل المقاتل لا يحسب في تحركه سوى تحقيق أهداف الإسلام الكبرى حتى وإن كان خصمه أخاه، ولعل المقطع التالي من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) يوضح هذه الحقيقة بجلاء: (ولكنا إنّما نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج، والشبهة والتأويل، فإذا أطمعنا في خصلة يلمّ الله بها شعثنا، ونتدانى بها إلى البقية فيما بيننا، رغبنا فيها، وأمسكنا عما سواها)(2).

إن الإمام علي (عليه السلام) الذي انصهر بالإسلام، كان لا يرى مصلحة فوق مصلحة الإسلام، ولا هدفاً أهم من تدعيم كيان الدولة الإسلامية وتشذيب مسيرتها وهو إذا كان صارماً مع أعداء الإسلام من الكفار والملحدين، فإنه لم يلين قط أمام الذين حاولوا استثمار الدين لصالح شهواتهم، ولذلك حارب المنحرفين الذين أرادوا تحويل الإسلام إلى ملك عضوض بنفس العزم الذي قاتل فيه الكافرين. وهو (عليه السلام) لما كان يضع جنوده وأمراء أجنحته أمام صورة واضحة للأهداف المطلوبة في القتال، فقد كان أصحابه كزبر الحديد، وصناديد لا تلين لهم عزيمة، فالأهداف واضحة، ويقاتلون تحت راية الحق. وقلما ذكر التاريخ جنود أشداء كجنود وأصحاب الإمام علي (عليه السلام).


الجانب المعنوي

كنّا قد أشرنا إلى أن معنويات الجيش والمقاتلين هي من صناعة العقيدة، وكلما كانت العقيدة متمكنة من نفوس الجنود، كلما ارتفعت معنوياتهم، ومن هنا نجد أن الإمام علي (عليه السلام) يحث أفراده إلى التقرب إلى الله تعالى عبر التذكير على الممارسات العبادية في كل مراحل المعركة، ومن توصياته في هذا المجال قوله (عليه السلام): (ألا إنكم ملاقو العدو غداً إن شاء الله، فأطيلوا الليلة بالقيام، وأكثروا تلاوة القرآن، واسألوا الله الصبر والنصر، وألقوهم بالجدّ والحزم، وكونوا صادقين)(3).

ولما كان الدعاء هو الطريق الأقرب إلى الله تعالى، ويغذي المقاتل بمعنويات هائلة من الثقة والاستعداد والاطمئنان، فلا يتهيب أمام الكثرة العددية للعدو ما دام متصلاً بالقوة الحقيقية وما دام آخذاً بالأسباب الموصلة لصاحب القوة وصاحب العون والمدد. فقد كان الإمام علي (عليه السلام) لا يفارق الدعاء في المعركة، ويوجه جيشه إلى مصدر الحول والقوة والنصر وهو الله تعالى ومن أدعيته (عليه السلام) في ميدان المواجهة. (اللهم إليك أفضت القلوب، ومدّت الأعناق، وشخصت الأبصار، ونقلت الأقدام، وأنضيت الأبدان، اللهم افتح بيننا وبين قومنا بالحق، وأنت خير الفاتحين)(4).


التمثّل بالخلق الإسلامي

عرض القيم الإسلامية في واقع الحياة تطبيقياً يعكس الصورة الجاذبة للإسلام كعقيدة إلهية تضمن للبشرية سعادتها، وحتى في الحرب التي هي استثناء في الشريعة هناك آداب وقواعد يراعي استخدامها مهما كان لون العدو وطبيعته العدوانية. ومن مصاديق الخلق الإسلامي الرفيع في معارك الإمام علي (عليه السلام) أنه كان يحرص دائماً على أن لا يكون البادئ في القتال (لا تقاتلوهم حتى يبدءوكم فإنكم بحمد الله على حجّة، وترككم إياهم حتى يبدءوكم حجة أخرى لكم عليهم، فإذا كانت الهزيمة للعدو بإذن الله فلا تقتلوا مدبراً، ولا تصيبوا معوراً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تهيجوا النساء بأذى وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم)(5).

لقد ترك الإمام علي (عليه السلام) قادة الجبهات المعادية ممن وقعوا في قبضته حينما انكشفت عوراتهم، وعفا عن قادة معركة الجمل بعد انتهائها. وهو كذلك الذي سمح لجيش معاوية بشرب الماء بعد أن سبق منعه على جيش الإمام (عليه السلام).

ومن خصاله (عليه السلام) أنه يقول الصدق ويلتزم به في تناوله لحقيقة المعركة، والصدق عامل مساعد من عوامل إحراز النصر العسكري. يقول ليدل هارت: (إن أضمن شكل من أشكال العمل التي يمكن إدراكها وتصورها وأكثرها فاعلية للانتصار على المدى الطويل، هو عمل الرجل الذي يقول الحقيقة دون لف أو دوران أو قيود أو تحفظات)(6).

ومن أخلاق المعركة الوفاء بالعهد، وقد وفى الإمام علي (عليه السلام) بعهده مع معاوية بعد الصلح برغم أن جيشه طالب بإعادة الحرب.


انتخاب المقاتلين

لا أحد يزعم أن المجتمع يعد أفراداً بنفس المستوى من الشجاعة أو المروءة أو السجايا الجميلة الأخرى، وعندما يتعلق الأمر بالحرب، فإن الجندي الحائز على الشوط التي تجمل توفير القيم والأخلاق والشمائل الحسنة فيه هو بالتأكيد عنصر فاعل في المعركة وعامل حسم ضروري في توجيه المعركة نحو هزيمة العدو ولذا حرص الإمام علي (عليه السلام) على انتخاب الصالحين وخصوصاً إذا تعلق الأمر بالقادة والأمراء.

وكانت توصياته تؤكد على هذا الجانب المهم، ولعل نموذج مالك الأشتر، وعمار بن ياسر، وغيرهم تعكس مدى اهتمام الإمام علي (عليه السلام) بانتخاب القادة وتربيتهم وإعدادهم ليكونوا قدوات حسنة في ساحات الوغى.

ففي عهده (عليه السلام) لمالك الأشتر يقول: (فولّ من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك، وأنقاهم جيباً، وأفضلهم حلماً ممن يبطئ عن الغضب ويستريح إلى العذر، ويرأف بالضعفاء، ولا ينبو على الأقوياء، وممن لا يثيره العنف ولا يقعد به الضعف، ثم الصق بذوي المروءات والأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة، ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة)(7).

ولغرض توضيح هذه المسألة، ودقة الإمام في انتخاب أركان حربه نذكر هذا القول لعمار بن ياسر حيث يقول: (والله لو هزمنا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وإنهم على الباطل)(8).


المشاركة الميدانية ووحدة الأوامر

ربما لا نحتاج إلى سوق الشواهد التاريخية التي تؤكد معايشة الإمام لجنوده وقادته، بل إنه كان في جميع المعارك التي خاضها متواجداً في القلب، حيث يحتدم القتال ويلتحم الجيشان، ويبدأ صخب المعركة وقعقعة السلاح. وقد وصفه صعصعة بن صوحان بالتالي: (كان فينا كأحدنا)(9).

إن ثمرة هذا التواجد الميداني الهاب حماس المجاهدين، والتوفر على وضع المعركة والتعرف بدقة على تفاصيلها وما يجب أنه يتخذ من قرارات هامة مصيرية فيها. هذا وبالإضافة إلى ذلك، فإن الأمر الصادر من القائد الميداني ربما لا يحتاج إلى وقت طويل كي يصل إلى المجاهدين. وهذه المركزية هي في الحقيقة من أهم العوامل الاستراتيجية في كسب المعركة، حيث تقطع الطريق على الفوضى والبلبلة نتيجة تأخر القرار، وتجعل الطاعة والانضباط هما السائدين في كل مراحل المعركة.


السرية والكتمان

(لا احتجز دونكم سراً إلا في حرب)(10)، هذه العبارة المختصرة للإمام علي (عليه السلام) والتي صرّح بها إلى أمرائه من الجيش تلخص أهمية الكتمان في الحرب، وخطورة تسرب الأسرار إلى الجهة المعادية، والإمام (عليه السلام) عندما يحتفظ لنفسه ببعض الأمور التي لا يبوح بها حتى إلى أقرب الناس من الصحابة إنما يلحظ خطورة الوضع العسكري وحساسيته ولذلك يأخذ الحيطة من تسرب بعض المعلومات إلى العدو، حيث لا يشك في أمر أصحابه الأوفياء، ولكنه قد يحتمل وجود بعض المندسين في صفوف جيشه وهو أمر وارد في جميع الجيوش، حيث يعتمد على التجسس في تحصيل المعلومات المهمة حول قوة الجبهة المقابلة، وخططها، وأساليبها في القتال.


وصايا ثابتة

من جملة من أمر به الإمام (عليه السلام) جيشه هو: (عضوا على النواجذ، وأكملوا اللاّمة، وقلقوا السيوف، والحظوا الخزر، واطعنوا الشزر، ونافحوا بالظبا، وصلوا السيوف بالخطا، وعاودوا الكرّ، وعليكم بهذا السواد الأعظم والرواق المطنب فاضربوا شبجه)(11). وهذا النص الموجز يلخص دقة التعليمات الضرورية في الحرب:

1ـ فالعض على النواجذ، هي أقصى الأضراس، حيث يساعد على تصلب الأعصاب والعضلات المتصلة بالدماغ، وإزالة الاسترخاء.

2ـ وإكمال اللامة وهي الدرع، يعني تحصين جسد المجاهد، بإحاطة أعضائه البارزة بالحديد وهي الرأس والصدر والسواعد، إضافة إلى تهيئة وسائل الدفاع من درع ورمح وسيف.

3ـ وقلقلة السيوف أي تحريكها للتحقق من عدم تأثرها بالصدأ.

4ـ وإلحاظ الخزر هو أن ينظر المجاهد بعينه بصورة من صور الغضب.

5ـ والطعن شزراً، هو الطعن عن اليمين والشمال.

6ـ والنفح بالضبا، وهو الضرب بطرف السيف.

7ـ ووصل السيوف بالخطا هو التوازن بين حركة السيوف وخطوة المجاهد.

8ـ ومعاودة الكر، أي إدامة الكرّ دون تراجع.

9ـ والسواد الأعظم هو جمهور الشام المحيط بمركز القيادة والمراد منه أن يكون الهجوم على وسط مركز القيادة لأن ذلك يعجّل في حسم المعركة.


استعدادات تسبق المعركة

هناك جملة من الاستعدادات التي عادة ما تكون بهيئة إجراءات تسبق المعركة وتشكل بطبيعتها الخطوات الأولية التي تؤثر على سير المعركة في حالة وقوع الصدام بين الطرفين وسنذكر بعضها باختصار مع شواهد تاريخية مختصر تعكس الواقع التطبيقي لهذه القواعد العسكرية التي اعتمدها الإمام علي (عليه السلام) في معاركه.

أولاً: الاستطلاع.

حيث هو من الضرورات التي يتم التعرف به على حجم قوة العدو ونقاط ضعفه والأسلوب المتتبع عنده في دخول المعركة، وبالتالي هو وسيلة جمع المعلومات ليتم الإعداد وتوقيت المعركة واختيار أسلوب ومواقع المواجهة، ولقد استخدم الإمام (عليه السلام) أربعة طرق في ذلك.

أ) من خلال الأفراد القريبين من العدو.

ب) من خلال أمراء الولايات والمدن.

ج) نشر العيون.

د) اختراق العدو.

ثانياً: اختيار المواقع العسكرية المحصّنة.

(فإذا نزلتم بعدو أو نزل بكم، فليكن معسكركم في قبل الأشراف، أو سفاح الجبال، أو أثناء الأنهار... واجعلوا لكم رقباء في صياصي الجبال، ومناكب الهضاب)(12).

ثالثاً: أخذ الحيطة والحذر.

(واعلموا أن مقدمة القوم عيونهم، وعيون المقدمة طلائعهم، وإياكم والتفرق، فإذا نزلتم فأنزلوا جميعاً، وإذا ارتحلتم فارتحلوا جميعاً، وإذا غشيكم الليل فاجعلوا الرماح كفّة، ولا تذوقوا النوم إلا غراراً)(13).

رابعاً: تجهيز السلاح.

(وثب الناس إلى رماحهم وسيوفهم ونبالهم يصلحونها)(14).

خامساً: التعبئة القتالية.

وهي تختلف من معركة إلى أخرى.

سادساً: تقسيم القطعات العسكرية.

سابعاً: الهجوم على مواقع القيادة.

ثامناً: استخدام الخدعة العسكرية والتمويه والمناورة.

الهوامش:

1- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج5، ص181.

2- نهج البلاغة، تحقيق الدكتور صبحي الصالح، ص122.

3- شرح نهج البلاغة، ج5، ص182.

4- نفس المصدر، ج15، ص112.

5- نهج البلاغة، ص373.

6- الفكر والحرب، جان غيتون، ص7.

7- نهج البلاغة، ص432-433.

8- شرح النهج، ج10، ص104.

9- نفس المصدر، ج1، ص25.

10- نهج البلاغة، ص424.

11- نهج البلاغة، ص97.

12- نهج البلاغة، ص371.

13- نهج البلاغة، ص371.

14- نهج البلاغة، ص372.

ibrahim aly awaly
13-02-2005, 11:27 AM
على منهج من نحن؟




علي بن أبي طالب أم الخوارج؟



ما زلت في الحديث عن الشرعية. وأريد في هذه المقالة أن أركز على منهج علي بن أبي طالب (رض) في تعامله مع الخوارج، لأني أجد فيه آية على الشرعية التي نعجز عنها اليوم بعد أن اختلطت الشرعية باللاشرعية عند المسلمين وعلي بن أبي طالب شخصية عجيبة في تاريخنا ومعلم من معالم الحق والشرعية، ولكن تداخلت عند الناس الحقائق والخوارق في تصور حياته.

إن تاريخنا دخل حقبة جديدة في الصراع الذي حدث بين الخوارج وعلي بن أبي طالب. كان علي (كرم الله وجهه) خليفة المسلمين بالشورى والبيعة، وبعد أن صار في الحكم بطريق شرعي خرج عليه الخوارج. ولكن علياً قال لأصحابه: (لا تبدأوهم حتى يسفكوا دماً حراماً). هذه مقولة مهمة، وستظل مهمة وستظهر في المستقبل أنها الحق وأنها الشرعية.

فالأفكار تغير بالأفكار، وليس بالقتل. ومقولة علي معناها عميق، أي لا يقاتل الناس من أجل أفكارهم وعقائدهم، وإنما من أجل ممارساتهم العملية، حين يبدأون بقتل الناس وسفك الدماء. والسلطة الشرعية هي التي توقف هذا العدوان كائناً من كان مرتكبه بصرف النظر عن عقيدته، حيث لا يؤاخذ الناس على عقائدهم ما لم يلجأوا إلى سفك الدماء واستلاب الأموال بالقوة. هذان فقط المحرمان في المجتمعات النبوية التي يتمتع المجتمع بالشرعية وبالصبر على الأذى.

يقال أن علي بن أبي طالب قال: (لا تقاتلوا الخوارج بعدي). ما أدري هل قال هذا أم لا ولكن نحن يمكن أن نفهم هذا القول على ضوء معطيات التاريخ وتغيير الأقوام والأنفس. ففعلاً لم يحدث قتال شرعي بعد علي بن أبي طالب، لأن الذين جاءوا من بعده كانوا يقاتلون الباغي بالبغي من غير أن يصنعوا مجتمع الرشد بالرشد. ولم يتحول قتال البغي إلى قتال جهاد شرعي.

إن تطور البشر في فهم آيات الآفاق والأنفس فرض الشرعية. فالذي يخرج على الشرعية بشريعة الغاب يُطبق عليه القانون بغض النظر عن إخلاصه والقيم التي ينادي بفرضها بالإكراه. وفي تاريخنا كان الذين يخرجون على القانون ويصلون إلى الحكم من غير شرعية هم الذين يقاتلون غير الشرعية. أي لا شرعي يقاتل لا شرعياً. وهذا ما ظل عليه المسلمون إلى يومنا هذا والمسلمون الآن مضطرون إلى أن يفكروا ملياً وبوضوح للخروج من المأزق الذي هم فيه حتى يكشفوا الشرعية النبوية.

إن الشرعية النبوية التي جاء بها الأنبياء قاطبة ليست بارزة إلى الآن، لأن الناس إما يرونها كنتيجة لتدخل إلهي وكمعجزة أو يرونها كأسطورة حلوة مثالية غير قابلة للتطبيق، بل يرونها جنوناً (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون). لقد جاء الأنبياء جميعاً ليعملوا الناس الكفر بالطاغوت وليخرجوهم من ملة الطغيان (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به).

ويصف الله الأنبياء والذين آمنوا بالأنبياء أنهم هم (والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب). ويصف الله الفاسقين بأنهم (من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكاناً وأضل عن سواء السبيل). ويصف الله الذين كفروا بأنهم يقاتلون في سبيل الطاغوت (والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً).

الطاغوت - كلمة مشتقة من فعل طغى - هو الذي يعتمد على الإكراه في مولده واستمراره. وبما أنه لا إكراه في دين الأنبياء الذين أرسلهم الله فقد صار تضاد بين هاتين الملتين: ملة الأنبياء التي تنبذ الإكراه وتدعو إلى الكفر بالطاغوت، وملة الكفر أولياؤهم الطاغوت، التي تعتمد الإكراه في تثبيت نفسها. فمن هنا كانت إزالة الطاغوت ليست بالدخول إلى ملته وأسلوبه، بل كان موقف الأنبياء أن قالوا: (قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها).

لقد قدم الأنبياء البديل لمنظومة الطاغوت التي تعتمد الإكراه. فالشرعية النبوية تتأسس عن طريق تغيير ما بأنفس الناس، أي تغيير القناعات، وتغيير ما يؤمنون به. وهذا هو قانون التغيير الإلهي، وما جاء به الأنبياء. ولكن الطواغيت لا يعطون قيمة لتغيير ما بالأنفس، وإنما يقهرون الناس ويجعلونهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، ويحولونهم إلى منافقين، ولسان حالهم يقول: لقد أجلك من يرضيك مظهره، وقد أطاعك من يعصيك مستتراً. هذا الانفصال بين دعوة الله إلى كلمة سواء وبين دعوة الطواغيت الذين يريدون العلو في الأرض والفساد وجعل أهلها شيعاً هو ما يركز عليه القرآن.

إن تاريخ علي بن أبي طالب يظهر أزمة الشرعية في تاريخنا، حيث قتله المسلمون وهو حاكم راشد أتى بطوع الناس، وهذا يدل على أن التغيير ليس بتغيير الحاكم وإنما بتغيير ما بأنفس الناس. وعلي التزم الشرعية وكان مدركاً أن الحكم برضى الناس وبيعتهم، ولهذا لم يخرج عليها حتى عندما خرج الآخرون، وظل ملتزماً كلمة التقوى وكلمة السواء من طرفه. وهناك نقطة مهمة أخرى في حياة علي. فعندما بايعه الناس اعتبر أن هذا هو الطريق الشرعي وأن التغيير يكون بتغيير ما بأنفس الناس وليس بقهرهم، وأن ما يأتي الناس ينبغي أن يذهب برضاهم أيضاً، وهي نقطة غابت عن عثمان ومن يعطي السلطة للحاكم؟

وهذه العقبة اشتبهت على الناس، كما حصل في قضية عثمان إن الناس هم الذين يعطون الملك، وهم الذين ينزعونه، ليس بالقتل، والإكراه، وإنما بالشورى. فكما يُختار الحاكم بالشورى، يغير أيضاً بالشورى.

إن الخروج على الشرعية خطأ كما فعل المسلمون مع عثمان. ولكن الاختلاط حدث من جانبين، من جانب الذين أجازوا تغيير الشرعية بغير الشرعية، من قتل الأنفس واغتيالها، ومن جانب عثمان الذي كان يشعر أن السلطة ثوب من الله، ولا يخلعها إلا الله. ونحن يجب أن نفهم بوضوح هذا الاختلاط أكثر من الذين كانوا يحيونها في تلك الأيام. إن عثمان كان مصيباً في عدم قتال الذين خرجوا عليه. والذين خرجوا عليه انزلقوا في الغي حين قتلوه ولم يصبروا على حل المشكلة.

إني أقول مطمئناً أن علي بن أبي طالب معلم للشرعية، حسب ما جاء به الأنبياء الذين لم يخرجوا على مجتمعاتهم باستعمال القوة، وإنما بتغيير ما بأنفس الناس، من غير إكراه وحتى من غير دفاع عن النفس إذا اعتدى عليهم مجتمع الطاغوت، حتى يغيروا الناس برضاهم. لقد ظل الأنبياء صابرين على الأذى، حتى أتاهم نصر الله بالإقناع، وليس بالإكراه.

إن في حياة علي بن أبي طالب عبراً كثيرة، وهو الذي فهم منهج الخوارج على حقيقته. فعندما سئل عنهم: أكفار هم؟ قال: بل من الكفر فروا. فسُئل: أمنافقون هم؟ قال : لا. قيل: فمن هم إذن؟ قال (رض) القول الفصل الذي يشتبه على كثير من الناس: (ليس من طلب الباطل فأدركه كمن طلب الحق فأخطأه). هذا الكلام معلم من معالم الحق والنزاهة واللا إكراه في الأفكار. لقد شخص علي المرض بوضوح ووضع إصبعه على خطأ المنهجية في السلوك اللاشرعي. وحين اغتاله الخوارج. قال في وصيته عن قاتله: إن أعش فالأمر لي وإن مت من هذه الضربة فالأمر إليكم، فإن أبيتم القصاص فضربة، إن تعفوا أقرب للتقوى.

عليك سلام الله يا إمام المتقين الذين يعيشون في هذه الأرض، ومع النبيين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً في يوم الدين.

ibrahim aly awaly
14-02-2005, 08:12 AM
علي الملاك المحارب


ليس لي أن أقول في علي بن أبي طالب لأني لا أعرف عنه ما يكفي، ولكن. وقد طلب إلى أن اشهد. أريد أن تكون شهادتي بالحب.

حب الكلمة التي لفظ. والكلمة التي كتب.، والكلمة التي خطب،. والكلمة التي أوصى بها قبل موته.

الكلمة التي انطلقت من لسان لتُفرع الملايين من الأشياع، هذه الكلمة أعجوبتها إنها كانت جسدا. أعجوبتها أنها كانت إنسانا، إنسانا عرف البراءة، فعرف قسوة الحفاظ عليها، ولوعة الانعزال بها، ووحشة الغربة في فردوسها الوحيد. لقد كان علي نفساً بريئة، براءة العارف فاجعة الوجود، لكن معرفته لم تبعثه على اليأس إنما على الشجاعة. فحين كان يصمت فاحتراما للحياة لا تسليماً لها، وحين كان يزهد فعن قوة لا عن بخل، وحين كان يغضب فقاعدة غضبه الرحمة.

ومن يقرؤه يقرأ لثائر. الكلمة عنده تتوتر باستمرار، تتوتر وتشتاق إلى ما هو أكثر منها، وتتعذب، وتصفو، وتفرد وراءها أصداء عميقة وظلالاً حية. الكلمة عنده كائن متحرق.

ليست بليغة فحسب، بل هي ما بقي على لسانه من لقاء التأمل الفكري بمعاناة الأعصاب.

وبهذا كلمته كائن حي مهما توغلت في الوعظ. ولهذا بقيت تهدر كالسيل وتتألق كالنجم وتدخل إلىالقلب كأنها تعصره أو تهزه أو كأنها قلب إلى قلبه.

إنني احب عليا لأنه، بين الأئمة. أشدهم براءة على معرفة. أشدهم صفاء على همّ،. وأقربهم إلى الينابيع الأولى. على شمول،. وأكثرهم غربة على امتلاء بالحق.

أحب عليا لأنه، بين أساتذة الروح. في طليعتهم تجسيدا. وبين مجسدي الأفكار.

في طليعتهم طهارة.

أحب عليا لأنه قبض على سر التناقض . ففجره كالضوء في حياته وشهادته وأقواله.

أحب عليا لأنه. بعد كل هذه المئات من السنين. أطالعه فأسمعه. واسمعه فأصغي إليه. وأصغي إليه فأشعر انه واقف في الزمان كالجرح. ككل صرخة بارة تكسر جدار الزمان. ليس بيننا وبينه مئات من السنين. أنه هنا. صوته في ملايين الأشياع. صراعه الذي كان.صراع في ما هو كائن. وكفاحه ضد ما كان كفاح ضد ما هو كائن.

لقد انتشر نسغه في الشجرة، وعيده عيد العقل والقلب.

أي ألم عرف علي فأوصله إلى ذلك الصفاء الآسر، أي ألم غير الألم الذي يصيب العادلين الصديقين؟

كان اليونانيون يعتقدون أن العادل منذور للعذاب وأن الظالم وحده يعرف السعادة.

أصحيح هذا؟

وهل السعادة نقيض العذاب؟

لقد كان علي عادلا فعرف العذاب، لكنه لم يعرف الشقاء لأنه لم يكن مرا. والشقاء مرارة.

الشقاء مرارة وعلي كان عذاباً، الشقاء يباس وعلي كان طرياً بالحنان.

كأنه مزيج من الملاك والمحارب، أو مزيج من الفرح والبكاء، أو مزيج من الحلم واليقظة.

ولم تطوه الخيبة على حقد، ولا نشره النصر على طمع.

كان كبيرا.

وكأنه كان يخاف أن يسئ الآخرون تقليد كبره، فكان يحض على التواضع، ويتواضع، وكأنه خجول بعظمته.

كأنه كان يعتذر عن كونه كبيراً في عالم يكاد لا يحتمل إلا الأوهام، في عالم يكاد لا يتألف إلا من الأقزام.

وكان قادراً، قديراً، وكان يحض على الرحمة لأنه كان قادراً وقديراً.

إن وجهه هو وجه المحبة، ويده يد الشجاعة، وقلبه قلب البر.

ومهما أتى ناقماً ساخطاً صارخاً فنقمته هي نقمة البراءة وسخطه سخط العدل وصراخه صراخ الصدق. وهو لهذا يرتبط بكبار المتمردين في التاريخ على شروط الحياة البشرية. ولكنه تمرد مجذّر في الحب، لا يحدوه شغف بغير الخير، ولا يؤججه غير احترام للكرامة الإنسانية هو شرف للإسلام.

وعيده هو عيد المثل العليا، عيد المثل العليا في دنيا تضحك من المثل، عيد المثل العليا في دنيا مثلها الأعلى القضاء على المثل بالصغارة والحقارة والعبودية والشبهات.

أنسي الحاج

(ألقيت في بعلبك بمناسبة عيد الغدير)

ibrahim aly awaly
17-02-2005, 01:20 AM
حياته
أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي ولد سنة 600 بعد الميلاد في مكة و رابع الخلفاء الراشدين،وأحد العلماء والشجعان المشهورين، والزهَّاد المذكورين، والخطباء المفوَّهين،

ابن عم رسول الله (ص) وصهره على ابنته فاطمة الزهراء ووالد الحسن والحسين وأمه فاطمة بنت اسد وهو أول من أسلم مع السيدة خديجة وهو ابن عشر سنين كفله النبي محمد قبل أن يوحى إليه لأن قريشاً أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب كثير العيال قليل المال.

شهد علي المشاهد كلها مع الرسول إلا تبوك حيث استخلفه رسول الله (ص) على المدينة. كان سعد بن عبادة صاحب راية الرسول (ص) في المواطن كلها فإذا كان وقت القتال أخذها علي بن ابي طالب. كان في غزوة أحد قائد ميمنة المسلمين وثبت فيها واصيب بست عشرة ضربة، كل واحدة تلزمه الارض. وفي غزوة الخندق، قتل عمرو بن ود العامري وفيها فتح باب خيبر بيده وحده بإذن الله ولم يستطع سبعون رجلا إعادته مكانه بعدها وكان كاتب صلح الحديبية وهو الذي أبى أن يمحو مصطلح "رسول الله" من الوثيقة التي طالب بها سهيل بن عمرو مفاوض قريش. وهو من العشرة المبشَّرين بالجنة، ومن كُتَّاب الوحي، وروي له عن النبي محمد احاديث كثيرة.

عندما هاجر محمد رسول الله، مع أبو بكر الصديق إلى المدينة المنورة، أمره النبي محمدأن يجلس في فراشه حتى لا يعرف أهل قريش بمغادرة الرسول إلى المدينة من مكة.

[تحرير]
وفاة النبي محمد
بعد وفاة النبي محمد اختلف المسلمون في خليفته , والخلاف قائم إلى الوقت الحاضر في من هو أحق بالإمامة , وأستمر الخلاف إلى عهد عثمان بن عفان والمنافسة بين عثمان وعلي على الخلافة , والخلاف في موقف علي من الفتنة التي حدثت في عهد عثمان , وبويع علي بالخلافة سنة 35( هـ / 656 م) , وحدثت موقعة الجمل في عهده , والخلاف بين علي ومعاوية , و معركة صفين, وحدثت بعد ذلك فتنة الخوارج.

[تحرير]
وفاته
اجتمع ثلاثة رجال: عبد الرحمن بن ملجم، والبُرك بن عبد اللّه، وعمرو بن بكر التميمي, على قتل(( أئمة الضلالة)) برايهم زعموا أن علي ومعاوية وعمرو بن العاص هم سبب بلاء الأمة, فقال أبن ملجم انا اكفيكم علي بن ابي طالب فقتل علي في رمضان سنة 40 هـ , وعمره 63 سنة, وطلب علي من ابنه الحسن عدم الانتقام ممن قتله, ودفن علي في النجف الاشرف .

[تحرير]
أقواله
"يا بني، اجعل نفسك ميزاناً بينك وبين غيرك. فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك. واكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب أن تُظلم، وأحسن كما تحب أن يُحسن إليك. واستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك، وارض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك. ولا تقل ما لا تعلم وإن قلَّ ما تعلم، ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك. واعلم أن الإعجاب ضد الصواب، وآفة الألباب. فاسع في كدحك، ولا تكن خازناً لغيرك. وإذا أنت هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربك"

نقلاعن الانترنت

ibrahim aly awaly
20-02-2005, 02:27 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


اللهم صلى على محمد واله محمد الطيبين الطاهرين وعجل فرجهم يا كريم

وصيته(ص) لأمير المؤمنين (عليه السلام):

يا علي إن من اليقين أن لا ترضي أحدا بسخط الله ولا تحمد أحدا بما آتاك الله ولا تذم أحدا على ما لم يؤتك الله فإن الرزق لا يجره حرص حريص ولا تصرفه كراهة كاره إن الله بحكمه وفضله جعل الروح والفرح في اليقين والرضا وجعل الهم والحزن في الشك والسخط يا علي إنه لا فقر أشد من الجهل ولا مال أعود من العقل ولا وحدة أوحش من العجب ولا مظاهرة أحسن من المشاورة ولا عقل كالتدبير ولا حسب كحسن الخلق ولا عبادة كالتفكر يا علي آفة الحديث الكذب وآفة العلم النسيان وآفة العبادة الفترة وآفة السماحة المن وآفة الشجاعة البغي وآفة الجمال الخيلاء وآفة الحسب الفخر يا علي عليك بالصدق ولا تخرج من فيك كذبة أبدا ولا تجترئن على خيانة أبدا والخوف من الله كأنك تراه وابذل مالك ونفسك دون دينك وعليك بمحاسن الأخلاق فاركبها وعليك بمساوي الأخلاق فاجتنبها يا علي أحب العمل إلى الله ثلاث خصال من أتى الله بما افترض عليه فهو من أعبد الناس ومن ورع عن محارم الله فهو من أورع الناس ومن قنع بما رزقه الله فهو من أغنى الناس يا علي ثلاث من مكارم الأخلاق تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك يا علي ثلاث منجيات تكف لسانك وتبكي على خطيئتك ويسعك بيتك يا علي سيد الأعمال ثلاث خصال إنصافك الناس من نفسك ومساواة الأخ في الله وذكر الله على كل حال يا علي ثلاثة من حلل الله رجل زار أخاه المؤمن في الله فهو زور الله وحق على الله أن يكرم زوره ويعطيه ما سأل ورجل صلى ثم عقب إلى الصلاة الأخرى فهو ضيف الله وحق على الله أن يكرم ضيفه والحاج والمعتمر فهما وفد الله وحق على الله أن يكرم وفده يا علي ثلاث ثوابهن في الدنيا والآخرة الحج ينفي الفقر والصدقة تدفع البلية وصلة الرحم تزيد في العمر يا علي ثلاث من لم يكن فيه لم يقم له عمل ورع يحجزه عن معاصي الله عز وجل وعلم يرد به جهل السفيه وعقل يداري به الناس يا علي ثلاثة تحت ظل العرش يوم القيامة رجل أحب لأخيه ما أحب لنفسه ورجل بلغه أمر فلم يتقدم فيه ولم يتأخر حتى يعلم أن ذلك الأمر لله رضا أو سخط ورجل لم يعب أخاه بعيب حتى يصلح ذلك العيب من نفسه فإنه كلما أصلح من نفسه عيبا بدا له منها آخر وكفى بالمرء في نفسه شغلا يا علي ثلاث من أبواب البر سخاء النفس وطيب الكلام والصبر على الأذى يا علي في التوراة أربع إلى جنبهن أربع من أصبح على الدنيا حريصا أصبح وهو على الله ساخط ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به فإنما يشكو ربه ومن أتى غنيا فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ومن دخل النار من هذه الأمة فهو ممن اتخذ آيات الله هزوا ولعبا أربع إلى جنبهن أربع من ملك استأثر ومن لم يستشر يندم كما تدين تدان والفقر الموت الأكبر فقيل له الفقر من الدينار والدرهم فقال الفقر من الدين يا علي كل عين باكية يوم القيامة إلا ثلاث أعين عين سهرت في سبيل الله وعين غضت عن محارم الله وعين فاضت من خشية الله يا علي طوبى لصورة نظر الله إليها تبكي على ذنب لم يطلع على ذلك الذنب أحد غير الله يا علي ثلاث موبقات وثلاث منجيات فأما الموبقات فهوى متبع وشح مطاع وإعجاب المرء بنفسه وأما المنجيات فالعدل في الرضا والغضب والقصد في الغنى والفقر وخوف الله في السر والعلانية كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك يا علي ثلاث يحسن فيهن الكذب المكيدة في الحرب وعدتك زوجتك والإصلاح بين الناس يا علي ثلاث يقبح فيهن الصدق النميمة وإخبارك الرجل عن أهله بما يكره وتكذيبك الرجل عن الخير يا علي أربع يذهبن ضلالا الأكل بعد الشبع والسراج في القمر والزرع في الأرض السبخة والصنيعة عند غير أهلها يا علي أربع أسرع شي‏ء عقوبة رجل أحسنت إليه فكافأك بالإحسان إساءة ورجل لا تبغي عليه وهو يبغي عليك ورجل عاقدته على أمر فمن أمرك الوفاء له ومن أمره الغدر بك ورجل تصله رحمه ويقطعها يا علي أربع من يكن فيه كمل إسلامه الصدق والشكر والحياء وحسن الخلق يا علي قلة طلب الحوائج من الناس هو الغنى الحاضر وكثرة الحوائج إلى الناس مذلة وهو الفقر الحاضر



وصية أخرى إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) مختصرة:

يا علي إن للمؤمن ثلاث علامات الصيام والصلاة والزكاة وإن للمتكلف من الرجال ثلاث علامات يتملق إذا شهد ويغتاب إذا غاب ويشمت بالمصيبة وللظالم ثلاث علامات يقهر من دونه بالغلبة ومن فوقه بالمعصية ويظاهر الظلمة للمرائي ثلاث علامات ينشط إذا كان عند الناس ويكسل إذا كان وحده ويحب أن يحمد في جميع الأمور وللمنافق ثلاث علامات إن حدث كذب وإن اؤتمن خان وإن وعد أخلف وللكسلان ثلاث علامات يتوانى حتى يفرط ويفرط حتى يضيع ويضيع حتى يأثم وليس ينبغي للعاقل أن يكون شاخصا إلا في ثلاث مرمة لمعاش أو خطوة لمعاد أو لذة في غير محرم يا علي إنه لا فقر أشد من الجهل ولا مال أعود من العقل ولا وحدة أوحش من العجب ولا عمل كالتدبير ولا ورع كالكف ولا حسب كحسن الخلق إن الكذب آفة الحديث وآفة العلم النسيان وآفة السماحة المن يا علي إذا رأيت الهلال فكبر ثلاثا وقل الحمد لله الذي خلقني وخلقك وقدرك منازل وجعلك آية للعالمين يا علي إذا نظرت في مرآة فكبر ثلاثا وقل اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي يا علي إذا هالك أمر فقل اللهم بحق محمد وآل محمد إلا فرجت عني قال علي (عليه السلام) قلت يا رسول الله فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ ما هذه الكلمات قال يا علي إن الله أهبط آدم بالهند وأهبط حواء بجدة والحية بأصبهان وإبليس بميسان ولم يكن في الجنة شي‏ء أحسن من الحية والطاوس وكان للحية قوائم كقوائم البعير فدخل إبليس جوفها فغر آدم وخدعه فغضب الله على الحية وألقى عنها قوائمها وقال جعلت رزقك التراب وجعلتك تمشين على بطنك لا رحم الله من رحمك وغضب على الطاوس لأنه كان دل إبليس على الشجرة فمسخ منه صوته ورجليه فمكث آدم بالهند مائة سنة لا يرفع رأسه إلى السماء واضعا يده على رأسه يبكي على خطيئته فبعث الله إليه جبرئيل فقال يا آدم الرب عز وجل يقرئك السلام ويقول يا آدم أ لم أخلقك بيدي أ لم أنفخ فيك من روحي أ لم أسجد لك ملائكتي أ لم أزوجك حواء أمتي أ لم أسكنك جنتي فما هذا البكاء يا آدم تتكلم بهذه الكلمات فإن الله قابل توبتك قل سبحانك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم يا علي إذا رأيت حية في رحلك فلا تقتلها حتى تخرج عليها ثلاثا فإن رأيتها الرابعة فاقتلها فإنها كافرة يا علي إذا رأيت حية في طريق فاقتلها فإني قد اشترطت على الجن ألا يظهروا في صورة الحيات يا علي أربع خصال من الشقاء جمود العين وقساوة القلب وبعد الأمل وحب الدنيا من الشقاء يا علي إذا أثني عليك في وجهك فقل اللهم اجعلني خيرا مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون يا علي إذا جامعت فقل بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني فإن قضى أن يكون بينكما ولد لم يضره الشيطان أبدا يا علي ابدأ بالملح واختم به فإن الملح شفاء من سبعين داء أذلها الجنون والجذام والبرص يا علي ادهن بالزيت فإن من ادهن بالزيت لم يقربه الشيطان أربعين ليلة يا علي لا تجامع أهلك ليلة النصف ولا ليلة الهلال أ ما رأيت المجنون يصرع في ليلة الهلال وليلة النصف كثيرا يا علي إذا ولد لك غلام أو جارية فأذن في أذنه اليمنى وأقم في اليسرى فإنه لا يضره الشيطان أبدا يا علي أ لا أنبئك بشر الناس قلت بلى يا رسول الله قال من لا يغفر الذنب ولا يقيل العثرة أ لا أنبئك بشر من ذلك قلت بلى يا رسول الله قال من لا يؤمن شره ولا يرجى خيره.



وصية له(ص) أخرى إلى أمير المؤمنين ع:

يا علي إياك ودخول الحمام بغير مئزر فإن من دخل الحمام بغير مئزر ملعون الناظر والمنظور إليه يا علي لا تتختم في السبابة والوسطى فإنه كان يتختم قوم لوط فيهما ولا تعر الخنصر يا علي إن الله يعجب من عبده إذا قال رب اغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت يقول يا ملائكتي عبدي هذا قد علم أنه لا يغفر الذنوب غيري اشهدوا أني قد غفرت له يا علي إياك والكذب فإن الكذب يسود الوجه ثم يكتب عند الله كذابا وإن الصدق يبيض الوجه ويكتب عند الله صادقا واعلم أن الصدق مبارك والكذب مشئوم يا علي احذر الغيبة والنميمة فإن الغيبة تفطر والنميمة توجب عذاب القبر يا علي لا تحلف بالله كاذبا ولا صادقا من غير ضرورة ولا تجعل الله عرضة ليمينك فإن الله لا يرحم ولا يرعى من حلف باسمه كاذبا يا علي لا تهتم لرزق غد فإن كل غد يأتي رزقه يا علي إياك واللجاجة فإن أولها جهل وآخرها ندامة يا علي عليك بالسواك فإن السواك مطهرة للفم ومرضاة للرب ومجلاة للعين والخلال يحببك إلى الملائكة فإن الملائكة تتأذى بريح فم من لا يتخلل بعد الطعام يا علي لا تغضب فإذا غضبت فاقعد وتفكر في قدرة الرب على العباد وحلمه عنهم وإذا قيل لك اتق الله فانبذ غضبك وراجع حلمك يا علي احتسب بما تنفق على نفسك تجده عند الله مذخورا يا علي أحسن خلقك مع أهلك وجيرانك ومن تعاشر وتصاحب من الناس تكتب عند الله في الدرجات العلى يا علي ما كرهته لنفسك فاكره لغيرك وما أحببته لنفسك فأحببه لأخيك تكن عادلا في حكمك مقسطا في عدلك محبا في أهل السماء مودودا في صدور أهل الأرض احفظ وصيتي إن شاء الله تعالى.منقوول

ibrahim aly awaly
21-02-2005, 11:36 AM
ختمة نادِ علياَ مظهر العجائب

عندما يتعرض المؤمن الى معضلات كبيرة يقرأ هذا الدعاء 7 مرات بنية خالصة ليخلصة الله منها

لطلب الرزق يقراءالدعاء 9مرات بعد صلاة الفجر

لأداء الدين يقراء كل يوم 22مرة وذلك لمدة 15 يوماَ

لتسهيل الولادة يقراء الدعاء 5 مرات على الماء ويعطى للحامل فلتد سريعاَ

يحمل هذا الدعاء للحفظ من الإنس والجن والحيوانات

بسم الله الرحمن الرحيم

نادِ علياَ مظهر العجائب تجده عوناَ لك في النوائب لي إلي الله حاجتي وعليه معولي كلما أمرته ورميت منقضي في

ظل الله ويضلل الله لي أدعوك كل هم وغم سينجلي بعظمتك يالله بنبوتك يا محمد بولايتك يا علي يا علي يا علي

ادركني بحق لطفك الخفي الله أكبر أنا من شر أعدائك برىء الله صمدي من عندك مددي وعليك معتمدي بحق

إياك نعبد وإياك نستعين يا أبا الغيث أغثني يا أبا الحسنين أدركني يا سيف الله أدركني يا باب الله أدركني يا حجة

الله أدركني ياولي الله أدركني بحق لطفك الخفي يا قهار تقهرت بالقهر والقهر في قهر قهرك يا قهار يا قاهر العدو

يا والي الولي يا مظهر العجائب يا مرتضى علي رميت من بغى علي بسم الله وسيف الله القاتل أفوض امري الى

الله ان الله بصير بالعباد وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم أدركني يا غياث المستغيثين يا دليل

المتحيرين يا أمان الخائفين يا معين المتوكلين يا راحم المساكين يا إله العالمين برحمتك وصلى الله على سيدنا

محمد وآله أجمعين والحمدلله رب العالمين نقلا عن احد المواقع الاسلاميه

ibrahim aly awaly
21-02-2005, 01:13 PM
خطبة أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (ع) و هي المعروفة بالشقشقية و تشتمل
على الشكوى من أمر الخلافة ثم ترجيح صبره عنها ثم مبايعة الناس له



أمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا ابن أبي قحافه وَ إِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ وَ لَا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً وَ طَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً وَ طَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ وَ يَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ وَ يَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ


ترجيح الصبر

فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى فَصَبَرْتُ وَ فِي الْعَيْنِ قَذًى وَ فِي الْحَلْقِ شَجًا أَرَى تُرَاثِي نَهْباً حَتَّى مَضَى الْأَوَّلُ لِسَبِيلِهِ فَأَدْلَى بِهَا إِلَى ابن الخطاب بَعْدَهُ ثُمَّ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ الْأَعْشَى شَتَّانَ مَا يَوْمِي عَلَى كُورِهَا وَ يَوْمُ حَيَّانَ أَخِي جَابِرِ


فَيَا عَجَباً بَيْنمَا هُوَ يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لِآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا فَصَيَّرَهَا فِي حَوْزَةٍ خَشْنَاءَ يَغْلُظُ كَلْمُهَا وَ يَخْشُنُ مَسُّهَا وَ يَكْثُرُ الْعِثَارُ فِيهَا وَ الِاعْتِذَارُ مِنْهَا فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ وَ إِنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَحَّمَ فَمُنِيَ النَّاسُ

لَعَمْرُ اللَّهِ بِخَبْطٍ وَ شِمَاسٍ وَ تَلَوُّنٍ وَ اعْتِرَاضٍ فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ وَ شِدَّةِ الْمِحْنَِ حَتَّى إِذَا مَضَى لِسَبِيلِهِ جَعَلَهَا فِي جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ فَيَا لَلَّهِ وَ لِلشُّورَى مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ لَكِنِّي أَسْفَفْتُ إِذْ

أَسَفُّوا وَ طِرْتُ إِذْ طَارُوا فَصَغَا رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغْنِهِ وَ مَالَ الْآخَرُ لِصِهْرِهِ مَعَ هَنٍ وَ هَنٍ إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ الْقَوْمِ نَافِجاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ وَ مُعْتَلَفِهِ وَ قَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ اللَّهِ خِضْمَةَ الْإِبِلِ نِبْتَةَ الرَّبِيعِ إِلَى أَنِ انْتَكَثَ عَلَيْهِ فَتْلُهُ وَ أَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَ كَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ

مبايعة علي

فَمَا رَاعَنِي إِلَّا وَ النَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَيَّ يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنَانِ وَ شُقَّ عِطْفَايَ مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الْغَنَمِ فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالْأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ وَ مَرَقَتْ أُخْرَى وَ قَسَطَ آخَرُونَ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ تِلْكَ الدَّارُ

الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ بَلَى وَ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَ وَعَوْهَا وَ لَكِنَّهُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ وَ رَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا أَمَا وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْ لَا حُضُورُ الْحَاضِرِ وَ قِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ وَ مَا

أَخَذَ اللَّهُ عََى الْعُلَمَاءِ أَلَّا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ وَ لَا سَغَبِ مَظْلُومٍ لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا وَ لَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا وَ لَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ قَالُوا وَ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ عِنْدَ بُلُوغِهِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ خُطْبَتِهِ

فَنَاوَلَهُ كِتَاباً قِيلَ إِنَّ فِيهِ مَسَائِلَ كَانَ يُرِيدُ الْإِجَابَةَ عَنْهَا فَأَقْبَلَ يَنْظُرُ فِيهِ ( فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ )

قَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوِ اطَّرَدَتْ خُطْبَتُكَ مِنْ حَيْثُ أَفْضَيْتَ فَقَالَ هَيْهَاتَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ تِلْكَ شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَوَاللَّهِ مَا أَسَفْتُ عَلَى كَلَامٍ قَطُّ كَأَسَفِي عَلَى هَذَا الْكَلَامِ أَلَّا يَكُونَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع بَلَغَ مِنْهُ حَيْثُ أَرَادَ


قال الشريف رضي اللّه عنه قوله عليه السلام كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم و إن أسلس لها تقحم يريد أنه إذا شدد عليها في جذب الزمام و هي تنازعه رأسها خرم أنفها و إن أرخى لها شيئا مع صعوبتها تقحمت به فلم يملكها يقال أشنق الناقة إذا جذب رأسها بالزمام فرفعه و شنقها

أيضا ذكر ذلك ابن السكيت في إصلاح المنطق و إنما قال ع أشنق لها و لم يقل أشنقها لأنه جعله في مقابلة قوله أسلس لها فكأنه ع قال إن رفع لها رأسها بمعنى أمسكه عليها بالزمام له

ibrahim aly awaly
23-02-2005, 08:16 AM
روى الجميع أن علياً عليه السلام ميزان الإسلام والكفر ، والإيمان والنفاق ، لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق.. فماذا بقي لغيره من الصحابة؟!

روى الحاكم:3/129: (عن أبي ذر رضي الله عنه قال: ما كنا نعرف المنافقين إلا بتكذيبهم الله ورسوله والتخلف عن الصلوات ، والبغض لعلي بن أبي طالب) . هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه). (ورواه أحمد في فضائل الصحابة:2/639، والدارقطني في المؤتلف والمختلف: 13763 ، والهيثمي في مجمع الزوائد : 9 / 132) .

وروى الترمذي:4/327، و:5/293و298: باب مناقب علي: عن أبي سعيد الخدري قال:إن كنا لنعرف المنافقين نحن معشر الأنصار ببغضهم علي بن أبي طالب).

وروى النسائي في:8/115(عن أم سلمة قالت: كان رسول الله (ص) يقول: لايحب علياً منافق ، ولايبغضه مؤمن. وقال: هذا حديث حسن). (ورواه النسائي أيضاً:5/137، وابن ماجة:1/42، والترمذي:4/327 و:5/594 ، وأحمد: 2/579 و639 وفضائل الصحابة:2/264، وعبد الرزاق في مصنفه: 11/55 ، وابن أبي شيبة في مصنفه:12/56 ، والحاكم :3/129وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ! ووافقه الذهبي في تلخيص المستدرك . ورواه الطبراني في الأوسط:3/89 ، والهيثمي في مجمع الزوائد: 1299 وقال: رجال أبي يعلى رجال الصحيح . ورواه الخطيب في تاريخ بغداد عن صحابة متعددين في:2/72 و:4/41 و:13/32/153 و:14/426 و:2/ 255 ، والبيهقي في سننه: 5/47 ، وابن عبد البر في الإستيعاب:3 /37) .

وفي الترمذي :5/601: (عن الأعمش: إنه لا يحبك إلا مؤمن. هذا حديثٌ حسنٌ صحيح).

وفي الطبراني الكبير:1/319 و:23/380: (عن أبي الطفيل قال: سمعت أم سلمة تقول: أشهد أني سمعت رسول الله (ص)يقول: من أحب علياً فقد أحبني ، ومن أحبني فقد أحب الله ، ومن أبغض علياً فقد أبغضني ، ومن أبغضني فقد أبغض الله) .

وفي فردوس الأخبار:3/64: (عن ابن عباس أن النبي (ص) قال: علي باب حطة ، من دخل منه كان مؤمناً ، ومن خرج منه كان كافراً .

عن أبي ذر أن النبي (ص) قال: علي باب علمي ومبين لأمتي ما أرسلت به من بعدي ، حبه إيمانٌ وبغضه نفاق والنظر إليه رأفة ومودته عبادة ).

وفي صحيح مسلم:1/60 ، تحت عنوان : باب حب علي من الايمان . عن زر بن حبيش قال قال علي: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي (ص) إلي أن لايحبني إلا مؤمن ، ولا يبغضني إلا منافق ).

(ورواه ابن ماجة:1/42 ، والنسائي في سننه:8/115 و117 وفي خصائص علي: 1375 ، وأحمد في مسنده:1/84 و95 و128 وفضائل الصحابة:2/ 264 ، وابن أبي شيبة في المصنف: 12/ 56 ، وعبد الرزاق في المصنف:11/ 55 ، وابن أبي عاصم في السنة:5842 ، وابن حبان في صحيحه:9/40،والخطيب في تاريخ بغداد: 2 ص 255 و: 14 / 426 ، وابن عبد البر في الاستيعاب: 3 / 37 ، وأبو نعيم في الحلية : 8/185 ، وابن حجر في الإصابة:2/503 ، والحاكم في المستدرك: 3 /139 ،والبيهقي في سننه: 5/47 ، وابن حجر في فتح الباري:7/57 ، ومسند أبي يعلى:1/237 )



وفي فتح الباري:7/72: (وفي كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه يقول: لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني ، ولو صببت الدنيا بجمانها على المنافق على أن يحبني ما أحبني! وذلك أنه قُضِيَ فانقضى على لسان النبي الأمي (ص) أنه قال: يا علي لا يبغضك مؤمن ، ولا يحبك منافق ) .

وهو في نهج البلاغة:2/154، شرح محمد عبده ، وقال ابن أبي الحديد في شرحه2: 485 : في الخبر الصحيح المتفق عليه أنه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق ، وحسبك بهذا الخبر ، ففيه وحده كفاية .

وقال في موضع آخر: قال شيخنا أبو القاسم البلخي: قد اتفقت الأخبار الصحيحة التي لاريب عند المحدثين فيها أن النبي(ص) قال له: لايبغضك إلا منافق ولا يحبك إلا مؤمن) . (البحار:39/294 )




~~



الأسئلة



1 ـ صحت الأحاديث عندكم أن علياً عليه السلام كان في زمن النبي صلى الله عليه وآله ميزاناً من الله تعالى للإسلام والكفر والإيمان والنفاق ، فهل انتهى مفعول هذا الميزان الشرعي بمجرد وفاة النبي صلى الله عليه وآله ؟!



2 ـ هل توجد درجة وسط بين حب علي عليه السلام وبغضه ؟ ولماذا لم يبينها النبي صلى الله عليه وآله ويبين حكمها للمسلمين ؟!



3 ـ هل الذين استغلوا انشغال علي عليه السلام تجهيز جنازة النبي صلى الله عليه وآله ولم يدْعوه إلى السقيفة ، ثم هاجموا داره ليجبروه على بيعتهم ، كانوا محبين له ؟!



4 ـ هل الذين رفضوا بيعة علي عليه السلام بعد عثمان ، أو نكثوا بيعته وخرجوا عليه وحاربوه ، كانوا محبين له أم مبغضين ؟!



5- هل تختبرون إسلامكن وإيمانكم بحب علي عليه السلام أو بغضه ؟!



6- هل يمكنك أن تحب شخصاً وتحب مبغضيه ومحاربيه وقاتليه ؟!



من كتاب ألف سؤال واشكالمنقول عن احد المواقع الاسلاميه المواليه

ibrahim aly awaly
24-02-2005, 11:56 AM
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ألا من مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائباً
(كشاف الزمخشري)

ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمناً مستكمل الايمان
( الزمخشري)

آلا ومن مات على حب آل محمد فتحت له في قبره بابُ الى الجنة (تفسير الثعلبي)

يا عمار طاعة علي طاعتي وطاعتي طاعة الله عز وجل
(ينابيع المودة - ص648)

وقال: لو اجتمع الناس على حب علي بن ابي طالب لما خلق الله النار .. ينابيع المودة

قال الامام علي عليه السلام: احسن الحسنات حبنا اهل البيت واسوأ السيئات بغضنا من اطاعنا ملك ومن ابغضنا هلك .......

ibrahim aly awaly
27-02-2005, 08:57 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


تمهيد:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الأولين والآخرين.

موضوع البحث مسألة تفضيل الأئمة (عليهم السلام) على الأنبياء (عليهم السلام).

هذه المسألة مطروحة في كتب أصحابنا منذ قديم الأيام، ولهم على هذا القول أو هذا الاعتقاد أدلتهم الخاصة، ونحن جريا على دأبنا في بحوثنا في هذه الليالي، حيث نستدل فقط بما ورد عن طرق أهل السنة، وما يكون متفقا عليه بين الطرفين، ومقبولا لدى الفريقين، جريا على دأبنا هذا وسيرتنا هذه، نبحث في هذه المسألة على ضوء الأحاديث الواردة عند الطرفين والمقبولة عند الفريقين. وإن كان لأصحابنا أدلتهم على هذه المعتقدات، وهم مستغنون عن دلالة دليل من خارج كتبهم، وغير محتاجين إلى الاستدلال على معتقداتهم بما عند الآخرين، إلا أن هذه الجلسات وهذه البحوث بنيت على أن تكون بهذا الشكل الذي ذكرته لكم. يمكن الاستدلال لتفضيل الأئمة سلام الله عليهم على الأنبياء بوجوه كثيرة، منها الوجوه الأربعة الآتية:


الوجه الأول: مسألة المساواة بين أمير المؤمنين (عليهم السلام) والنبي (صلى الله عليه وآله).


الوجه الثاني: تشبيه أمير المؤمنين بالأنبياء السابقين.


الوجه الثالث: كون علي أحب الخلق إلى الله مطلقا.


الوجه الرابع: صلاة عيسى خلف المهدي.


هذه الوجوه الأربعة، وعندنا وجوه أخرى أيضا، لكني أكتفي بهذه الوجوه وأبينها لكم على ضوء الكتاب، وعلى ضوء السنة المقبولة عند الفريقين.


المساواة بين أمير المؤمنين (عليه السلام) والنبي (صلى الله عليه وآله) نستدل لذلك بالكتاب أولا، بآية المباهلة، إن دلالة قوله تعالى: (وأنفسكم)(1) على المساواة بين أمير المؤمنين والنبي (صلى الله عليه وآله).

ولما كان نبينا أفضل من جميع الأنبياء السابقين بالكتاب وبالسنة وبالإجماع، فيكون علي أيضا كذلك، وهذا الوجه مما استدل به علماؤنا السابقون، لاحظوا تفسير الفخر الرازي، وغيره، حيث يذكرون رأي الإمامية واستدلالهم بهذه الآية المباركة على أفضلية أمير المؤمنين من الأنبياء السابقين.

يقول الرازي - في ذيل آية المباهلة -: كان في الري رجل يقال له محمود بن الحسن الحمصي، وكان معلما للاثني عشرية، وكان يزعم أن عليا أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد. قال: والذي يدل عليه قوله: (وأنفسنا وأنفسكم)، وليس المراد بقوله: (وأنفسنا) نفس محمد (صلى الله عليه وآله)، لأن الإنسان لا يدعو نفسه، بل المراد به غيره، وأجمعوا على أن ذلك الغير كان علي بن أبي طالب، فدلت الآية على أن نفس علي هي نفس محمد، ولا يمكن أن يكون المراد منه أن هذه النفس هي عين تلك النفس، فالمراد أن هذه النفس مثل تلك النفس، وذلك يقتضي الاستواء في جميع الوجوه، ترك العمل بهذا العموم في حق النبوة، وفي حق الفضل أي الأفضلية، لقيام الدلائل على أن محمدا كان نبيا وما كان علي كذلك، ولانعقاد الإجماع على أن محمدا كان أفضل من علي، فيبقى فيما وراءه معمولا به، ثم الإجماع دل على أن محمدا كان أفضل من سائر الأنبياء، فيلزم أن يكون علي أفضل من سائر الأنبياء، فهذا وجه الاستدلال بظاهر الآية المباركة(2).

والشيخ محمود بن الحسن الحمصي من علماء القرن السابع، له كتاب المنقذ من الضلال، وطبع هذا الكتاب أخيرا وهو في علم الكلام.

ثم يقول الرازي في جواب هذا الاستدلال - لاحظوا الجواب -: والجواب: إنه كما انعقد الإجماع بين المسلمين على أن محمدا أفضل من علي، فكذلك انعقد الإجماع بينهم - أي بين المسلمين - قبل ظهور هذا الإنسان - أي الشيخ الحمصي - فالإجماع منعقد قبل ظهور هذا وقبل وجوده على أن النبي أفضل ممن ليس بنبي، وأجمعوا - أي المسلمون - على أن عليا ما كان نبيا، فلزم القطع بأن ظاهر الآية كما أنه مخصوص بحق محمد، فكذلك مخصوص في حق سائر الأنبياء.

ويتلخص الجواب: في دعوى الإجماع من عموم المسلمين على أن غير النبي لا يكون أفضل من النبي، وعلي ليس بنبي، فالاستدلال باطل. ولو راجعتم تفسير النيسابوري أيضا لوجدتم نفس الجواب، وكذا لو رجعتم إلى تفسير أبي حيان الأندلسي البحر المحيط.

النيسابوري يقول، وعبارته ملخص عبارة الرازي: فأجيب بأنه كما انعقد الإجماع بين المسلمين على أن محمدا أفضل من سائر الأنبياء، فكذا انعقد الإجماع بينهم على أن النبي أفضل ممن ليس بنبي، وأجمعوا على أن عليا ما كان نبيا.

ونفس الكلام أيضا تجدونه بتفسير أبي حيان(3)، وتفسير النيسابوري مطبوع على هامش تفسير الطبري(4). فكان الجواب إذن دعوى الإجماع من عموم المسلمين قبل الشيخ الحمصي على أن من ليس بنبي لا يكون أفضل من النبي.

لو ثبت هذا الإجماع، أو كان مستندا إلى أدلة قطعية، ولم يكن في مقابله أدلة قطعية، لسلمنا ووافقنا على هذا الجواب. ولكن القول بأفضلية أئمة أهل البيت من سائر الأنبياء سوى نبينا (صلى الله عليه وآله)، هذا القول موجود بين علماء هذه الطائفة قبل الشيخ الحمصي، فأين دعوى الإجماع - إجماع المسلمين - قبل ظهور هذا الإنسان. الشيخ الحمصي كما ذكرنا، وفاته في أوائل القرن السابع، لكن الاستدلال الذي ذكره الشيخ الحمصي إنما أخذه من الشيخ المفيد، والشيخ المفيد وفاته سنة (413)، فقبل الشيخ الحمصي هذا القول موجود، وهذا الاستدلال مذكور بالكتب، على أنا إذا راجعنا كلام الشيخ المفيد لوجدناه ينسب الاستدلال إلى من سبقه من العلماء، فهذا الاستدلال موجود من قديم الأيام، وإذا كان الدليل هو الإجماع، إذن لا إجماع على أن غير النبي لا يكون أفضل من النبي، وليس للرازي ولا لغيره جواب غير الذي قرأته لكم.

وأما المساواة بين أمير المؤمنين والنبي من السنة، فهناك أدلة كثيرة وأحاديث صحيحة معتبرة، متفق عليها بين الطرفين، صريحة في هذا المعنى، أي في أن أمير المؤمنين والنبي متساويان، إلا في النبوة، لقيام الإجماع على أن النبوة ختمت بمحمد (صلى الله عليه وآله).

نذكر بعض الأحاديث: منها: حديث النور: خلقت أنا وعلي من نور واحد، ففي تلك الأحاديث يقول رسول الله: إن الله سبحانه وتعالى قسم ذلك النور نصفين، فنصف أنا ونصف علي، قسم ذلك النور نصفين، وهما مخلوقان من نور واحد، ولما كان رسول الله أفضل البشر مطلقا، فعلي كذلك، وقد قرأنا هذا الحديث.

ومن الأحاديث أيضا قوله (صلى الله عليه وآله) بالنص: أنا سيد البشر تجدون هذا الحديث في صحيح البخاري (5)، وفي المستدرك (6)، وفي مجمع الزوائد (7)، وإذا كان علي مساويا لرسول الله بمقتضى حديث النور، وبمقتضى آية المباهلة، فعلي أيضا سيد البشر، وإذا كان سيد البشر، فهو أفضل من جميع الأنبياء.

قوله (صلى الله عليه وآله): أنا سيد ولد آدم، وهذا الحديث تجدونه في صحيح مسلم(8)، وفي سنن الترمذي(9)، ومسند أحمد(10)، وفي المستدرك(11)، وفي مجمع الزوائد(12) وغير هذه المصادر.

وإذا كان علي (عليه السلام) بمقتضى آية المباهلة وبمقتضى حديث النور مساويا لرسول الله، فيكون أيضا سيد ولد آدم.


تشبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) بالأنبياء (عليهم السلام) السابقين

وهذا الوجه أيضا ذكره الشيخ الحمصي، وأورده الفخر الرازي في الاستدلال، لكن الشيخ الحمصي ذكر هذا الدليل كتأييد لدلالة آية المباهلة، لكنا نعتبره دليلا مستقلا، وهذا الحديث نسميه بحديث الأشباه أو حديث التشبيه، وهو قوله: من أراد أن يرى آدم في علمه، ونوحا في طاعته، وإبراهيم في خلته، وموسى في هيبته، وعيسى في صفوته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

وهذا هو اللفظ الذي ذكره الشيخ الحمصي، وللحديث ألفاظ أخرى، هذا الحديث بألفاظه المختلفة موجود في كتب الفريقين، أذكر لكم بعض أعلام الحفاظ والأئمة من أهل السنة الرواة لهذا الحديث بألفاظه المختلفة:


1 - عبد الرزاق بن همام، صاحب المصنف وشيخ البخاري.

2 - أحمد بن حنبل.

3 - أبو حاتم الرازي.

4 - أبو حفص ابن شاهين.

5 - الحاكم النيسابوري.

6 - ابن مردويه الإصفهاني.

7 - أبو نعيم الإصفهاني.

8 - أبو بكر البيهقي.

9 - ابن المغازلي الواسطي.

10- أبو الخير القزويني الحاكمي.

11- الطبري، صاحب الرياض النضرة.

12- ابن الصباغ المالكي.

وغير هؤلاء من العلماء، يروون هذا الحديث بأسانيدهم عن عدة من صحابة رسول الله، عن النبي (صلى الله عليه وآله).

ومن رواته: ابن عباس، وأبو الحمراء، وأبو سعيد الخدري، ومن رواته صحابة آخرون أيضا.

ولا بد من الكلام والبحث حول هذا الحديث سندا ودلالة ليتم الاستدلال.

أما سندا، فإني أذكر لكم سندين من أسانيده، وقد حققتهما، وهما سندان صحيحان، وبإمكاني تحقيق صحة أسانيد أخرى لهذا الحديث أيضا، لكني أكتفي بهذين السندين: يقول ياقوت الحموي في كتابه معجم الأدباء بترجمة محمد ابن أحمد بن عبيد الله الكاتب المعروف بابن المفجع، هذا الشخص نظم حديث التشبيه في قصيدة، والقصيدة اسمها قصيدة الأشباه، يقول الحموي ياقوت: وله قصيدة ذات الأشباه سميت بذات الأشباه لقصده فيما ذكره: الخبر الذي رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال:

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو في محفل من أصحابه: إن تنظروا إلى آدم في علمه، ونوح في فهمه، وإبراهيم في خلته، وموسى في مناجاته، وعيسى في سننه، ومحمد في هديه وحلمه، فانظروا إلى هذا المقبل، فتطاول الناس فإذا هو علي بن أبي طالب، فأورد المفجع ذلك في قصيدته وفيها أي في هذه القصيدة مناقب كثيرة.

ياقوت الحموي معروف بأنه من المنحرفين عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهذا مذكور بترجمته، لاحظوا كتاب وفيات الأعيان، لاحظوا شذرات الذهب وغيرهما من المصادر، وقد ذكروا أنه تكلم في سنة 613 ه،‍ في دمشق بكلام في علي، فثار الناس عليه وكادوا يقتلونه، فانهزم من دمشق، ذكر هذا ابن خلكان ونص على أنه كان متعصبا على علي.

وأما عبد الرزاق بن همام، فهذا كما أشرنا وذكرنا وفي الجلسات السابقة أيضا ذكرناه، هذا شيخ البخاري وصاحب المصنف ومن رجال الصحاح كلها، ولم يتكلم أحد في عبد الرزاق ابن همام بجرح أبدا، حتى قيل بترجمته: ما رحل الناس إلى أحد بعد رسول الله مثل ما رحلوا إليه، توفي سنة 211 ه‍. معمر بن راشد، من رجال الصحاح الستة، توفي سنة 153 ه‍.

الزهري هو الإمام الفقيه المحدث الكبير، من رجال الصحاح الستة، وقد تجرأ ابن تيمية وادعى بأن هذا الرجل أفضل من الإمام الباقر (عليه السلام).

وإما سعيد بن المسيب، فكذلك هو من رجال الصحاح الستة، توفي بعد سنة 90 ه‍، وهذا الشخص يروي هذا الحديث عن أبي هريرة. وأبو هريرة عندهم من الصحابة الثقات والموثوقين، الذين لا يتكلم فيهم بشكل من الأشكال.

فهذا السند صحيح إلى هنا. وسند آخر، وهو ما ذكره الحافظ ابن شهر آشوب المازندراني في كتابه مناقب آل أبي طالب، المتوفى سنة 588 ه‍. هذا من علمائنا، لكن يترجمون له في كتبهم في كتب التراجم، ويثنون عليه الثناء الجميل، وينصون على أنه كان صادق اللهجة، وسأقرأ لكم عبارة ابن شهر آشوب يقول: روى أحمد بن حنبل، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة. وأيضا روى ابن بطة في الإبانة بإسناده عن ابن عباس، كلاهما عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى موسى في مناجاته، وإلى عيسى في سمته، وإلى محمد في تمامه وكماله وجماله، فلينظر إلى هذا الرجل المقبل)، قال: فتطاول الناس بأعناقهم فإذا هم بعلي كأنما في صبب وينحل عن جبل. وتابعهما أنس، أنس بن مالك أيضا من رواة هذا الحديث إلا أنه قال: (وإلى إبراهيم في خلته، وإلى يحيى في زهده، وإلى موسى في بطشته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب)(13).

وهذا السند نفس السند، إلا أن الراوي عن عبد الرزاق هو أحمد بن حنبل، وأحمد بن حنبل لا يحتاج إلى توثيق.

وأما ابن شهر آشوب، فهو أحد كبار علماء طائفتنا، إلا أن أهل السنة أيضا يحترمونه ويثنون عليه، ويترجمون له، فلاحظوا الوافي بالوفيات للصفدي، لاحظوا بغية الوعاة للسيوطي، ولاحظوا غير هذين الكتابين، يقولون هناك بترجمته: وكان بهي المنظر، حسن الوجه والشيبة، صدوق اللهجة، مليح المحاورة، واسع العلم، كثير الخشوع والعبادة والتهجد(14).

وأما دلالة حديث التشبيه، فهذا الحديث يدل على أفضلية أمير المؤمنين من الأنبياء السابقين، بلحاظ أنه قد اجتمعت فيه ما تفرق في أولئك من الصفات الحميدة، ومن اجتمعت فيه الصفات المتفرقة في جماعة، يكون هذا الشخص الذي اجتمعت فيه تلك الصفات أفضل من تلك الجماعة، وهذا الاستدلال واضح تماما، ومقبول عند الطائفتين، وسأقرأ لكم بعض العبارات: يقول ابن روزبهان في الجواب عن هذا الحديث: أثر الوضع على هذا الحديث ظاهر، ولا شك أنه منكر، لأنه يوهم أن علي بن أبي طالب أفضل من هؤلاء الأنبياء، وهذا باطل، فإن غير النبي لا يكون أفضل من النبي، وأما أنه موهم هذا المعنى فلأنه جمع فيه من الفضائل ما تفرق في الأنبياء، والجامع للفضائل أفضل من الذين تفرق فيهم الفضائل، وأمثال هذا من الموضوعات. فيضطر ابن روزبهان بعد أن يرى تمامية دلالة الحديث على مدعانا، يضطر إلى رمي الحديث بالوضع(15).

وقد أثبتنا نحن صحة الحديث، وأثبتنا أنه حديث متفق عليه بين الفريقين، وذكرنا عدة من أعيان رواة هذا الحديث من أهل السنة. ويقول ابن تيمية: هذا الحديث كذب موضوع على رسول الله بلا ريب عند أهل العلم بالحديث(16).

وكأن عبد الرزاق، وأحمد، وأبا حاتم الرازي، وغير هؤلاء ليسوا من أهل العلم بالحديث، لكن الظاهر أنه يقصد من أهل العلم بالحديث نفسه وبعض من في خدمته من أصحابه المختصين به!! ومما يدل على تمامية الاستدلال بهذا الحديث سندا ودلالة: إذعان كبار علماء الكلام بهذا الاستدلال، لاحظوا المواقف في علم الكلام وشرح المواقف(17) وشرح المقاصد(18)، فالقاضي الإيجي والشريف الجرجاني والسعد التفتازاني يذكرون هذا الاستدلال، ولا يناقشون لا في السند ولا في الدلالة، وإنما يجيب التفتازاني بأن هذا الحديث وأمثاله مخصصة بالشيخين، لأن الشيخين أفضل من علي، للأدلة القائمة عندهم على أفضلية الشيخين، فحينئذ لا بد من التخصيص، ودائما التخصيص فرع الحجاة، لا بد وأن يكون الحديث صحيحا سندا، ولا بد أن تكون دلالته تامة، فحينئذ يدعى أن هناك أدلة أيضا صحيحة قائمة على أفضلية زيد وعمرو ومن علي، فتلك الأدلة القائمة على أفضلية زيد وعمرو تلك الأدلة تكون مخصصة لهذا الحديث، وترفع اليد عن هذا الحديث بمقدار ما قام الدليل على التخصيص.

لاحظوا عبارة هؤلاء، عندما يذكر صاحب المواقف، وأيضا شارح المواقف، يذكران أدلة أفضلية علي يقول: الثاني عشر قوله (صلى الله عليه وسلم): (من أراد أن ينظر إلى آدم... ) إلى آخر الحديث، وجه الاستدلال: قد ساواه النبي بالأنبياء المذكورين - أي في هذا الحديث - وهم أفضل من سائر الصحابة إجماعا، وإذا كان الأنبياء المذكورون في هذا الحديث أفضل من الصحابة، فيكون من ساوى الأنبياء أفضل من الصحابة إجماعا. ثم أجابوا لا بالمناقشة في السند ولا في المناقشة في الدلالة، بل بأنه تشبيه، ولا يدل على المساواة، وإلا كان علي أفضل من الأنبياء المذكورين، لمشاركته ومساواته حينئذ لكل منهم في فضيلته واختصاصه بفضيلة الآخرين، والإجماع منعقد على أن الأنبياء أفضل من الأولياء. هذه عبارة المواقف وشرحها.

وفي شرح المقاصد يذكر التخصيص فيقول: لا خفاء في أن من ساوى هؤلاء الأنبياء في هذه الكمالات كان أفضل. ثم ناقش في ذلك بقوله: يحتمل تخصيص أبي بكر وعمر منه، عملا بأدلة أفضليتهما، إذن، لا مناقشة لا في السند ولا في الدلالة، وإنما المناقشة بأمرين:


الأول: الإجماع القائم على أن غير النبي لا يكون أفضل من النبي. وقد أثبتنا أن لا إجماع.


الأمر الثاني تخصيص هذا الحديث بما دل على أفضلية الشيخين.


ولكن هذا أولا الكلام. وتلخص: إن هذا الحديث يدل على أفضلية أمير المؤمنين، والمناقشات، أما في سنده فمردودة، إذ رمى ابن تيمية وابن روز بهان هذا الحديث بالوضع، وقد ظهر أنه ليس بموضوع، بل إنه صحيح ومقبول عند الطرفين، وأما المناقشة بالدلالة، فهي إما عن طريق الإجماع المذكور، وإما عن طريق التخصيص، يقول السعد التفتازاني: يحتمل تخصيص هذا الحديث. وقد ذكره على نحوه الاحتمال.

ومن جملة ما يستدل به لأفضلية رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الأنبياء السابقين قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين، وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين، وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده)(19). محل الاستدلال كما ذكر الرازي وغيره من المفسرين: إن هذه الآيات المباركة تدل على أفضلية نبينا من سائر الأنبياء، لأن قوله تعالى: (فبهداهم اقتده) دليل على أنه قد اجتمع فيه الخصال المحمودة المتفرقة فيهم، كالشكر في داود وسليمان، والصبر في أيوب، والزهد في زكريا وعيسى ويحيى، والصدق في إسماعيل، والتضرع في يونس، والمعجزات الباهرة في موسى وهارون، فيكون منصبه - منصب نبينا - أجل من منصبهم، ومقامه أفضل من مقامهم.

وهذا نفس الاستدلال الذي نستدل به على ضوء حديث التشبيه بأن عليا قد جمع ما تفرق في أولئك الأنبياء، نفس الاستدلال في هذه الآية، بحسب ما ذكره المفسرون.

وإذا كان نفس الاستدلال، فحينئذ يتم استدلالنا بحديث التشبيه هذا أولا. وثانيا إذا كان بهذه الآيات رسول الله أفضل من الأنبياء السابقين، فعلي ساوى رسول الله، فهو أيضا أفضل من الأنبياء السابقين. لاحظوا التفاسير في ذيل هذه الآية، كتفسير الفخر الرازي(20)، وتفسير النيسابوري(21)، وتفسير الخطيب الشربيني(22)، ولربما تفاسير أخرى أيضا يتعرضون لهذا الاستدلال.




حديث الطير :

علي (عليه السلام) أحب الخلق إلى الله وهذا ما دل عليه حديث الطير: (اللهم ائتني بأحب الخلق إليك يأكل معي من هذا الطائر).

وقد ذكرنا سند هذا الحديث ودلالته في ليلة خاصة، ودرسنا ما يتعلق بهذا الحديث بنحو الإجمال، وإذا كان علي (عليه السلام) أفضل الخلق إلى الله سبحانه وتعالى، فيكون أفضل من الأنبياء، كما هو واضح.

ولا يقال إن المراد من أفضل الخلق إلى الله، أي في زمانه، أي في ذلك العصر، لا يقال هذا، لعدم مساعدة ألفاظ الحديث على هذا الاحتمال، مضافا إلى أن بعض ألفاظه يشتمل على الجملة التالية: (اللهم ائتني بأحب خلقك إليك من الأولين والآخرين)، فيندفع هذا الاحتمال.


صلاة عيسى (عليه السلام) خلف المهدي (عليه السلام)

ومن الأدلة على أفضلية الأئمة (عليهم السلام) من الأنبياء السابقين، قضية صلاة عيسى خلف المهدي، وهذا أيضا مما نقش فيه بعضهم كالسعد التفتازاني من حيث أن عيسى نبي، وكيف يمكن أن يقتدي بمن ليس بنبي، وعليه فإن هذه الأحاديث باطلة.

لاحظوا عبارته يقول: فما يقال إن عيسى يقتدي بالمهدي شئ لا مستند له فلا ينبغي أن يعول عليه، نعم هو وإن كان حينئذ من أتباع النبي، فليس منعزلا عن النبوة، فلا محالة يكون أفضل من الإمام، إذ غاية علماء الأمة الشبه بأنبياء بني إسرائيل(23). هذه عبارة سعد الدين التفتازاني. ونحن نكتفي في جوابه بما ذكره الحافظ السيوطي، فإنه أدرى بالأحاديث من السعد التفتازاني، يقول الحافظ السيوطي في الحاوي للفتاوي: هذا من أعجب العجب، فإن صلاة عيسى خلف المهدي ثابتة في عدة أحاديث صحيحة بإخبار رسول الله، وهو الصادق المصدق الذي لا يخلف خبره

وفي الصواعق لابن حجر دعوى تواتر الأحاديث في صلاة عيسى خلف المهدي سلام الله عليه

إذن، أثبتنا أفضلية أئمتنا من الأنبياء السابقين بأربعة وجوه، على ضوء الكتاب والسنة المقبولة عند الفريقين.

ولما كان هذا القول غريبا في نظر أهل السنة ولا يتمكنون من أن يقبلوا مثل هذا الرأي أو هذه العقيدة، أخذوا يناقشون في بعض الأحاديث، أو يناقشون في الاستدلال ببعض الآيات، وقد وجدتم الاستدلالات، وقرأت لكم عمدة ما قالوا، وما يمكن أن يقال في هذا المجال، وظهر اندفاع تلك المناقشات كلها. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

نقلا عن احد المنتديات الاسلاميه المواليه

ibrahim aly awaly
01-03-2005, 08:25 AM
محاورة
ذِكْرُ عَليٍّ عليه السلام عِبادَةٌ


مقدمة
أهمية محاورة ذكر علي عليه السلام عبادة وتأريخها

أهمية محاورة ذكر علي عليه السلام عبادة :
إن الله سبحانه وتعالى وفقني لأن أطلب عبادته من خلال نصر الحق بنصر أولياءه الذين جعلهم هداة لصراطه المستقيم ونعيمه المقيم ، وذلك عندما جادلتُ بالتي هي أحسن لأداء اليسير من حق سيدي ومولاي الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، فكانت لي مشاركات في بعض المحاورات على ساحات الحوار في الإنترنت ، والتي كان منها محاورة تحت عنوان ذكر علي عليه السلام عبادة ، وقد وضعتها ضمن صفحة البحوث في موقعي الشخصي ( صحف الطيبين ) والذي أضع فيه كتاباتي وما ألفته على مرور الزمان من صحف أصول الدين وسيرت المعصومين عليهم السلام .
وهذه المحاورة قد كانت فاتحة خير لكتابة صحيفة الإمام علي عليه السلام في موقع صحف الطيبين باسم ذكر علي عليه السلام عبادة ، وصارت كتاباً له عدة أجزاء يبين كيفية الذكر والعبادة لله تعالى وحده لا شريك له عند ذكر كل أمر يعرفنا الولاية الحقيقية لنبينا الكريم وآله الطيبين الطاهرين ، ويعرفنا تعاليمهم التي خصهم الله بها وشرفهم بها ليعلموها لنا بكل وجودهم ، وبالخصوص ذكر المناقب الكريمة والخصائص الشريفة لإمام الهدى وخليفة الله على المسلمين بعد النبي الكريم علي بن أبي طالب صلى الله عليهم وعلى آلهم وسلم .
وطبعت هذه المحاورة مفردة وهي بين يديك ، كما وقد وضعت هذه المحاور في مقدمة صحيفة ذكر علي عبادة ليُعرف سبب تأليفها والأسس الداعية لإيجاد بحوثها والمعارف التي نذكرها فيها ، وكانت هذه المحاورة هي الباب الأول الذي يفتح منه ألف باب في معرفة دين الله وعبوديته وذكره ، ومن خلال معرفة الصراط المستقيم لهدى الله ونعيمه الذي يقود العباد فيه إمام الحق وولي الله الصادق المصدق علي بن أبي طالب وآله آل رسول الله صلى الله عليهم وسلم .
كما ولتطلع على أهم ما يشكل به المخالفون ومجال الخلط عندهم وكيف يحرفون الحق عن محله ، وذلك ليبرروا عبادة لله بدين أئمة الكفر معاوية وأمثاله وممن سلك سبيله ومهد له الحكم ، وكيف يهجرون دين علي وآله وسيده نبينا الكريم صلى الله عليهم وسلم ، والذي هو دين الله الحق وصراطه المستقيم لحقيقة معرفته والإيمان به ولعبادته والإخلاص له من غير شرك .
فيا طيب : فإن أحببت المزيد من معرفة أسس الدين والمعارف التي تنبع من حديث ذكر علي عليه السلام عبادة ، خالصة لله سبحانه وتعالى ، فعليك بمراجعة الكتاب المذكور بكل أجزاءه أو بعضها ، وإن كنت تطلب الاختصار وإجمال البحث وتكتفي بنص المحاورة لمعرفة الحق في أن ذكر الإمام علي عليه السلام بكل سيرته وسلوكه وتعاليمه ومعارفه ومعرفته يكون مقرب لله ومن أحسن العبادة الخالصة له تعالى ، فهذه المحاورة وحدها أضعها بين يديك ، وبها أيضاً تعرف ما جرى بيننا من الحوار في معارف الحديث الشريف ، وتعرفنا باختصار بأنها من أفضل المسائل العباديّة عندنا ، وأكثرها شركاً عندهم ، فهم لا يرضون بذكره عليه السلام بمفرده من بين الصحابة أو تفضيله عليهم ، ويحرمون زيارته بل كل زيارة للنبي وآله صلاة الله وسلامه عليهم ويعتبرونها شركاً .
فكيف بدعوى أنّ ذكره عليه السلام عبادة ؟ وهل تراهم يقرون لها ويسلمون بصدقها ، وهم يفرون من معرفة الحق الصريح فيها وفيما شابهها من المسائل المرتبطة بحب النبي وآله الكرام وذكرهم ؟ فكيف يعتبرون ذكر سيد آل البيت بعد النبي عبادة والقرب منه عليه السلام طاعة لله يعبد بها سبحانه ويتقرب بها إليه بكل إخلاص ، وهم يصعب عليهم حتى سماع الكلام بمدحهم ، أو الترنم بذكر يفضلهم على الصحابة ؟ !! .
وهذا الجدال في هذه المحاورة بين طرفي النقيض بين شيخ شيعي وشيخ وهابي : تطلع فيه بعين الإنصاف وبضمير حر ووجدان صافٍ وعقل سليم لتعرف أنَّ الحق مع نبينا محمد وآله صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين ، وتتيقن أن ذكر علي وآل علي وسيدهم النبي صلاة الله وسلامه عليهم وفق الشرع والعقل والعرف والوجدان عبادة ، وأن في ذكره وذكرهم كلهم عليهم السلام القربة الخالصة المرضية لله تعالى ، والتي لها أعلى ثواب وأجزل عطاء من الله تعالى ، وفيها المقام الرفيع والكون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين .
وأسأل الله أن تكون هذه المعرفة لهذه المسألة عوناً لنا ولكل مؤمن في معرفة معنى العبادة والذكر وحقيقتهما ، وكيفية التعبد لله بالولاية لأوليائه ونصرهم ومعاداة أعداء دينه والبراءة منهم وكشف سرهم ، ولتطمئن أنفسنا ويذعن عقلنا ووجداننا وكل وجودنا بأنها من الدين ، بل من خالص العبودية لله تعالى وامتثال أوامر رب العالمين وإطاعتها بما يحب ويرضى .


تأريخ محاورة ذكر علي عليه السلام عبادة وترتيبها :
كانت هذه المحاورة المباركة المسماة بـ ( ذكر علي عليه السلام عبادة ) ـ على ساحة حوار ( شبكة الموسوعة الشيعية ) وبمناسبة ميلاد الإمام علي عليه السلام في رجب من سنة 1420 ـ وقد بدأت في يوم 22-10-1999 ، الساعة 12:05 بعد الظهر ، وانتهت بما كتبه في يوم : 30-10-1999 الساعة : 11:45 مساءً .
وكان المحرر الأول للمحاورة الأخ أبو أحمد ثم توالت التهاني بين المؤمنين ، وبعدها أستقر النقاش بيني حيث كتبت باسمي حسن بالإنكليزية والتوقيع كان بعنوان خادم علوم آل محمد عليهم السلام .
وبين المدعو محمد إبراهيم وهو أول أربعة أو خمسة شخصيات من الوهابية الذين يعتنون بمحاوراتهم ويشيدون بها ، ويزجون بهم في معضل حوارهم مع الشيعة وأنصار نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين صلى الله عليهم وسلم .
كما وسترى هنا كل حوار مع عنوان مناسب له ومنتزع من المواضيع التي فيه ومع المحافظة على الأمانة في المحتوى والنص ، وإن أحببت أن ترى المحاورة بنصها من غير كتاب أو من غير تنظيم فعليك بصفحة البحوث من موقع صحف الطيبين قسم الحوار ، وقد رقمت كل محاورة دارت بيني وبينه بالإضافة للمحاورة التي فيها بيان حُسن سند حديث ذكر علي عليه السلام عبادة ، وهي كتاب الإبادة لحكم الوضع على حديث ذكر علي عبادة للسيد الجليل حسن الحسيني آل المجدد الشيرازي حفظه الله ، وقد أضافها الأخ أبو أحمد لدعم المحاورة وإقامة الحجة فجزاه الله خيراً .
كما إن المحاورة التي أجراها الأخ أبو أحمد والتي كانت أساساً لهذه المحاورات لم أعطها رقماً ، وقد اعتبرتها تهنئة في ذلك اليوم المبارك ولتتميز بما فيها من الأحاديث الشريفة التي تبين مقام الإمام علي عليه السلام ، وهكذا لم أرقم ما شابهها من كلمات التهاني التي تبارك للمؤمنين ذلك اليوم الشريف للذكرى السنوية بمناسبة ميلاد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في رجب من سنة 1420 هجري ، والذي تبادله الأخوة الكرام الطيبون في تلك الأيام المباركة والتي كانت حافلة بالتهاني بينهم ، وبدأت بالرقم من محاورة المخالف .
وذكرت محاوراتنا بعد رقمها باسم الشيعي ، وأما ما ذكره المحاور الآخر المعترض باسم الوهابي حسب مذهبة الذي كان المؤسس له في الزمن الأخير محمد بن عبد الوهاب ، ثم بعد ذكر رقم المحاورة وطرف الحوار ، أذكر عنواناً مناسباً يتضمن موضوع المحاورة ويشير لأهم مطالبها ، وبعد العنوان نضع زمان تحريرها وكتابتها في ساحة الحوار للموسوعة الشيعية .

أثر المحاورة في تكوين صحيفة ذكر علي عليه السلام عبادة لله :
ولما كان قد أنقطع الحوار على حين غرة ولم يستوف البحث حقه أُعلق على المحاورة ببعض التعليقات البسيطة ، وتمام البحث تجده ضمن موسوعة صحف الطيبين قسم صحيفة ذكر علي عليه السلام عبادة بكل أجزاءها ، وجعلناه بإذن الله في أجزاء متعددة تبدأ بأجزاء ما نذكر به الإمام علي عليه السلام ، وبعدها في معنى العبادة لله تعالى وما يرتبط بها من ضرورة الإيمان والحضور عند الله مخلصين له الدين ، وأول ما يترتب على الإيمان به من ذكره تعالى وحده لا شريك له ، وكيف التعبد له بذكر فضله على أولياءه وهداه لهم ، وبذكر كل ما خصهم الله به وكرمهم وأنعم به عليهم حتى كانوا بكل وجودهم أولياءه المعرفين له ولدينه الصادق ، وإن من أول تعاليم الدين هو نصر أولياء دين الله وأئمة الحق وضرورة أخذ أحكام الدين وتعاليمه منهم والتعبد لله بذكرهم .
وهكذا يكون البحث في الأجزاء بعدها في الذكر ومعناه ثم تتوالى البحوث إن شاء الله ، حتى نتيقن بكل وجداننا وديننا وعقلنا وفطرتنا إن ذكر علي عليه السلام عبادة خالصة لله تعالى لا شرك فيها أبدأ ، بل ذكره عليه السلام في أي دين وهدى وصفة له وخصال الكرامة التي منَّ الله بها عليه هي من أول المعارف والذكر الحق الذي يدعوا للإخلاص لله وحده لا شريك ، ويصفيه من كل باطل وظلام لأولياء الشيطان وأئمة الفكر ، وأن الشرك والضلال في ذكر أعداءه وموالاتهم ودعوة الناس لدينهم ، فإذا أردت المزيد في معرفة الحق وأهله فعليك بصحيفة ذكر علي عليه السلام عبادة بكل أجزاءها التي نعدها للطبع أو تجدها في موقع صحف الطيبين ، واسأل الله أن يوفقني لكي أؤدي البحث حقه ويقبل مني نصر دينه أنه ولي حميد .
كما لا يسعني إلا أن أشكر الأخ الفاضل المؤلف لبحث " الإِبـادة لحكم الوضـع على حديث ذِكْرُ عَليٍّ عليه السلام عبـادة " السـيّد حسن بن صادق الحسيني آل المجـدّد الشيرازي حفظه الله ورعاه ، والذي عرضنا عليه المحاورة قبل أن نعدها للطبع ووضعها على الانترنيت ، فراجعها مشكوراً وأقترح أن يوضع الأصل من متن بحث الإبادة الماثل بين يديك في المحاورة العاشرة ، لأن ترتيبه أفضل وبحوثه أتم وأكمل ، فجزاه الله خيراً وبارك جهوده ويراعه المبارك الذي كتب هذا الكتاب وغيره من الكتب والبحوث في بيان حسن أحاديث الولاية وصحتها ، ككتاب حُسْن الرِّفادة بتلخيص الإفادة بطرق حديث النظر إلى علي عبادة ، وحديث إتمام النعمة بتصحيح حديث عليٌّ باب دار الحكمة ، وغيرها الكثيرة والمنشورة في أعداد من مجلة تراثنا ومجلة الحديث .
كما وأشكر كل المؤمنين الذين ساعدوا على نشره وترويجه وبأي جهد بذلوه في سبيل إعلاء كلمة الحق وجزاهم الله خير الجزاء ، وأيد الله جهودهم المبذولة لنشر علوم أهل البيت عليهم السلام بما يفرح كل طيب ، ويسر كل مؤمن يرى في كتب أهل مذهبه كل الواقع الذي يطابق هدى الله الصادق ، وبدليل محكم البيان وأسلوب جميل المنهل سهل المرقى يشفي غليل كل مسلم منصف يحب دين الله وحده لا شريك له ، ويبحث بجد واجتهاد عن مذهبٍ ناطق بما يرضي الله ورسوله ، ويوصله بصراط مستقيم لكل ما فيه الإيمان الخالص لله وحده لا شريك له ، ويصفيه من كل باطل ومكر وخداع لأولياء الشيطان من أئمة الكفر والضلال وأتباعهم .
فيعتنق مذهب النبي وآله صلى الله عليهم وسلم ، ويدين به لله تعالى مطمئن مسرور بهداه ، وبعد أن أيقن بأدلته المحكمة وبراهينه الصادقة والتي توصله لرضا الله سبحانه ، لأنه دينه الحق الذي أنزله على خاتم الأنبياء والمرسلين ، وحافظ عليه بآل النبي الطيبين الطاهرين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين ، وعلى رغم المعاندين والمحاربين لهم في كل زمان ومكان ، وسواء كانوا مقاتلين لهم بالقلم واللسان أو بالحربة والسنان ، لأنهم كانوا عنهم ضالين وبهداهم الذي هو هدى الله غير مقتدين .
هذا ونسأل الله أن يتقبله منا وممن يقرأه ويؤمن به علماً وعملاً خالصاً لوجهه الكريم ، ويأجرنا بأحسن أجر حتى يجعلنا في الدنيا والآخرة مع مَن نتولاه وندين له بهداهم ، أئمتنا الأخيار المصطفين نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين صلى الله عليهم وسلم أجمعين ، أنه ولي حميد وهو ارحم الراحمين ورحم الله من قال آمين .


المحاور
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان
موقع صحف الطيبين
suhufaltybyn@hotmail.com

ibrahim aly awaly
01-03-2005, 08:48 AM
بداية محاورة
ذِكْرُ عَليٍّ عليه السلام عبـادة


حرر أبو أحمد الشيعي : في يوم : 22-10-1999 الساعة 12:05 بعد الظهر موضوعاً باسم : [ ذِكْرُ عَليٍّ عليه السلام عبـادة ] .

بسم الله الرحمن الرحيم { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا } الأحزاب70 { إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً } الإسراء36 .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مبروك ذكرى ميلاد أمير المؤمنين عليه السلام .
روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : ( لا يؤمن رجل حتى يحبَّ أهل بيتي لحبّي ) . فقال عمر بن الخطاب : وما علامة حبّ أهل بيتك ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( هذا ، وضرب بيده على عليّ ) (1).
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( عنوان صحيفة المؤمن حبُّ علي )(2). قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( براءة من النار حبُّ علي )(3) .
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( يا علي ، طوبى لمن أحبك وصدق فيك ، وويل لمن أبغضك وكذب فيك )(4) .
____________
(1) الصواعق المحرقة : 228 ، ونظم درر السمطين : 233 .
(2) تاريخ بغداد 4 : 410 . والجامع الصغير | السيوطي 2 : 182 | 5633 ، دار الفكر ـ بيروت ط1 . والمناقب | ابن المغازلي : 243 . (3) المستدرك على الصحيحين 2 : 241 . (4) المستدرك على الصحيحين 3 : 135 . وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه . وتاريخ بغداد 9 : 71 . والبداية والنهاية 7 : 355 . ومجمع الزوائد 9 : 132 . وذخائر العقبى : 91 .



روى بريدة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إنّ الله أمرني أن أحبَّ أربعة ، وأخبرني أنه يحبهم ) .
فقالوا : من هم يا رسول الله ؟
فقال : ( علي منهم ، علي منهم " يكررها ثلاثاً " وأبو ذرّ ، والمقداد ، وسلمان ، أمرني بحبّهم )(1) .
وتكرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لاسم أمير المؤمنين عليه السلام ثلاث مرات يعرب عن مدى اهتمامه بهذا الأمر ، والأمر بمحبة أبي ذر والمقداد وسلمان هي فرع من محبة أمير المؤمنين عليه السلام ؛ ذلك لاَنّ هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم كانوا المصداق الحقيقي لشيعة أمير المؤمنين عليه السلام ومحبيه والسائرين على منهجه ، وسيرتهم تكشف عن عمق إخلاصهم وولائهم له .
ونسأل الله أن يحشرنا مع محمد وآل محمد عليهم السلام ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين ، اللهم صلّ على محمد وآل محمد ، وعجل فرج آل محمد .
____________
(1) سنن الترمذي 5 : 636 | 3718 . وسنن ابن ماجة 1 : 53 | 149 . والمستدرك على الصحيحين 3 : 130 . ومسند أحمد 5 : 351 . وأُسد الغابة 5 : 253 . والترجمة من تاريخ ابن عساكر 2 : 172 | 666 . والاصابة 6 : 134 . والصواعق المحرقة : 122 باب 9 . وتاريخ الخلفاء | السيوطي : 187 . وسير أعلام النبلاء 2 : 61 . والرياض النضرة 3 : 188 . ومناقب الخوارزمي : 34 .



تبريك وتهنئة من الأخت طبيعي :
وكتبت الأخت طبيعي في يوم 22-10-1999 الساعة 12:26 بعد الظهر :
السلام عليكم : أبارك لك أخي مولد مولانا أمير المؤمنين عليه السلام .
وأسألك الدعاء أخي ، وليس فقط ذكر أمير المؤمنين عبادة ، بل كما يقول المصطفى صلى الله عليه وآله :
( علي ذكره عبادة والنظر إلى وجهه عبادة )
مستدرك الصحيحين للحاكم النيسابوري - كنز العمال - الطبراني- ابن المغازلي- الخوارزمي .
اللهم ارزقنا جميعا رؤيته ، اللهم صل على محمد وآل محمد .






--------------------------------------------------------------------------------


المحاورة الأولى للوهابي
عبادة غير الله شرك


كتب المدعو محمد إبراهيم وهو من الوهابية في يوم : 22-10-1999 ، الساعة : 02:35 بعد الظهر .

لقد جعل الله سبحانه وتعالى العبادة خالصة لوجهه الكريم لا يشرك به أحدا من العالمين سواء كان وليا أو إماما أو صنما أو غير ذلك مما يفترون .
إن المغالاة في حب مخلوق إلى درجة العبادة هو شرك بالله سبحانه وتعالى والعياذ بالله :{ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ}الشعراء98 ، ومن يسوي رب العالمين بغيره فهو مشرك {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ } النساء 48.
ـــــــــــــ
أقول : نحن لا نساوي أحد برب العالمين بل هو الخالق وكل شيء في الوجود مخلوق له ، والله أعطى كل شيء نِعم لا تحصى في الوجود التكويني أو في الهدى التكويني والتشريعي ليستمر لأحسن غاية وأفضل كمال له ، ونحن حين نذكر علي وآله نعرفهم بأنهم هم المختصون بنعمة الهداية وهم أئمة الدين وولاة الأمر بعد سيدنا النبي ، وبهذا نعرفهم بأنهم آل نبينا وهم بعده المختصون بتعريف دين الله وهداه وأنهم عباده المخلصون المصطفون لله لتعريف نعمة الهداية التشريعية ، فمن أين جاءت التسوية برب العالمين حتى يكون ذكرهم شرك وليس فيه طاعة لله ولا يكون مُعرف له ولدينه وغير مقرب له .
فهل ذكرهم بأنهم عباد لله المخلصون والذين اصطفاهم الله لهداه وتعاليمه وتعريفه بحق المعرفة لعباده المؤمنين تسوية به تعالى ؟ أم بيان أنهم هم العباد المطيعون المخلصون له وأنه منهم يجب أخذ دينه يكون شرك ؟ وأين يكون الشرك بذكر شخص بأنه عبد مكرم لله ، أو أنه معلم لدين الله بكل وجوده وأن الله فضله على عباده لطاعته المخلصة التامة له.






--------------------------------------------------------------------------------




المحاورة الثانية للشيعي
ذكر علي لكونه لأمر الله فهو عبادة وليس بشرك


كتبت باسمي حسن ـ hasan ـ في يوم 23-10-1999 الساعة 02:10 صباحاً :

نبارك لجميع المؤمنين ميلاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، فإن حب الله عبادة ، وحب الرسول عبادة ، وحب علي عبادة ، وحب آل البيت جميعهم عبادة .
والعبادة : ليست بالسجود والركوع بل إطاعة الأمر من الآمر عبادة له ، وفي الحديث معناه من أستمع لمتكلم فقد عبده إن كان يتكلم عن الله فقد عبد الله وإن كان المتكلم عن إبليس فقد عبد إبليس ، ونحن نسمع ونطيع ونحب ما أمرنا الله به في آية المودة وآية الولاية وفي الصلاة على ومحمد وآله في التشهد وغيره من المواضع ، ولمثل هذا نقول عبادة حب علي وآله ، لأنه نطلب ما امرنا به الله سبحانه وتعالى ، مثل امتثالنا أمر الصلاة والحج وغيرهما من التكاليف وإليكم أحاديث جميلة في هذا الباب :
1ـ قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( من أحبني فليحبّ علياً ، ومن أبغض عليّاً فقد أبغضني ، ومن أبغضني فقد أبغض الله عزَّ وجلّ ، ومن أبغض الله أدخله النار )(1).
2 ـ وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( من أحبّ علياً فقد أحبني ، ومن أحبني فقد أحب الله ، ومن أبغض علياً فقد أبغضني ، ومن أبغضني فقد أبغض الله عزَّ وجلّ )(1) .
ـــــــ
(1) تاريخ بغداد 13 : 32 .

وممّا تقدم تبين أن محبة أمير المؤمنين عليه السلام تفضي إلى محبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإلى محبة الله سبحانه ، وذلك غاية ما يصبو إليه المؤمنون بالله ، وهي منتهى أمل الآملين . السلام على جميع الموالين لأمير المؤمنين والذين يعتقدون حبه نوعاً من العبادة يمكن التقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى .


حب علي بن أبي طالـبٍ ـــ هـو الذي يهدي إلى الجنة
والنار تصلى لذوي بغضـه ـــ فمـا لهم من دونها جُنـة
والحمـد لله على أنــني ـــ مـمـن أوالي ولـه المنة
******


تبريك وتهنئة من الشيعي قاسم جبر الله ، وأبو زهراء :
وحرر قاسم جبر الله : في يوم : 23-10-1999 الساعة : 12:51 بعد الظهر . مبرووووووووك لكم جميعا بمناسبة هذا المولد .
جبر الله qasem@ayna.com .
وكتب الأخ أبو زهراء :
في يوم : 23-10-1999 الساعة 03:41 بعد الظهر .
اللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم ، نبارك للأمة الإسلامية ذكرى المولد الشريف لأخي رسول الإنسانية وابن عمه أسد الله الغالب علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما وعلى البضعة السيدة فاطمة وأبناءهما أفضل الصلاة وأكمل التسليم .
الأخ حسن لماذا لا تكمل الأبيات : إن كان تفضيلي له بدعة ....
ـــــــ
(1) الرياض النضرة 3 : 122 . والصواعق المحرقة : 123 . والاستيعاب 3 : 1100 .






--------------------------------------------------------------------------------





المحاور الثالثة للوهابي
لا يجوز ربط ذكر علي بعبادة الله فإنه شرك

حررها المدعو محمد إبراهيم يوم : 23-10-1999 الساعة 07:35 بعد الظهر .


هل تقصدون أنني لو جلست الآن وذكرت سيدنا عليّاً فإن هذه عبادة لله عز وجل ؟
ألا تعتقدون أن هذا شرك بالله عز وجل حيث أننا ربطنا ذكر مخلوق بعبادة الخالق عز وجل ؟
إذا كنا نحب سيدنا عليّاً ونذكر فضائله فهذا ليس به شيء ، فسيدنا علي يستحق أكثر من هذا ، ولكن ربط ذكره بعبادة الله عز وجل هو الإشكال الخطير.
إن العبادة : هي خالصة لرب العزة والجلالة لا يجوز أن نشرك بها أحدا من عباده ، ولا يجوز أن نخلط بين الحب والعبادة .
{إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ }النساء48 .






--------------------------------------------------------------------------------





المحاورة الرابعة للشيعي
عبادة الله متنوعة وبعضها يتم بذكر علي عليه السلام

حررتها في يوم : 24-10-1999 الساعة 10:26 صباحاً .


بسم الله الرحمن الرحيم

قولنا : اللهم صلِّ على محمد وآل محمد ، نوع من العبادة نتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى ، لأنه سبحانه هو الذي امرنا بها ، وهكذا حب آل البيت كما هو معروف في الأمر به في آية المودة ، والله امرنا بالطواف والسعي وغيره فامتثلنا وحب النبي وعلي وآلهما مأمور به .

وذكر علي عليه السلام : إن كان للأمر الذي أمر الله به في حب آل البيت فهو طاعة لأمر الله فهو عبادة ، وإن كان مستقلاً عن أمر الله ودون النظر إليه ، فهو كفر ولا يجوز ، نحن نحب علياً ونذكره لأنه تابع لأمر الله بحبهم واتباعهم ووجوب إطاعتهم .
وما أراك تذكر الخلفاء الثلاثة والصحابة وتدافع عنهم ولا ترجوا قربة به إلى الله بل بُعداً وطرداً منه ، وإن كان ترجو قُربة لله شركتنا في الفكرة وخالفتنا في المصداق .
ونحن عندنا أدله خاصة وعامة تأمرنا بحب محمد وآله ، وأنت ليس لك أدلة ، وإن ذكرت شيئاً شارك فيه آل محمد وكانوا هم المصداق الحقيقي له ، وغيرهم حسب الآراء قسم قالوا هؤلاء انحرفوا ولم يدخلوا في هذا الفضل وقسم أيدوا .
وخلاصة القول : يجب عليك متابعة المتفق عليه من حب آل محمد واللهج بذكرهم إطاعة لأمر الله ، ودع غيرهم المختلف فيهم تنال الفوز في الآخرة وراحة البال في الدنيا ، حيث تبقى على يقين من فعلك من دون شك .
فهلمَّ إلى محمد وآله وأذكرهم في قلبك وعلى لسانك ودع غيرهم وأطع أمر الله سبحانه وتعالى .
------------------
خادم علوم آل محمد عليهم السلام .






--------------------------------------------------------------------------------





المحاورة الخامسة للوهابي
حب من أمر الله بحبهم ليس عبادة لله وهو شرك

حررها في يوم : 24-10-1999 الساعة : 06:25 بعد الظهر .


قبل أن أبدأ أحب أن أقول : أننا نحب آل علي ، وهذا ثابت عند جميع المسلمين ، ولكن آل البيت هم ليسوا آل علي فقط ، بل هم نساء النبي صلى الله عليه وسلم بحسب آيات القرآن الكريم ، ثم آل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس وهؤلاء هم من حرمت عليهم الصدقة .

دخلت مرة : في مناظرة مع مبشر نصراني كان يخاطب جمعاً من الإنكليز في حديقة هايد بارك في لندن .
قال النصراني : أحبوا المسيح الذي خلصكم من العذاب .
قلت له : إننا نحب المسيح ولكن المسيح لم يخلصنا من أي عذاب لأنه ليست هناك خطيئة أصلاً ، خطيئة آدم حسب عقيدتنا قد تاب منها ( بكلمات علمها إياه الله سبحانه وتعالى ولم يكن سيدنا علي وسيدتنا فاطمة وسيدينا الحسن والحسين قد ولدا بعد عندما علم الله سبحانه وتعالى آدم كيف يتوب ..!!)(1) ، كما أنه لا نعتقد بأن الولد ينبغي أن يحاكم على جرائم هو بريء منها وأبوه هو الذي ارتكبها ، لماذا يجب أن نحب المسيح ؟
ــــــــ
(1) تعليق مضاف : على قوله : خطيئة آدم.. وهو تعريض منه على ما نقوله بأن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه لكي يتوب عليه هو تعليمه بأن يسأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين ، وهذا ثابت عندنا وهو لم يرتضيه ، أنظر تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي الجزء الأول تفسير قوله تعالى {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّاب ُ الرَّحِيمُ} البقرة37 ، وأن الكلمات هي أسماء أهل البيت عليهم السلام وهم =


قال لي : إن حب المسيح سوف يوصلكم إلى حب الإله . قلت له : ولكننا ينبغي أن نحب الإله مباشرة من غير واسطة ، ألا نستطيع أن نفعل ذلك ؟
قال لي : ولكن المسيح هو الجسر الذي سوف يوصلكم إلى الإله .
قلت له : وهل الإله يحتاج إلى جسر لنصل له ، إن الإله موجود دائما ومطلع على كل أعمالنا ويسمعنا ويرانا دائما ، فلماذا نضع واسطة بيننا وبين الإله ؟ أخيراً تجاهلني النصراني والتفت إلى الجمع قائلاً : أن هذا مسلم عقيدته مختلفة عما أدعوكم إليه ، ولكنه قوبل بالاستهجان من الجمع .
تذكرت هذه الحادثة وأنا أقرأ ما كتبه الزميل hasan :
الزميل حسن يقول باختصار : إن ذكر علي هو عبادة ، لأن حب علي هو أمر من الله سبحانه وتعالى ، حسب قول الشيعة ، ونحن نقول إن حب الصالحين كلهم هو أمر من الله سبحانه وتعالى .
وحسب كلام الزميل hasan فإن ذكر هؤلاء الصالحين عبادة لله سبحانه وتعالى …؟؟!! لماذا ننقل مفهوم العبادة من ذكر الله إلى ذكر الصالحين ؟ أليس من الأولى ذكر الله سبحانه وتعالى مباشرة بما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه ؟ لماذا ربطنا عبادة الله سبحانه وتعالى بذكر الصالحين ؟ ألا يجب أن نذكر الله سبحانه وتعالى من باب أولى لعبادته ؟
كيف نصرف أمرا من أمور العبادة من الخالق إلى المخلوق ؟ ليس معنى كلامي هو عدم حب الصالحين وعدم ذكرهم بالخير والثناء ، ولكن الخطر هو ربط ذكرهم بعبادة الله سبحانه وتعالى . {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ } .
_____
= في عالم الملكوت ، وكتبنا بعض البيان في الجزء الأول وفي جزء العبادة ، تعرف إن آدم رأى ذريته في عالم الذر وعرف شرف نبينا وآله عند الله فسأله بحقهم ، وكذا راجع تفاصيل العبادة والإخلاص وضرورة تعلمه ممن زكاهم الله وصدقهم وأوجب حبهم.






--------------------------------------------------------------------------------



المحاورة السادسة للشيعي
وفق تعريف العبادة ذكر علي وحبه من عبادة الله تعالى




حررتها في يوم : 25-10-1999 الساعة 01:32 بعد منتصف الليل .

حضرة الزميل محمد إبراهيم :

أولاً : آل البيت هم أصحاب الكساء وآية التطهير و المباهلة والمودة و أصحاب سورة الدهر ( الإنسان ) والكوثر وغيرها من الآيات الكريمة ودخول غيرهم معهم من الذين ذكرتهم بالتبع ، كما يدخل معهم جميع مواليهم ومحبيهم ، ولهذا بحث خاص(1) قد يخرجنا عن موضوع البحث.
ثانياً : إن ما ذكرت من المباحثة مع النصراني لم تكن في جانبك ، حيث إنك اعترفت بحب الصالحين والنصراني كان يدعوك لحب نبي مرسل فلم تجبه ، وهذا عجيب .
نعم نحن نختلف معهم في جانب أن شريعتهم نسخت بالإسلام ولا يجوز التعبد بشريعة منسوخة كما لا يجوز التعبد بآية منسوخة وانتهى أمد حكمها ، ونحن نحب جميع الأنبياء كما نحب أوصيائهم والذين اتبعوهم في حياتهم ، كما نحب نبينا و آله و أصحابه الطيبين ، ولكن نعم للحب درجات حيث

ـــــــــــ
1ـ وهو بحث مرتبط بالإمامة وقبولها راجع صحيفة الإمامة ، و صحيفة الثقلين وصحيفة الإمام الحسين من موسوعة صحف الطيبين أو أجزاء صحيفة ذكر علي عبادة ، ويكفيك المراجعات ، أو الغدير ، أو عبقات الأنوار ، أو إحقاق الحق ، وغيرها من الكتب التي كتبت في الإمامة ، والعجب منه يتوسل لإنكار الإمامة بالمعترفين بإمامة أهل البيت والقائلين بإمامة علي وآله عليهم السلام وهم من أنصارهم وأخلص محبيهم .


نقدم حب نبينا وآله على غيرهم ونربط محبهم بهم سواء من الصحابة أو غيرهم ، والمنحرف عنهم لا نحبه .
وأعتقد مصداق هذا الأمر من أساسيات هذه المناقشات في هذا النادي ، بل لعلها من العصر الأول وسالت بسببه دماء من الجانبين كما اُلفت كتب كثيرة في هذا من الطرفين ، وهذا البحث وان كان أساسياً إلا أنه ليس موضوع البحث فعلاً .
ثالثاً : موضوع البحث فيما أعتقد في مفهوم العبادة وحدودها :

وأما تعريف العبادة : فهو كل ما يتقرب به إلى الله تعالى ، وهي على نوعين :
عبادة خاصة : وهي إقامة العبودية لله سبحانه مثل : الصلاة والصوم والحج وأمثالها ، والتي لا يجوز التوجه والتقرب بها إلا إلى الله سبحانه ، وإتيان مثل هذه الأمور لغيره شرك .
ومفهوم عام للعبادة : يصدق على كل ما أمر الله به ، كما يشمل الابتعاد عما نهى عنه بحسب المفهوم ، وعليه تقبيل الحجر الأسود ، والطواف ، والسعي ، وإعطاء الزكاة ، والخمس على رأينا ، والجهاد ، وحب الأنبياء وبالخصوص نبينا وآله وأتباعهم حسب ما عرفت ، بل حتى الجلوس للعلماء للتعلم منهم أمور الدين عبادة ، بل يشمل حتى زيارة المؤمن والمريض قربه لله ويكون عبادة .
وهكذا غيرها من الأمور التي أمر الله بها هي نوع من إقامة العبادة لله سبحانه وتعالى وهذا المعنى العام يشمل المعنى الخاص أيضاً ، نعم إتيان هذه الأعمال بنحو العبادة المستقلة عن أمر الله سبحانه كفر ولا يجوز .
رابعاً : تحرير موضع الخلاف : فالمعنى الخاص وهو إقامة العبودية لله سبحانه وتعالى على نحو الصلاة من سجود وركوع أو الصوم وهكذا الحج و أفعاله بل حتى الزكاة والخمس والجهاد وغيرها لا يجوز لغير الله سبحانه .
وتحصل مما سبق : المعنى العام للعبادة وهو إطاعة أوامر الله سبحانه وتعالى والتقرب إليه بامتثالها عبادة له تعالى ، وليس شركاً ، ويجوز التقرب بها لله سبحانه ، و هي التي أمر بها مثل حب النبي وآله وحب المؤمنين وبغض الكفار ، بل وحب المعلم لدين الله ، وزيارة المؤمن والمريض ، والإتيان بالأعمال الصالحة وفعل الخير و كل ما نقصد به قربة لله تعالى لكي ننال به رضوانه .
خامساً : ما يؤخذ على حصر معنى العبادة في المعنى الأول ، إذا لم يجز التقرب لله سبحانه لا بحب نبي ولا حب وصي ولا صحابي ، فلماذا ندافع عنهم ؟ بل إذا لا ثواب على هذه الأفعال الصالحة وأعمال الخير فلماذا ندعو الناس للتمسك بها ؟ أليس الثواب وضع للأعمال العبادية ؟
ثم إذا كانت العبادة محصورة فقط بمعنى حصر الفكر بالتوجه لله سبحانه وتعالى لماذا نتوجه للقبلة ؟ ولماذا نأتي بهذه الأفعال المخصوصة بالصلاة ؟ ولماذا نأتي بحدود الصوم والزكاة والجهاد ؟ أليس لأنه أمر بها الله تعالى ؟!!!
فعليه : أن حب النبي وعلي وآلهما لأنه جاء موافقاً لأمر الله يكون عبادة بالمعنى العام ، و إتيانه مستقلاً عن أمر الله لا يجوز وحرام ولا ثواب له .
وهكذا إتيان جميع الأعمال الصالحة وأفعال الخير بدون التقرب لله سبحانه وتعالى لا ينفع شيئاً ، وحتى كتابتي هذا الجواب إذا لم اقصد به التقرب به لله تعالى لأنه أمر بوجوب نصر أوليائه لا ينفع شيئاً .
ثم إذا لم تربط حب النبي وآله وأصحابهما بإقامة العبادة وبالتقرب به لله ، وامتثال أمره ويدخل تحت مفهم العبادة ، فما تسميه إذاً ؟ ولا أظنك ستجيبني للمفاخرة ولا تقصد به قربة لله تعالى .
ــــــــــــ
خادم علوم آل محمد عليهم السلام .







--------------------------------------------------------------------------------




المحاورة السابعة للوهابي
أنواع العبادة معروفة وليس منها حب علي وذكره


حررها في يوم : 25-10-1999 ، الساعة : 09:38 مساءً .

أولاً : أود أن أسأل شيعة آل علي : هل آل العباس من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم أم لا ؟
(هؤلاء لم يذكروا في حديث الكساء أو آية المباهلة ، بينما نساء النبي ذكرن كآل البيت في الآية المشهورة في القرآن الكريم) .
للأسف أنك لم تفهم الهدف من المناظرة ، فالمناظرة مع النصراني لم تكن حول حب الأنبياء عليهم السلام بل كانت حول ما يدعوا إليه من حب المسيح من دون ذكر حب الإله ، وذلك لزعمهم أن حب المسيح يوصل لحب الإله .
وهذا يماثل ما تقول عنه شيعة آل علي بأن ذكر علي هو عبادة ؛ فالأولى أن تكون العبادة بذكر الله سبحانه وتعالى ، فلماذا العبادة بذكر مخلوق ؟
أتمنى من العقلاء من شيعة آل علي أن لا يعتبروا ما أقوله انتقاصاً أو بغضاً لسيدنا علي ، فما أقوله ينطبق على ذكر من هو أفضل من علياً وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .
والآن أنتم تقولون إن ذكر علي عبادة : إذاً عندما أذكر أنا علياً فإنني أتعبد ؟؟!! أي أنني إذا قلت : ما أعظم علياً ، ما أحسن علياً ، ما أقوى علياً ، ما أكرم علياً ، علي علي علي علي علي …..وهكذا فإنني أتعبد بذلك …….؟؟!!
أي أننا : ربطنا العبادة الخالصة بذكر الله سبحانه وتعالى بذكر مخلوق من مخلوقات الله سبحانه وتعالى .
أي أننا : أشركنا ذكر هذا المخلوق بذكر الله سبحانه وتعالى .
أي أننا : أشركنا بعبادة الله سبحانه وتعالى والعياذ بالله .
لقد أمر الله سبحانه وتعالى جميع الناس بعبادته وخلقهم لعبادته : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}الذاريات56.
وأعظم ما أمر الله به هو التوحيد أي إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة ، وأعظم ما نهى عنه هو الشرك أي إشراك أي مخلوق في عبادة الخالق ، قال تعالى : {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا }النساء36 ، أي لا تشركوا شيئا بعبادة الله سبحانه وتعالى ؛ فالعبادة هي خالصة لوجه الله تعالى لا يشاركه بها أحد وإلا كان من يفعل هذا مشركا .
قال تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}البقرة22 .
قال ابن كثير : رحمه الله تعالى الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة ، وأنواع العبادة التي أمر الله بها مثل الإسلام والإيمان والإحسان ، ومنه الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشوع والخشية والإنابة والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر ، وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها كلها لله تعالى .
والدليل قوله تعالى : {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } الجن18 ، فمن صرف منها شيئا لغير الله فهو مشرك كافر والدليل قوله تعالى {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} المؤمنون117 .
وفي الحديث الذي ذكرناه سابقا : " الدعاء مخ العبادة " .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
العبادة : هي طاعة الله بامتثال ما أمر به على ألسنة الرسل.
وقال أيضا : العبادة : اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة (1).
وقال القرطبي : أصل العبادة : التذلل والخضوع وسميت وظائف الشرع على المكلفين عبادات لأنهم يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذللين لله تعالى .
وقال ابن كثير : العبادة في اللغة من الذلة يقال طريق معبد وغير معبد أي مذلل ، وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف .
فكل أنواع العبادة يجب أن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى ، قال تعالى : {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ }الإسراء23 .
فإذا أردت أنا أن أتعبد الله أي أن أطيع الله وأتذلل له وأخضع له وأحبه وأرضيه ؛ فإنني يجب أن أذكر الله سبحانه وتعالى كما علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم : سبحان الله ، الحمد لله ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، أستغفر الله ، ……وهكذا . هذا هو الذكر والعبادة .
ــــــــ
1ـ أرجوك تنتبه لتعاريف العبادة عندهم، فإنها مثل تعاريفنا وبالخصوص تعريف سيدهم ابن تيمية ، وإن حب علي والنبي وآله امتثال لأمر الله تعالى فهي عبادة على تعريفهم وتعريفنا ، فلاحظ جحدوا بها وأستيقنتها أنفسهم ، ولكن يظهر الحق على فلتات لسانهم ، وآية المودة هي الأمر بالحب الشديد لأهل البيت عليهم السلام بأمر الله ، وهذا لا يتم إلا بذكر علومهم ومناقبهم وأخلاقهم وسيرتهم وإخلاصهم لنقتدي بهم ونتعلم منهم وهذا مستوجب لذكرهم ، وهذا هو الذي علمنا الله ورسوله وبه نقيم العبادة الخالصة من ضلال أئمة الكفر وعدم حشرهم مع أئمة الهدى والحق ، وهم المنعم عليهم وكوثر الوجود وهداه وأصحاب الصراط المستقيم ، والحمد لله لأني ممن أولي أولياء الله وله المنة .






--------------------------------------------------------------------------------



المحاورة الثامنة للشيعي
حقيقة العبادة وروحها إطاعة ما أمر الله به ومنها حب علي وذكره

حررتها في يوم : 26-10-1999 ، الساعة : 06:50 بعد الظهر .


{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ } البقرة 34 على رأيكم يا وهابية أو يا اتباع ابن تيمية إبليس افضل من الملائكة لأنه لم يرضَ بالسجود لأدم عليه السلام والملائكة عبدوا أدم لما سجدوا له ولم يعبدوا الله سبحانه عند ما أطاعوا أمره بالسجود لآدم .
ولكن اعرفوا وهيهات أن تعرفوا أن الله سبحانه وتعالى خلق الناس ليعبدوه من حيث أمرهم لا حسب شهواتهم وأراءهم ، وإطاعة أمر الله بحب قوم أو أشياء أخرى مثل الكعبة والحجر الأسود وحب المؤمنين وذكر فضائلهم ومناقبهم ، وهذا ليس شركاً به سبحانه بل عبودية له ، لأن هذا الحب إطاعة لأمر الله سبحانه وليس قولنا اشهد أن محمد رسول الله في الأذان شركاً بالله .
وليس ذكرنا في التشهد الصلاة على محمد وآله أخذهم أنداداً له سبحانه ، بل هو عين العبودية لله سبحانه ؛ لأنه إطاعة لأوامره ، وبهذه الألفاظ نتقرب لله تعالى .
ثم يا من يتشدق بذكر معنى العبودية من منبوذ معادٍ لمحمد وآله ، أعلمك أن إقامة العبودية لله بإطاعته في الصلاة والتي هي أفضل الأعمال يكون بذكر الآيات الكريمة الذاكرة لقصص بني إسرائيل ويوسف وباقي الأنبياء ، بل حتى في بعض الآيات أحوال حيوانات و أسمائها ، ليس عبودية لهم ولها ، بل تدخل في مجموع الصلاة لأنه تعالى أمر بقراءة القرآن والصلاة بمجموعها عبادة له .
وبالتالي نفكر في عظمة الله وجماله وجلاله وقدرته وحكمته وعلمه : أما الخضوع والخشوع والخشية والخوف والرجاء فهي حالات للإنسان تأتي هذه الحالات للإنسان لأنه يرى نفسه يخاطب الله العلي العظيم خالق الوجود كله ، والمنعم على كل شيء نعماً لا تحصى .
ويرجو منه في حالات الأنس معه عندما يتذكر نعمه وجماله سبحانه ، ويخافه في حالات تذكر عظمته وجلالته فعندها تحصل له هذه الحالات ، وهذه الألفاظ التي أمره سبحانه بتلفظها وهي من القرآن الذي نقرأه في الصلاة غير حالة العبودية بالخشوع والخضوع والخوف والرجاء والتي تحصل للإنسان حسب قوة توجه لنعم الله وقدرته والتفكر بمخلوقاته بقراءة القرآن أو ذكر أسمائه الحسنى.
نعم لا يجوز في الصلاة الخروج عن المرسوم فيها من الحركات المخصوصة فيها ، وكذا لا يجوز الخروج عن القراءة بالقرآن أو حالة الدعاء ، لا أنه يشترط في كل الصلاة ذكر الأسماء الحسنى فقط .
فإذا كان هذا معنى العبودية في الصلاة التي لا تجوز لغير الله ، فكيف بحالك في الألفاظ والحالات التي يمكن التقرب بها لله سبحانه تعالى في غير حالة الصلاة ، حيث نذكر فضائل أو أسماء أفضل مخلوقاته أقصد النبي الأكرم محمداً وآله علياً وفاطمة والحسن والحسين سادات أهل الجنة ، وهم أقرب الموجودات منزلة عند الله ، والله مدح من يتفكر في مخلوقات اقل منزلة من هؤلاء الأطهار .
قال تعالى : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } فاطر 27-28.
فإذا كان التفكر بهذه الأمور يوجب الخشية للعلماء ، فكيف من يتفكر بأعظم خلق الله محمد وآله ومناقبهم التي ملأ القرآن بها وكثرت الأحاديث النبوية فيها .
وهل التفكر يتم بدون معرفة هذه الأمور وخواصها ، والمعرفة توجب ترديد أسمائها سواء بألفاظ ذهنية أو لسانية .
وثم يا علامة زمانه : إن الله سبحانه أمرنا بموالاة أولياءه وحبهم و معاداة أعدائه وبغضهم ، ومحمد وآله أصحاب الكساء المخصوصين بهذه الكرامة ، والناس تبع لهم من احبهم أحببناه ومن أبغضهم أبغضناه .
ودخول زوجات النبي بهذا الملاك أيضاً ، ولم يدخلن بآية التطهير إلا بالعرض لا بالذات ، وهكذا آل العباس دخلوا بالمحبة لحبهم محمد وآله ، وخرج أبو لهب من المحبة مع انه عم النبي ، لا مجرد القرابة توجب المحبة ، بل حتى القرابة للنبي لها شروطها .
والنبي وآله أصحاب الكساء فيهم آيات كثيرة توجب محبتهم المستلزمة لذكر مناقبهم وترديد أسمائهم والتقرب بها إلى الله سبحانه ، ويصدق عليها أنه إقامة العبودية لله تعالى من ناحية إطاعة هذا الأمر ، ولهذا جاء الحديث الشريف ذكر علي عبادة لأنه ذكر لأشرف مخلوق بعد رسول الله صلوات الله وسلامه عليهما وعلى آلهما الطيبين الطاهرين ، والسلام على من اتبع الهدى .
ــــــ
خادم علوم آل محمد عليهم السلام .





--------------------------------------------------------------------------------




المحاورة التاسعة للوهابي
لا يجوز خلط العبادة بالذكر
وحكمه بالوضع على حديث ( ذكر علي عبادة )




حررها في يوم : 26-10-1999 ، الساعة 11:29 مساءً .

الزميل العزيز "hasan" : دعك من دعايات الوهابية والتيمية وركز على الموضوع ، ما إن بدأت تذكر الوهابية حتى بدأت تتخبط :
من قال : أن إبليس هو أفضل من الملائكة ؟ وما الذي دفعك إلى هذا الاستنتاج الغريب ؟
هل الملائكة سجدت لآدم على مزاجها أم بأمر من الخالق عز وجل ؟
هل الآيات التي أوردتها عن عدم الشرك بالله هي من عندي أم هي من كلام الخالق عز وجل ؟
أنت تخلط : بين العبادة بطاعة الله عز وجل وبين ما تزعمونه من أن ذكر علي عبادة والنظر إلى وجه علي عبادة ، وأنت خلطت بين قراءة القرآن الكريم والتشهد والصلاة الإبراهيمية وبين ما تزعمونه من أن ذكر علي عبادة والنظر إلى وجه علي عبادة .
وخلطت : بين التفكر في خلق الله وفي ملكوت الله وفي آيات الله وبين ما تزعمون من أن ذكر علي عبادة والنظر إلى وجه علي عبادة .
وخلطت : بين موالاة أولياء الله وبين ما تزعمونه من أن ذكر علي عبادة والنظر إلى وجه علي عبادة .
حسب كلامك هذا : هو أنني لأتعبد الله سبحانه وتعالى، فيمكنني بدلا من أن أذكر الله سبحانه وتعالى أن أذكر علي ابن أبي طالب ، وبذلك أكون قد تعبدت الله سبحانه وتعالى .
وأنا أقول لك : راجع آيات الشرك في العبادة التي ذكرتها لك في رسالتي السابقة ، حديثكم المزعوم يقول : ذكر علي عبادة ، وأنت أتيت لي بذكر النبي صلى الله عليه وسلم وذكر الصالحين والعلماء ومن وردوا بآيات القرآن الكريم وتوسعت حتى ذكرت سجود الملائكة لآدم ، لا يوجد لديكم حديث يقول ذكر الرسول صلى الله عليه (وآله) وسلم عبادة ، والنظر إلى وجه الرسول صلى الله عليه وسلم عبادة ، مع جزمي بأن هذا الكلام خطأ .
ولكن لأعطيك مثالا : أن المقصود من حديثكم هو المغالاة في حب سيدنا علي حتى جعلتم ذكره عبادة والنظر إلى وجهه عبادة .
وقد شرحت لك : في رسالتي السابقة كيف يكون الشرك في العبادة وهذا الحديث المزعوم يقود إلى الشرك في العبادة ، أنا لا أقول أننا لا نذكر فضائل علي رضي الله عنه وفضائل الصحابة والصالحين ، ولكن الإشكال هو في تحديد أن ذكر علي هو عبادة .
وحديث ذكر علي عبادة : والنظر إلى وجه علي عبادة هو حديث موضوع لا يستشهد به ولذلك سأحيلك إلى ما لا خلاف فيه وهو القرآن الكريم : هل هناك آية قرآنية تقول أن ذكر أي أحد غير الله سبحانه وتعالى عبادة ، لقد أوردت لك الآيات القرآنية التي تحذر من الشرك في العبادة ، ولكنك لم تأت بآية قرآنية تدل على أنه يمكن التعبد بذكر أي أحد غير الله سبحانه وتعالى ، وأن هذا ليس شركاً ، إذا أردت أن تتعبد بالذكر فاقرأ القرآن الكريم فهو الذكر.
واذكر الله كما علمنا الرسول صلى الله عليه (وآله ) وسلم : سبحان الله ، الحمد لله ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، أستغفر الله ، توكلت على الله ، آمنت بالله ، …وغير ذلك من الذكر الخالص لله سبحانه وتعالى خالقك وخالق علي رضي الله عنه .

في الحقيقة إن آية التطهير التي تتكلم عنها : جاءت في نساء النبي وهي تؤكد أن نساء النبي هن أهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم ، ورغم أن هذا ليس بحثنا ولكنني سأورد لك آية التطهير مع الآية التي قبلها والآية التي بعدها ، حتى تفهم أن آية التطهير جاءت مخصوصة لتأكيد أن نساء النبي هن أولا أهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم ، وجاءت في نساء النبي وليس في آل علي رضوان الله عليهم أجمعين ، يقول الخالق عز وجل :
{يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا}الأحزاب34 .
{تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ}الشعراء98 ، ومن يسوي رب العالمين بغيره فهو مشرك .
{إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا}النساء48 .
{ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا} النساء116 .


يتبع..............

ibrahim aly awaly
03-03-2005, 08:43 PM
المحاورة العاشرة للأخ الشيعي أبو أحمد

من كتاب ( الإِبادَة لِحُكمِ الوَضْعِ عَلى حديث ذِكْرُ عَليٍّ عليه السلام عِبادَة ) للسيد حسن آل المجدد الشيرازي


حررها في ويوم : 27 -10-1999 ، الساعة : 12:05مساءً .

بسم الله الرحمن الرحيم

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا}الأحزاب70 {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً}الإسراء36.
الأخ الكريم محمد إبراهيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
وحديث : ذكر علي عبادة ، والنظر إلى وجه علي عبادة ، هو حديث موضوع لا يستشهد به ...... ـ كتاب ذكر علي عليه السلام عبادة ـ .

ملاحظة : عرفت في المقدمة إنه قد عرضنا المحاورة على السيد صاحب كتاب الإبادة لحكم الوضع على حديث ذكر علي عليه السلام عبادة ، وإنه حفظه الله أقترح أن يوضع نص الكتاب الذي أعده لا ما وضعه المحاور أبو أحمد لكونه أتم في البحث وأكمل في تحقيق السند ، ولأن الأخ المحاور أبو أحمد أخذ قسم منه ووضعه في المحاورة وترك قسم منه ، ونحن استجابة لأمره ولتعم الفائدة ولكي لا يخل بالبحث بعدم ذكر المهم منه قررنا وضع نص بحث كتاب الإبادة هنا ، كما أن للسيد حفظة الله كتاب آخر في تصحيح سند النظر إلى علي عبادة وهو موجود على موقع مركز الأبحاث العقائدية .
ثم إن كنت يا طيب تريد نص المحاورة كما عرضت على الموسوعة الشيعية فتجدها إن شاء الله على موقع موسوعة صحف الطيبين ، قسم المقالات والبحوث حتى من غير عناوين وأي تعديل وإضافة لأي نص ، وأما نص ما أفاده السيد الجليل في كتابه فهو يا طيب تحت نظرك الثاقب ووجدانك الصاحي والحكم إليك في السند وكل المحاورة .



الإبادَة
لِحُكْمِ الوَضْعِ عَلى‏ حديث‏
ذِكْرُ عَليٍّ عليه ‏السلام عِبادَة
تأليف‏ خادم الحديث الشريف والسُنّة المطهّرة
الحسن بن صادقٍ الحسينيّ‏ آل المجدِّد الشيرازيّ‏


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للَّه تعالى وكفى ، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى ، وصلّى اللَّه على سيّدنا محمّدٍ أفضل من سعى بين المروة والصفا ، وعلى ‏آله وخيرة صحبه ذوي النجابة والوَفا .
أمّا بعدُ : فهذا جزءٌ أفردته للكلام على حديث « ذِكْر عليٍّ عبادة » وبيان رُتبته ، والردّ على مَن حكم بوضعه وعدم ثبوته ، ووسمته بـ « الإبادة لحكم الوضع على حديث : ذكر عليٍّ عبادة » .
واللَّهَ تعالى أسألُ أن يُريَنا الحقّ حقّاً ويرزقنا اتّباعه ، والباطلَ باطلاً ويرزقنا اجتنابه ، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه ، ولا حول ولا قوّة إلّا باللَّه العليّ العظيم ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
اعلم - هداك اللَّه وأرشدك ، وأيّدك بتأييده وسدّدك - أنّ هذا الحديث روي عن عائشة ، وأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبٍ عليه الصلاة والسلام ، وابن عبّاسٍ رضى الله عنه .


فصل‏
البحث في سند الحديث الأول


فأمّا حديث عائشة ، فقد رواه الحسن بن صابرٍ الكِسائيّ الكوفيّ ، عن وكيع بن الجرّاح ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة . وروي عن ابن صابرٍ من طريقين :
الأوّل : ما أخرجه الحافظ ابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) قال : أخبرنا أبو الحسن السلميّ ، أنبأنا أبو القاسم بن أبي العلاء ، أنبأنا أبو جابرٍ يزيد بن عبد الله ، أنبأنا محمّد بن عمر الجعابيّ ، أنبأنا عبد الله بن يزيد - أبو محمّدٍ - أنبأنا الحسن بن صابرٍ الهاشميّ ، أنبأنا وكيع ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم :
( ذِكْر عليٍّ عبادة )(1) .
والثاني : ما أخرجه أبو الحسن بن شاذان في ( المناقب ) قال : حدّثني القاضي المعافى بن زكريّا - من حفظه - قال : حدّثني إبراهيم ابن الفضل ، قال : حدّثني الفضل بن يوسف ، قال : حدّثني الحسن بن صابرٍ ، قال : حدّثني وكيعٌ ، قال : حدّثني هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : ( ذِكْر عليّ بن أبي طالبٍ عبادةٌ )(2) . والرادّون لهذا الحديث : اختلفوا في علّته ، فأعلّه قومٌ من جهة الإسناد ، وردّه آخرون من جهة المتن ، ومنهم من أبطله من كلتا الجهتين ، فيقع الكلام معهم في مقامين :
ـــــ
(1) تاريخ دمشق - ترجمة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبٍ عليه ‏السلام - 408/2 ح‏ =



المقام الأوّل‏
الكلام في سنده


فنقول : وباللَّه تعالى التوفيق :
قال المُناويّ في ( التيسير بشرح الجامع الصغير ) (1) : إسناده‏ ضعيف.
وكذا قال العزيزيّ في ( السراج المنير ) وكأنّهما قلّدا في ذلك الحافظ جلال الدين السيوطيّ في ( الجامع الصغير ) (2)حيث رمز لضعف الحديث.
وقال السندروسيّ في ( الكشف الإلهيّ )(3) : سنده واهٍ ، وأخذه ‏ الألبانيّ وزاد عليه قوله : جدّاً .
قلت : لم يتّهموا من رجال الإسناد - في ما وقفت عليه من كلامهم - إلّا الحسن بن صابرٍ ، وأعلّوا الحديث به ، وجعلوا الآفة فيه منه ، ومعوَّلهم في ذلك كلامُ ابن حبّان فيه ، فلنذكره ولنبيّن زيفه بحول اللَّه وقوّته .
قال في كتاب ( المجروحين ) (4): الحسن بن صابرٍ الكِسائيّ من أهل الكوفة ، يروي عن وكيع بن الجرّاح وأهل بلده ، روى عنه العراقيّون ، منكَر الرواية جدّاً عن الإثبات ، ممّن يأتي بالمتون الواهية عن الثقات بأسانيد متّصلة ، انتهى .
ثمّ ساق له حديثاً مرفوعاً عن وكيعٍ ، عن هشامٍ ، عن أبيه ، عن عائشة .
ــــــ
= 907 . وأخرجه الديلميّ في ( مسند الفردوس ) من هذا الطريق . (2) المناقب : 128 ، المنقبة الثامنة والستّون .(1) التيسير بشرح الجامع الصغير : 20/2 . (2) الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير : 665/2 ح‏4332 . (3) الكشف الإلهيّ : 358/1 . سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة : 216/4 . (4) ‏كتاب المجروحين : 239/1 .
وقال الذهبيّ بترجمته في ( ميزان الاعتدال )(1) : الحسن بن صابرٍ الكِسائيّ ، عن وكيعٍ ، قال ابن حبّان : منكَر الحديث ، انتهى .
ولم يتكلّم فيه أحدٌ من أئمّة الجرح والتعديل سوى ابن حبّان ، ولم يُترجَم في غير كتابه ، وأمّا الذهبيّ فإنّه مقلّد له في ذلك ، فلا اعتداد بكلامه .
ومع ذلك فإنّ جرح ابن حبّان للكسائيّ مردودٌ من وجوهٍ :
الأوّل : أنّ ابن حبّان - نفسَه - متَّهم مجروح ،بل رُمي بالعظائم،ومن قلّة حيائه وعدم تعظيمه لحرمة رسول اللَّه‏ صلى الله عليه وآله وسلم تكلّمه في عليّ ابن موسى الرضا عليه الصلاة والسلام ، وقوله : إنّه يروي عن أبيه العجائب ، كأنّه كان يَهِم ويُخطى‏ء - كما حكاه أبو سعد السمعانيّ في ( الأنساب )(2)- .
وعلى من لا يحترم العترة الطاهرة من اللَّه ما يستحقّه .
وحكى الذهبيّ بترجمته في ( الميزان )(3) و ( التذكرة )(4) عن أبي‏ عمرو بن الصلاح في ( طبقات الشافعيّة ) أنّه قال : غلط الغلط الفاحش في تصرّفاته .
قال الذهبيّ : صدق أبو عمرو ، له أوهام يتبع بعضها بعضاً ، انتهى .
قلت : سيأتي - بعد هذا إن شاء اللَّه - ذكر جملةٍ من أوهامه في نقد الرجال . ومَن كان هذا حاله كيف يُعوّل اللبيب على كلامٍ انفرد به ، ولا متابع له عليه إلّا مَن اغترّ به ؟ !
فتنبّه - يرحمك اللَّه - .
ـــــ
(1) ميزان الاعتدال : 496/1 . (2) الأنساب : 74/3 - الرضا - تهذيب التهذيب : 244/4 . فتح الملك العليّ : 130 - 131 . (3) ميزان الاعتدال : 507/3 . (4) تذكرة الحفّاظ : 921/3 .

الثاني : أنّ الجهابذة النقّاد ، وأئمّة الرجال والإسناد قد تكلّموا في جرح ابن حبّان للرواة ، وبيّنوا غلطه في كثيرٍ من أحكامه ، فلنسرد هنا نُتَفاً من ذلك ، لينجلي لك وَهْيُ كلامه ، وينكشف لديك خطؤه في حكمه وإبرامه ، ولتذعن بصدق ما ادّعيناه ، ولا حول ولا قوّة إلّا باللَّه .
فمنها : قوله في أفلح بن سعيدٍ - أبي محمّد المدنيّ - : يروي عن الثقات الموضوعات ، لا يحلّ الاحتجاج به ، ولا الرواية عنه بحالٍ ( انتهى ) .
وأفلح هذا احتجّ به مسلم والنسائيّ ، ووثّقه ابن معينٍ وابن سعد .
وتنزّل الذهبيّ في ( ميزان الاعتدال ) للردّ عليه ، فقال : ربّما قصّب الثقة حتّى كأنّه لا يدري ما يخرج من رأسه ( انتهى ) (1).
ومنها : قوله في سويد بن عمروٍ الكلبيّ : كان يقلب الأسانيد ، ويضع على الأسانيد الصحاح المتون الواهية ( انتهى ) .
وردّه الذهبيّ في ( الميزان )(2) فقال : أسرف واجترأ .
وقال الحافظ ابن حجر في ( تقريب التهذيب ) (3) : أفحش ابن حبّان القولَ فيه ، ولم يأت بدليلٍ . ‏ وقد احتجّ به مسلم والترمذيّ والنسائيّ وابن ماجة ، ووثّقه ابن معينٍ والنسائيّ والعجليّ .
ومنها : طعنه في عثمان بن عبد الرحمن الطرائفيّ ، وقد احتجّ به أبو داود والنسائيّ وابن ماجة ، ووثّقه ابن معينٍ وابن شاهين .
ـــــ
(1) ميزان الاعتدال : 274/1 - تهذيب التهذيب : 233/1 . قصّب الثقة : عاب وشتم ، انظر : لسان العرب : 178/11 مادّة «قصب» .
(2) ميزان الاعتدال : 53/2 . (3) تقريب التهذيب : 260 .


قال الذهبيّ في ( ميزان الإعتدال )(1) : وأمّا ابن حبّان فإنّه يُقَعْقِع‏ كعادته ، فقال فيه : يروي عن قومٍ ضعفاء أشياء يدلّسها عن الثقات ، حتّى إذا سمعها المستمع لم يشكّ في وضْعها ، فلمّا كثر ذلك في أخباره ؛ اُلزقت به تلك الموضوعات ، وحمل الناس عليه في الجرح ، فلا يجوز عندي الاحتجاج بروايته كلّها بحالٍ ، انتهى .
وتعقّبه الذهبيّ : بأنّه لم يرْوِ في ترجمته شيئاً ، ولو كان عنده له شيءٌ موضوع لأسرع بإحضاره ، قال : وما علمتُ أنّ أحداً قال في عثمان بن عبد الرحمن هذا : إنّه يدلّس عن الهَلْكى ، إنّما قالوا : يأتي عنهم بمناكير ، والكلام في الرجال لا يجوز إلّا لتامّ المعرفة تامّ الورع ، انتهى .
قلت : أَمْعِنْ نظرَ الإنصاف والتحقيق في هذا الحرف الأخير من كلام الذهبيّ ، وليته بادر للردّ على ابن حبّان -في ترجمة ابن صابرٍ - بمثل هذا ، بل بأقلّ منه ، مع أنّ القدح فيه أخفّ وأيسر من جرح الطرائفيّ ، لكن هيهات أن تطاوعه نفسه على ذلك ، بل أقرّ ابن حبّان على جرحه المجروح لكون الرجل روى حديث الباب ، وتلك ( شنشنةٌ أعرفها من أَخْزَم ) .
بل ظنّي أنّ الكسائيَّ لو كان يسلم من طعن ابن حبّان لما كان يسلم من لسان ذلك الشاميّ الخبيث ، الذي يغيظ ويستشيط ويأخذه الزَمَع إذا مرّ على منقبةٍ من مناقب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبٍ عليه الصلاة والسلام ، وأهل البيت الطيّبين الطاهرين الكرام «قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ» .سورة آل عمران 3 : 119 .
ــــ
(1) ميزان الاعتدال : 45/3 - 46 .


ومن سرح نظره في تراجم رواة الفضائل من ( الطبقات ) و( الميزان ) لشاهد بالعيان كيف يُجنّ الذهبيّ فيأخذ في وَصْم الرجل وطعنه وسبّه من غير ذنبٍ ، عدا روايته الفضائل والمناقب ، فنسأل اللَّه السلامة من مخازي النواصب .
ومنها : قوله في محمّد بن الفضل السدوسيّ - المعروف بعارِمٍ ، شيخ البخاريّ ، وقد احتجّ به الستّة ووثّقه أبو حاتم والنسائيّ والدارقطنيّ والذهليّ والعجليّ ، وروى عنه البخاريّ أكثر من مائة حديثٍ ، كما حكاه الحافظ ابن حجرٍ في ( تهذيب التهذيب )(1) عن‏ ( الزهرة ) - : اختلط في آخر عمره وتغيّر حتّى كان لا يدري ما يحدّث به ، فوقع في حديثه المناكير الكثيرة ، فيجب التنكّب عن حديثه في ما رواه المتأخّرون ، فإن لم يُعلم هذا من هذا تُرك الكلّ ، ولا يُحتجّ بشيءٍ منها ، انتهى .
وتعقّبه الذهبيّ فقال : لم يقدر ابن حبّان أن يسوق له حديثاً منكَراً ، فأين ما زعم ؟ !
وقال أيضاً - بعد ذكر توثيقه عن الدارقطنيّ - : فهذا قول حافظ العصر الذي لم يأتِ بعد النسائيّ مثله ، فأين هذا القول من قول ابن حبّان الخسّاف المتهوّر ؟ !
وقال الحافظ ابن حجرٍ في ( هدي الساري )(2) : إبراهيم بن سويد بن حيّان تكلّم فيه ابن حبّان بلا حجّة .
وقال أيضاً : إسحاق بن إبراهيم أبو النصر الفراديسيّ تكلّم فيه الأزدي وابن حبّان بلا حجّة .
وقال أيضاً (3): سهل بن بكّارٍ البصريّ ذكره ابن حبّان بلا مستند .
ــــــ
(1) تهذيب التهذيب : 269/5 . (2) هدي الساري - مقدّمة فتح الباري : 484 . (3) هدي الساري : 486 .
وقال أيضاً(1) : عيسى بن طهمان ضعّفه ابن حبّان بلا مستندٍ ، والحمل على غيره . وقال أيضاً : محمّد بن الحسن الواسطيّ ذكره ابن حبّان بلا حجّة . وقال أيضاً : محمّد بن زيادٍ الزياديّ ذكره ابن مندة وابن حبّان بلا حجّة . وقال أيضاً : يونس بن أبي الفرات تكلّم فيه ابن حبّان بلا مستندٍ .
قلت : فعُلم من هذا أنّ ابن حبّان قد يُطلِق القولَ في الراوي ويتكلّم فيه من دون حجّةٍ ولا مستندٍ يعوَّل عليه ، فكيف يُقبل جرحه للرواة ؟ !
وإذا تأمّلت ما سُقناه لك هنا لا أراك تتوقّف في ردّ كلامه في الحسن بن صابرٍ ، لا سيّما وأنّه متّهم في جرح هذا الكوفيّ ، لأنّه روى حديثاً في فضل ذِكْر أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبٍ عليه الصلاة والسلام ، وابن حبّان وأضرابه ممّن لا يطيبون نفساً بسماع ذلك ، ولا يطيقون السكوت عليه - كما ستعرف إن شاء اللَّه تعالى- .
الثالث : أنّ ابن حبّان له أوهام كثيرة يتبع بعضها بعضاً - كما قال الذهبيّ - فيذكر الرجل في ( المجروحين ) ثمّ يذكره في ( الثقات ) وهذا تناقض بيّن ، وتسامح غير هيّن ، فلذا أوجبت كثرة أوهامه سقوطَ كلامه !
فمن ذلك : ذِكْره دهثم بن قُرّان في الكتابَيْن ، قال الذهبيّ في‏ (الميزان)(3) : فذكره في ( الثقات ) فأساء ، وقد ذكره أيضا في ( الضعفاء ) فأجاد .
ومن ذلك : ذكره زياد بن عبد الله النميريّ في ( المجروحين ) و ( الثقات ) قال الذهبيّ : فهذا تناقض .
ـــــــ
(1) هدي الساري : 487 . (2) هدي الساري : 488 .(3) كتاب المجروحين : 295/1 - الثقات : 293/6 .‏ميزان الاعتدال : 29/2 . (4) كتاب المجروحين : 306/1 - الثقات : 255/4 - 256 .ميزان الاعتدال : 91/2 .
ومن ذلك(1) : ذكره عبد الرحمن بن ثابت بن الصامت في كتابيه .
قال الذهبيّ (2) : قال ابن حبّان : فحش خلافه للأثبات فاستحقّ الترك ، وذكره أيضاً في ( الثقات ) فتساقط قولاه .
ومن ذلك : ذكره يحيى بن سلمة بن كُهَيْلٍ في ( الثقات ) وذكره في ( الضعفاء ) أيضاً .
ومن ذلك : ذكره كميل بن زيادٍ النخعيّ في ( الثقات ) وقوله في ( الضعفاء ) : لا يُحتجّ به .
ومن ذلك : ذكره الوليد بن القاسم بن الوليد الهمدانيّ في الكتابين ، وكذا ميمون بن سياه البصريّ ، وهارون بن سعد العجليّ ، والوليد بن عبد الله بن جُمَيْعٍ الزهريّ المكّيّ الكوفيّ ، ويوسف بن أبي يعفورٍ ، وسفيان بن حسينٍ .
وذكر ذلك أيضاً المحدّث الشريف محمّد بن جعفرٍ الحسنيّ الكتّانيّ في ( الرسالة المستطرفة )(3) فقال : إنّه - يعني ابن حبّان – قد ذكر في كتابه هذا - يعني ( الثقات ) - خلقاً كثيراً ، ثمّ أعاد ذكرهم في ( كتاب الضعفاء والمجروحين ) وبيّن ضعفهم ، وذلك من تناقضه وغفلته ، أو من تغيّر اجتهاده ( انتهى ) .
ومن غرائب أوهامه ما ذكره في ترجمة بشر بن شعيب بن أبي حمزة الحمصيّ ، قال الحافظ ابن حجرٍ : قال ابن حبّان في كتاب ( الثقات ) : «كان متقناً» ثمّ غفل غفلةً شديدةً فذكره في ( الضعفاء ) وروى عن البخاريّ أنّه قال : تركناه .
ــــــــ
(1) كتاب المجروحين : 55/2 - الثقات : 95/5 . (2) ميزان الاعتدال : 552/2 . (3) الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السُنّة المشرّفة : 146 - 147 .

قال ابن حجرٍ : وهذا خطأٌ من ابن حبّان نشأ عن حذفٍ ؛ وذلك أنّ البخاريّ إنّما قال في ( تاريخه )(1) : « تركناه حيّاً سنة اثنتي عشرة » فسقط من نسخة ابن حبّان لفظة «حيّاً» فتغيّر المعنى ، انتهى .
الرابع : أنّ ابن حبّان من المتعنِّتين المشَّدِّدين الذين يجرحون الراوي بأدنى جرحٍ ، ويُطلقون عليه ما لا ينبغي إطلاقه عند اُولي الألباب ، كأبي حاتمٍ والنسائيّ وابن معينٍ وابن القطّان ويحيى القطّان وغيرهم ، فإنّهم معروفون بالإسراف في الجرح والتعنّت فيه .
ومن كان من الجارحين هذا دَيْدَنه فإنّ توثيقه معتبر ، وجَرْحه مردود ، إلّا إذا وافقه غيره ممّن يُنصف ويُعتبر - كما قال أبو الحسنات عبد الحيّ اللكهنويّ في «الرفع والتكميل»(2) .
قلت : ولم يوافق ابنَ حبّان على جرحه الحسنَ بنَ صابرٍ أحدٌ - وللَّه الحمد - ممّن يُنْصف ويعتبر .
وقال أيضاً(3) : لا يحلّ لك أن تأخذ بقول كلّ جارحٍ في أيّ راوٍ كان ، وإن كان ذلك الجارح من الأئمّة ، أو من مشهوري علماء الاُمّة ، فكثيراً مّا يوجد أمر يكون مانعاً من قبول جرحه ، وحينئذٍ يُحكم بردّ جرحه ( انتهى ) .
وقال في ( الأجوبة الفاضلة )(4) : ابن حبّان له مبالغة في الجرح في‏ بعض المواضع .
ـــــــــــ
(1) التاريخ الكبير : 76/2 رقم‏1743 ، هدي الساري - مقدّمة فتح الباري - : 412 ، تهذيب التهذيب : 285/1 . (2) الرفع والتكميل : 274 . الرفع والتكميل : 265 (4) الأجوبة الفاضلة : 179 ..

قلت : حسبك شهادة هذا الخرّيت المتضلّع والناقد المضطلع سنداً لردّ جرح ابن حبّان وأمثاله من المتعنّتين المتشدّدين ، كيف لا «وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا»(1) .
الخامس : أن يقال : إنّ وصفَ ابن صابرٍ بكونه « منكَر الحديث » ماذا اُريد به ؟ فإن عنى أنّه روى حديثاً واحداً ، فهذا غلط فاحش ، لأنّ ابن حبّان - نفسه - روى له في كتاب ( المجروحين ) حديثاً آخر غير حديث الترجمة - كما مرّ - بل ظاهر قوله : «إنّه يروي عن أهل بلده» يعني الكوفة ؛ يقتضي تعدّد أحاديثه ، فتدبّر .
وإن قصد بقوله : «منكر الحديث» أنّه لا تحلّ الرواية عنه - كما حُكي عن البخاريّ - فإنّ ذلك جرح مبهم ، يُردّ عليه ، إذ لا يعرف للحسن بن صابرٍ ما يوجب ردّ حديثه جملةً ، بل لو صرّح ابن حبّان بذلك لم يؤخذ به ، فقد رُدّ عليه مثله - كما مرّ آنفاً - .
وإن أراد بذلك الفرد الذي لا متابِعَ له - كما أطلقه أحمد بن حنبل - فإنّه منقوض بمتابعة غيره له - كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى - .
على أنّه لا يلزم من روايته المناكير - لو سُلّم - أن يكون ممّن لا يُحتجّ به ، كما قال الذهبيّ بترجمة أحمد بن عتّابٍ المروزيّ من ( الميزان )(2) : ما كلّ مَن روى المناكير يُضعّف .
وقال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجرٍ في ( لسان الميزان )(3) : لو كان مَن روى شيئاً منكراً استحقّ أن يُذكر في الضعفاء لَما سلم من المحدّثين أحدٌ ، لا سيّما المُكْثِر منهم ( انتهى ) .
ــــــــــ
(1) سورة يوسف 12 : 26 . (2) ميزان الاعتدال : 118,(3) لسان الميزان : 308/2 ./1 .
وقال ابن دقيق العيد : قولهم : «روى مناكير» لا يقتضي بمجرّده‏ ، ترك روايته ، حتّى تكثر المناكير في روايته (1)( انتهى ) .
قلت : وأنّى لابن حبّان بإثبات ذلك في حقّ الكسائيّ ؟ ومنه تعرف أنّ رميه الرجل بنكارة الحديث فيه تساهل ، بل هو منكر من القول وزور ، فلا ينبغي أن يُعرَّج عليه ، ولا يركن إليه ، واللَّه المستعان .
السادس : هب أنّ ابن حبّان مصيبٌ في قوله ، لكنّ رمْي الراوي بنكارة الحديث لا يوجب - بإطلاقه - ردّ حديثه ، والحكم عليه بالوضع - كما توهّم الخصوم - لأنّه لم يُتّهم بالكذب ، ولا بوضع الحديث .
قال الشيخ الإمام تقيّ الدين السُّبكي (2): إنّ ممّا يجب أن يُتنبّه له أنّ حُكم المحدّثين بالإنكار والاستغراب قد يكون بحسب تلك الطريق ، فلا يلزم من ذلك ردّ متن الحديث ، انتهى.

قلت : وكم من راوٍ قيل فيه « منكر الحديث » أو ما في معناه ، ومع ذلك احتجّ به الشيخان في الصحيحين ، وغيرهما من أرباب السنن من دون تَرَيُّثٍ ، ولا مبالاةٍ بما وُصم به ، وهاكَ منهم على سبيل الإجمال :
1 - أحمد بن شعيب بن سعيدٍ الحبطيّ ، روى له البخاريّ والنسائيّ وأبو داود . قال أبو الفتح الأزديّ : منكر الحديث ، غير مرضيٍّ .
2 - واُسَيْد بن زيدٍ الجمّال ، روى عنه البخاريّ في الرقاق .
قال ابن حبّان : يروي عن الثقات المناكير ، ويسرق الحديث ، بل قال ابن معينٍ : حدّث بأحاديث كذبٍ .
ـــــــــــــ
(1)فتح الملك العليّ : 135 . (2) شفاء السقام في زيارة خير الأنام : 29 .


3 - وتوبة ابن أبي الأسد العنبريّ ، روى له الشيخان وأبو داود والنسائيّ . قال الأزديّ : منكر الحديث .
4 - وحسّان بن حسّانٍ - وهو حسّان بن أبي عبّادٍ البصريّ - روى عنه البخاريّ . قال أبو حاتم : منكر الحديث .
5 - وحميد بن الأسود البصريّ ، روى له البخاريّ وأصحاب السنن .
قال أحمد بن حنبل : ما أنكر ما يجيء به !
6 - وخُثَيْم بن عراك بن مالكٍ الغفاريّ ، روى له البخاريّ ومسلم والنسائيّ . قا الأزديّ : منكَر الحديث .
7 – وعبد الرحمن بن شريح بن عبد الله بن محمودٍ المعافريّ ، احتّج به الجماعة . قال ابن سعدٍ : منكر الحديث .
8 - والمفضّل بن فضالة القتبانيّ المصريّ ، اتّفق الجماعة على الاحتجاج به . قال ابن سعدٍ : منكَر الحديث .
9 - وموسى بن نافعٍ الحنّاط ، روى له الشيخان والنسائيّ وأبو داود . قال أحمد بن حنبل : منكَر الحديث .

فلو كان قولهم : «منكَر الحديث» موجِباً لطرح حديث الراوي لَلَزم إبطال جملةٍ وافرةٍ من أحاديث الكتب الستّة وغيرها ، ولا يلتزم به أحدٌ منهم البتّة ، ولمّا أعلّ ابن الجوزيّ حديث أنسٍ - عند الترمذيّ - : «اللهمّ أحيني مسكيناً ، وأَمِتْني مسكيناً ، واحشرني في زمرة المساكين»(1) بقوله : لا يصحّ ، لأنّ فيه الحارث بن النعمان ، منكَر الحديث ؛ تُعُقِّب بأنّ ذلك لا يقتضي الوضعَ - كما في «تنزيه الشريعة المرفوعة» لابن عَرّاقٍ - .
ــــــــــــ
(1) تنزيه الشريعة المرفوعة : 304/2 .


فلو سلّمنا قولَ ابن حبّان في الحسن بن صابرٍ وصدّقناه ، فإنّ حديثه هذا ليس منكَراً ، لوجود المتابع له عليه ، فلا وجه لردّ حديثه جملةً .
نعم ، الوَصْم بنكارة المعنى ممّا لا يكاد يَسْلَم منه حديث ورد في فضائل الآل الأطهار ومناقبهم ، ولكن لا يضرّ السحاب نباحُ الكلاب .


وبالجملة : فقوله في الرجل «منكَر الحديث» لا يدلّ على أنّ كلَّ ما رواه منكر حتّى هذا الحديث - كما مرّ عن الذهبيّ - بل جاز أن يُراد به أنّ له مناكير وقعت في أحاديثه ، كما قالوا ذلك في جماعةٍ ، كإبراهيم بن المنذر الحزاميّ ، والحكم بن عبد الله البصريّ ، والفضل ابن موسى السينانيّ ، ومحمّد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ - الذي إليه المرجع في حديث «إنّما الأعمال بالنيّات» - ومحمّد ابن طلحة ابن مصرفٍ الكوفيّ .
وهؤلاء احتجّ بهم البخاريّ وغيره ، فتبيّن فساد رأي من ردّ الحديث من المتأخّرين اغتراراً بكلام ابن حبّان ، وانكشف وهن قول الألبانيّ : «إنّ الحسن هذا متّهم» ووهى‏ .
وكذا تعقّبه على المُناويّ - إذ أعلّ حديث الباب في ( فيض القدير )(1) بقول ابن حبّان المتقدّم - : بأنّ ذلك يقتضي أنّ إسناده ضعيف جدّاً ، وأنّ قوله في ( التيسير ) : «إسناده ضعيف» غاية في التقصير ، هذا مع جزمه قُبيل ذلك بأنّ الحديث موضوع .
ومن هنا تُذْعن بضعف هذا الألبانيّ في هذا العلم الشريف وقصوره فيه ، وعدم اتّباعه للمتقرِّر عند أهله ، إذ حكم على الحديث - أوّلاً - بأنّه موضوع - وهو شرّ الضعيف ، لأنّه لا درجة بعده مطلقاً - .
ــــــــ
‏(1) فيض القدير : 565/3 . سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة : 216ـ217/4 .


ثمّ ذكر أنّ إسناده ضعيف جدّاً ، وهذا تناقض عظيم ، وجهل كبير يعلمه طلبة ( نخبة الفكر ) ، لأنّ السند الضعيف لا يصل أن يكون به الحديث موضوعاً ، بل يحتمل أن يكون واهياً يرتفع إلى درجة الضعيف ، بخلاف الحديث الموضوع ، فإنّه لا يرتفع إلى درجة الضعيف مطلقاً ، ولا تنفع فيه المتابعات والشواهد - كما أفاد شيخنا ابن الصدّيق أدام اللَّه حراسته(1) .

السابع : أنّ ممّا يكاد أن يُقطع به أنّ ابن حبّان لم يقل في ابن صابرٍ : « منكر الرواية جدّاً عن الأثبات » إلّا لكونه كوفيّاً روى هذا الحديث في فضل ذِكْر أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبٍ عليه الصلاة والسلام ، وهذا - عنده - ذنبٌ لا يُغفر ، وحوبٌ لا يُستر ، وبمثله يُرمى الرجل بالتشيّع فيردّ حديثه .
وهذه عادة النواصب اللئام - قبّحهم اللَّه تعالى وأخزاهم - في أكثر ما روي من مناقب آل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقلوبهم المُنكَرة تنكر ما ثبت من ذلك ، حتّى إنّ أحدهم إذا لم يجد مَطعناً في الإسناد قال - متعنّتاً - :
في النفس من هذا الحديث شي‏ءٌ ، أو : إنّ القلب ليشهد ببطلانه ، وما ذلك إلّا من جَفائهم للعترة الطاهرة المطهّرة ، وسعيهم في إطفاء نور اللَّه تعالى - والعياذ باللَّه - .
ومن تتبّع كلام الغَويّ الجوزجانيّ ، وابن قايماز التركمانيّ وأضرابهما من ألدّاء النواصب أذعن لما قلنا .
أمّا فضائل خصومهم - التي ما أنزل اللَّه بها من سلطانٍ- فلا ترى فيها شيئاً من ذلك التشدّد المقيت ، والتقوّل السخيف ، وهم أعلم الخلق بكذبها وبطلانها ، لكنّ حبّ الشيء يُعمي ويُصمّ ، وهوان آل محمّد صلى الله عليه وآله
ــــــــ
(1) بيان نكث الناكث : 34 .


وسلم على هؤلاء الأجلاف الجفاة حملهم على ذلك ، فلا حول ولا قوّة إلّا باللَّه العليّ العظيم .
هذا ، وأمّا قول السندروسيّ في كتابه ( الكشف الإلهيّ عن شديد الضعف والموضوع والواهي )(1) - في حديث الباب - : سنده واهٍ .
فليس بشيءٍ ؛ لأنّه فسّر الواهي : بأنّه ما يُوجد في سنده كذّابان أو أكثر ، قال : يعني في كلّ طريقٍ من طرقه ، ( انتهى )(2) .

وليت شعري ، كيف وهّى السندَ مع عدم اشتماله على كذّابٍ واحدٍ ، فضلاً عن كذّابَيْن ، فضلاً عن تحقّق ذلك في كلّ طريقٍ من طرقه ؟ ! فناقض بذلك نفسه !
وقد تحصّل - ممّا مرّ - أنّ ابن صابرٍ الكسائيّ غير مطعونٍ فيه ، وأنّ جرح ابن حبّان إيّاه بنكارة الحديث - مع تفرّده به ، واختلافهم في قبول الجارح الواحد - مردود عليه ، لما بيّنّا من حاله في جرح الرواة ، ومبلغ ذلك عند الأئمّة النقّاد .


فإن قال قائل : يلزم ممّا قرّرتَ أن يكون الحسن بن صابرٍ في عداد المجهولين .
قلنا: لا يضرّه ذلك ، لأنّ المراد : إمّا جهالة العين ، أو جهالة الوصف.
فإن اُريد جهالة العين - وهو غالب اصطلاح أهل هذا الشأن في هذا الإطلاق - فذلك مرتفع عنه ، لأنّه قد روى عنه عبد الله بن يزيد ، والفضل بن يوسف القصبانيّ ، وبرواية اثنين تنتفي جهالة العين ، فكيف برواية العراقيّين عنه - كما ذكر ابن حبّان في ترجمته - . مضافاً إلى أنّه عَرَفه فوصفه بما ذكره .
ــــــ
(1) الكشف الإلهيّ : 358/1 .
(2)الكشف الإلهيّ : 65/1 .


وإن اُريد جهالة الوصف ، فغاية الأمر أنّه مستور ، لأنّ ظاهر أمره على العدالة ، وقد قبل روايته - أعني المستورَ- جماعة بغير قيدٍ كأبي حنيفة - وتبعه ابن حبّان - إذ العدل عنده من لا يُعرف فيه الجرح(1) .
قال : والناس في أحوالهم على الصلاح والعدالة ، حتّى يظهر منهم ما يوجب الجرح - كما في «شرح الشرح» للقاري(2) .
قال أبو عمرو بن الصلاح : يشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثيرٍ من كتب الحديث المشهورة في غير واحدٍ من الرواة الذين تقادم العهد بهم(3)، وتعذّرت الخبرة الباطنة بهم ، وصحّحه النوويّ في‏ ( شرح المهذّب ) - كما في «تدريب الراوي» (4) .
وقال في ( علوم الحديث ) : حكى الإمام أبو المظفّر السمعانيّ‏ وغيره عن بعض أصحاب الشافعيّ(5) : أنّه تُقبل رواية المستور وإن‏ لم تقبل شهادته .
قال ابن الصلاح : ولذلك وجه متّجه ( انتهى ) .
وقال أيضاً : الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستورٍ لم تتحقّق أهليّته ، غير أنّه ليس مغفّلاً كثير الخطأ في ما يرويه ، ولا هو متّهم بالكذب - أي لم يظهر منه تعمّد الكذب في الحديث - ولا سببٍ آخر مفسِّقٍ ، ويكون متن
ـــــــ
(1) كما في نزهة النظر - شرح «نخبة الفكر» للحافظ ابن حجر - : 100 ، فواتح الرحموت بشرح مسلَّم الثبوت : 146/2 . (2) شرح الشرح - للقاري - : 154 . (3) علوم الحديث : 112 . (4) تدريب الراوي في شرح تقريب النواويّ : 268/1 .
(5) وهو سُليم بن أيّوب الرازيّ - كما يُعلم من علوم الحديث : 33 . «علوم الحديث» : 112 - و «جمع الجوامع» - لابن السُبْكيّ - : 150/2 المطبوع مع «حاشية البنّانيّ» و «تدريب الراوي» - للحافظ السيوطيّ- : 268/1 وهو مذهب ابن فَوْرَك أيضاً ، كما في جمع الجوامع : 150/2 .


الحديث - مع ذلك - قد عُرف ، بأن رُوي مثله أو نحوه من وجهٍ آخر أو أكثر ، حتّى اعتضد بمتابعة مَن تابع راويه على مثله ، أو بما له من شاهدٍ - وهو ورود حديثٍ آخر بنحوه - فيخرج بذلك عن أن يكون شاذّاً أو منكراً (1).
قال : وكلام الترمذيّ على هذا القسم يتنزّل ؛ انتهى .
قلت : فجهالة حال ابن صابرٍ - بل حتّى التكلّم فيه بنكارة الحديث - لا تضرّه في المقام ، إذ قد تُوبع على حديثه هذا بمتابعتين :
إحداهما تامّة ، والاُخرى قاصرة ؛ بان بهما أنّه لم يتفرّد به .
فأمّا التامّة ، فقد رواها الإمام الحافظ الفقيه ابن المغازليّ في ( المناقب ) قال : أخبرنا أبو الحسن أحمد بن المظفّر بن العطّار - الفقيه الشافعيّ - بقراءتي عليه فأقرّ به . قلت : أخبركم أبو محمّد عبد الله بن محمّد بن عثمان المزنيّ - الملقّب بابن السقّا - الحافظ الواسطيّ ، قال : حدّثني محمّد بن عليّ بن معمّر الكوفيّ ، حدّثنا حمدان بن المعافى‏ ، حدّثنا وكيع ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت :
قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : ذِكْرُ عليٍّ عبادة (2).
وأمّا القاصرة ، فقد رواها الرافعيّ في ( التدوين ) بترجمة كادح ابن جعفرٍ أبي عبد الله الزاهد الكوفيّ ، عن الحافظ الخليلي - صاحب «الإرشاد» - قال : حدّثني عبد الله بن محمّدٍ القاضي ، حدّثني محمّد ابن جعفرٍ الواسطيّ - ويُعرف بشعبة - حدّثنا يوسف بن يعقوب ، حدّثنا سليمان ابن الربيع ، حدّثنا كادحٌ ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت :
ـــــــــ
(1)علوم الحديث : 31 . (2) أحمد مناقب عليّ بن أبي طالبٍ عليه‏ السلام : 195 - 196 .


قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : ذكر عليٍّ عبادةٌ (1).
وهاتان المتابعتان ثبت بهما خروج الحسن بن صابرٍ من عهدة الحديث ، وزالت عنه التهمة ، وظهر أنّه لا يدور عليه - خلافاً لما توهّمه المُبْطلون - وتبيّن أنّ رمي ابن حبّان إيّاه بنكارة الحديث ليس بشيءٍ .
ولنعم القول قول الحافظ شهاب الدين أحمد بن الصدّيق : إنّهم قد يتّهمون الراوي ويضعّفونه بحديثٍ يكون في الواقع بريئاً منه ، لوجود المتابعين له ، أو وجود المجاهيل في السند ، فوقه أو دونه .
قال : وكثيراً مّا يقع هذا لابن حبّان من المتقدّمين ، ولابن الجوزيّ من المتأخّرين ، وربّما وقع ذلك للذهبيّ أيضاً ( انتهى )(2) .

فإن قال قائلٌ : قد قرّروا أنّ الداعية إذا روى ما يؤيّد مذهبه فإنّ حديثه يُردّ بالإجماع .
قلنا : مع أنّه لم يثبت أنّ ابن صابر كان داعيةً - إذ ليس كلّ من كان على مذهبٍ فهو داعية إليه - فإنّ هذه حيلة احتالها النواصب - أعداء اللَّه وأعداء رسوله صلى الله عليه وآله وسلم - لردّ ما يرويه الثقات من أحاديث الفضائل والمناقب الواردة في عليٍّ وعترته الزكيّة ، فزعموا أنّ راويها إذا كان متشيّعاً فإنّ حديثه مردود ، ولكن هذا كلّه - واللَّه - باطلٌ من رأسه ، فلا تشيّع الراوي يوجب ردَّ حديثه ، ولا روايته في فضل عليٍّ وآله .
وهل يروي فضائلهم إلّا شيعتهم ومحبّوهم ؟ !
ـــــــ
(1) ‏التدوين في أخبار قزوين : 54/4 .
(2) فتح الملك العليّ : 118 .
وهل يُعقل أن يحدّث بها - عن طوعٍ - مَن عاداهم وناواهم ، ممّن أقام دهره على نصبهم وعداوتهم ؟ !
اللهمّ لا .
ولو كان تشيّع الراوي قادحاً لَما أخرج الشيخان في ( الصحيحين ) عن جماعةٍ من المتشيّعين ، وقد جمع الحافظ ابن حجرٍ أسماء من روى لهم البخاريّ منهم ، فسمّى نحو السبعين ، قال ابن الصدّيق : وما أراه استوعب (1).
وأمّا صحيح مسلمٍ ، ففيه أكثر من ذلك بكثيرٍ ، حتّى قال الحاكم : إنّ كتابه ملآن من الشيعة .
وقد روى الإمام أحمد في ( مسنده ) عن عبد الرزّاق بن همّامٍ الصنعانيّ ما لعلّه يبلغ نصف مسنده .
وحكى الذهبيّ في ( تذكرة الحفّاظ ) عن أبي أحمد الحاكم ، قال : سمعت أبا الحسين الغازيّ يقول : سألت البخاريّ عن أبي غسّان .
قال عمّ تسأل عنه ؟
قلت : شأنه في التشيّع .
فقال : على مذهب أئمّة أهل بلده الكوفيين ، ولو رأيتم عبيد اللَّه وأبا نعيمٍ وجميع مشايخنا الكوفيّين لما سألتموني عن أبي غسّان - يعني لشدّتهم في التشيّع – (2) .
واعترف الذهبيّ أيضاً في ( ميزان الإعتدال )(3) بترجمة أبان بن تَغْلِب : بأنّه لو رُدّ حديث المتشيّعين مطلقاً لذهبت جملة من الآثار النبويّة ، قال : وهذه مفسدة بيّنة . ‏
ـــــــــــ
(1)فتح الملك العليّ : 106 . (2) تذكرة الحفّاظ : 978/3 . (3) ميزان الاعتدال : 5/1 .


وقد قَبِلَ جماعةٌ من الأئمّة كالثوريّ وأبي حنيفة وأبي يوسف وابن أبي ليلى وآخرون رواية المبتدع مطلقاً ، سواء كان داعيةً أو لم يكن ، بل نُقل عن جماعةٍ من أهل الحديث والكلام قبول رواية المبتدعة - ولو كان كافراً ببدعته -.
واحتجّ الشيخان والجمهور بأحاديث الدُعاة كحريز بن عثمان ، وعمران بن حطّان ، وشبابة بن سوارٍ ، وعبد الحميد الحِمّاني وأضرابهم .
إذا تقرّر هذا ، تبيّن لك إغراب ابن حبّان والحاكم في حكاية الإجماع على اشتراط عدم كون الراوي داعيةً في قبول رواية المبتدع ، وهو باطلٌ في نفسه ، مخالفٌ لِما هم مجمعون عليه في تصرّفهم ، وإنّما نشأ ذلك عن تهوّرٍ وعدم تأمّلٍ - كما قال الحافظ أبو الفيض ابن الصدّيق - .
وأمّا اشتراط كونه روى ما لا يؤيّد بدعته : فهو من دسائس النواصب التي دسّوها بين أهل الحديث ليتوصّلوا بها إلى إبطال كلّ ما ورد في فضل عليٍّ عليه‏ السلام ، وذلك أنّهم جعلوا آية تشيّع الراوي وعلامة بدعته هو روايته فضائل عليٍّ عليه‏ السلام ، ثمّ قرّروا أنّ كلّ ما يرويه المبتدع ممّا فيه تأييدٌ لبدعته فهو مردود - ولو كان من الثقات - والذي فيه تأييد التشيّع - في نظرهم - هو فضل عليٍّ عليه‏ السلام وتفضيله ، فينتج من هذا أن لا يصحّ في فضله حديث - كما صرّح به بعض من ألقى جلباب الحياء عن وجهه من غلاة النواصب كابن تيميّة وأضرابه - .
قال الإمام الحافظ شهاب الدين أحمد بن الصدّيق في ( فتح الملك العليِّ بصحّة حديث باب مدينة العلم عليّ‏ عليه‏ السلام ) :
وقد راجت هذه الدسيسة على أكثر النُقّاد ، فجعلوا يُثبتون التشيّع برواية الفضائل ، ويجرحون راويها بفسق التشيّع ، ثمّ يردّون من حديثه ما كان في الفضائل ، ويقبلون منه ما سوى ذلك.
ولَعَمْري إنّها دسيسة إبليسيّة ، ومكيدة شيطانية ، كاد ينسدّ بها باب الصحيح من فضل العترة النبويّة ، لولا حكم اللَّه النافذ «وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ» سورة يوسف 12 : 21 . ، «يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى‏ اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» سورة التوبة 9 : 32 .
قال : وأوّل من علمته صرّح بهذا الشرط - وإن كان معمولاً به في عصره - إبراهيم بن يعقوب الجوزجانيّ ، وكان من غلاة النواصب ، بل قالوا : إنّه حَرِيزيّ المذهب ، على رأي حَرِيز بن عثمان وطريقته في النصب .
قال : وهذا الشرط لو اعتُبر لأفضى إلى ردّ جميع السُنّة ، إذ ما من راوٍ إلّا وله في الاُصول والفروع مذهبٌ يختاره ، ورأيٌ يستصوبه ويميل إليه ، ممّا غالبه ليس متّفقاً عليه ، فإذا روى ما فيه تأييدٌ لمذهبه وجب أن يردّ - ولو كان ثقةً مأموناً - لأنّه لا يُؤْمَن عليه حينئذٍ غلبة الهوى في نصرة مذهبه ، كما لا يُؤْمَن على المبتدع الثقة المأمون في تأييد بدعته .
فكما لا يُقبل من الشيعيِّ شي‏ءٌ في فضل عليٍّ عليه‏ السلام ، كذلك لا يقبل من غيره شي‏ءٌ في فضل أبي بكرٍ ، ثمّ لا يقبل ما فيه دليل التأويل ، ولا من السلفيِّ ما فيه دليل التفويض ، ثمّ لا يقبل من الشافعيِّ ما فيه تأييد مذهبه ، ولا من الحنفيِّ كذلك ، وهكذا بقيّة أصحاب الأئمّة الذين لم يخرج مجموع الرواة بعدهم عن التعلّق بمذهبٍ واحدٍ من مذاهبهم أو موافقته .
وحينئذٍ فلا يُقبل في بابٍ من الأبواب حديثٌ إلّا إذا بلغ رواته حدَّ التواتر ، أو كان متّفقاً على العمل به ، وذلك بالنسبة لخبر الآحاد وما هو مختلفٌ فيه قليلٌ .
وبذلك تُردّ السُنّة أو ينعدم المقبول منها ، وهذا في غاية الفساد ، فالمبنيّ عليه كذلك ، إذ الكلّ يعتقد أنّ مذهبه ورأيه صواب ، وكونه باطلاً وبدعةً في نفسه أمرٌ خارج عن معتقد الراوي ، ولهذا لم يعتبروا هذا الشرط ولا عرّجوا عليه في تصرّفاتهم أيضاً ، بل احتجّوا بما رواه الشيعة الثقات ممّا فيه تأييد مذهبهم . وأخرج الشيخان فضائلَ عليٍّ عليه‏ السلام من رواية الشيعة ، كحديث : «أنت منّي وأنا منك» أخرجه البخاريُّ(1) من رواية عبيد اللَّه بن‏ موسى العبسيّ - الذي أخبر عنه البخاريّ أنّه كان شديد التشيّع - .
وحديث : «لا يحبّك إلّا مؤمنٌ ولا يبغضك إلّا منافق» أخرجه مسلم(2) من رواية عدي بن ثابتٍ ، وهو شيعيٌّ غالٍ ، داعية .
وهكذا فعل بقيّة الأئمّة ، أصحاب الصحاح والسنن والمصنّفات الذين لا يخرّجون من الحديث إلّا ما هو محتجّ به ، وصرّحوا بصحّة كثيرٍ منها ، وذلك كثيرٌ لمتتبّعه ، دالٌّ على بطلان هذا الشرط (3)، انتهى .

وإنّما سُقتُ لك كلام هذا الإمام الخرّيت(3) - بطوله - لنفاسته ، وهو الحقّ الذي لا محيد عنه «فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّا تُصْرَفُونَ»سورة يونس 10 : 32 . ولم أرَ من سبقه إلى هذا التمحيص الأنيق ، فاشدد عليه يديك ، وعضّ عليه بناجذيك ، واللَّه الموفّق والمستعان .

ــــــــــ
(1) صحيح البخاري : كتاب الصلح - باب كيف يكتب هذا ما صالح فلان بن فلان بن فلانٍ . .الخ - كتاب المغازي - باب عمرة القضاء .
(2) صحيح مسلم : كتاب الإيمان - باب الدليل على أنّ حبّ الأنصار وعليٍّ رضي اللَّه عنهم من الإيمان .
(1) فتح الملك العليّ : 109 .
(3) انظر في ذلك أيضاً : دراسات في الجرح والتعديل : 153/2 لمحمّد ضياء الدين الأعظميّ - ط دار الغرباء الأثريّة بالمدينة المنوّرة سنة ( 1417 ) .

ibrahim aly awaly
03-03-2005, 08:45 PM
فصل
البحث في سند الحديث الثاني‏


وأمّا حديث أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالبٍ عليه الصلاة والسلام ، فقد رواه محمّد بن زكريّا الغلابيّ ، عن جعفر بن محمّد بن عمارة ، عن أبيه ، عن جعفر بن محمّدٍ ، عن أبيه ، عن عليّ بن الحسين ، عن أبيه ، عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبٍ عليه‏ السلام - في حديثٍ - قال : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم :
( النظر إلى عليِّ بن أبي طالبٍ عبادة ، وذِكْره عبادة ) (1).
فإن قيل : الحمل في هذا الحديث على الغلابيّ ، لأنّه متّهم ، قال الدارقطنيّ : يضع الحديث .
قلت : هذا تعسّفٌ وإسرافٌ من الدارقطنيّ ، ولم يتابعه عليه أحدٌ ، بل إنّ الذهبيّ - على تعنّته وتشدّده - اقتصر في ( ميزان الإعتدال )(2) على تضعيفه ، وحكى عن ابن حبّان أنّه ذكره في ( الثقات ) وقال : يُعتبر بحديثه إذا روى عن ثقةٍ ، وقال : في روايته عن المجاهيل بعض المناكير ، وقال ابن مندة : تُكُلِّم فيه ( انتهى )(3) .
ـــــــ
(1) رواه ابن شاذان رحمه الله في «المناقب» المنقبة المائة / 163؛ ومن طريقه الخوارزميّ في المناقب : 2 ، والحمويني في فرائد السمطين : 19/1 ، وكذا أخرجه الصدوق ابن بابويه رحمه الله في الأمالي : 119 . )(2)ميزان الاعتدال : 550/3 . (3) ميزان الاعتدال : 550/3 - لسان الميزان : 169/5 .

ووجه طعنهم في الرجل غير خافٍ ، فإنّه كان من وجوه الشيعة بالبصرة ، وروى مناقب الآل وصنّف فيها .
قال ابن النديم في ( الفهرست ) : كان ثقةً صادقاً .
وفي ( مسند الشهاب )(1) : محمّد بن زكريّا الغلابيّ‏ رجلٌ حديثه حسن . ولو جاز الأخذ بقول الدارقطنيّ في الغلابيّ لجاز الأخذ بتضعيفه أبا حنيفة في الحديث(2) ، ولا يُجيزون الأخذ به البتّة ، بل يردّونه‏ عليه ، ويعدّونه بَغْياً منه وإسرافاً(3) .
فكذا ينبغي طرح جرحه لمحمّد ابن زكريّا . على أنّه لو صُدِّق لم يَجْرِ في ما نحن فيه ، لعدم انفراد الرجل بحديث الباب -كما عرفت- .
ولو سُلِّم قولهم بضعفه ، فإنّ حديثه - بانفراده - يكون ضعيفاً ، وهو وإن كان حجّةً في المناقب إلّا أنّه يشتدّ ويعتضد بغيره من الأحاديث المتقدّمة ، فترتقي بمجموعها إلى درجة الحسن - كما سيأتي بيان ذلك إن شاء اللَّه تعالى.
ــــــــ
(1) مسند الشهاب : 109/2 .
(2) كما في سنن الدارقطنيّ : 123/1 - باب ذكر قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «مَن كان له إمامٌ فقراءة الإمام له قراءة» ، واختلاف الروايات في ذلك . وقد تكلّم النسائيّ في أبي حنيفة ، كما في بعض نسخ «ميزان الاعتدال» وصفحة121 من «الرفع والتكميل» ، وكذا تكلّم فيه الخطيب البغداديّ في تاريخه ، وتبعه ابن الجوزيّ .
(3) فواتح الرحموت : 154/2 - الرفع والتكميل : صفحة70 وما بعدها .

تنبيه‏ :
يقوى في النفس - واللَّه أعلم - اتّحاد محمّد بن زكريّا الغلابيّ البصريّ مع محمّد بن زكريّا الأنصاريّ ، لوجوهٍ :
الأوّل : اتّحادهما في الكُنية - كالاسم - فقد كُنّي كلٌّ منهما في كتب
الرجال بأبي جعفرٍ .
الثاني : أنّ ابن مندة قال في الأنصاريّ : تُكُلِّم في سماعه ، وقد مرّ أنّه قال
في الغلابيّ : تُكُلِّم فيه ؛ ولعلّه يعني سماعَه .
الثالث : أنّهما سمعا عبد الله بن رجاء الغدانيّ .
الرابع : أنّ أبا الشيخ الأصبهانيّ روى عن الأنصاريّ ، وأبا القاسم الطبرانيّ عن الغلابيّ ، وأبو الشيخ والطبرانيّ متعاصران .
فإن ثبت ذلك ، فاعلم : أنّ أبا نعيمٍ قال في محمّد بن زكريّا الأنصاريّ : صاحب اُصولٍ جيادٍ صحاح(1) . فإن كان هو الغلابيّ فقد برى‏ء بهذا أيضاً من طعن الدارقطنيّ ، وإن كان طعنه باطلاً مردوداً في نفسه ، واللَّه المستعان .
ــــــ
(1) لسان الميزان : 168/5 .


فصل‏
البحث في سند الحديث الثالث


وأمّا حديث ابن عبّاسٍ رضى الله عنه :
فقد رواه صاحب ( الاختصاص )(2) عن أبي جعفرٍ الصدوق محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي ، قال : حدّثنا محمّد بن موسى المتوكّل ، عن محمّد بن أبي عبد الله الكوفيّ ، عن موسى بن عمران ، عن عمّه الحسين بن يزيد ، عن علي ابن سالمٍ ، عن أبيه [ سالم بن دينارٍ] عن سعد بن طريفٍ ، عن‏(3) الأصبغ بن نباتة ، قال : سمعت ابن عبّاسٍ يقول : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم :
( ذِكْر اللَّه عز ّوجلّ عبادة .
وذكري عبادة .
وذكر عليٍّ عبادة ..... ) - الحديث .
قلت : هذا الإسناد وإن كان ضعيفاً ـ لاشتماله على بعض الضعفاء والمجاهيل ـ غير إن ذلك لا يقتضي الوضع ، كما لا يخفى على أهل هذا الشأن ، بل يتقوى ويعتضد بالطرق الأخرى والله تعالى أعلم .
ــــــ
(2)الاختصاص : 223 – 224(3) كذا في النسخة المطبوعة .




المقام الثاني‏
الكلام في متن الحديث


اعلم : أنّ الحافظ جلال الدين السيوطيّ أورد هذا الحديث في ( الجامع الصغير ) عن ( مسند الفردوس ) ورمز لضعفه - كما مرّ - وقد ذكر في خطبة كتابه : أنّه صانه عمّا تفرّد به وضّاعٌ أو كذّابٌ ، وإن قيل : إنّه أخلّ بشرطه (1).
لكنّ الحافظ أبا الفيض شهاب الدين أحمد بن الصدّيق الحسنيّ الغُماريّ تعقّبه في ( المُغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير )(2) فقال : لو روت عائشة هذا ما حاربت عليّاً عليه‏ السلام ( انتهى )(3) .
قلت : هذه زلّة عظيمة قد كنّا نربأ بصدورها عن مثله ، لكنّ الجواد قد يكبو ، والصارم قد ينبو ، والمعصوم من عصم اللَّه تعالى ، كيف لا ؟ ! وهذه دعوىً زائفةٌ فاسدة ، وحجّةٌ داحضة باردة ، لا تثبت عند البحث والتمحيص .
ـــــــــ
(1) وحكى الغُماريّ في ( المُداوي ) عن الكتّانيّ في ( الرسالة المستطرفة ) أنّه قال : إنّ السيوطيَّ انتخب الجامع الصغير وذيلَه؛ من جامعه الكبير؛ في أواخر عمره ، ولا شكّ في أنّه تحرّى فيهما الصحّة والحُسْن غاية جهده ، وأنّ الموجود من الضعيف فيهما لا يكون في غاية الضعف قطعاً ، مع أنّ الضعيف يُعمل به عند المحدّثين والاُصوليّين في فضائل الأعمال بشروطٍ مقرّرةٍ في محلّها ، ولا شكّ أنّه لم يذكر فيهما ما كان شديد الضعف ( انتهى ) . (2) المغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير : 66 .
(3) أقول لم تعمل بقول الله تعالى : {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}الأحزاب33 ، وغيرها من الآيات الموجبة لإطاعة ولي الأمر أ تطع رسول الله .

وليس هذا منه إلّا محض تسرّعٍ ، وجرأةٍ في التهجّم والإقدام على ردّ الحديث بمجرّد التوهّم ، وما كان هذا شأنه ولا ديدنه في الحكم على الأحاديث ، بل قد عاب - هو - في كتابه ( فتح الملك العليّ )(1) جماعةً بذلك ، وتراه هنا قد تورّط فيه ، فنسأل اللَّه العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة ، آمين .
وظنّي أنّه عَزَبَ عن خاطره ساعةَ الكتابة على هذا الحديث مخالفات اُمّ المؤمنين عائشة لأحاديث رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ووصاياه ، وأعظمها إعلانها ومجاهرتها بنَبْذ كتاب اللَّه تعالى وراءَها ظِهريّاً يوم خرجت لقتال أمير المؤمنين وسيّد المسلمين عليه الصلاة والسلام ؛ بعسكر البغي الجرّار ، بعد ما أُمرت بالقرار - بنصّ الذكر الحكيم - في بيت النبيِّ المختار صلى الله عليه وآله وسلم راكبةً ذلك الجمل الأدبب ، وقد نبحتها كلاب الحوأب ، فقُتل ببغيها خلائق من المسلمين لا يُحْصَوْن .
ودَعْ عنك تحريضها على خلع عثمان ، وتأليبها على قتل ابن عفّان لمّا كانت تنادي : «اقتلوا نَعْثَلاً ، قتل اللَّهُ نعثلاً»(2) .
وسرورها بقتل خير خلق اللَّه تعالى بعد نبيّه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم الذي حبّه علامة الإيمان ، وبغضه علامة النفاق - كما ثبت في الصحيح - وقولها - لمّا انتهى إليها ذلك - :

فألقَتْ عصاها واستقرّ بها النوى‏ كما قرّ عيناً بالإياب المسافر

ـــــــــ
(1)راجع : فتح الملك العليّ : 137 - 140 .
(2) راجع : شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد - : 215/6 - 17/20 - 22 ، وتاريخ الطبري : 477/3 والنهاية - لابن الأثير - : 80/5 وتاج العروس : 141/8 والكامل في التاريخ : 260/3 .
وقولها - لمّا سألت عن قاتله ، فقيل : رجل من مرادٍ - :

فإن يكُ نائياً فلقد نعاه‏ غلامٌ ليس في فيه الترابُ‏(1)

فهل كان ذلك - وأضعافٌ مضاعفة ممّا صدر عنها - موافقاً لما سمعته وروته عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ؟ ! نبِّؤُنا يا اُولي الألباب ! !
ولها مع أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام شؤون لا يحتمل هذا الجزء سردها ، فمن شاء فليقف عليها في مظانّها .
وإنّي لا أظنّ أنّ الغُماريَّ - سامحه اللَّه وعفا عنه وعنّا بمنّه وكرمه- لم يُحِط خُبْراً بما ذكرنا ، كيف ؟ ! وهو شيخ الصنعة المقدّم ، وأبو بَجْدتها وكبش كتيبتها بلا مدافعٍ ولا نكيرٍ ، ولستُ أدري ما حمله على ذلك ، والعلم عند اللَّه تعالى !
هذا ، ومن ألمَّ بطرفٍ من سيرتها مع أخي رسول اللَّه‏ صلى الله عليه وآله وسلم وابن عمّه ، وأمعن في ذلك بدقّةٍ ، وأعطى الإنصاف حقّه ، عَلِمَ أنّ ما ردّ به هذا الشيخ حديث الباب من السذاجة بمكانٍ ناءٍ جدّاً ، ولم يكن متوقّعاً من مثله التفوّه بذلك ، إذ ليس بعزيزٍ على عائشة أن تروي حديثاً ثمّ تعمد إلى مخالفته ، كأنّه لم يطرق سمعها أبداً ، ولا حدّثت به من المسلمين أحداً ، وبسط الكلام في ذلك خارج عن وضع هذا المختصر .
وحسبك ما رواه الحسن بن عَرَفة قال : حدّثنا يزيد بن هارون ، قال : حدّثنا حُميد الطويل ، عن أنسٍ ، عن عائشة ، قالت : سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول :
« عليّ بن أبي طالبٍ خير البشر ، من أبى فقد كفر».
ـــــــ
(1) تاريخ الطبري : 115/4 - طبقات الصحابة : 3 القسم الأوّل ص‏27 - ومقاتل الطالبيّين : 26 .


فقيل لها : ولِمَ حاربتيه ؟ !
فقالت : واللَّه ما حاربته من ذات نفسي ، وما حملني على ذلك إلّا طلحة والزبير(1) .
فليس مخالفتها لحديثٍ ترويه دليلاً على بطلانه - كما لا يخفى - ، والذي ينبغي أن يقال لمن يتشبّث بتلك الحجّة لإبطال هذا الحديث : إنّ رواية عائشة له من أقوى الشواهد على صحّته وثبوته ، وللَّه دَرُّ مَن قال :

ومليحةٍ شهدت لها ضرّاتُها والحُسن ما شهدت به الضرّاءُ
ومناقبٍ شهد العدوّ بفضلها والفضلُ ما شهدت به الأعداءُ

ومن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيدٌ عَلِمَ لطفَ اللَّه تعالى في اشتهار هذا الحديث من طريق عائشة ، وللَّه في خلقه شؤون .
ولولا أنّ الحافظ الغُماريّ من أئمّة الحديث ، وحذّاق النُقّاد ؛ لَما أطنبنا معه في الكلام ، لكنّه أتى بكلامٍ غريبٍ استدعى المناقشة والمداقّة ، فبيّنّا - بحول اللَّه تعالى وقوّته - أنّه ليس بشي‏ءٍ عند المحاقّة .

ثمّ بعد تحرير هذا كتب إلينا شيخنا العلّامة المحدّث أبو اليسر جمال الدين عبد العزيز بن الصدّيق - حفّه اللَّه بالعناية والتوفيق - : أنّه تعقّب كلام شقيقه أبي الفيض في ( المغير ) بقوله : هذا لا يكفي في الدلالة على الوضع ، فقد تكون - يعني عائشة - نسيت أو تأوّلت .
وقد حاربه الزبير معها ونسي قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : «إنّك ستحاربه وأنت ظالم له»(2) ، حتّى ذكّره عليٌّ عليه‏ السلام فترك ، انتهى .
ــــــــ
(1) المناقب - لابن شاذان - : المنقبة السبعون / 130 .(2)المستدرك على الصحيحين : 366/3 ، فضائل الخمسة من الصحاح الستّة : 404/2 - 408 .


قلت : وهذا أيضاً يوهن حكم ذلك الإمام الحافظ ، ويُبطل جزمَه بوضع حديث الباب .
وأمّا قوله في ( المُداوي )(1) : إنّ هذا الحديث موضوع ، وضعه‏ الحسن بن صابرٍ ، فرواه عن وكيعٍ ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، ولا شيء من ذلك أصلاً ( انتهى ) .
فيدفعه : أنّ الحسن بن صابرٍ الكِسائيّ لم يَرْمِه أحدٌ بالوضع إلّا الغماريّ - سامحه اللَّه - .
وقد بيّنّا أيضاً أنّه لم ينفرد بهذا الحديث بل تابعه عليه غيره ، وأنّ حديثه قد ورد من غير طريقٍ ، فزالت عنه التهمّة ، واللَّه وليّ العصمة .
وأمّا الألبانيّ الشاميّ ، فله جرأة عظيمة في إطلاق دعوى الوضع على الأحاديث - كما لا يخفى على من وقف على كتبه - وقد حكم على هذا الحديث بالوضع ، زاعماً أنّ متنه ظاهر الوضع(2) .
ولعلّه يريد - بزعمه - نكارة معناه ، فإنّ الحفّاظ يحكمون بوضع الحديث لنكارة معناه مع ثقة رجاله ، لكنّها دعوىً باطلة .
فأيّ نكارةٍ في كون ذِكْر أمير المؤمنين ويعسوب الدين عليّ بن أبي طالبٍ عليه الصلاة والسلام بالترضّي عنه ، أو بذكر مناقبه وفضائله ، أو بنقل كلامه وتقرير مواعظه وأذكاره وأحكامه ، أو برواية الحديث عنه ، أو نحو ذلك؛ عبادة اللَّه تعالى التي يُثيب عليها (3) ، كما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم قوله :
ـــــــ
(1) المُداوي لعلل الجامع الصغير وشرحَي المُناويّ : 83/4 . (2)سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة : 216/4 - ضعيف الجامع الصغير : 448 . (3) كما في فيض القدير - شرح الجامع الصغير - : 565/3 .


«النظر إلى عليٍّ عبادة» و «النظر إلى الكعبة عبادة»(1) و «انتظار الفرج من اللَّه عبادة» و «انتظار الفرج بالصبر عبادة» و «ذكر الأنبياء عبادة» و «الصمت أرفع العبادة» وأشباه ذلك ونظائره ممّا ورد في السُنّة ، فلا يُنْكِر ذلك إلّا ذو قلبٍ مهيضٍ ، وطَرْفٍ مريضٍ ، «خَتَمَ اللَّهُ عَلَى‏ قُلُوبِهِمْ وَعَلَى‏ سَمْعِهِمْ وَعَلَى‏ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ»(2)
وكم أنكر هذا المتسلِّف من أحاديث ثابتةٍ في فضل عليٍّ عليه‏ السلام دفعاً بالصدر ، وتقليداً لأسلافه النواصب كالذهبيّ وابن تيميّة وأضرابهما ممّن لم يألوا جُهداً في إطفاء نور اللَّه تعالى «وَيَأْبَى‏ اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ»(3)
وكان الشيخ العلّامة المحدّث أبو الفيض أحمد بن الصدّيق قد خالط هذا الألبانيّ مدّةً استكشف فيها مكنون سريرته ، واستبان حاله ، وعرف خبث طويّته ، فقال فيه - وهو الصادق في قوله - : خبيث الطبع ، وهّابيٌّ ، تيْميٌّ جَلْد . . . إلى آخره . وقال فيه أيضاً : إنّه في العناد - والعياذ باللَّه - خلَف الزمزميّ . . إلى آخره (4).
ولا بِدْعَ ممّن نَهَج سبيل ابن قايماز الذهبيّ التركمانيّ ، وكان على مذهب ابن تيميّة الحرّانيّ؛ أن يردّ مثل هذا الحديث ، فإنّ العِرْق دسّاسٌ والأصل خبيث .
ومن وقف على كتابه في الأحاديث الضعيفة والموضوعة تبيّن له كيف ادّعى الوضع - بمجرّد التشهّي - في أحاديث صحّحها أو حسّنها الأيقاظ من أئمّة الحديث وجهابذة الحفّاظ ، وبادر هو إلى إبطالها وإنكارها من غير تروٍّ ولا
ـــــــ
(1) وقد جمع شيخنا العلّامة ابن الصدّيق طرق هذا الحديث وصحّحه في جزءٍ لطيف سمّاه «الإفادة» أجاد فيه وأفاد . (2) سورة البقرة 2: 7. (3) سورة التوبة 9 : 32 . (4) .سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة : 6/4 .


تثبّتٍ ، ومن دون إستقصاءٍ ولا جمعٍ لطرقها ومتونها ، وهذا شأن من يُلقي بنفسه في كلّ وادٍ «وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ» . سورة الرعد 13 : 33 .
ومن ثمّ لا يجوز التعويل على أحكامه ، ولا الاسترواح إلى نقضه وإبرامه؛ من دون تثبّتٍ وتحقيقٍ ، وقد تعقّبه جماعة من أهل العصر وبيّنوا أخطاءه في كثيرٍ من أحكامه .
وكأنّه حلّ في هذا الزمان محلّ ابن الجوزيّ الذي صار يُضرب به المثل - عند فرسان هذا الميدان - في تسرّعه بردّ الأحاديث ، حتّى الصحيح الثابت منها.
بل إنّ أبا الفرج - مع تساهله الذائع في إطلاق الوضع على الأحاديث - لم يورد هذا الحديث لا في ( الموضوعات ) ولا في ( الواهيات ).
ولا هو مذكورٌ في شي‏ءٍ من كتب الموضوعات التي وقفتُ عليها - غير ما ذكرنا - ك ( اللآلى‏ء المصنوعة ) و ( تذكرة الموضوعات ) و ( الأسرار المرفوعة ) و ( الفوائد المجموعة ) و ( اللؤلؤ المرصوع ) وغيرها ، ولو كان موضوعاً - حقّاً - لما فات هؤلاء وغيرهم ممّن صنّف في الأحاديث الموضوعة ، ولا ذُهلوا عن إيراده في كتبهم - مع حرصهم على جمعها ، وتحرّيهم لضبطها وحصرها - .
وكفاك شاهداً على قصور باع الألبانيّ - في هذا الشأن - أنّه قال في حديث ابن عمر ، قال رسول اللَّه ‏صلى الله عليه وآله وسلم : «اتّبعوا السواد الأعظم ، فإنّ من شذّ شذّ في النار» : لم أجده في شي‏ءٍ من كتب السُنّة المعروفة ، حتّى الأمالي والفوائد والأجزاء التي مررت عليها ( انتهى )(1).
وهذا الحديث أخرجه الحاكم في ( المستدرك على الصحيحين )(2) عن ابن عمر ، قال : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : «لا يجمع اللَّه‏ هذه
ـــــــ
(1) مشكاة المصابيح : 62/1 . المستدرك على الصحيحين : 115/1 .


الاُمّة على الضلالة أبداً» وقال : «يد اللَّه على الجماعة ، فاتّبعوا السواد الأعظم ، فمن شذّ شذّ في النار»(1) . فمن كان هذا مبلغ علمه ، كيف يُلقى عنان الانقياد إلى حكمه - كما اغترّ به بعض المتسلِّفين الأجلاف في هذا العصر - ؟ ! وحيث انجرّ الكلام إلى هنا ، فلا بأس بسرد مقالةٍ صَدَعَ بها الإمام الحافظ صلاح الدين العلائيّ ، فإنّ فيها موعظةً وذكرى للمتّقين ، ونصيحةً لمن أراد الحكم والتكلّم على الأحاديث بيقين .
قال في ( النقد الصحيح لما اعتُرض عليه من أحاديث المصابيح )(2) : الحكم على الحديث بكونه موضوعاً من المتأخّرين‏ عَسِرٌ جدّاً ، لأنّ ذلك لا يتأتّى إلّا بعد جمع الطرق وكثرة التفتيش ، وأنّه ليس لهذا المتن سوى هذه الطريق الواحدة ، ثمّ يكون في رواتها من هو متّهم بالكذب ، إلى ما ينضمّ إلى ذلك من قرائن كثيرةٍ تقتضي للحافظ المتبحّر الجزم بأنّ هذا الحديث كذبٌ .
قال : ولهذا انتقد العلماء على الإمام أبي الفرج ابن الجوزيّ في كتابه ( الموضوعات ) وتوسّعه بالحكم بذلك على كثيرٍ من الأحاديث ليست بهذه المثابة . . . إلى آخر كلامه . ولو كان هذا الألبانيّ فتّش عن حديث الباب وفحص عنه بصدقٍ وسلامة نفسٍ لوجده مرويّاً من غير طريقٍ كما وجدناه لكنّ التعصّب والنصب قد أصمّاه وأعمياه ، حتّى اتّهم به الحسن بن صابرٍ الكسائيّ ، وظنّ أنّ الحديث يدور عليه ، لكن قد تبيّن لك بطلانه فيما مضى ، فاللَّه المستعان .
ــــــــ
(1) تعليق للمحاور حتى ولو سيطر على الأمة كل فاجر لا يعرف حرمة لدين الله وكان الناس في طاعته لخوف جوره ، ولتعرف هذه الخدعة التي طرحها بني أمية والممهدين لهم وأذنابهم أنظر صحيفة الإمام الحسين وصحيفة ذكر الإمام علي عبادة الكاملة في موقع موسوعة صحف الطيبين ، أقول لم يرتضي الحديث لأنه لم يجده لقلة تتبعه وإلقاء الكلام من غير تحقيق لا أنه لم يرضى به وهو يوافق مذهبه ويؤيد من يدعي نصر الحاكم الظالم كما هم عليه من الدين . (2) النقد الصحيح لما اعتُرض عليه من أحاديث المصابيح30.



الخاتمة
نسأل اللَّه تعالى حُسنها


قد تحصّل - ممّا مرّ - أنّ الحديث بمقتضى الصناعة حسنٌ لغيره .
قال أبو عيسى الترمذيّ في كتاب ( العلل ) : كلّ حديثٍ يُروى ، لا يكون في إسناده من يتّهم بالكذب ، ولا يكون الحديث شاذّاً ، ويُروى من غير وجهٍ نحو ذلك فهو عندنا حديث حسن (1).

وقال الحافظ جلال الدين السيوطيّ في ( النكت البديعات على الموضوعات ) (2) : المتروك والمنكر إذا تعدّدت طرقه ارتقى إلى‏ درجة الضعيف القريب ، بل ربّما يرتقي إلى الحسن .
فإن أبى متعنّتٌ إلّا الحكم بضعفه ، تقليداً للحافظ السيوطيّ ومن دَرَجَ على ذلك ممّن جاء بعده من المقلِّدين الذين لا يُستجاز الاستدلال بكلامهم ، لأنه بمنزلة العدم .
قلنا : لو كان ضعيفاً لكان قريب الضعف ، ولو كان شديد الضعف فلا دليل على كونه موضوعاً .
وقد نقل الحافظ شمس الدين السخاويّ في ( شرح التقريب ) عن سيف الدين أحمد بن أبي المجد أنّه قال : أطلق ابن الجوزيّ الوضع على أحاديث لكلام بعض الناس في رواتها ، كقوله : فلانٌ ضعيف ، أو : ليس بالقويّ ، ونحوهما .
ــــــ
(1) سنن الترمذيّ : 758/5 . (2) النكت البديعات على الموضوعات : 299 .


وليس ذلك الحديث ممّا يشهد القلب ببطلانه ، ولا فيه مخالفة لكتابٍ ولا سُنّةٍ ولا إجماعٍ ، ولا ينكره عقلٌ ولا نقلٌ ، ولا حجّة معه سوى كلام ذلك الرجل في رواته ، وهذا عدوان ومجازفة(1) ، انتهى .
قلت : ونظير ذلك صنيع بعض الناس في إطلاق الوضع على هذا الحديث ، مع أنّه لم يقدح في راويه إلّا ابن حبّان بقوله : «منكر الرواية جدّاً» وقد تكلّمنا على هذا الجارح وجرحه - في ما سلف - .
وشتّان بين هذا وبين قول الحافظ السخاويّ : إنّ مجرّد اتّهام الراوي بالكذب - مع تفرّده - لا يسوّغ الحكم بالوضع ، ولذا جعله شيخنا - يعني الحافظ ابن حجرٍ - نوعاً مستقلاًّ وسمّاه «المتروك» وفسّره : بأن يرويه من يُتّهم بالكذب ، ولا يُعرف ذلك الحديث إلّا من جهته ، ويكون مخالفاً للقواعد .
قال : وكذا من عُرف بالكذب في كلامه - وإن لم يظهر وقوعه منه في الحديث - وهو دون الأوّل (2)، انتهى .
قلت : هذا هو التورّع في الحكم على الأحاديث ، دون التسرّع والاقتحام من غير تدبّرٍ وإمعانٍ وتتبّعٍ .
فإذا كان الحديث قد تدنّى وانحطّ إلى هذه المرتبة - ومع ذلك لم يَجُزْ إطلاق الوضع عليه - فعدم جواز إطلاقه على حديث الباب - الذي لم يُتّهم أحدٌ من رواته بالكذب - أولى وأحرى - كما لا يخفى على من أنصف من نفسه - واللَّه يحقّ الحقّ وهو يهدي السبيل .
هذا ، مع إطباق جمهور الفقهاء والاُصوليّين والحفّاظ على أنّ الحديث الضعيف حجّة في المناقب كما أنّه حجّة في فضائل الأعمال بإجماع من يُعتدّ به .
ــــــ
(1) (2)تنزيه الشريعة المرفوعة : 10/1 .


وإذا ثبت ذلك لم تَبْقَ شبهة لمعاندٍ ، ولا مَطْعن لحاسدٍ ، بل وجب على كلّ من له أهليّةٌ أن يُقرّ هذا الحقّ في نصابه ، وأن يردّه إلى إهابه ، وأن لا يصغي إلى تُرّهات المضلّين ، ونزغات المبطلين .

فإنّ الحكم بالوضع على هذا الحديث مبالغة وإسراف ، وإفراط واعتساف ، نسأل اللَّه تعالى السلامة من خزي الدنيا وعذاب يوم القيامة ، إنّه سبحانه سميع مجيب ، وما توفيقي إلّا باللَّه عليه توكّلت وإليه اُنيب .
وكان الفراغ من جمع هذا الجزء وتنميقه ، وتحريره وتنسيقه ، منتصف ليلة الجمعة المباركة ، ثامن عشر شهر صفرٍ ، خُتم بالخير والظفر ، من شهور سنة ( 1417 ) سبع عشرة وأربعمائة وألف من الهجرة النبويّة ، على مهاجرها أفضل صلاةٍ وأزكى تحيّةٍ ، بدار العلم ومَعْقِل الإيمان ، بلدة «قم» الطيّبة صينت عن نوائب الزمان؛ على يد الفقير إلى اللَّه تعالى خادم الحديث الشريف والسُنّة المطهّرة ، الحسن ابن صادق بن هاشمٍ الحسينيّ آل المجدِّد الشيرازيّ ، غفر اللَّه تعالى له ولوالديه ، ورَحِمَ ذُلَّه يوم الوقوف بين يديه ، آمين اللهمّ آمين .
والحمد للَّه ربّ العالمين ، وصلّى اللَّه وسلَّم على سيّدنا ونبيّنا محمّدٍ ، وعلى آله الطيّبين الطاهرين ، وصفوة صحبه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

مصادر كتاب الإبادة لحكم الوضع على ذكر علي عبادة :
1 - الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة : لمحمّد عبد الحيّ اللكهنويّ ، تحقيق عبد الفتّاح أبو غدّة - ط مكتب المطبوعات الإسلامية - الطبعة الثانية ، سنة ( 1404 ).
2 - الاختصاص : للإمام المجدّد الشيخ المفيد - الطبعة الاُولى سنة ( 1379 ) - ط مطبعة الحيدريّ بطهران - تحقيق علي أكبر الغفّاريّ .
3 - أمالي الصدوق : لأبي جعفر محمّد بن عليّ بن بابويه القمّي - ط مؤسّسة الأعلميّ - بيروت ، الطبعة الخامسة ، سنة ( 1400 ) .
4 - بيان نكث الناكث المتعدّي بتضعيف الحارث : لشيخنا العلّامة المحدّث السيّد عبد العزيز بن محمّد بن الصدّيق الغُماريّ الحسنيّ - الطبعة الثانية ، سنة ( 1405 ) .
5 - تاريخ دمشق ( ترجمة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبٍ عليه‏ السلام ) : لابن عساكر ، تحقيق الشيخ محمّد باقر المحموديّ - ط مؤسّسة المحموديّ - بيروت .
6 - تدريب الراوي في شرح تقريب النواويّ : لجلال الدين السيوطيّ ، تحقيق أحمد عمر هاشم - ط دار الكتاب العربيّ - بيروت ، سنة ( 1414 ) .
7 - التدوين في أخبار قزوين : لعبد الكريم بن محمّد الرافعيّ القزوينيّ - تحقيق الشيخ عزيز اللَّه العطارديّ - تصوير دار الكتب العلميّة ببيروت ، سنة ( 1408 ) .
8 - تذكرة الحفّاظ : للحافظ شمس الدين الذهبيّ ، ط حيدر آباد ، سنة ( 1377 ) .
9 - تقريب التهذيب : للحافظ ابن حجر العسقلانيّ ، تحقيق محمّد عوّامة - ط دار الرشيد - سوريا ، الطبعة الرابعة ، سنة (1412) .
10 - تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة : لأبي الحسن علي بن عَرّاق الكنانيّ ، تحقيق عبد الوهّاب بن عبد اللطيف ـ ط دار الكتب العلميّة بيروت .
11 - تهذيب التهذيب : للحافظ ابن حجر العسقلانيّ ، ط دار إحياء التراث العربي - بيروت - سنة ( 1412 ) .
12 - التيسير بشرح الجامع الصغير : لعبد الرؤوف المُناويّ .
13 - الثقات : لابن حبّان - ط حيدر آباد - الطبعة الأولى ، سنة ( 1393 ).
14 - الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير : للسيوطيّ ، طبعة دار الفكر - بيروت - سنة ( 1401 ) .
15 - جمع الجوامع : لعبد الوهّاب السُبْكيّ ، المطبوع مع حاشية البنّانيّ - ط دار إحياء الكتب العربيّة - مصر .
16 - الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السُنّة المشرّفة : للمحدّث الشريف محمّد بن جعفر الحسنيّ الكتّانيّ - تصوير دار البشائر ، بيروت - سنة ( 1414 ) .
17 - الرفع والتكميل في الجَرْح والتعديل : لمحمّد عبد الحيّ اللكهنويّ ، تحقيق عبد الفتّاح أبو غُدّة - ط مكتب المطبوعات الإسلاميّة - الطبعة الثالثة ، سنة ( 1407 ) .
18 - شفاء السقام في زيارة خير الأنام : لعليّ بن عبد الكافي السُبْكيّ - ط حيدر آباد - الطبعة الثانية ، سنة ( 1402 ) .
19 - ضعيف الجامع الصغير وزيادته:لمحمّد ناصر الدين الألبانيّ،الطبعة الثالثة سنة1410.
20 - علوم الحديث : لأبي عمرو بن الصلاح ، تحقيق نور الدين عِتِرْ - ط دار الفكر - دمشق ، سنة ( 1406 ) .
21 - فتح الملك العليّ بصحّة حديث باب مدينة العلم عليّ : للإمام الحافظ المحدّث أحمد بن محمّد بن الصدّيق الحسنيّ المغربيّ ، ط النجف بتحقيق الأمينيّ .
22 - فرائد السمطين في فضائل الرسول والبتول والمرتضى والسبطين‏ عليهم ‏السلام : لمحمّد بن إبراهيم الحمويّ ، ط بيروت بتحقيق المحموديّ ، سنة ( 1400 ) .
23 - فضائل الخمسة من الصحاح الستّة : للعلّامة الفيروزآباديّ ، ط مؤسّسة الأعلميّ - بيروت - الطبعة الرابعة ، سنة ( 1402 ) .
24 - فواتح الرحموت بشرح مسلّم الثبوت : لمحمّد بن نظام الدين الأنصاريّ ، المطبوع بهامش المستصفى - ط المطبعة الأميريّة بمصر ، سنة ( 1325 ) .
25 - فيض القدير شرح الجامع الصغير : لعبد الرؤوف المناويّ ، ط مصر سنة 1357 .
26 - كتاب المجروحين من المحدّثين والضعفاء والمتروكين : لابن حبّان ، توزيع دار الباز بمكّة المكرّمة ، تحقيق محمود إبراهيم زايد .
27 - الكشف الإلهيّ عن شديد الضعف والموضوع والواهي : لمحمّد بن محمّد بن محمّد الحسينيّ الطرابلسيّ السندروسيّ ، ط مكتبة الطالب الجامعيّ بمكّة المكرّمة ، تحقيق محمّد محمود أحمد بكّار .
28 - لسان الميزان : للحافظ ابن حجر العسقلانيّ - ط حيدر آباد - سنة ( 1331 ) .
29 - المُداوي لعلل الجامع الصغير وشرحَي المُناويّ : للحافظ أحمد بن محمّد بن الصدّيق الغُماريّ - الطبعة الاُولى ، المكتبة المكّية - تحقيق : مصطفى صبري .
30 - المستدرك على الصحيحين : للحاكم النيسابوريّ - ط حيدر آباد سنة 1344 .
31 - مسند الشهاب : للقاضي القضاعيّ ، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفيّ .
32 - مشكاة المصابيح : للخطيب التبريزيّ ، تحقيق محمّد ناصر الدين الألبانيّ ، منشورات المكتب الإسلاميّ بدمشق ، ط سنة (1382 ) .
33 - المُغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير : لأبي الفيض أحمد بن محمّد بن الصدّيق الغماريّ الحسنيّ - ط دار الرائد العربيّ - بيروت ، سنة ( 1402 ) .
34 - مائة منقبة من مناقب عليّ بن أبي طالبٍ عليه‏ السلام : لأبي الحسن ابن شاذان القمّي ، ط الدار الإسلاميّة ، بيروت الطبعة الاُولى سنة 1409 تحقيق نبيل رضا علوان .
35 - مناقب عليّ بن أبي طالبٍ عليه‏ السلام : للفقيه ابن المغازليّ ، ط دار الأضواء - بيروت - الطبعة الثانية ، سنة ( 1412 ) .
36 - المناقب : للموفّق بن أحمد الخوارزميّ - ط المطبعة الحيدريّة - النجف الأشرف ، سنة ( 1385 ) .
37 - ميزان الاعتدال في نقد الرجال : للحافظ شمس الدين الذهبيّ ، تحقيق عليّ محمّد البِجاويّ - ط دار المعرفة - بيروت .
38 - نُزْهة النظر في توضيح نخبة الفِكَر في مصطلح أهل الأثر : للحافظ ابن حجر ، تحقيق نور الدين عتر - ط دار الخير - الطبعة الثانية - سنة ( 1414 ) .
39 - النقد الصحيح لما اعتُرِض عليه من أحاديث المصابيح : للحافظ صلاح الدين العلائيّ ، ط دار مسلم ، بتحقيق محمود سعيد ممدوح - الطبعة الاُولى - سنة 1410 .
40 - النُّكَت البديعات على الموضوعات : لجلال الدين السيوطيّ ، تحقيق عامر أحمد حيدر ، ط دار الجنان - الطبعة الاُولى - سنة ( 1411 ) .
41 - هَدْي الساري - مقدّمة فتح الباري : للحافظ ابن حجر العسقلانيّ - ط دار الريّان للتراث - مصر ، سنة ( 1407 ) .